باغتها صوته المتلعثم : ( ماما ، أرجو أن ترسلي معي نقوداَ في صباح الغد ) ، كانت تلملم بقايا الطعام ثم ترفع الصحون وتلقي بها في الحوض ...ردّت ومن دون اهتمام : ( نعم حاضر ، لقد قرأت الملاحظة التي كتبتها مدرّستك ، إذن ستذهب في رحلة أتمنى أن تستمتع وتخبرني بكل التفاصيل عندما تعود ) .. ثم استدركت : ( سأضع الخمسة دنانير منذ اليوم في الحقيبة حتى لا أنسى ..هذا وعد )، بدأ صوته يبتعد متجّهاً نحو غرفة الجلوس : ( إذن هذا وعد ، وأنت تحافظين على وعودك ، شكراً) ..إبتسمت من جمال كلماته ثم بدأت بالقهقهة في أعماقها ، كيف لم تدرك أنه كبر فجأة ..وها هو يطلب منها نقوداً ، بعد شهرين سيصبح في الرابعة من عمره .
صوت الماء المتدفق من صنبور المياه ، فقاقيع الصابون المتناثرة فوق الصحون، قرقعة الملاعق وذاكرتها المثقوبة تسافر حيث ..العطش ، عطشٌ يلسع حلقها وثِقلُ رأس ٍبينما هي تستيقظ إثر العملية القيصرية ، أخبرتها الطبيبة قبل أن تغيب عن الوعي أن نبض الطفل ينخفض ، لا بدّ من العملية ..وها هي تستيقظ وأصوات النسوة تدقُ في رأسها ..أًمها ، خالتها ، عمتها ... يضحكن ويثرثرن ، والعطش المزمن فتحت عينيها بصعوبة ..ضباب يغطي مساحات حواسها ، بينما بوصلتها تتجه نحوه (كما هي عادتها ) ، كفّها اليسرى دافئة ومطمئنة في أحضان كفه ..إلتفتت ، حيث ُ كان هو بابتسامته ِالوادعة .. طبع قبلة ًعلى جبينها لتسري في جسدها قشعريرة : الحمدلله على سلامتك. لوهلة تمنّت أن يتوقف الزمن على قبلته الحانية ثمّ الجفاف ينزع متعتها ، إستدركت : حبيبي ، عطشى أحتاج الماء .ماء .. لو سمحت .
إبتسم قائلاً : لقد خرجت ِمن عمليةٍ جراحية ، الماء ممنوع حتى صباح الغد ، تحملّي أرجوك، وبالمناسبة عندي شيء يروي عطشك ،
أشار نحو الأمام :- أُنظري ، طفلنا الرائع حبيبتي .
( أخذت نفساً عميقاً ، ثم أغمضت وشرعت في رسم ِحلمها وحلمه بأبهى صورة ،إذن هذه هي اللحظة ) ..إلتفتت حيث أشار عليها ،سريرٌ صغير ، فيه ...وبلعت ريقها ..قرد صغير !! ، شعر أسود طويل ، وجه اسمر مزرّق ، عينان منتفختان ..والعطش يزداد شراسة في الحلق وغصّة في القلب ( مستحيل ، ليس ابني ) اشاحت بنظرها وعادت تتفرّس في ملامح حبيبها ، لماذا لا يشبه والده بتفاصيل وجهه الهادئة والمحبّبة ، أنفٌ شامخ وملامح واضحة وجبين وضّاء ...وأجهشت في بكاءٍ مرير بينما النسوة يلتففن حول سريرها بينما يشرح لهنَّ و في دهشةٍ واضحة ..أنّ طفلها لا يروق لها !!.
إتجهت نحو غرفة الجلوس وهي تحمل فنجان القهوة و ..كتابًأ ، اختارت هذه المرّة أريكة تواجه برائته بينما هو يتابع برامج الأطفال ..ترتشف القهوة بينما هي تستمتع بنكهة وجهه الملائكي وشعره المنساب بنعومة على استدارة وجهه ..وهذا الفم ( المدهش ) وعيناه بلون العسل المصفّى ...كيف تحوّل مع الأيام الى هذه القطعة الفنية الرائعة ؟ ( سبحان الله ، ما شاء الله ) ..ترك مقعده وانتقل الى أحضانها بعد أن وضعت فنجان القهوة جانباً وتخلصت من الكتاب الذي لم تقرأ منه صفحة واحدة ....ثم بدأت تمسح على رأسه في حنان متدفق ، لماذا تمسح على شعره بالذات ؟ أم أنه العقل الباطن الذي يربط هذه الحركة باليتم ؟ ..بلعت ريقها وشعرت بالعطش مرّة أخرى ..ذات نكبة ..يوم استيقظت على صوته الباكي يناديها ..نهضت متثاقلة من سريرها وهي نصف نائمة تهتف بصوت تحاول أن يكون مرتفعاً : قادمة حبيبي ..وكانت تتساءل بينما هي تعبر الممر الذي يفضي الى غرفته (لماذا يبكي ؟ ليس من عادته البكاء عند الصباح )!! بينما هناك صورة مزعجة ترتسم في ذاكرتها ..ومن بين قضبان سريره الخشبي كانت دموعه تستقبلها ..طوقته بأحضانها بينما تضعه أرضاً وقد كان يردد : ( ماما أريد الحمّام ) ...إبتسمت للذكرى، لقد تعود منذ يومين فقط دخول الحمّام ..قالوا لها أنها تأخرت وردّت واثقة : أبداً ، ما زال في عمر العامين وسبعة أشهر هذا هو العمر المناسب .
وقبل أن تطبع قبلتها على وجهه بدأت تلك الصورة المزعجة تدفعها نحو الهرولة مرةً أخرى إلى غرفتها . فوق السرير والشراشف الوردية ،عينان جاحظتان ، زبد أبيض ،وأنين غرغرة ،هرعت اليه : حبيبي استيقظ ...حاولت تحريكه لكنه كان متجمداً ..فتجمدت مشاعرها ،أمّا الصغير فقد تكوّر عند باب الغرفة وهو يحمل فوق عمره جريمتين : البلل تهمة و...اليتم إدانة .
صرختها المختنقة ...جعلته ينتفض من حضنها ويتجه نحو غرفته قائلاَ : سأبحث عن حقيبتي السوبر مان، أٌريد أن آخذها معي في الغد ..إبتسمت وهي تراقبه لقد أصبح صاحب قرار ، لقد أخذ طباع والده هدوءه ، ورباطة جأشه ..إستشّفت تلك البوادر عندما حملتهما سيارة عمه المرتبك خلف المقود ، بينما والدتها تجلس في المقعد الذي يجاوره ، ومن بين دموعه ينطلق صوته : أنت من سيخبر أمي ، عندما ستشاهدك مع الصغير وحدكما ستفهم كل شيء ، لا أستطيع أن أخبرها أن ابنها الشاب قد مات ..أرجوك .
اقترب الصغير منها وهمس في اُذنها ( ومن دون أن يذكر والده بكلمة رغم تعلقه الشديد به ) : ماما ماذا يحدث ؟...ردّت عليه من خلال وجومها : سنذهب عند جدتك ، ستلعب مع صديقك حسام طوال اليوم لأنني سأكون مشغولة ..نظرت الى حيرته وأضافت : هناك شيء ضخم يحدث سأخبرك عنه لاحقاَ وبالتفصيل ، قال : إذن هذا وعد .
ولأنها لا تخلف وعودها ، فقد كان التنفيذ في ( نفس الليلة ).
صورة قاتمة لأرملة في الثلاثين من عمرها تجلس على مقعدٍ يقابل الموت في حضرة العتمة تشرح ليتيم في عمر العامين وسبعة اشهر ..معنى اليتم الذي أصبح قدرهُ منذ اليوم
أعطته الجرعة دفعةً واحدة : ( بابا ..سافر الى السماء ولن يعود أبداً ،لا تنتظره أرجوك ).
( سأشتاق اليه ،هل سنذهب اليه يوماً ؟).
( نعم ، كلنا سنذهب عندما يحين الموعد ).
إرتجف جسده الصغير في حضنها وقال : ( هل سترحلين الى السماء وتتركيني ؟).
ردّت عليه : ( لا ، لن أدعك وحيداً ، هذا وعد )، بدأ يغفو مطمئناً وهو يقول : ( وأنت لا تخلفين وعودك أبداً ) .
أوامر وتعاليم العبارة بدأت تسلب منها ذكرياتها لتنتصب كتاباً مقدساً ، بينما هو يحمل حقيبته ، ثم يضعها أمامها على منضدة الواقع قائلاً : ( لقد وجدتها اين النقود ؟)
هتفت بينما تتجه نحو حقيبتها : ( لا تخف ، أنا لا أخلف وعودي أبداً ).
صوت الماء المتدفق من صنبور المياه ، فقاقيع الصابون المتناثرة فوق الصحون، قرقعة الملاعق وذاكرتها المثقوبة تسافر حيث ..العطش ، عطشٌ يلسع حلقها وثِقلُ رأس ٍبينما هي تستيقظ إثر العملية القيصرية ، أخبرتها الطبيبة قبل أن تغيب عن الوعي أن نبض الطفل ينخفض ، لا بدّ من العملية ..وها هي تستيقظ وأصوات النسوة تدقُ في رأسها ..أًمها ، خالتها ، عمتها ... يضحكن ويثرثرن ، والعطش المزمن فتحت عينيها بصعوبة ..ضباب يغطي مساحات حواسها ، بينما بوصلتها تتجه نحوه (كما هي عادتها ) ، كفّها اليسرى دافئة ومطمئنة في أحضان كفه ..إلتفتت ، حيث ُ كان هو بابتسامته ِالوادعة .. طبع قبلة ًعلى جبينها لتسري في جسدها قشعريرة : الحمدلله على سلامتك. لوهلة تمنّت أن يتوقف الزمن على قبلته الحانية ثمّ الجفاف ينزع متعتها ، إستدركت : حبيبي ، عطشى أحتاج الماء .ماء .. لو سمحت .
إبتسم قائلاً : لقد خرجت ِمن عمليةٍ جراحية ، الماء ممنوع حتى صباح الغد ، تحملّي أرجوك، وبالمناسبة عندي شيء يروي عطشك ،
أشار نحو الأمام :- أُنظري ، طفلنا الرائع حبيبتي .
( أخذت نفساً عميقاً ، ثم أغمضت وشرعت في رسم ِحلمها وحلمه بأبهى صورة ،إذن هذه هي اللحظة ) ..إلتفتت حيث أشار عليها ،سريرٌ صغير ، فيه ...وبلعت ريقها ..قرد صغير !! ، شعر أسود طويل ، وجه اسمر مزرّق ، عينان منتفختان ..والعطش يزداد شراسة في الحلق وغصّة في القلب ( مستحيل ، ليس ابني ) اشاحت بنظرها وعادت تتفرّس في ملامح حبيبها ، لماذا لا يشبه والده بتفاصيل وجهه الهادئة والمحبّبة ، أنفٌ شامخ وملامح واضحة وجبين وضّاء ...وأجهشت في بكاءٍ مرير بينما النسوة يلتففن حول سريرها بينما يشرح لهنَّ و في دهشةٍ واضحة ..أنّ طفلها لا يروق لها !!.
إتجهت نحو غرفة الجلوس وهي تحمل فنجان القهوة و ..كتابًأ ، اختارت هذه المرّة أريكة تواجه برائته بينما هو يتابع برامج الأطفال ..ترتشف القهوة بينما هي تستمتع بنكهة وجهه الملائكي وشعره المنساب بنعومة على استدارة وجهه ..وهذا الفم ( المدهش ) وعيناه بلون العسل المصفّى ...كيف تحوّل مع الأيام الى هذه القطعة الفنية الرائعة ؟ ( سبحان الله ، ما شاء الله ) ..ترك مقعده وانتقل الى أحضانها بعد أن وضعت فنجان القهوة جانباً وتخلصت من الكتاب الذي لم تقرأ منه صفحة واحدة ....ثم بدأت تمسح على رأسه في حنان متدفق ، لماذا تمسح على شعره بالذات ؟ أم أنه العقل الباطن الذي يربط هذه الحركة باليتم ؟ ..بلعت ريقها وشعرت بالعطش مرّة أخرى ..ذات نكبة ..يوم استيقظت على صوته الباكي يناديها ..نهضت متثاقلة من سريرها وهي نصف نائمة تهتف بصوت تحاول أن يكون مرتفعاً : قادمة حبيبي ..وكانت تتساءل بينما هي تعبر الممر الذي يفضي الى غرفته (لماذا يبكي ؟ ليس من عادته البكاء عند الصباح )!! بينما هناك صورة مزعجة ترتسم في ذاكرتها ..ومن بين قضبان سريره الخشبي كانت دموعه تستقبلها ..طوقته بأحضانها بينما تضعه أرضاً وقد كان يردد : ( ماما أريد الحمّام ) ...إبتسمت للذكرى، لقد تعود منذ يومين فقط دخول الحمّام ..قالوا لها أنها تأخرت وردّت واثقة : أبداً ، ما زال في عمر العامين وسبعة أشهر هذا هو العمر المناسب .
وقبل أن تطبع قبلتها على وجهه بدأت تلك الصورة المزعجة تدفعها نحو الهرولة مرةً أخرى إلى غرفتها . فوق السرير والشراشف الوردية ،عينان جاحظتان ، زبد أبيض ،وأنين غرغرة ،هرعت اليه : حبيبي استيقظ ...حاولت تحريكه لكنه كان متجمداً ..فتجمدت مشاعرها ،أمّا الصغير فقد تكوّر عند باب الغرفة وهو يحمل فوق عمره جريمتين : البلل تهمة و...اليتم إدانة .
صرختها المختنقة ...جعلته ينتفض من حضنها ويتجه نحو غرفته قائلاَ : سأبحث عن حقيبتي السوبر مان، أٌريد أن آخذها معي في الغد ..إبتسمت وهي تراقبه لقد أصبح صاحب قرار ، لقد أخذ طباع والده هدوءه ، ورباطة جأشه ..إستشّفت تلك البوادر عندما حملتهما سيارة عمه المرتبك خلف المقود ، بينما والدتها تجلس في المقعد الذي يجاوره ، ومن بين دموعه ينطلق صوته : أنت من سيخبر أمي ، عندما ستشاهدك مع الصغير وحدكما ستفهم كل شيء ، لا أستطيع أن أخبرها أن ابنها الشاب قد مات ..أرجوك .
اقترب الصغير منها وهمس في اُذنها ( ومن دون أن يذكر والده بكلمة رغم تعلقه الشديد به ) : ماما ماذا يحدث ؟...ردّت عليه من خلال وجومها : سنذهب عند جدتك ، ستلعب مع صديقك حسام طوال اليوم لأنني سأكون مشغولة ..نظرت الى حيرته وأضافت : هناك شيء ضخم يحدث سأخبرك عنه لاحقاَ وبالتفصيل ، قال : إذن هذا وعد .
ولأنها لا تخلف وعودها ، فقد كان التنفيذ في ( نفس الليلة ).
صورة قاتمة لأرملة في الثلاثين من عمرها تجلس على مقعدٍ يقابل الموت في حضرة العتمة تشرح ليتيم في عمر العامين وسبعة اشهر ..معنى اليتم الذي أصبح قدرهُ منذ اليوم
أعطته الجرعة دفعةً واحدة : ( بابا ..سافر الى السماء ولن يعود أبداً ،لا تنتظره أرجوك ).
( سأشتاق اليه ،هل سنذهب اليه يوماً ؟).
( نعم ، كلنا سنذهب عندما يحين الموعد ).
إرتجف جسده الصغير في حضنها وقال : ( هل سترحلين الى السماء وتتركيني ؟).
ردّت عليه : ( لا ، لن أدعك وحيداً ، هذا وعد )، بدأ يغفو مطمئناً وهو يقول : ( وأنت لا تخلفين وعودك أبداً ) .
أوامر وتعاليم العبارة بدأت تسلب منها ذكرياتها لتنتصب كتاباً مقدساً ، بينما هو يحمل حقيبته ، ثم يضعها أمامها على منضدة الواقع قائلاً : ( لقد وجدتها اين النقود ؟)
هتفت بينما تتجه نحو حقيبتها : ( لا تخف ، أنا لا أخلف وعودي أبداً ).
تعليق