إلى نهر النور الذي
شفني حبا .. إليها
مبتداي ومنتهاي
أهدى هذه التجربة
ورقة أولى
لا أدرى تماما .. كيف وصلتُ إليها
لكنْ .. حين وقعتْ عينى عليها
كانت كفِّى اللصةُ تسرقُها
طرتُ حلقتُ بعيدا
عرجتُ أخيرا ..قربَ مغارةْ
أتأملُ جوهرَها وأنا مرتعبْ
وهواجسُ روحى تُرجِفُنى
تحملنى .. و تقذفنى ..
تطحنُ أوردتى ..
يرتجُ الدمُّ فى روحى المسروقة
** ** **
أتوارى بعيدا
أحسُّ بأحدٍ يتبعني ..
لا أدرى كيف ...!
التقطُ الأنفاسَ تباعا ، وبصوتٍ متهدجْ
هدأتْ روحي .. قليلا
فتوقفَ كلُّ الهمسِ ..وضاعَ الهاجسُ منى
فأمنتُ .. ونمتْ !
أخرجتُ زمردتي ..
أقصدُ تلك التحفةَ المسروقةْ
ونظرتُ ..تهتُ...خِفتُ
ونال الروحَ الخسفُ
حتى حسبتُ أن الموتَ
يطاردني !
تأنيتُ قليلا
رحتُ أحدقُ ثانيةً .
ياربى ....!!
** ** **
من هذى الضاحكةُ أمامي ..
ما هذا النورُ يشعُ فيعشى العينْ ..
ما هذا الوجه الملكيُّ ..
ما هذى البسمةُ يا ربى ..
تعبرُ مشكاتَك تغزونى ....؟!
ما هذى العينان ..الأنف .. الشفتان ..
الجبهة ؟؟!!
يا ربى قلبي يحلقْ
قلبى ينسحبُ بعيدا عنى
قلبى يجذبنى إليه يقتلنى جريا
يعبرُ بحرا ترعا...وديانا
شمسا ....قمرا
** ** **
أُهيبُ به ..علَّهُ يسمعني
ياهذا السادرُ .. ارحمني ،
أتودُ الساعةَ تقتلني ؟!
ما سمعَ ندائى و لا حتى تأملني
لو أنى تمردت عليه
لو أنى تركته وحده يهذى
لكن كيف أخلف قلبي
بعيدا عنى
** ** **
فجأة
توقف هذا الملعون
كنا وصلنا منذ قليل
أعتاب النهر
لكنا الآن هنا .. نطوى الطرقات
ونبص معا لنواصي الحارات
دار قليلا يطالع نافذة
تأخذها تكعيبة عنب
بذراعيها وبصدر دافىء
تخفيها عن أنظار المارة
وتقتلها عشقا حوم ركض
تموج
راح بدمه يرسم وجها
وأنا أتألم أصرخ فيه .. تمهل
غاب تماما عن عينى
حتى كدت أموت
ثم اطل على
واهتز الدم الدائر
وعلت دقاته .. وبشكل جعل الخوف
يطول الأطراف ثم تعلق بالنافذة
كعصفور وغنى
ياولدى اصمت فالناس نيام
ما سمع حديثي
وما أوقفه صوتي المكتوم
فجأة .. وبرفق
فتحت هذى
فانفرش النور
ورش كل الدنيا و الأركان ..يا ربى
هل مازالت تلك التحفة فى جيبي
أم طارت منى ..وحطت قرب النافذة
أم كانت فى قبضة هذا المجنون
يسلكنى النور .. أكاد أشف
بيديها ترش النور على
بنفس البسمة و الجبهة والعينين
النبض تعالى حتى لتزهق روحي
وهو لا يتراجع عن رقصه
عن تلك الأغنية الفاضحة الكلمات
حتى انهكنى تماما
تسلق فجأة شعاع الوجه الباسم كملاك
وحين أصبح عند الصدر
غاب ماعدت أراه
سيدتى ملا كى
عذرا
هل لى أن أسألك شيئا
قالت وبذات البسمة كالكوكب
لك ما تطلب قلت قلبى كان هنا منذ قليل
بالله عليك دلينى عليه
ابتسمت كالنجم السارى
همست ماعاد من الساعة قلبك
أصبح لى ..
أتهالك بحثا عنه
فلا أجد سواها أمامى
ترش النور على وجهى
حتى غشى عينيى
واختلج فى كل كيانى
والخلق كثيرون
من خلفى ومن قدامى
تقلعنى بعيدا
من أسر النافذة النورانية
صفعات ركلات كلمات جارحة
ضحكات وجوه كالغربان
تقصينى .. لكنى أسير الله
ياخلق الله
هذى نورى فلا ترشونى
بدمى حتى تقرونى
وتروا منازل روحى
عند التكوين
يامن يقرأ كلماتى
ويرانى هناك قرب النافذة
الحاضنة دمى ..
هذا وطنى
هذا حبى وجنونى
أرش النور
يقبل كل وجوه الدنيا
فلا ترشونى بدمى
وترمونى
بحديث من إفك هوى
لنفوس يحرقها النور
ويدميها ألق الأرواح
وتوهجها المفتون
شفوا لترونى
وتروا آى غوايتى
صعودا
ورقيا أسمى
وأرانى خلعتك طينى
حين تلبسنى نورى
****
ورقة ثانية
هاتوا الآبق
- حلوا قيده ..جند الحق !
- سرقت الفيروزة .. نعم .. أنت السارق
فلتقطع يدك السارقة الآن
ويدار به في الطرقات
وعلى أبواب الخانات
ويكون المشهد أروع ، لو زفته النسوة
النواحات بالدف و بالصاجات ..
لو رجمته الصبية حتى الموت
فلتذهب تصحبك اللعنات !
*** ***
- سيدى .. انتظر
ليست يدى ليست .. هي
أرجوك افهمني .. لا تتعجل حكمك
هذى غيطاني أبسطها قمحا وزهورا
تقرى وتقيل ..وتعلو شواشى
النخل يساقط رطبا
وحنينا..وتمد النور إلى ردهات الدنيا
آي الله العليا
صقرا وحمائم
ذئبا ..حملانا
كلبا .. قطا
أسدا .. جملا
كل فى قلب الدائرة الفيروزة
** ** **
- يقول .. ليست ...هى
أسمعتم هلوسته ..
فلتقطع قدماه الآن
تلك المجرمة .. قادته إلى مسعاه
إلى معصية الله
لولاها ...ماكان هناك
وتلصص فى أشياء الله الخاصة ...
وسرق الجوهرة المكنونة
بنفس مجرمة لصة
- ياشيخى ..
ليست هي
بالله عليك ارحمني
من قسوة فنواك وفتواه
هذى ريحي .. تسعى عبر مناكب دنياه
تبث تراب الأرض
كثيرا .. من أسرار الكلمات ..
وتنشر إعجاز النور
المرسوم على الوجنات
تفلح غيطان القحط
الجدب ذهب سنابلها رغيفا ..
يربت دمع البائس والمكروب
هي محراثي وفأسي يقلب أوهام
العجز لشمس الله
فتصبح حبات من وِرْدٍ لا يأتيه الباطل
مهما عاث ومهما
بقبضته تجبر ..وطغى ..
بغيا واشتاط
- لا ... أنت تماديت فى العصيان
وحل الآن سكوتك
فليقطع هذا الضارب أحكامي
فليقلع قلعا
حتى لا نسمع صوتا
- مولاي الشيخ ..
لم يكذب ..لم ينطق خرفا ..
أو سب ..أو قذف محصن ..
أو أكل لحما .. ميتا
فلم تقتله ..وتخزيه ..؟
تحرمه من كلمة حق ..
من نور يتفجر فوق شفاه ؟
فيهيل جبل الظلمة
من علياه
تحرمه من نَفَسٍ يطلع
حين تزلزله .. الله ؟!!
- هوووه ...
أنت سرقت الفيروزة..
وسحت بين الناس تردد
كلمات ليست فقها ..
أو لغة أو سيرة أو قرآن !
فحقَّ عليك القولُ ..
وحقَّ علينا رفع العدوان !
نخشى من غضب الله علينا
إن نحن سكتنا ...
لا نهزل .. أسمعت ؟
- لو أنك تسمح لي
لو تسمعني قليلا
لكنك سيدنا .. لا تسمعني
ولا حتى تعرني ثقبا ..
يفهمني .. يعرفني
لا تسمع ..إلا ذاتك أنت !
هذى التحفة ماكانت لك
ولا كانت للناس ..
هذى التحفة كانت من آى الخالق
فلم تحكم ...وتغل بيدك الله ....؟
هو كان يراني
وما فتىء يراني
وأراه النور أمامي
رآني حين سرقت الفيروزة
يعرف إني مهما ذهبتُ
حتما آتيه كسيفا أترجاه
فخلا بيني و هذى ...
فوقفتُ على السرِ الأسمى
فافترش النور وجهي وإهابى
فحركني فى كل بلاد الناس
وهو يتابع خطوي
وبنوره غشى عتمات قلوب
راسخةٍ كالأوتاد !
وحين تعالتْ أصواتُ
الخلق .. " النبت .. الناس .. جماد الطين
الطير ... "
قررت أعيد أمانتي .... هذى !!
- هذا أفاق .. محتال
حذار أن يخدعكم ياسادة
هذا شيخ الفتنة و المأساة
ياحاس .. حذار أن تفلته يداك
وأنت .. استدعى القصاب الآن
هاتوه .. لتنفيذ الحكم
شد نحيل لجهات أربع
و القصاب على رأسه
يحد ساطوره .. ويسنه
و بسم الله .. يا الله .. يا الله
يامن كرمت بنى آدم
كيف يكون شاة .. تسلخ
على عينيك ..؟!!
و لا تسلكه بفيض منك
أو ليس مسيحا آخر ..؟
يحمل ثوب الحق على كفيه
يتغنى بك .. و بأسمى الأسماء
يسميك .. فكيف تتخلى عنه ..
وكيف لأصحاب النور السير .. فى ركب
مهضوم الحق .. مبتور الأعضاء ..؟!!
و علت زوبعة فجأة .. و القصاب يلتقط الأنفاس
ويهبط بالساطور على يمناه
فاختلط الدم بغبار فار ..
فلطخ وجه الشيخ و أدماه
فجن جنونه
وتهالك جريا مذعورا
وكأن عفاريت الأرض تأخذ بخناقه
وصرخاته تجلد ليل المأساة
و حين القصاب ينهى عمله
طارت عظمة
و اخترقت جوفه
و بعد قليل مات فى بركة دم
مات غريقا .. !!
*****
ورقة ثالثة
كانت فى شرفتها
تنتظر الغائب يأتى
والقلق وتر هزهاز
يفترس الروح
بلا رحمة
طفرت دمعات الشوق
حارقة خديها
حامت ..هامت ما هدأت
تقلب فى الكون نظرات
يدميها الحزن ويشقيها
بصت فى نور الله
شكايتها عانقت الطير
يسبح مولاه
: مالى أراك حزينا
لست كعادتك الليلة
كنت صديقي
تأتينى برسائله كل مساء
وتنقر وحشيتى إليه
قبلات حارة
وحديثا أشهى كأنى أراه
فلم أخلفت الموعد
مالك تبحر بعدا
عنى
كأنا ماكنا
وما كان
ومالدموعك تساقط مطرا
ودفيف جناحيك أنينا
يا ربى
مالي أشم الأنفاس قريبة
هذى رائحة دماه
مالها توشك أن تتنفس في
تعصرني
مالي أرتعد جنانا
قل لي يا طيري بح لي
ما تحمل من أسرار
هامت تبكى .. لا تهدأ
تطوى الغرفة .. والجدران تسائلها
وتعود تحلق ، تجذب أوتار العنبة
وتقبلها راجية كلمة
فجأة ..كان شريطٌ أحمر يتمدد
يدنو من شرفتها ..يتهدج
كادت تقعي
بل هي حطت ..بين شطيه ..
فسمعت همسا يأتي
صعقت ..حطت كفيها ..حفنت
كانت قطرات دماه
تحكى المأساة
وهى ترتعد وتنتفض
وتروح تعانق فيضانه
وتلم النهر ومجراه
كانت تأتيها آهاته
تحكى عنه
وتحكى عن أمر قضاته
وأمر الجهل القاتل
أقدار العامة ..وأحلام الأشباه
وأين أخفوا أشلاه
يا ولداه
يا نورى العابر
يا من رش الدنيا حياة
يا من أودعك الله أمانته
علمك الفيض وأسلمك
طريقا تعبرها
وقضى بخلودك مهما
دحرتك غيلان الناس
وصقور الغيرة وكلاب
الحسد الأعمى
عبر دهاليز العتم
القابضة رغيف الجوعى
وجفنة ماء تروى ظمأ
العطشى
صهلت هِي ..صهلت
مهر غاضب ..هي
عبر أروقة الوقت سريعا
وبحد الشفرة كانت قطرات
الدم القادم من عسجدها
يلتحم بخيط دماه
يا ربى
دبت في النهر حياة
وتعالى النبض كطبل
يخرق آذان مدينتها اللاهية
البلهاء
الغافية على نهر قنافذ مسنون
الحد ، تبلله دموع مبحرة
بالشكوى
خرساء
نهر فيروزى كان
وهج من نور ينبض
ويقود خطاها وهى تلملمه
قطعا ..نتفا فى كل طريق
وعبر المدن الحمقاء
وجيوش العسس تحاصرها
ليل نهار
فترش العتم يظلل موكبها
لعنات من سجيل
وبراكين لا تهدأ
حتى كانت تحت السدرة
من بين أصابعها
تتشكل صورته الحلوة
و يداها تلحم أعضاءه
بحنو .. ترتعش الأطراف
وتجفل ثم تتراجع
فجأة
وهى تتنهد .. و بداخلها
ألم عاصر تبص عليه
ابتسمت
و تحرك فى القلب الطير
ورفرف
كأنه فى غفوة
اندفعت
حطت بين ذراعيه
كم تشتاقه اللمسة
و الهمسة و الهسة
تسمعها أنفاسه
ارتجفت و اهتز جناحاها
من شريان القلب
كان الدفق
يغرق نائمها
حتى كأن الروح
تتسلل وتغادرها
هزته بضعف
هزته و بحرِّ الشوق
تقبل شفتاه طويلا
فاهتز
و اهتزت أعضاؤه
و أفاق يعانقها
بذراعيه يلم بقاياها
و يوقف سيل
المطر النازف منها
و يحملها بين جناحيه
و من الشرفة يعبر محنته
و يعطى للحق حياة
و يهتف يا من ملك الفيروزة الياقوتة
يا من أدرك معنى النور
مت
معشوقا له
مت
لا تحنى رايته لمخلوق
فسبحانه يتجلى فيك
يتجلى فيك
رغما عن أنف الغشم
و الطين الغفل الساكن
روح المخلوق
كن أنت الإنسان
بالحب تطهر وتشف
لتنبع منك
بحور النور
****
تمت
شفني حبا .. إليها
مبتداي ومنتهاي
أهدى هذه التجربة
ورقة أولى
لا أدرى تماما .. كيف وصلتُ إليها
لكنْ .. حين وقعتْ عينى عليها
كانت كفِّى اللصةُ تسرقُها
طرتُ حلقتُ بعيدا
عرجتُ أخيرا ..قربَ مغارةْ
أتأملُ جوهرَها وأنا مرتعبْ
وهواجسُ روحى تُرجِفُنى
تحملنى .. و تقذفنى ..
تطحنُ أوردتى ..
يرتجُ الدمُّ فى روحى المسروقة
** ** **
أتوارى بعيدا
أحسُّ بأحدٍ يتبعني ..
لا أدرى كيف ...!
التقطُ الأنفاسَ تباعا ، وبصوتٍ متهدجْ
هدأتْ روحي .. قليلا
فتوقفَ كلُّ الهمسِ ..وضاعَ الهاجسُ منى
فأمنتُ .. ونمتْ !
أخرجتُ زمردتي ..
أقصدُ تلك التحفةَ المسروقةْ
ونظرتُ ..تهتُ...خِفتُ
ونال الروحَ الخسفُ
حتى حسبتُ أن الموتَ
يطاردني !
تأنيتُ قليلا
رحتُ أحدقُ ثانيةً .
ياربى ....!!
** ** **
من هذى الضاحكةُ أمامي ..
ما هذا النورُ يشعُ فيعشى العينْ ..
ما هذا الوجه الملكيُّ ..
ما هذى البسمةُ يا ربى ..
تعبرُ مشكاتَك تغزونى ....؟!
ما هذى العينان ..الأنف .. الشفتان ..
الجبهة ؟؟!!
يا ربى قلبي يحلقْ
قلبى ينسحبُ بعيدا عنى
قلبى يجذبنى إليه يقتلنى جريا
يعبرُ بحرا ترعا...وديانا
شمسا ....قمرا
** ** **
أُهيبُ به ..علَّهُ يسمعني
ياهذا السادرُ .. ارحمني ،
أتودُ الساعةَ تقتلني ؟!
ما سمعَ ندائى و لا حتى تأملني
لو أنى تمردت عليه
لو أنى تركته وحده يهذى
لكن كيف أخلف قلبي
بعيدا عنى
** ** **
فجأة
توقف هذا الملعون
كنا وصلنا منذ قليل
أعتاب النهر
لكنا الآن هنا .. نطوى الطرقات
ونبص معا لنواصي الحارات
دار قليلا يطالع نافذة
تأخذها تكعيبة عنب
بذراعيها وبصدر دافىء
تخفيها عن أنظار المارة
وتقتلها عشقا حوم ركض
تموج
راح بدمه يرسم وجها
وأنا أتألم أصرخ فيه .. تمهل
غاب تماما عن عينى
حتى كدت أموت
ثم اطل على
واهتز الدم الدائر
وعلت دقاته .. وبشكل جعل الخوف
يطول الأطراف ثم تعلق بالنافذة
كعصفور وغنى
ياولدى اصمت فالناس نيام
ما سمع حديثي
وما أوقفه صوتي المكتوم
فجأة .. وبرفق
فتحت هذى
فانفرش النور
ورش كل الدنيا و الأركان ..يا ربى
هل مازالت تلك التحفة فى جيبي
أم طارت منى ..وحطت قرب النافذة
أم كانت فى قبضة هذا المجنون
يسلكنى النور .. أكاد أشف
بيديها ترش النور على
بنفس البسمة و الجبهة والعينين
النبض تعالى حتى لتزهق روحي
وهو لا يتراجع عن رقصه
عن تلك الأغنية الفاضحة الكلمات
حتى انهكنى تماما
تسلق فجأة شعاع الوجه الباسم كملاك
وحين أصبح عند الصدر
غاب ماعدت أراه
سيدتى ملا كى
عذرا
هل لى أن أسألك شيئا
قالت وبذات البسمة كالكوكب
لك ما تطلب قلت قلبى كان هنا منذ قليل
بالله عليك دلينى عليه
ابتسمت كالنجم السارى
همست ماعاد من الساعة قلبك
أصبح لى ..
أتهالك بحثا عنه
فلا أجد سواها أمامى
ترش النور على وجهى
حتى غشى عينيى
واختلج فى كل كيانى
والخلق كثيرون
من خلفى ومن قدامى
تقلعنى بعيدا
من أسر النافذة النورانية
صفعات ركلات كلمات جارحة
ضحكات وجوه كالغربان
تقصينى .. لكنى أسير الله
ياخلق الله
هذى نورى فلا ترشونى
بدمى حتى تقرونى
وتروا منازل روحى
عند التكوين
يامن يقرأ كلماتى
ويرانى هناك قرب النافذة
الحاضنة دمى ..
هذا وطنى
هذا حبى وجنونى
أرش النور
يقبل كل وجوه الدنيا
فلا ترشونى بدمى
وترمونى
بحديث من إفك هوى
لنفوس يحرقها النور
ويدميها ألق الأرواح
وتوهجها المفتون
شفوا لترونى
وتروا آى غوايتى
صعودا
ورقيا أسمى
وأرانى خلعتك طينى
حين تلبسنى نورى
****
ورقة ثانية
هاتوا الآبق
- حلوا قيده ..جند الحق !
- سرقت الفيروزة .. نعم .. أنت السارق
فلتقطع يدك السارقة الآن
ويدار به في الطرقات
وعلى أبواب الخانات
ويكون المشهد أروع ، لو زفته النسوة
النواحات بالدف و بالصاجات ..
لو رجمته الصبية حتى الموت
فلتذهب تصحبك اللعنات !
*** ***
- سيدى .. انتظر
ليست يدى ليست .. هي
أرجوك افهمني .. لا تتعجل حكمك
هذى غيطاني أبسطها قمحا وزهورا
تقرى وتقيل ..وتعلو شواشى
النخل يساقط رطبا
وحنينا..وتمد النور إلى ردهات الدنيا
آي الله العليا
صقرا وحمائم
ذئبا ..حملانا
كلبا .. قطا
أسدا .. جملا
كل فى قلب الدائرة الفيروزة
** ** **
- يقول .. ليست ...هى
أسمعتم هلوسته ..
فلتقطع قدماه الآن
تلك المجرمة .. قادته إلى مسعاه
إلى معصية الله
لولاها ...ماكان هناك
وتلصص فى أشياء الله الخاصة ...
وسرق الجوهرة المكنونة
بنفس مجرمة لصة
- ياشيخى ..
ليست هي
بالله عليك ارحمني
من قسوة فنواك وفتواه
هذى ريحي .. تسعى عبر مناكب دنياه
تبث تراب الأرض
كثيرا .. من أسرار الكلمات ..
وتنشر إعجاز النور
المرسوم على الوجنات
تفلح غيطان القحط
الجدب ذهب سنابلها رغيفا ..
يربت دمع البائس والمكروب
هي محراثي وفأسي يقلب أوهام
العجز لشمس الله
فتصبح حبات من وِرْدٍ لا يأتيه الباطل
مهما عاث ومهما
بقبضته تجبر ..وطغى ..
بغيا واشتاط
- لا ... أنت تماديت فى العصيان
وحل الآن سكوتك
فليقطع هذا الضارب أحكامي
فليقلع قلعا
حتى لا نسمع صوتا
- مولاي الشيخ ..
لم يكذب ..لم ينطق خرفا ..
أو سب ..أو قذف محصن ..
أو أكل لحما .. ميتا
فلم تقتله ..وتخزيه ..؟
تحرمه من كلمة حق ..
من نور يتفجر فوق شفاه ؟
فيهيل جبل الظلمة
من علياه
تحرمه من نَفَسٍ يطلع
حين تزلزله .. الله ؟!!
- هوووه ...
أنت سرقت الفيروزة..
وسحت بين الناس تردد
كلمات ليست فقها ..
أو لغة أو سيرة أو قرآن !
فحقَّ عليك القولُ ..
وحقَّ علينا رفع العدوان !
نخشى من غضب الله علينا
إن نحن سكتنا ...
لا نهزل .. أسمعت ؟
- لو أنك تسمح لي
لو تسمعني قليلا
لكنك سيدنا .. لا تسمعني
ولا حتى تعرني ثقبا ..
يفهمني .. يعرفني
لا تسمع ..إلا ذاتك أنت !
هذى التحفة ماكانت لك
ولا كانت للناس ..
هذى التحفة كانت من آى الخالق
فلم تحكم ...وتغل بيدك الله ....؟
هو كان يراني
وما فتىء يراني
وأراه النور أمامي
رآني حين سرقت الفيروزة
يعرف إني مهما ذهبتُ
حتما آتيه كسيفا أترجاه
فخلا بيني و هذى ...
فوقفتُ على السرِ الأسمى
فافترش النور وجهي وإهابى
فحركني فى كل بلاد الناس
وهو يتابع خطوي
وبنوره غشى عتمات قلوب
راسخةٍ كالأوتاد !
وحين تعالتْ أصواتُ
الخلق .. " النبت .. الناس .. جماد الطين
الطير ... "
قررت أعيد أمانتي .... هذى !!
- هذا أفاق .. محتال
حذار أن يخدعكم ياسادة
هذا شيخ الفتنة و المأساة
ياحاس .. حذار أن تفلته يداك
وأنت .. استدعى القصاب الآن
هاتوه .. لتنفيذ الحكم
شد نحيل لجهات أربع
و القصاب على رأسه
يحد ساطوره .. ويسنه
و بسم الله .. يا الله .. يا الله
يامن كرمت بنى آدم
كيف يكون شاة .. تسلخ
على عينيك ..؟!!
و لا تسلكه بفيض منك
أو ليس مسيحا آخر ..؟
يحمل ثوب الحق على كفيه
يتغنى بك .. و بأسمى الأسماء
يسميك .. فكيف تتخلى عنه ..
وكيف لأصحاب النور السير .. فى ركب
مهضوم الحق .. مبتور الأعضاء ..؟!!
و علت زوبعة فجأة .. و القصاب يلتقط الأنفاس
ويهبط بالساطور على يمناه
فاختلط الدم بغبار فار ..
فلطخ وجه الشيخ و أدماه
فجن جنونه
وتهالك جريا مذعورا
وكأن عفاريت الأرض تأخذ بخناقه
وصرخاته تجلد ليل المأساة
و حين القصاب ينهى عمله
طارت عظمة
و اخترقت جوفه
و بعد قليل مات فى بركة دم
مات غريقا .. !!
*****
ورقة ثالثة
كانت فى شرفتها
تنتظر الغائب يأتى
والقلق وتر هزهاز
يفترس الروح
بلا رحمة
طفرت دمعات الشوق
حارقة خديها
حامت ..هامت ما هدأت
تقلب فى الكون نظرات
يدميها الحزن ويشقيها
بصت فى نور الله
شكايتها عانقت الطير
يسبح مولاه
: مالى أراك حزينا
لست كعادتك الليلة
كنت صديقي
تأتينى برسائله كل مساء
وتنقر وحشيتى إليه
قبلات حارة
وحديثا أشهى كأنى أراه
فلم أخلفت الموعد
مالك تبحر بعدا
عنى
كأنا ماكنا
وما كان
ومالدموعك تساقط مطرا
ودفيف جناحيك أنينا
يا ربى
مالي أشم الأنفاس قريبة
هذى رائحة دماه
مالها توشك أن تتنفس في
تعصرني
مالي أرتعد جنانا
قل لي يا طيري بح لي
ما تحمل من أسرار
هامت تبكى .. لا تهدأ
تطوى الغرفة .. والجدران تسائلها
وتعود تحلق ، تجذب أوتار العنبة
وتقبلها راجية كلمة
فجأة ..كان شريطٌ أحمر يتمدد
يدنو من شرفتها ..يتهدج
كادت تقعي
بل هي حطت ..بين شطيه ..
فسمعت همسا يأتي
صعقت ..حطت كفيها ..حفنت
كانت قطرات دماه
تحكى المأساة
وهى ترتعد وتنتفض
وتروح تعانق فيضانه
وتلم النهر ومجراه
كانت تأتيها آهاته
تحكى عنه
وتحكى عن أمر قضاته
وأمر الجهل القاتل
أقدار العامة ..وأحلام الأشباه
وأين أخفوا أشلاه
يا ولداه
يا نورى العابر
يا من رش الدنيا حياة
يا من أودعك الله أمانته
علمك الفيض وأسلمك
طريقا تعبرها
وقضى بخلودك مهما
دحرتك غيلان الناس
وصقور الغيرة وكلاب
الحسد الأعمى
عبر دهاليز العتم
القابضة رغيف الجوعى
وجفنة ماء تروى ظمأ
العطشى
صهلت هِي ..صهلت
مهر غاضب ..هي
عبر أروقة الوقت سريعا
وبحد الشفرة كانت قطرات
الدم القادم من عسجدها
يلتحم بخيط دماه
يا ربى
دبت في النهر حياة
وتعالى النبض كطبل
يخرق آذان مدينتها اللاهية
البلهاء
الغافية على نهر قنافذ مسنون
الحد ، تبلله دموع مبحرة
بالشكوى
خرساء
نهر فيروزى كان
وهج من نور ينبض
ويقود خطاها وهى تلملمه
قطعا ..نتفا فى كل طريق
وعبر المدن الحمقاء
وجيوش العسس تحاصرها
ليل نهار
فترش العتم يظلل موكبها
لعنات من سجيل
وبراكين لا تهدأ
حتى كانت تحت السدرة
من بين أصابعها
تتشكل صورته الحلوة
و يداها تلحم أعضاءه
بحنو .. ترتعش الأطراف
وتجفل ثم تتراجع
فجأة
وهى تتنهد .. و بداخلها
ألم عاصر تبص عليه
ابتسمت
و تحرك فى القلب الطير
ورفرف
كأنه فى غفوة
اندفعت
حطت بين ذراعيه
كم تشتاقه اللمسة
و الهمسة و الهسة
تسمعها أنفاسه
ارتجفت و اهتز جناحاها
من شريان القلب
كان الدفق
يغرق نائمها
حتى كأن الروح
تتسلل وتغادرها
هزته بضعف
هزته و بحرِّ الشوق
تقبل شفتاه طويلا
فاهتز
و اهتزت أعضاؤه
و أفاق يعانقها
بذراعيه يلم بقاياها
و يوقف سيل
المطر النازف منها
و يحملها بين جناحيه
و من الشرفة يعبر محنته
و يعطى للحق حياة
و يهتف يا من ملك الفيروزة الياقوتة
يا من أدرك معنى النور
مت
معشوقا له
مت
لا تحنى رايته لمخلوق
فسبحانه يتجلى فيك
يتجلى فيك
رغما عن أنف الغشم
و الطين الغفل الساكن
روح المخلوق
كن أنت الإنسان
بالحب تطهر وتشف
لتنبع منك
بحور النور
****
تمت
شهاب الدين عمر السهروردي: فيلسوف إشراقي، شافعي المذهب، ولد في سهرورد الواقعة شمال غربي إيران، وقرأ كتب الدين والحكمة ونشأ في مراغة وسافر إلى حلب وبغداد , حيث كان مقتله بأمر صلاح الدين بعد أن نسب البعض إليه الفساد المعتقد ولتوهم صلاح الدين أن السهروردي يفتن ابنه بالكفر والخروج عن الدين وكان مقتله ب قلعة حلب سنة 665 هـ مع أنه كان من كبار المتصوفة في زمانه ومن أفقه علماء عصره بأمور الدين والفلسفة والمنطق والحكمة ويسمي مذهبه الذي عرف به "حكمة الإشراق" وله كتاب بهذا الاسم. ومن كتبه أيضا رسائل في اعتقادات الحكماء وهياكل النور.
يعد مؤسسا للفكر الفلسفي الإشراقي، الذي يدعو إلى الوصول للمعرفة عن طريق الذوق والكشف الروحاني، بخلاف التوجه الفلسفي العام والمستدل بالتقصي والتحليل البرهاني، جمع بين عدة توجهات فلسفية من اليونان ومصر وغيرها كنماذج فلسفية لتوضيح الفلسفة الإشراقية، أكبر من دعى إلى التأمل الروحاني من بين الفلاسفة المسلمين كما عرف عنه بعدم الاقتناع بالمصادر بل بأسلوب التفكير الذاتي والنفسي، أما عن موته فاختلف الكتاب في تاريخ الفلاسفة فمنهم من ذكر أنه قتل عن طريق الجوع ومنعه من الطعام ومنهم من قال بالسيف كما قيل أنه أحرق لكن اجتمعوا على أنه حكم علية بالإعدام بتهمة الإلحاد والزندقة.
تعليق