[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم
شــاعر الإنســانية
عمـر بـهاء الديـن الأميـري
بقلم الأستاذ الدكتور بكري شيخ أمين

حلب الشهباء مسقط رأس الأميري
قد تكون حلب الشهباء ، على قول كثير من المؤرخين ، أقدم بلد في العالم ، ولكن من المؤكد أن قلعة حلب

هي اقدم قلعة في الشرق منذ العصر الروماني إلى اليوم . ويعجب السياح كثيراً حين يزورونها ، وينتقلون منها إلى قلب المدينة القديمة ، ويندهشون من الأزقة ، والحارات ، والأسواق المغطاة التي تشق المدينة من أقصاها إلى أقصاها .
وحين يمر السائحون بمنطقة " السويقة " يقفون ملياً عند جامع يسمى يـ " جامع الخير ، أو جامع الحاج موسى الأميري " وتأخذ عقولهم زخرفته ، وروعة هندسته ، وشكل بنائه ، وكثير منهم يسأل : من صاحب هذا الجامع الجميل ، ومن هو الحاج موسى الأميري الذي حمل الجامع اسمه على مدى الزمان ؟ بل لماذا سمي كذلك بجامع الخير ؟
الحاج موسى جد الأسرة الأميرية
وتتساءل عن الحاج موسى الأميري ، فيحدثك شيخ مؤرخي حلب وأستاذنا الجليل الشيخ محمد راغب الطباخ ، رضي الله عنه ، فيقول : الحاج موسى آغا الأميري هو ابن حسن ين أحمد بن محمد بن علي بن ظفر البصري الشهير نسبه بأمير زاده ، ولا يعرف على التحقيق أول من قطن من
أجداده في حلب . وتفخر أسرة الأميري بأنها من دوحة النبوة ، ويعدون أنفسهم من الأشراف والسادة .
وسبب تسمية أسرته بأمير زاده أن جده الأعلى الحاج موسى الآغا الأميري المتوفى سنة 1177هـ كان أميراً كبيراً من سكان حلب ، وبنى فيها جامعاً ضخماً بجوار المدرسة النارنجية ، والتي كانت من قبل " محكمة الشافعية" وسماه "جامع الخير " ، كما سماه الناس بجامع الحاج موسى أمير زاده . وكان الشيخ سعيد الصوراني متولي أوقافه ، وبهاء بك الأميري ناظرها
بهاء الدين الأميري ممثل حلب في المجلس النيابي في إستانبول
كان بهاء الدين بك الأميري ـ ناظر وقف الجامع ـ رجلاً معروفاً بين الناس ، ومحبوباُ كل الحب ، وقد انتخبوه ممثلهم الشرعي في المجلس النيابي العثماني ، المعروف يومذاك بمجلس " المبعوثان " ، وكان مقره إستانبول .
ولما انتهت مدة المجلس ، وعزم بهاء الدين بك على العودة إلى وطنه ، صدرت الإرادة السنية أن يعين له وقت للمثول بين يدي حضرة السلطان
" محمد رشاد " . وفي الوقت المعين توجه بهاء الدين بك إلى سراي " بشكيك طاش " ، وهناك استقبل من رجال البلاط الملوكي أحسن استقبال ، ثم أدخل على حضرة السلطان ، فلقي منه كمال الحفاوة وأحسن الاستقبال ، وبعد أن أعرب السلطان عن حبه الجم للأمة العربية والبلاد العربية دار بينهما بعض الشؤون المتعلقة بعمران حلب ، ومن جملتها سكة حديد بغداد ، ومرورها بجانب حلب . ثم أهداه ـ على عادة السلاطين والملوك ـ كثيراً من الهدايا ، ومن جملتها شعرة من أثر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأقمشة مزخرفة عليها كتابات دينية لتهدى إلى ضريح سيدنا يحيى عليه الصلاة والسلام .
وظل بهاء الدين بك رجل حلب الأول ، وزعيمها المفدى ، ورجل الخيرات والمبرات ، وقاضي حاجات الناس ، وصاحب الخلق الرفيع ، والرجل الذي يضرب به المثل بورعه وزهده وتواضعه وتقواه إلى أن لقي وجه ربه ، وقد خلف عدداً من الأولاد ، كان منهم " عمر " والذي يوقع دائماً باسم
" عمر بهاء الدين الأميري " .
طفولة عمر ودراساته
نشأ عمر في مدينة حلب ، وفيها تلقى دروسه الأولى في " المدرسة الفاروقية " ، وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب ، ومن مدارسها الأخرى تلقى علوم الأدب ، والعلوم ، والفلسفة ، وعلم الاجتماع ، والنفس ، والأخلاق ، والتاريخ ، والحضارة ، وأولع أكثر ما أولع بالشعر العربي ، وكانت له هواية ـ بعد حفظ القرآن الكريم ـ حفظ روائع الشعر العربي في مختلف عصوره .
وفي الجامعة السورية تلقى العلوم القانونية ، وحمل " شهادة الحقوق " التي تخوله أن يكون محامياً ، وفعلاً عمل عمر في مهنة المحاماة حيناً من الزمن ، ثم سافر إلى باريس رغبة في استكمال تحصيله العلمي ، فدرس الأدب العربي والعالمي ، وفقه اللغة ، وحمل الشهادة العليا من " جامعة السوربون " .
وعاد الشاب إلى مدينته الحبيبة ، ومسقط رأسه، وكله حماس للعطاء ، فدرّس في حلب حيناً من الزمن ، ولا سيما مادة " حاضر العالم الإسلامي " في الكلية الشرعية ، ثم انتقل إلى العاصمة وتولى إدارة المعهد العربي الإسلامي ، وكانت هوايته الأولى نظم الشعر ، والترنم به .
الأميري في السلك الدبلوماسي
وشاء الله أن ينتقل الأميري الشاب إلى عالم الدبلوماسية ، فعين وزيراً مفوضاً ، ثم سفيراً ، وقضى شطراً من حياته سفيراً لبلده في المملكة العربية السعودية ، وشطراً آخر في باكستان . ويبدو أنه اغتنم فرصة عمله في الباكستان فتعلم اللغة الأوردية حتى أتقنها ، واستطاع
أن يتحدث بها ، ويحاضر ، ويخطب ، ثم هجر الدبلوماسية ، أو هجرته ، وتفرغ لخدمة العمل الإسلامي بقية حياته .
الأميري في خدمة الإسلام والمسلمين
ورغب الملك المغربي الراحل الحسن الثاني ـ رحمه الله ـ أن يستفيد المغرب من علوم هذا الرجل العملاق الذي ملأ صيته الآفاق ، وتحدثت به الدنيا ، فاستدعاه إلى المغرب ، وعينه أستاذاً لكرسي " الإسلام والتيارات المعاصرة " في " دار الحديث الحسنية " بالرباط ، واستمر أستاذاً في الدراسات العليا والدكتوراه خمسة عشر عاماً ، كما درّس مادة " الحضارة الإسلامية " في جامعة محمد الخامس .
كان عمر يتقن إلى جانب لغته العربية : اللغة التركية التي تعلمها من أبيه وأمه وبيته ، والفرنسية ، والأوردية ، وهذا ما سهل عليه التنقل في شتى بلاد العالم ، يخطب أو يحاضر ، ويلتقي بكثير من رجال العالم من شتى الأجناس واللغات ، ويتفاهم معهم ، من هنا نستطيع فهم سبب تعرفه على معظم حكام العالم الإسلامي ، وعلمائه ، وقادته ، وتكوين وشائج دائمة ،
ومحبة بينه وبينهم .
لو قدر لك أن تزوره في منزله بشارع لافوازييهlavoisier يوماً بمدينة الرباط ، أو في منتجعه الساحلي في الهرهورة بقرب الرباط ، أو بمقره بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية ، أو في أي مكان يحل فيه ، لرأيت شيئاً عجباً . فالهواتف ترن في مقره حيث كان ليل نهار ، هذا هاتف من جنوب إفريقية ، وهذا من تونس الخضراء ، وذاك من باكستان ، وهذا من أندنوسيا ، وهذا من الصومال ، وذاك من مصر ، وهكذا ، فكأن الدنيا كلها تعرفه ، وتسال عنه ، ولا تستغني عن سماع صوته ، وما أشبهه بعظماء العالم الذين يملكون قلوب الملايين من البشر ، لذلك فهم دائماً مع الناس ، جسداً أو روحاً .
الأميري ينزف بالشعر
العجيب في أمر هذا الإنسان أنه ينزف دائماً بالشعر ، تراه يسبك كلامه أو سلامه ، ومعظم محاضراته ، وأكثر حديثه بالكلام الموزون المقفى ، ولو قدر لك أن تجمع هذا الدر الذي يلقيه على مسامعك لتكوّن بين يديك ديوان كامل .
لم أر في حياتي رجلاً ينزف شعراً سوى اثنين لا ثالث لهما ، هما محمد حسن فقي الشاعر السعودي العملاق ، وابن مكة المكرمة ، وعمر بهاء الأميري ابن حلب الشهباء . كل من الرجلين له عشرات الدواوين ، وشعره في شتى الأغراض المتعارف عليها . وإذا كان هناك فرق بين الرجلين فالفقي دائم التأمل والتفكر في المقام الأول في الحياة والموت ، والماضي والحاضر والغد المجهول ، ثم تأتي الموضوعات الأخرى التي يشترك فيها مع الشعراء الآخرين . أما الأميري فمعظم شعره في التبتل ، والتضرع ، والتذلل
إلى الله تعالى ، وكل ما يتصل بالتسبيح والتقديس ، ومؤاخاة الإنسان لأخيه الإنسان . ويبقى الشاعران العملاقان من الأتقياء ، الأنقياء ، والشعراء الذين تباهي بهم الدنيا .
من دواوينه الشعرية
مع الله ـ ملحمة الجهاد ـ ألوان طيف ـ الهزيمة .. والفجر ـ الأقصى .. وفتح .. والقمة ـ من وحي فلسطين ـ أشواق .. وإشراق ـ أمــي ـ نجاوى محمدية ـ رماد الفؤاد ـ أصداء الطفولة ـ بواكير ـ نبوة .. وبنوة ـ إشـراق ـ قلب .. ورب ـ غربة .. وغرب ـ جمال ..وهوى ـ روح مباح ـ زورق ـ أفانين ـ خماسيات ـ عواطف .. وعواصف ـ حبات عنب ـ ثنائيات ـ في بلادي ـ شموع ..ودموع ـ في معارج الأجل ـ رجال ..وأشباه ـ أنفاس من فاس ـ بنات المغرب ـ ألحان العزلة ـ صراع ـ أب .
كتبه العلمية ومحاضراته
نستطيع بكل سهولة وتأكيد أن نقول : كل جامعات الوطن العربي من شرقه إلى غربه ، ومن شماله إلى جنوبه ، شهدت عمر يحاضر فيها ،
أو يدرس . ومن حسن الحظ أن معظم محاضراته سجلت على أشرطة ، وكثير منها طبع في كتب مستقلة ، لذلك فهي ميسرة للمراجعين ، والدارسين ، والمتعمقين .
من مؤلفاته النثرية
في الفقه الحضاري ـ الخصائص الحضارية في الإسلام ـ الحوار في منهجية البحث المقارن ـ الدين في الإسلام ..دستور لا طقوس ـ الشخصية المستقلة للحضارة الإسلامية ـ قضية العروبة بين القومية والإسلام ـ في رياض إقبال ـ أثر الرسالة المحمدية في الحضارة الإنسانية ـ صفحات مبعثرة .. من المذكرات .. والذاكرة ـ الإسلام في المعترك الحضاري ـ المجتمع الإسلامي والتيارات المعاصرة ـ
في رحاب القرآن ـ ألوان من وحي المهرجان ـ صفحات ..ونفحات ـ لقاءان في طنجة ـ قصتي مع الشعر ـ وسطية الإسلام وأميته
في ضوء الفقه الحضاري ـ أم الكتاب ـ الإسلام وأزمة الحضارة
الإنسانية المعاصرة .
شخصية الأميري وأخلاقه
ولد عمر في بيت عز وجاه وفخار ، فأبوه صديق السلطان وحبيبه ، وممثل الشعب والناطق باسمه ، والمدافع عن قضاياه في كل ميدان ، وجده زعيم الناس ، وقاضي الحاجات ، ومحب الصغير والكبير . وأم عمر كذلك من أسرة آل الأميري ، تنحدر من منابت العز والعنفوان .
تربى عمر في بيت يقصده الناس من كل حدب وصوب ، فالقاصدون هم قصاد خير وعون ، أو ضيوف وأصدقاء ، أو علماء وزعماء ، أو رجال دين وتقوى .. وكأن الأسرة ينطبق عليها بيت جرير الشاعر في عبد
الملك بن مروان :
[poem=font="Simplified Arabic,6,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="groove,6,crimson" type=2 line=0 align=center use=sp num="0,black"]
ألستم خير من ركب المطايا = وأندى العالمين بطون راح[/poem]
ومن خلال المقدمة التاريخية لأسرة الأميري التي سردناها باختصار في مقدمة المقال أدركنا أن عمر عاش في جو فيه الرفاهية ، والسعة ، والخير العميم ، لم يعرف الفقر ، ولا الحاجة ، ولا الشح ، ولا الأنانية الشنعاء .
سألت معظم الذين عرفوا عمر بهاء الأميري العالم الشاعر ، فوصفوه بصفات ، أظن أنها تشبه صفات صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفسهم ، أو تقرب من صفاتهم .
وصفوه بالتدين الصادق ، وبالتقوى ، وبالخشوع الدائم لله تعالى ، وبالإيمان العميق ، وبالرجل الذي يمثل عزة الإسلام ، وكرمه ، وكرامته ، ومروءته ، وكرروا وصفه بكلمة " قاضي الحاجات " ، وقال أحدهم : لو قصده أحد بحاجة ، ولو كانت عند الملك ، لتوجه إلى الملك ، وسأله قضاء حاجة المستغيث .
ومن صفاته المتميزة أنه كان يطبق الحديث النبوي الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان يقبل الهدية ويثيب عليها " . لقد كان الأميري يقبل هدية أصحابه ، ولكنه سرعان ما يهديهم مثلها ، أو خيـراً منها . وأكثر من هذا فقد كانت له صفات المتحضرين في أرقى الأمم .
من ذلك مثلاً : يقدم للبيت الذي يستضيفـه عند دخوله باقة من زهر ، أو زجاجة من عطر ، أو كتاباً قيماً ، أو نادراً ، أو ثوباً فاخراً ندر مثيله .. ولا يدري أحد أن معظم أموال الأسرة وأملاكها قد نفدت مع الزمن ، ولم يبق عنده منها إلا الشيء النادر والقليل .
وتميز الأميري بالعزة والأنفة ، ويحكون مرة أنه عرَّف المرحومَ الشيخ محمد سرور الصبان ، وكان وقتها رئيس " رابطة العالم الإسلامي " ومن كبار الأثرياء والكرماء .. بالبشير الإبراهيمي الجزائري ، وهو والد الأخضر الإبراهيمي ـ الرجل الدبلوماسي العالمي المشهور ـ فأهدى الصبانُ لإبراهيميَّ في القاهرة ، وفي شارع العروبة بالتحديد ، دارة فخمة ، مؤثثة بأفخر الأثاث ، ورتب له دخلاً يليق بكبار الأمراء . وأراد الصبان أن يهدي الأميري دارة مثل ما أهدى الإبراهيمي ، فشكره الأميري ، واعتذر منه أشد اعتذار . وكأن الأميري شعر بأنه غبر قادر على أن يثيب الشيخ الصبان على هديته بمثلها ، فكان ذلك الاعتذار الكبير .
الأميري مع الشيخ عبد المقصود خوجة
ويعرف الجميع أن الأستاذ الأميري كثيراً ما يزور المملكة العربية السعودية ، وله فيها آلاف الأصدقاء ، من مختلف الطبقات والجنسيات . وحين يصل المملكة ، ويصل إلى مدينة جدة ، يستقبله الشيخ عبد المقصود خوجة ، ويرحب به أكرم الترحيب ، ويلح عليه أن ينزل ضيفاً في إحدى عماراته الرافهة الكثيرة المفروشة ، فيقبل الأميري الاستضافة ، وغالباً ما يختار الشقة الواقعة بجانب فندق هيلتون بجدة المحروسة .
ويعرف الأميري الشيخ عبد المقصود بأنه رجل ، غمره الله ،
سبحانه وتعالى ، بكرمه وفضله ، وأفاض عليه من النعم والثروة فوق حساب الحاسبين ، وعد العادين .
ويعرف الأميري أن هذا الرجل يتلذذ بالكرم والعطاء والإنفاق ، ويبسط يديه في الليل والنهار لكل صديق وحبيب ، وذي حاجة ،
والقاصي ، والداني .
ويعرف أن للشيخ عبد المقصود سهرة أسبوعية ، في منزله العامر ، مساء كل يوم اثنين ، يحضرها العلماء ، والأدباء ، والشعراء ، والصحفيون ، والكتاب ، وضيوف لا يعدون ولا يحصون ، يسمرون ، ويتناشدون الأشعار ، ويتناقشون في أمور كثيرة ، منها الأمور العلمية ، ومنها الفنية ، ومنها غير ذلك ، وفي كل أسبوع يحتفل الشيخ عبد المقصود بأديب من الأدباء ، أو شاعر من الشعراء ، أو عالم من العلماء ، أو شخصية من الشخصيات المرموقة في هذه الحياة ، ولا فرق في أن يكون هذا المحتفى به سعودياً ، أو غير
سعودي ، فالكل عنده سواسية كأسنان المشط ، وكلهم إخوة وأحبة ، ، وفي نهاية الاحتفال يقدم الشيخ عبد المقصود لهذا الرجل المكرم لوحة مخملية ، كأنها تشبه كسوة الكعبة المشرفة طرز عليها اسم المحتفى به ، ولقبه ، وتاريخ هذه الليلة المباركة . ثم ينتقل الحاضرون جميعاً إلى مائدة من أفخر الموائد ، وأكثرها تنويعاً في الطعام ، وبذخاً ، فيأكلون ويشربون ، وصاحب البيت يملأ المجلس ترحيباً وتكريماً وبشاشة .
أجل ! يعرف الأميري كل هذا ، وأكثر من هذا ، إنه يعرف هذا الرجل النادر المثال ، ولكنه في الوقت ذاته يريد أن يأخذ ويعطي ، لا أن يأخذ دائماً ، دون أن يعطي ، ولو قليلاً ، أو رمزاً ، أو هدية ..
لكن الشيخ عبد المقصود يعرف عادته ، ويعرف الضائقة المالية التي يعيش فيها ، فيرفض هديته ، لا تعالياً ، ولا كبرياء ، ولا استصغاراً ، وإنما هي رحمة ، ومحبة ، وحنان ، واحترام لهذا الرجل العظيم الذي قلبت له الحياة ظهر المجن ، وحقها أن تتوِّجه ، وتجعله سيد السادات ، كما يؤمن بأن هذا الإنسان هو التقي ، والنقي ، وهو المكرم عند الله ، والمؤمنين ، والعارفين . ويبقى الجدال بينهما على طول المدى ، ولا يصلان إلى حل . وجاء الموت فسكت الأميري إلى الأبد .
من روائع شعر الأميري قصيدة " أب "
اصطاف الشاعر مع أسرته في أحد المصايف اللبنانية " قُرْنايِل" ، ولما اقترب موعد افتتاح المدارس تركت الأسرة المصيف ، وعادت إلى حلب ، وبقي الشاعر بعدها أياماً وحده ، ينظر إلى آثارهم ، وتأبى عليه نفسه أن يمسحها أو يزيلها من مكانها ، بل على العكس ، إنه راح يتقرّاها بيديه ، ويمسح عليها بعينيه ، ويضعها على قلبه ، ويمزجها بدموعه الفياضة . ولقد أوحى إليه ذلك بهذه القصيدة الرائعة الخالدة :
[poem=font="Simplified Arabic,6,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="groove,6,crimson" type=2 line=0 align=center use=sp num="0,black"]
أين الضجيجُ العذْبُ والشَّغَبُ = أين التدارسُ شابَهُ اللعبُ
أين الطفولةُ في توقدِها = أين الدُّمى في الأرض والكتب
أين التّشاكُسُ دونما غرضٍ = أين التباكي ، ما له سبب
أين التّباكي والتضاحك في = وقتٍ معاً ، والحزن والطرب
أين التسابقُ في مجاورتي = شغفاً ، إذا أكلوا ، وإن شربوا
يتزاحمون على مجالستي = والقربِ مني حيثما انقلبوا
يتوجهون بسَوْقِ فطرتهم = نحوي ، إذا رغبوا وإن رهبوا
فنشيدهم "بابا " إذا فرحوا = ووعيدهم "بابا " إذا غضبوا
وهتافهم " بابا " إذا ابتعدوا = ونَجِيُّهم "بابا " إذا اقتربوا
بالأمسِ كانوا ملءَ منزلنا = واليوم ، ويح اليوم ، قد ذهبوا
وكأنما الصمتُ الذي هبطتْ = أثقاله في الدار إذْ ذهبوا
إغفاءةُ المحموم ، هدْأتها = فيها يشيع الهم والتعب
ذهبوا ، أجل ذهبوا ومسكنهم = في القلب ، ما شطوا ، وما قربوا
إني أراهم حيثما التفتت = نفسي ، وقد سكنوا ، وقد وثبوا
وأحسُّ في خلَدي تلاعبهم = في الدار ، ليس ينالهم نصب
وبَريقَ أعينهم إذا ظفروا = ودموعَ حرقتهم إذا غُلبوا
في كل ركنٍ منهمُ أثرٌ = وبكل زاوية لهم صخب
في النافذاتِ ، زجاجُها حطَموا = في الحائط المدهون قد ثقبوا
في البابِ ، قد كسَروا مَزالجه = وعليه قد رسموا ، وقد كتبوا
في الصحن، فيه بعضُ ما أكلوا = في علبة الحلوى التي نهبوا
في الشطْر من تفاحة قضموا = في فضلة الماء التي سكبوا
إني أراهم حيثما اتجهت = عيني كأسراب القطا ، سربوا
بالأمس في قُرْنايِلٍ نزلوا = واليوم قد ضمتهم حلب
دمعي الذي كتَّمته جَلَداً = لما تباكوا عندما ركبوا
حتى إذا ساروا وقد نزعوا = من أضلعي قلباً بهم يجب
ألفيتُني كالطفل عاطفةً = فإذا به كالغيث ينسكب
قد يعجب العذال من رجل = يبكي ، ولو لم أبك فالعجب
هيهات . ما كل البكا خَوَرٌ = إني ، وبي عزم الرجال أبُ
[/poem]رحم الله عمر بهاء الدين الأميري ، فلقد أحب الناس جميعاً ، وقضى حياته كلها يسعى في مصالحهم ، ولم يسترح إلا حين أراح رأسه المتعب على ثرى البقيع ، في جوار المحبوب الكبير ، جده محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في العقد الأخير من القرن العشرين .
[align=justify]حلب المحروسة
أ.د. بكري شيخ أمين
7 جمادى الثانية 1423 هـ
15 آب ( أغسطس )2002
العنوان :
هاتف الجوال 00963944664752
هاتف المكتب 00963212224266
ص .ب 13003 حلب ـ سورية
e-mail : sheikha@scs-net.org[/align][/align]
شــاعر الإنســانية
عمـر بـهاء الديـن الأميـري
بقلم الأستاذ الدكتور بكري شيخ أمين

حلب الشهباء مسقط رأس الأميري
قد تكون حلب الشهباء ، على قول كثير من المؤرخين ، أقدم بلد في العالم ، ولكن من المؤكد أن قلعة حلب

هي اقدم قلعة في الشرق منذ العصر الروماني إلى اليوم . ويعجب السياح كثيراً حين يزورونها ، وينتقلون منها إلى قلب المدينة القديمة ، ويندهشون من الأزقة ، والحارات ، والأسواق المغطاة التي تشق المدينة من أقصاها إلى أقصاها .
وحين يمر السائحون بمنطقة " السويقة " يقفون ملياً عند جامع يسمى يـ " جامع الخير ، أو جامع الحاج موسى الأميري " وتأخذ عقولهم زخرفته ، وروعة هندسته ، وشكل بنائه ، وكثير منهم يسأل : من صاحب هذا الجامع الجميل ، ومن هو الحاج موسى الأميري الذي حمل الجامع اسمه على مدى الزمان ؟ بل لماذا سمي كذلك بجامع الخير ؟
الحاج موسى جد الأسرة الأميرية
وتتساءل عن الحاج موسى الأميري ، فيحدثك شيخ مؤرخي حلب وأستاذنا الجليل الشيخ محمد راغب الطباخ ، رضي الله عنه ، فيقول : الحاج موسى آغا الأميري هو ابن حسن ين أحمد بن محمد بن علي بن ظفر البصري الشهير نسبه بأمير زاده ، ولا يعرف على التحقيق أول من قطن من
أجداده في حلب . وتفخر أسرة الأميري بأنها من دوحة النبوة ، ويعدون أنفسهم من الأشراف والسادة .
وسبب تسمية أسرته بأمير زاده أن جده الأعلى الحاج موسى الآغا الأميري المتوفى سنة 1177هـ كان أميراً كبيراً من سكان حلب ، وبنى فيها جامعاً ضخماً بجوار المدرسة النارنجية ، والتي كانت من قبل " محكمة الشافعية" وسماه "جامع الخير " ، كما سماه الناس بجامع الحاج موسى أمير زاده . وكان الشيخ سعيد الصوراني متولي أوقافه ، وبهاء بك الأميري ناظرها
بهاء الدين الأميري ممثل حلب في المجلس النيابي في إستانبول
كان بهاء الدين بك الأميري ـ ناظر وقف الجامع ـ رجلاً معروفاً بين الناس ، ومحبوباُ كل الحب ، وقد انتخبوه ممثلهم الشرعي في المجلس النيابي العثماني ، المعروف يومذاك بمجلس " المبعوثان " ، وكان مقره إستانبول .
ولما انتهت مدة المجلس ، وعزم بهاء الدين بك على العودة إلى وطنه ، صدرت الإرادة السنية أن يعين له وقت للمثول بين يدي حضرة السلطان
" محمد رشاد " . وفي الوقت المعين توجه بهاء الدين بك إلى سراي " بشكيك طاش " ، وهناك استقبل من رجال البلاط الملوكي أحسن استقبال ، ثم أدخل على حضرة السلطان ، فلقي منه كمال الحفاوة وأحسن الاستقبال ، وبعد أن أعرب السلطان عن حبه الجم للأمة العربية والبلاد العربية دار بينهما بعض الشؤون المتعلقة بعمران حلب ، ومن جملتها سكة حديد بغداد ، ومرورها بجانب حلب . ثم أهداه ـ على عادة السلاطين والملوك ـ كثيراً من الهدايا ، ومن جملتها شعرة من أثر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأقمشة مزخرفة عليها كتابات دينية لتهدى إلى ضريح سيدنا يحيى عليه الصلاة والسلام .
وظل بهاء الدين بك رجل حلب الأول ، وزعيمها المفدى ، ورجل الخيرات والمبرات ، وقاضي حاجات الناس ، وصاحب الخلق الرفيع ، والرجل الذي يضرب به المثل بورعه وزهده وتواضعه وتقواه إلى أن لقي وجه ربه ، وقد خلف عدداً من الأولاد ، كان منهم " عمر " والذي يوقع دائماً باسم
" عمر بهاء الدين الأميري " .
طفولة عمر ودراساته
نشأ عمر في مدينة حلب ، وفيها تلقى دروسه الأولى في " المدرسة الفاروقية " ، وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب ، ومن مدارسها الأخرى تلقى علوم الأدب ، والعلوم ، والفلسفة ، وعلم الاجتماع ، والنفس ، والأخلاق ، والتاريخ ، والحضارة ، وأولع أكثر ما أولع بالشعر العربي ، وكانت له هواية ـ بعد حفظ القرآن الكريم ـ حفظ روائع الشعر العربي في مختلف عصوره .
وفي الجامعة السورية تلقى العلوم القانونية ، وحمل " شهادة الحقوق " التي تخوله أن يكون محامياً ، وفعلاً عمل عمر في مهنة المحاماة حيناً من الزمن ، ثم سافر إلى باريس رغبة في استكمال تحصيله العلمي ، فدرس الأدب العربي والعالمي ، وفقه اللغة ، وحمل الشهادة العليا من " جامعة السوربون " .
وعاد الشاب إلى مدينته الحبيبة ، ومسقط رأسه، وكله حماس للعطاء ، فدرّس في حلب حيناً من الزمن ، ولا سيما مادة " حاضر العالم الإسلامي " في الكلية الشرعية ، ثم انتقل إلى العاصمة وتولى إدارة المعهد العربي الإسلامي ، وكانت هوايته الأولى نظم الشعر ، والترنم به .
الأميري في السلك الدبلوماسي
وشاء الله أن ينتقل الأميري الشاب إلى عالم الدبلوماسية ، فعين وزيراً مفوضاً ، ثم سفيراً ، وقضى شطراً من حياته سفيراً لبلده في المملكة العربية السعودية ، وشطراً آخر في باكستان . ويبدو أنه اغتنم فرصة عمله في الباكستان فتعلم اللغة الأوردية حتى أتقنها ، واستطاع
أن يتحدث بها ، ويحاضر ، ويخطب ، ثم هجر الدبلوماسية ، أو هجرته ، وتفرغ لخدمة العمل الإسلامي بقية حياته .
الأميري في خدمة الإسلام والمسلمين
ورغب الملك المغربي الراحل الحسن الثاني ـ رحمه الله ـ أن يستفيد المغرب من علوم هذا الرجل العملاق الذي ملأ صيته الآفاق ، وتحدثت به الدنيا ، فاستدعاه إلى المغرب ، وعينه أستاذاً لكرسي " الإسلام والتيارات المعاصرة " في " دار الحديث الحسنية " بالرباط ، واستمر أستاذاً في الدراسات العليا والدكتوراه خمسة عشر عاماً ، كما درّس مادة " الحضارة الإسلامية " في جامعة محمد الخامس .
كان عمر يتقن إلى جانب لغته العربية : اللغة التركية التي تعلمها من أبيه وأمه وبيته ، والفرنسية ، والأوردية ، وهذا ما سهل عليه التنقل في شتى بلاد العالم ، يخطب أو يحاضر ، ويلتقي بكثير من رجال العالم من شتى الأجناس واللغات ، ويتفاهم معهم ، من هنا نستطيع فهم سبب تعرفه على معظم حكام العالم الإسلامي ، وعلمائه ، وقادته ، وتكوين وشائج دائمة ،
ومحبة بينه وبينهم .
لو قدر لك أن تزوره في منزله بشارع لافوازييهlavoisier يوماً بمدينة الرباط ، أو في منتجعه الساحلي في الهرهورة بقرب الرباط ، أو بمقره بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية ، أو في أي مكان يحل فيه ، لرأيت شيئاً عجباً . فالهواتف ترن في مقره حيث كان ليل نهار ، هذا هاتف من جنوب إفريقية ، وهذا من تونس الخضراء ، وذاك من باكستان ، وهذا من أندنوسيا ، وهذا من الصومال ، وذاك من مصر ، وهكذا ، فكأن الدنيا كلها تعرفه ، وتسال عنه ، ولا تستغني عن سماع صوته ، وما أشبهه بعظماء العالم الذين يملكون قلوب الملايين من البشر ، لذلك فهم دائماً مع الناس ، جسداً أو روحاً .
الأميري ينزف بالشعر
العجيب في أمر هذا الإنسان أنه ينزف دائماً بالشعر ، تراه يسبك كلامه أو سلامه ، ومعظم محاضراته ، وأكثر حديثه بالكلام الموزون المقفى ، ولو قدر لك أن تجمع هذا الدر الذي يلقيه على مسامعك لتكوّن بين يديك ديوان كامل .
لم أر في حياتي رجلاً ينزف شعراً سوى اثنين لا ثالث لهما ، هما محمد حسن فقي الشاعر السعودي العملاق ، وابن مكة المكرمة ، وعمر بهاء الأميري ابن حلب الشهباء . كل من الرجلين له عشرات الدواوين ، وشعره في شتى الأغراض المتعارف عليها . وإذا كان هناك فرق بين الرجلين فالفقي دائم التأمل والتفكر في المقام الأول في الحياة والموت ، والماضي والحاضر والغد المجهول ، ثم تأتي الموضوعات الأخرى التي يشترك فيها مع الشعراء الآخرين . أما الأميري فمعظم شعره في التبتل ، والتضرع ، والتذلل
إلى الله تعالى ، وكل ما يتصل بالتسبيح والتقديس ، ومؤاخاة الإنسان لأخيه الإنسان . ويبقى الشاعران العملاقان من الأتقياء ، الأنقياء ، والشعراء الذين تباهي بهم الدنيا .
من دواوينه الشعرية
مع الله ـ ملحمة الجهاد ـ ألوان طيف ـ الهزيمة .. والفجر ـ الأقصى .. وفتح .. والقمة ـ من وحي فلسطين ـ أشواق .. وإشراق ـ أمــي ـ نجاوى محمدية ـ رماد الفؤاد ـ أصداء الطفولة ـ بواكير ـ نبوة .. وبنوة ـ إشـراق ـ قلب .. ورب ـ غربة .. وغرب ـ جمال ..وهوى ـ روح مباح ـ زورق ـ أفانين ـ خماسيات ـ عواطف .. وعواصف ـ حبات عنب ـ ثنائيات ـ في بلادي ـ شموع ..ودموع ـ في معارج الأجل ـ رجال ..وأشباه ـ أنفاس من فاس ـ بنات المغرب ـ ألحان العزلة ـ صراع ـ أب .
كتبه العلمية ومحاضراته
نستطيع بكل سهولة وتأكيد أن نقول : كل جامعات الوطن العربي من شرقه إلى غربه ، ومن شماله إلى جنوبه ، شهدت عمر يحاضر فيها ،
أو يدرس . ومن حسن الحظ أن معظم محاضراته سجلت على أشرطة ، وكثير منها طبع في كتب مستقلة ، لذلك فهي ميسرة للمراجعين ، والدارسين ، والمتعمقين .
من مؤلفاته النثرية
في الفقه الحضاري ـ الخصائص الحضارية في الإسلام ـ الحوار في منهجية البحث المقارن ـ الدين في الإسلام ..دستور لا طقوس ـ الشخصية المستقلة للحضارة الإسلامية ـ قضية العروبة بين القومية والإسلام ـ في رياض إقبال ـ أثر الرسالة المحمدية في الحضارة الإنسانية ـ صفحات مبعثرة .. من المذكرات .. والذاكرة ـ الإسلام في المعترك الحضاري ـ المجتمع الإسلامي والتيارات المعاصرة ـ
في رحاب القرآن ـ ألوان من وحي المهرجان ـ صفحات ..ونفحات ـ لقاءان في طنجة ـ قصتي مع الشعر ـ وسطية الإسلام وأميته
في ضوء الفقه الحضاري ـ أم الكتاب ـ الإسلام وأزمة الحضارة
الإنسانية المعاصرة .
شخصية الأميري وأخلاقه
ولد عمر في بيت عز وجاه وفخار ، فأبوه صديق السلطان وحبيبه ، وممثل الشعب والناطق باسمه ، والمدافع عن قضاياه في كل ميدان ، وجده زعيم الناس ، وقاضي الحاجات ، ومحب الصغير والكبير . وأم عمر كذلك من أسرة آل الأميري ، تنحدر من منابت العز والعنفوان .
تربى عمر في بيت يقصده الناس من كل حدب وصوب ، فالقاصدون هم قصاد خير وعون ، أو ضيوف وأصدقاء ، أو علماء وزعماء ، أو رجال دين وتقوى .. وكأن الأسرة ينطبق عليها بيت جرير الشاعر في عبد
الملك بن مروان :
[poem=font="Simplified Arabic,6,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="groove,6,crimson" type=2 line=0 align=center use=sp num="0,black"]
ألستم خير من ركب المطايا = وأندى العالمين بطون راح[/poem]
ومن خلال المقدمة التاريخية لأسرة الأميري التي سردناها باختصار في مقدمة المقال أدركنا أن عمر عاش في جو فيه الرفاهية ، والسعة ، والخير العميم ، لم يعرف الفقر ، ولا الحاجة ، ولا الشح ، ولا الأنانية الشنعاء .
سألت معظم الذين عرفوا عمر بهاء الأميري العالم الشاعر ، فوصفوه بصفات ، أظن أنها تشبه صفات صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفسهم ، أو تقرب من صفاتهم .
وصفوه بالتدين الصادق ، وبالتقوى ، وبالخشوع الدائم لله تعالى ، وبالإيمان العميق ، وبالرجل الذي يمثل عزة الإسلام ، وكرمه ، وكرامته ، ومروءته ، وكرروا وصفه بكلمة " قاضي الحاجات " ، وقال أحدهم : لو قصده أحد بحاجة ، ولو كانت عند الملك ، لتوجه إلى الملك ، وسأله قضاء حاجة المستغيث .
ومن صفاته المتميزة أنه كان يطبق الحديث النبوي الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان يقبل الهدية ويثيب عليها " . لقد كان الأميري يقبل هدية أصحابه ، ولكنه سرعان ما يهديهم مثلها ، أو خيـراً منها . وأكثر من هذا فقد كانت له صفات المتحضرين في أرقى الأمم .
من ذلك مثلاً : يقدم للبيت الذي يستضيفـه عند دخوله باقة من زهر ، أو زجاجة من عطر ، أو كتاباً قيماً ، أو نادراً ، أو ثوباً فاخراً ندر مثيله .. ولا يدري أحد أن معظم أموال الأسرة وأملاكها قد نفدت مع الزمن ، ولم يبق عنده منها إلا الشيء النادر والقليل .
وتميز الأميري بالعزة والأنفة ، ويحكون مرة أنه عرَّف المرحومَ الشيخ محمد سرور الصبان ، وكان وقتها رئيس " رابطة العالم الإسلامي " ومن كبار الأثرياء والكرماء .. بالبشير الإبراهيمي الجزائري ، وهو والد الأخضر الإبراهيمي ـ الرجل الدبلوماسي العالمي المشهور ـ فأهدى الصبانُ لإبراهيميَّ في القاهرة ، وفي شارع العروبة بالتحديد ، دارة فخمة ، مؤثثة بأفخر الأثاث ، ورتب له دخلاً يليق بكبار الأمراء . وأراد الصبان أن يهدي الأميري دارة مثل ما أهدى الإبراهيمي ، فشكره الأميري ، واعتذر منه أشد اعتذار . وكأن الأميري شعر بأنه غبر قادر على أن يثيب الشيخ الصبان على هديته بمثلها ، فكان ذلك الاعتذار الكبير .
الأميري مع الشيخ عبد المقصود خوجة
ويعرف الجميع أن الأستاذ الأميري كثيراً ما يزور المملكة العربية السعودية ، وله فيها آلاف الأصدقاء ، من مختلف الطبقات والجنسيات . وحين يصل المملكة ، ويصل إلى مدينة جدة ، يستقبله الشيخ عبد المقصود خوجة ، ويرحب به أكرم الترحيب ، ويلح عليه أن ينزل ضيفاً في إحدى عماراته الرافهة الكثيرة المفروشة ، فيقبل الأميري الاستضافة ، وغالباً ما يختار الشقة الواقعة بجانب فندق هيلتون بجدة المحروسة .
ويعرف الأميري الشيخ عبد المقصود بأنه رجل ، غمره الله ،
سبحانه وتعالى ، بكرمه وفضله ، وأفاض عليه من النعم والثروة فوق حساب الحاسبين ، وعد العادين .
ويعرف الأميري أن هذا الرجل يتلذذ بالكرم والعطاء والإنفاق ، ويبسط يديه في الليل والنهار لكل صديق وحبيب ، وذي حاجة ،
والقاصي ، والداني .
ويعرف أن للشيخ عبد المقصود سهرة أسبوعية ، في منزله العامر ، مساء كل يوم اثنين ، يحضرها العلماء ، والأدباء ، والشعراء ، والصحفيون ، والكتاب ، وضيوف لا يعدون ولا يحصون ، يسمرون ، ويتناشدون الأشعار ، ويتناقشون في أمور كثيرة ، منها الأمور العلمية ، ومنها الفنية ، ومنها غير ذلك ، وفي كل أسبوع يحتفل الشيخ عبد المقصود بأديب من الأدباء ، أو شاعر من الشعراء ، أو عالم من العلماء ، أو شخصية من الشخصيات المرموقة في هذه الحياة ، ولا فرق في أن يكون هذا المحتفى به سعودياً ، أو غير
سعودي ، فالكل عنده سواسية كأسنان المشط ، وكلهم إخوة وأحبة ، ، وفي نهاية الاحتفال يقدم الشيخ عبد المقصود لهذا الرجل المكرم لوحة مخملية ، كأنها تشبه كسوة الكعبة المشرفة طرز عليها اسم المحتفى به ، ولقبه ، وتاريخ هذه الليلة المباركة . ثم ينتقل الحاضرون جميعاً إلى مائدة من أفخر الموائد ، وأكثرها تنويعاً في الطعام ، وبذخاً ، فيأكلون ويشربون ، وصاحب البيت يملأ المجلس ترحيباً وتكريماً وبشاشة .
أجل ! يعرف الأميري كل هذا ، وأكثر من هذا ، إنه يعرف هذا الرجل النادر المثال ، ولكنه في الوقت ذاته يريد أن يأخذ ويعطي ، لا أن يأخذ دائماً ، دون أن يعطي ، ولو قليلاً ، أو رمزاً ، أو هدية ..
لكن الشيخ عبد المقصود يعرف عادته ، ويعرف الضائقة المالية التي يعيش فيها ، فيرفض هديته ، لا تعالياً ، ولا كبرياء ، ولا استصغاراً ، وإنما هي رحمة ، ومحبة ، وحنان ، واحترام لهذا الرجل العظيم الذي قلبت له الحياة ظهر المجن ، وحقها أن تتوِّجه ، وتجعله سيد السادات ، كما يؤمن بأن هذا الإنسان هو التقي ، والنقي ، وهو المكرم عند الله ، والمؤمنين ، والعارفين . ويبقى الجدال بينهما على طول المدى ، ولا يصلان إلى حل . وجاء الموت فسكت الأميري إلى الأبد .
من روائع شعر الأميري قصيدة " أب "
اصطاف الشاعر مع أسرته في أحد المصايف اللبنانية " قُرْنايِل" ، ولما اقترب موعد افتتاح المدارس تركت الأسرة المصيف ، وعادت إلى حلب ، وبقي الشاعر بعدها أياماً وحده ، ينظر إلى آثارهم ، وتأبى عليه نفسه أن يمسحها أو يزيلها من مكانها ، بل على العكس ، إنه راح يتقرّاها بيديه ، ويمسح عليها بعينيه ، ويضعها على قلبه ، ويمزجها بدموعه الفياضة . ولقد أوحى إليه ذلك بهذه القصيدة الرائعة الخالدة :
[poem=font="Simplified Arabic,6,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="groove,6,crimson" type=2 line=0 align=center use=sp num="0,black"]
أين الضجيجُ العذْبُ والشَّغَبُ = أين التدارسُ شابَهُ اللعبُ
أين الطفولةُ في توقدِها = أين الدُّمى في الأرض والكتب
أين التّشاكُسُ دونما غرضٍ = أين التباكي ، ما له سبب
أين التّباكي والتضاحك في = وقتٍ معاً ، والحزن والطرب
أين التسابقُ في مجاورتي = شغفاً ، إذا أكلوا ، وإن شربوا
يتزاحمون على مجالستي = والقربِ مني حيثما انقلبوا
يتوجهون بسَوْقِ فطرتهم = نحوي ، إذا رغبوا وإن رهبوا
فنشيدهم "بابا " إذا فرحوا = ووعيدهم "بابا " إذا غضبوا
وهتافهم " بابا " إذا ابتعدوا = ونَجِيُّهم "بابا " إذا اقتربوا
بالأمسِ كانوا ملءَ منزلنا = واليوم ، ويح اليوم ، قد ذهبوا
وكأنما الصمتُ الذي هبطتْ = أثقاله في الدار إذْ ذهبوا
إغفاءةُ المحموم ، هدْأتها = فيها يشيع الهم والتعب
ذهبوا ، أجل ذهبوا ومسكنهم = في القلب ، ما شطوا ، وما قربوا
إني أراهم حيثما التفتت = نفسي ، وقد سكنوا ، وقد وثبوا
وأحسُّ في خلَدي تلاعبهم = في الدار ، ليس ينالهم نصب
وبَريقَ أعينهم إذا ظفروا = ودموعَ حرقتهم إذا غُلبوا
في كل ركنٍ منهمُ أثرٌ = وبكل زاوية لهم صخب
في النافذاتِ ، زجاجُها حطَموا = في الحائط المدهون قد ثقبوا
في البابِ ، قد كسَروا مَزالجه = وعليه قد رسموا ، وقد كتبوا
في الصحن، فيه بعضُ ما أكلوا = في علبة الحلوى التي نهبوا
في الشطْر من تفاحة قضموا = في فضلة الماء التي سكبوا
إني أراهم حيثما اتجهت = عيني كأسراب القطا ، سربوا
بالأمس في قُرْنايِلٍ نزلوا = واليوم قد ضمتهم حلب
دمعي الذي كتَّمته جَلَداً = لما تباكوا عندما ركبوا
حتى إذا ساروا وقد نزعوا = من أضلعي قلباً بهم يجب
ألفيتُني كالطفل عاطفةً = فإذا به كالغيث ينسكب
قد يعجب العذال من رجل = يبكي ، ولو لم أبك فالعجب
هيهات . ما كل البكا خَوَرٌ = إني ، وبي عزم الرجال أبُ
[/poem]رحم الله عمر بهاء الدين الأميري ، فلقد أحب الناس جميعاً ، وقضى حياته كلها يسعى في مصالحهم ، ولم يسترح إلا حين أراح رأسه المتعب على ثرى البقيع ، في جوار المحبوب الكبير ، جده محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في العقد الأخير من القرن العشرين .
[align=justify]حلب المحروسة
أ.د. بكري شيخ أمين
7 جمادى الثانية 1423 هـ
15 آب ( أغسطس )2002
العنوان :
هاتف الجوال 00963944664752
هاتف المكتب 00963212224266
ص .ب 13003 حلب ـ سورية
e-mail : sheikha@scs-net.org[/align][/align]
تعليق