تحوّل مهرجان الوفاء والفداء الذي اقامه الحزب السوري القومي الاجتماعي بمناسبة الذكرى الستين لإستشهاد مؤسسه أنطون سعاده، إلى تظاهرة قومية حاشدة شارك فيها عشرات آلاف القوميين والمواطنين، الذين قدموا من مختلف المناطق اللبنانية وضاقت بهم قاعات الـ "فوروم دي بيروت" وساحاته.
المشهد الذي ظلل مكان المهرجان ومحيطه، وقوافل الباصات والفانات والسيارات التي قدمت من المناطق، وأعلام الزوبعة وجبهة المقاومة والأعلام اللبنانية وصور الشهداء التي رفعت بكثافة، كلها تشهد على الحضور القوي للحزب السوري القومي الاجتماعي في المناطق، وهو حضور كرس معادلة الحزب القوي بمبادئه وعقيدته الوحدوية العابرة للطوائف والمناطق.
هو يوم مشهود في تاريخ الحزب، عشرات الآلاف في مهرجان العز القومي، وسبعة آلاف طالب وشبل وزهرة يقدمون عرضاً مميزاً، أنهم أجيال النصر الآتي، الأجيال التي تحمل راية العز والمقاومة.
يوم مشهود للحزب القومي، إن لجهة الحشود المشاركة، أم لجهة التوقيت، أم لجهة الحضور الرسمي والسياسي والحزبي، أم لجهة الرسائل التي حملتها كلمة رئيس "القومي" النائب أسعد حردان الذي دعا لأن تكون الحكومة العتيدة "حكومة وفاق وطني حقيقي، حكومة المشاركة الحقيقية الشاملة الفاعلة". مؤكداً أن "الشراكة تساهم إلى حدّ كبير في الخروج من الأزمة وفي توحيد المواجهة وتصليب الإرادة، وفي إقفال الأبواب التي يستفيد منها العدو "الإسرائيلي".
حضر المهرجان: رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان مُمثلاً بالوزير د. محمد خليفة ورئيس مجلس النواب نبيه بري ممثلاً بالنائب علي حسن خليل ورئيس حكومة تصريف الأعمال الأستاذ فؤاد السنيورة مُمثلاً بالوزير ابراهيم شمس الدين ورئيس الجمهورية السابق العماد اميل لحود ممثلاً بنجله النائب السابق اميل اميل لحود، والرئيس سليم الحص ممثلاً بالدكتور حسن موسى، والوزير طلال ارسلان ممثلاً بمالك ارسلان، ووزير الدفاع الياس المر وقائد الجيش العماد جان قهوجي ممثلين بالعقيد سرحال، ومدير عام أمن الدولة العقيد الياس كعيكاتي ممثلاً بالرائد أيمن محمود، ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي النائب وليد جنبلاط ممثلاً بالدكتور عصام الجوهري.
كما حضر المهرجان، رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد والنائب السابق أمين شري، عضو كتلة الإصلاح والتغيير النائب نبيل نقولا، عضو كتلة نواب المردة النائب اسطفهان الدويهي وعضوا قيادة المردة شادي دحدوح ووسام عيسى، أمين عام حزب الطاشناق هوفيك ميختاريان والنائب أغوب بقرادونيان، الوزير السابق بشارة مرهج، النائب السابق عدنان عرقجي،
رئيس حزب الإتحاد عبد الرحيم مراد، الأمين القطري لحزب البعث العربي الإشتراكي د. فايز شكر على رأس وفد، أمين عام رابطة الشغيلة النائب السابق زاهر الخطيب، نائب رئيس جمعية المشاريع النائب السابق د. عدنان طرابلسي، النائب السابق ناصر قنديل، وفد من قيادة المؤتمر الشعبي اللبناني، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية عباس زكي، الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني السوري نصري خوري، رئيس الإتحاد العمالي العام غسان غصن وعدد من اعضاء قيادة الإتحاد، ممثلة المجلس النسائي اللبناني نهلا الديك، نقيبا المحامين السابقان عصام كرم وريمون عيد، وفد من ندوة العمل الوطني برئاسة هاني فاخوري، أمين عام حركة الناصريين الديمقراطيين خالد الرواس، رئيس شبيبة جورج حاوي رافي مادايان، عمر غندور، ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مروان عبد العال، ممثل منظمة الصاعقة أبو حسن غازي، ممثل الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة أبو عماد رامز، ممثل الجبهة الديمقراطية علي فيصل،
ومثّل شيخ عقل الطائفة الدرزية نصر الدين الغريب الشيخ نزيه العريضي، وحضر عدد كبير من رجال الدين ووفد من تجمع العلماء المسلمين ووفود من جمعيات ومؤسسات وجمع من الشخصيات والفاعليات، وكريمتا الزعيم د. صفية واليسار سعاده.
كما حضر المهرجان إلى جانب رئيس الحزب النائب اسعد حردان، رئيس المجلس الأعلى الوزير السابق محمود عبد الخالق، ونائب رئيس الحزب توفيق مهنا، والعميد النائب د. مروان فارس، ورؤساء الحزب السابقين جبران عريجي، مسعد حجل، عصام المحايري، والوزير علي قانصو، وعدد من العمد وأعضاء المجلس الأعلى والمسؤولين المركزيين.
وقد استهل المهرجان الحاشد بعروض نظامية قدمها سبعة آلاف طالب وشبل وزهرة، على وقع الأغاني والأناشيد القومية، وقدم للعرض مديرة الدائرة الإذاعية المركزية كمال نادر. وبعيد النشيدين الوطني اللبناني والسوري القومي الاجتماعي قدمت رندة بعقليني خطباء المهرجان بكلمة مؤثرة هذا نصها:
أيها الأوفياء، يا أحراراً ، يا مناضلين ، يا أبناء الحياة،يا من امتطيتم صهوة المجد وامتشقتم سيف البطولةيا من بلغتم قمم العز ورفعتم راية الكرامة،أنتم صوت الوحدة ولحن الإباءانتم نبع العطاء والفداء، انتم جنود نهضة كتبت تاريخ مجدها بالدماء والتضحيات، انتم رجالات أمة رفضت مسارات العبودية وناضلت لبلوغ الحريةبوقفات عزكم صنعتم الأسطورة، أسطورة حزب لا يهادن، لا يساوم أسطورة حزب يصارع بحقه وينتصر لحقه. جباهكم تشمخ عزة وعنفوانقلوبكم تنبض صراعاً ومقاومةإرادتكم إرادة صلابة وتحدي دماؤكم وسمت بالأحمر القاني تحريراً وانتصاراانتم من تمرّستم على النضال وأنتم من رفعتم صوت الحق عالياً:" نحن أبناء الحياة الأوفياء المفتدونا كلنا جند لتحيا سورية مستشهدونا" لكم أنتم، لوفائكم وجهادكم، لحضوركم وثباتكم، تحية تموزية تختزن عبْق الصراع وأريج الشهادةفبكم بكم تتحرر الأرض، وبكم يصان العرض والشرفبناة حضارة انتم وانتم نهضة القيموانتم خالدون خلود الأرز في القمم". قم يا معلمي يا سعاده، كحّل عينيك بأبناء حزبك يأتون إليك في ذكرى استشهادك، يأتونك ألوفاً مؤلفة من جنوب سناء محيدلي، من شمال علي غازي طالب وفدوى غانم ونورما ابي حسان، من جبل وجدي الصايغ وابتسام حرب، من بقاع مريم خير الدين ومالك وهبي ومن بيروت خالد علوان، بيروت رمل الجناح الشاهد على جريمة العصر، رمل الجناح الذي لو نطق لانتفض كرامة وبطولة وهزأ برصاصات الغدر والخيانة، معلناً سعاده زعيماً حياً أبدا وقاتلوه أمواتاً أمواتاً أمواتا. يا زعيمي يا معلمي يا سعادهيا قائداً وقف في وجه الإعصار والمؤامرةيا ثائراً رفض العار لأمة حرةيا هادياً رسم الجغرافيا وفق منطق التاريخيا منقذاً وحدّتنا بالانتماء وأخرجتنا من شرانق الطائفية يا معلماً علمتنا أن الحق أقوى من الظلم والطغيان والاحتلال يا شهيداً حياً حاضراً أبداً، انتصر بدمه، بوقفة العز، معلناً أننا حزب لا يهاب الموت متى كان الموت طريقاً للحياة. نأتيك أشبالاً، طلبة، شبابا، رفقاء، أصدقاء وحلفاءنأتيك حضوراً عاصياً صوتاً واعداًنأتيك لنجدد معك ولك العهد والوعد بأننا سنبقى كما علمّتنا كما أردتنا وكما عهدتنا أوفياء لحزبك لعقيدتك، لجهادك لنهجك أوفياء لدمائك وللقضية التي لأجلها استشهدت، وهي قضية حق يزول الكون ولا تزول. ولمن أرادنا أن نزول نقول:تريدون أن نسقط، لن نسقط، لا، سوف نبقى، عبقاً في الأرض، زرعاً وحصاداً سوف نبقىعنواناً للمجد، سوف نبقىنعيد الحق حقاً، نزرع الأرض لتبقى، نبذل الدم لنحيا، سوف نبقى، في ساح الوغىللعز صدى سوف نبقىإن يمت ألف، فآلاف جاهزونمن رحم الأرض يولدون، من قلاع المجد يخرجون، ينالون ما يريدون.نقول لهم:لن ترعبونا،نحن لا نقبل ذُلاً نحن لا نعرف خوفاً سوف تندمون سيبقى هذا حزبناوأنتم أنتم ساقطون
سنبقى هنا وأنتم أنتم الزائلون.
ثم ألقى كلمة حركة أمل النائب علي حسن خليل وقد جاء فيها:
للذي رفع الصوت في زمن السكوت، يشدّ إنتباهنا الى أن فلسطين في خطر والخطر عليها يتجاوز نزاع الجغرافيا الضيقة والقلقة ونزاع العرب على الزعامة على القبائل والأمصار، ليلامس الوجود والبقاء.
وللذي عاش هاجس الأمة، وحدتها، بقاؤها، إجتماعها الذي فيه قوتها، والذي فتح أعيننا مبكراً على خطر التقاسم الدولي لأرضنا وأوطاننا قبل أن يعيه الكثيرون من جيله وعلى الفتن التي تزرع لتبقينا منقسمين نضيِّع قوتنا.
للزعيم، بعد ستين عاماً يبقى رمز تاريخٍ وشعب لا يموت.
سر السر في كلماته، ينظم الخطوط الأولى لمقاومتنا قبل إحتلال فلسطين ويحفر في الوجدان ذاك الرفضالأبدي للتسليم، ويرفع شعار الإستعداد الذي لا يحدّ للمشروع الصهيوني ومواجهة قيام دولته المرتكزة على العدوان والحقد والقتل ويشخصّ الموقف:"إن المعركة معه صراع وجود لا صراع حدود".
لسعاده، صاحب العمر الذي لم تقصّره يد الجلاد ولم تهن عزيمته وهو يقبض على كل الزمن ويقول متحدياً "أنا أموت أما حزبي فباق".
حزبه ـ السوري القومي الإجتماعي، حزب الأمة والمُدافع عن حقها.
لهذا الزعيم الذي ترك هذا الحزب على مساحة الوطن يعبر بين الطوائف والمناطق، يحمل قيماً حدودها كرامة الإنسان.
له كل الفخر والإعتزاز والتكريم والتحية القومية التي أحبها لتحي الأمة، تحية من أخوته في حركة أمل.
إننا في ذكرى سعاده نستحضر معاً المحطات النضالية التي شاركنا فيها وخضناها في حركة أمل والحزب السوري القومي الإجتماعي منذ الإنطلاقة نستلهم من فكر الزعيم ومن معين الإمام القائد السيد موسى الصدر، الوعي والإلتزام الوطني والقومي والدفاع عن الوحدة والدولة ـ دولة العدالة الإجتماعية والحريةوالمؤسسات. والإقفالعلى عناصر التفرقة والطائفية والإنعزال ومواجهة مخاطر المشروع الصهيوني وإطلاق المقاومة المسلحة وتقديم طلائع الشهداء في مواجهته ومن أجل تحرير الوطن وحمايته بإمتداد لم يقف بل توسع ليوحد خطوط المقاومة على مساحة تاريخنا المعاصر من سعيد العاص الى محمد سعد الى عماد مغنية ليستمر من أجل كرامة الوطن والإنسان فيه.
مجدداً في تموز نستعيد معاً قيم الشهادة التي مَثلَها سعاده والشهداء الأوائل في حركتنا الذي سقطوا في تموز في عين البنية ليعلنوا إنطلاقها مقاومة لبنانية تماماً كما أكملها عشرات الشهداء الكبار في تموز 2006 الذين كتبوا مجدنا وهم يثبّتون مع المجاهدين قدرتنا على الإنتصار ورسم القواعد الجديدة للصراع التي أخرجتنا من موقع المتلقي المسلم والمستسلم لقدرة العدو، الى من يسنتطيع أن يجعل هذا الكيان محكوماً بهاجس الدفاع عن وجوده يبحث بمناورات كيانية عن مقومات إستمراره بعد أن اسقطت تجربة المقاومة قدرته على حماية مشاريع توسعه.
إننا في ذكرى سعاده وأيام تموز المجيدة نفتح باب قضايانا الكبرى لنستعيد ونثبّت مجموعة عناوين:
أولاً: إن تصاعد الخطاب العدواني الصهيوني في فلسطين والمتجلي بمزيد من الإنكشاف لحقيقة الأسس التي قام عليها كياناً عنصرياً يهودياً يعمل لأن يصفّي من خلال عمليات القتل والإبعاد والترحيل الوجود العربي الفلسطيني الى خارج فلسطين، يصاعد وتيرة الإستعداد السياسي والإعلامي والميداني لإستكمال جرائمه تحت عناوين الخطر الإيراني وتضخيم القوة العسكرية للمقاومة في لبنان.
كلها أمور تضعنا أمام الحقيقة الثابتة بأن المعركة مع هذا العدو هي معركة الوجود وهي مستمرة وقائمة وتستهدف تصفية القضية الفلسطينية وإنهائها ومنع قيام الدولة والإقفال على حق العودة، والانتقام في أي لحظة من لبنان المنتصر والمقاوم ولبنان الدور الريادي والحضاري والنقيض له.
وإن هذه المعركة تتطلب من أخوتنا في فلسطين وحدة في الموقف والمشروع وإنهاءاً لحالة الإنقسام والعودة الى حقيقة الصراع ووجهته وصياغة المشروع الوطني الفلسطيني بناءً على هذه المخاطر ورسم السبل المشتركة لحماية المقاومة الفلسطينية.
وفي لبنان المطلوب الإستعداد والتركيز على كل مكامن القوة لمواجهة هذا الخطر عبر الإلتزام بالمقاومة تجربة وضرورة وحاجة وطنية مستمرة وربما أكثر من اي وقت مضى خاصة بعد أن أثبتت قدرتها في الدفاع وحماية الوطن وإسقاط المشروع الإسرائيلي في التوسع والسيطرة والتأثير والإلتزام بتكامل دورها مع الجيش اللبناني الذي قدم في تموز أيضاً أنموذجاً في التعاطي المسؤول مع المهمات المطلوبة منه، هذا التكامل الذي يتعزز بالإحتضان الشعبي اللبناني لهما كمشروع وطني جامع.
ثانياً: إننا نتطلع معاً الى تعزيز الوحدة الوطنية وبناء الدولة على مرتكزات الوفاق الوطني والشراكة الحقيقية، شراكة القرار والمسؤولية والتي تتأمن من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع اللبنانيين وتوحد خطابهم تجاه القضايا الأساسية والتحديات وتوظف إمكانياتهم وعلاقاتهم لخدمة إستقرار النظام وتطوره ومعالجة تحدياته.
إننا نجدد الحرص على تسهيل تشكيل هذه الحكومة ودعم الرئيس المكلف في مهمته ليس من أجل إثبات الحضور السياسي أو الحزبي في السلطة ولا لتسجيل النقاط على الأكثرية بعد الإنتخابات بل من أجل تأمين الشراكة الضامنة للجميع والتي تطمئنهم وتترجم المستعاد الإيجابي من الخطاب السياسي بعد الإنتخابات لدى الشركاء الأساسيين، خطاب الوحدة والحوار والحرص والإنفتاح والتركيز على مخاطر ما يجري في المنطقة والعالم من إستهدافات، ومواجهة التحديات بأوجهها كافة.
إن القوى السياسية على إختلافها معنية بمراجعة خطابها الذي ساد في المرحلة الماضية للخروج من حالة المذهبية والفئوية والتوتر في العلاقات بين المواطنين لأننا اصبحنا أمام مسؤولية معالجة الأزمة الوطنية التي تجاوزت النظام السياسي الطائفي الى المجتمع الطائفي الذي أصبح أعمق إنقساماً من النظام نفسه وأصبح لِزاماً إعادة تجميع اللبنانيين حول المسائل السياسية والإجتماعية المشتركة التي أصبح همها يطغى على الكثير من السياسات الضيقة التي تريد إعادة منطق الإنعزال والتي ترفعها بعض الأصوات التي تعيش هاجس السقوط فتستحضر خطاب التوتر لتبقى حاضرة في الساحة السياسية.
مرة أخرى نجدد الدعوة الى القيام بمراجعة جدية لخطاب المرحلة الماضية لجهة العلاقة مع الشقيقة سوريا وقيادتها، العلاقة التي خدمت لبنان وساعدته ومقاومته على الصمود والإنتصار، وأن يبادر الى كسر الجمود وبناء أمتن العلاقات الطبيعية خارج عناوين التوتر المصطنعة وبما يؤمن مصلحة البلدين ومناعتهما ويؤمن أيضاً تعاوناً حقيقياً يشكل ركيزة العلاقات العربية ـ العربية.
ختاماً، يبقى الزعيم، زعيم الكلام والموقف ويبقى كبيراً في إستشهاده وحضور فكره وحزبه وسنبقى في تموز نستحضره وإمامنا القائد وكل الشهداء المجاهدين لنثبت أن الفكر والمقاومة والتضحية لا تموت.
كلمة الأحزاب الوطنية
وألقى كلمة الأحزاب الوطنية رئيس حزب الاتحاد الوزير السابق عبد الرحيم مراد وجاء في الكلمة:
لقد دخلت الوحدة العربية قبلنا الى هذه القاعة.. ودخل التاريخ.. ووقف كلاهما يشهد كم نقف بكل الخشوع والإجلال، إحتفالاً بذكرى إستشهاد الزعيم الكبير أنطون سعاده، تقديراً لنضاله، وإعتزازاً بأفكاره.. التي جعلتنا نتحدث عنه بكل هذه العزة والكرامة.
حقاً.. في الليلة الظلماء يفتقد البدر.. كما يفتقد الرمز!! فكم نفتقدك أيها الزعيم ـ الرمز الكبير؟! كم نفتقدك ونحن نحتفل بالذكرى الستين لإستشهادك. كم نفتقدك وأنت الحاضرـ الغائب..بل وأنت الأكثر حضوراً من بعض الحاضرين؟! رغم الغياب عن الدنيا منذ ستة عقود! يؤكد ذلك التطلع الدائم إليكم كلما إشتدت المحن، وادلهم الخطب، وتأكد أن الوحدة العربية هي خيار الأمة ، وخيار التاريخ.
إن الرجل قائد تاريخي بغير جدال، ورمز شامخ من رموز الأمة العربية، وقاماتها العالية.. والحق أنه ثار في البداية من أجل العزّة والكرامة.. ثم قادته العزّة والكرامة الى الحرية.. وقادته الحرية الى الوحدة. وفي النهاية أصبحت معالم تجربته محدّدة: الوحدة العربية في حدود سورية التاريخية كحقيقة مركزية، ومدخل لصيانة الإستقلال، وصنع التنمية.. ولهذا امتدت اليه يد الغدر.
من هذا المنطلق فإننا نؤمن إيماناً عميقاً بأن القضايا التي طرحها الشهيد أنطون سعاده لا تزال هي قضايا الحاضر وتحدّيات المستقبل، كما أن الثوابت التي إستجابت لها لا تزال قائمة. لكن هذا التصور لا يعني بأية حال تجاهل حقائق العصر الذي نعيشه ومتغيراته.
لقد تبنى الشهيد أنطون سعاده شعار وحدة سورية التاريخية، وأسس الحزب السوري القومي الإجتماعي ليحمل هذه الرسالة، هكذا تحددت محاور القضايا والهموم التي نادى بها، وناضل من أجلها واستشهد، على النحو الآتي:
1 تهيئة متطلبات وحدة الأمة، من منظور وحدة سورية التاريخية، لا رفضاً لمبداً الوحدة العربية الشاملة، ولا تناقضاً معه، إنما بحكم ما يجمع بين مناطقها المجزأة على شكل دول من خصوصيات وصلات وروابط، ورداً على ما شهدته هذه الوحدة الإقليمية من المخططات الإستعمارية، التي هدفت الى تجزئة المجزأ، وتفتيت المفتت.
2 العمل على تحرير فلسطين، على أساس أن تجزئتها وإقتطاعها من سورية التاريخية اقترنت بإغتصابها من قبل الصهيونية العالمية و"إسرائيل"، بتعاون تام مع قوى الهيمنة الغربية المتغيرة، التي لعبت الدور البارز في زرع العدو الإسرائيلي في هذه المنطقة لترسيخ التخلف والتبعية والتجزئة فيها، وبناء حائط أجنبي يفصل المشرق العربي عن المغرب العربي.
3 السعي الى إلغاء الطائفية، إنطلاقاً من الإيمان بالمفهوم العصري للأمة والدولة، وتوطيداً للوحدة الوطنية، التي تعتبر هي المدخل الطبيعي لإنجاز وحدة سورية التاريخية، في إطار مبدأ الوحدة مع التنوع، ومن ثم التصدّي لمشروع الهيمنة الغربي ـ الإسرائيلي.
لذلك من المهم الإستعانة بهذه التجربة الفريدة في تأسيس حزب لا طائفي، وضرورة الأخذ بهذه الصيغة اللاطائفية التي ينتهجها الحزب السوري القومي الإجتماعي، بل وأن تعتمد كأساس لإعداد قانون جديد للأحزاب في لبنان، لأننا بدلاً من الشروع في إستكمال تطبيق إتفاق الطائف، بخاصة بإتجاه إلغاء الطائفية السياسية، إذا بنا نرتد بقانون الإنتخابات الأخير الى ترسيخ الطائفية والمذهبية.
بهذه المناسبة فإننا نتوجه بكل الإعتزاز والتقدير الى الأخ والصديق معالي الوزير أسعد حردان، الذي يحمل راية الحزب السوري القومي الإجتماعي، عالية خفاقة، تقديراً لدوره الوطني والقومي البارز والمتميز، مدركين أهمية وجوده على رأس الحزب، لنواصل حمل الرسالة، والوفاء بالأمانة، وما تقتضيه من نضال وتضحيات، هو أهل لها، بخاصة في هذه المرحلة التي تواجه فيها لبنان والأمة العربية كلها جملة من القضايا والأزمات، الداخلية والخارجية، بطريقة لم يواجهوها من قبل في التاريخ الحديث، مما يضيف الى حجم التحدي لتفكيك هذه الأزمات، التي تواجه لا الدول والحكومات فقط، بل أخذت تتغلغل داخل النسيج الشعبي، فأصبحت تهدد كيانه بمخاطر الفتنة والتفتيت. كما أنها تسعى الى تأكيد مناعة لبنان وإستمراريته، فضلاً عن قدرته على التوحد لصدّ خطر الإندماج أو الإنفراط في " نظام الشرق الأوسط"، حيث مراكزه الأساسية خارج الإقليم، وكذلك عقائده ومصالحه، ومن مواقع إقليمية تنهش حدود الأمة وكيانها وهويتها، وفي وجه زحف شديد التطرف يستتر بالإسلام والدين منه براء، يشترك مع الزحف القادم من الغرب في الكراهية المقيتة للعروبة والإسلام.
إننا نؤمن بيقين أنه لا تناقض على الإطلاق بين الدعوة الى وحدة سورية التاريخية، وبين الدعوة الى الوحدة العربية الشاملة، التي نتشرف بالإيمان بها، ورفع لوائها، والدعوة إليها. بل إننا نعتقد أنه إذا ما كان العمر قد إمتدّ بشهيدنا الكبير أنطون سعاده، ومدّ بصره، بعد وحدة سورية التاريخية الى محيطها الطبيعي، هذا الوطن العربي الكبير، الذي تجمعه نفس أواصر التاريخ والجغرافيا، كما الثقافة والحضارة والتحديات، حاضراً ومستقبلاً. إن الدعوة الى وحدة سورية التاريخية تماثل الدعوات الى وحدات عربية جزئية أخرى؛ كما يقوم الآن مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وإتحاد دول المغرب العربي، إن البعض يتصور أن جامع إتحاد دول الخليج هو الثروة، أي أنه تجمع للأغنياء، وما أبعد ذلك عن الصحة، وإلا لاعتبرنا الإتحاد المغاربي تجمعاً للفقراء. إن الجامع الحقيقي في كل الحالات أنهم عرب، قبل أي شيء آخر، بكل ما يعنيه ذلك من حقائق جغرافية وتاريخية. من هنا نؤكد المحددات الآتية:
1- إن الوحدة لا يمكن بل ولا ينبغي أن تكون فرضاً، من ثم فإن القسر بأية وسيلة من الوسائل عمل مضاد للوحدة. إنه ليس عملاً غير أخلاقي فحسب، إنما هو خطر على الوحدة الوطنية داخل كل شعب من الشعوب العربية، ومن ثم فهو خطر على وحدة الأمة العربية في تطورها الشامل.
2- إن الوحدة العربية ليست صيغة دستورية واحدة لا مناص منها، لكنها طريق طويل، قد تتعدد عليه الأشكال والمراحل، وصولاً الى الهدف الأخير.
3- إن أية حكومة وطنية في الوطن العربي، تمثل إرادة شعبها ونضاله، في إطار الإستقلال الوطني، هي خطوة نحو الوحدة، من حيث أنها ترفع كل سبب للتناقض بينها وبين الآمال النهائية في الوحدة الشاملة.
4- إن أية وحدة جزئية في الوطن العربي، تمثل إرادة شعبين أو أكثر من شعوب الأمة العربية، هي خطوة وحدوية متقدمة، تقرب من يوم الوحدة الشاملة، وتمهد لها، وتمد جذورها في أعماق الأرض العربية.
5- إن الشعوب العربية تريد أملها كاملاً، لكن تحقيق الجزء مساهمة في تقريب يوم الكل، دون أن يكون، تحت أي ستار، وفي مواجهة أي إدعاء، وسيلة لتجميد الحاضر، وضرب المستقبل به.
إذا كانت الإنتخابات النيابية الأخيرة هي صفحة طويت؛ فإنها تمثل بلا شك مجرد محطة أولى، على طريق فتح صفحة جديدة، تستند الى مجموعة من الثوابت:
أولاً - تعميم المصالحات الوطنية، وإدارة الخلافات التفصيلية بشكل عصري وعقلاني، لمعالجة المشكلات الداخلية والتحديات الخارجية. يقتضي الشروع في الإصلاحات المطلوبة أن يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية، يشارك بها الجميع عن إقتناع، مشاركة حقيقية، لا شهود زور، لا منة من أحد على أحد، لأن الوطن في حاجة للجميع في هذه المحطة التاريخية المفصلية.
ثانياً ـ ضرورة التفرغ لمواجهة هموم الناس، ومغالبة الأزمة الإقتصادية الإجتماعية الخانقة التي أرهقت كاهل اللبنانيين. وللخروج من هذا الوضع الكارثي لا بد من العمل على تعزيز قطاعات الإنتاج الزراعية والصناعية، وتأمين الأسواق والتسهيلات لها، من أجل زيادة النمو، ومعالجة مشكلات البطالة والغلاء والتضخم والكهرباء، وغيرها من الخدمات العامة.
ثالثاًـ إن إتفاق الطائف ينص على قيام علاقات لبنانية جيدة مع الدول العربية، ومميزة مع سوريا، وبالأحرى ثمة مصالح مشتركة لتكون هذه العلاقات مميزة جداً؛ لأن طبيعتها جغرافياً وتاريخياً هي مميزة في الأساس، دون تردد أو تمن من أحد بزيارة هنا أو هناك. إن العلاقات المميزة لا تؤكدها البعثات الديبلوماسية، إنما العلاقات الأخوية الصادقة بين الشعبين، والتداخل والترابط الإجتماعي، والمصالح المشتركة، مما نتطلع إليه لبنانياً وسورياً وعربياً.
رابعاًـ إن الصراع الدائر في لبنان يرتبط بالمواجهة الكبرى في المنطقة بين المشروع الأميركي ـ الصهيوني، وبين قوى الممانعة والمقاومة، التي تدخل هذه المواجهة برصيد كبير؛ متمثل في إنتصارها عام 2000، كما الإنتصار المدّوي في موقعة تموز عام 2006. لذلك لا بد من تأكيد خيار المقاومة، وتعميم ثقافتها في المجتمع، والتمسك بسلاحها كوسيلة لمواجهة العدوان والأطماع، ورفض محاولات إقحام هذا السلاح في أي سجال سياسي أو مخاوف، كونه يستمد شرعيته من الإنجازات التي حققها، ومن أن وجهته هي حصراً ضد العدو الصهيوني.
لقد أكد الشهيد الكبير، كما كل الشهداء الأبرار، أن الحياة وقفة عز، وأن معجزة الإنسان أن يلقى ربه وأنفه مرفوع، ورأسه في عنان السماء. لقد رفع شعار الوحدة مؤكداً أن السبق إليها هو حق القادرين عليها، بغير إدعاء من أحد في فضل يتوهمه، أو يوهم الآخرين به.. إن هؤلاء الأبطال، الذين يقاتلون، والذين قضوا في ساحة الشرف والتضحية، إنما يمدّون جسراً عربياً الى المستقبل، ويزيلون من عليه كل ألغام الحقد والغدر والخيانة، ويعبدونه بأجسادهم الطاهرة، وأرواحهم الذكية.. كما أنهم يستشهدون أيضاً من أجل حياة حرة كريمة.. مؤكدين أن تواريخ الشعوب العظيمة تكتبها دماء الشهداء العظيمة.
وإذا كان الرئيس شيراك يذهب الى "أن اللسان وحده جامع!".. فكيف باللسان مضافاً إليه القلب والعقل، مضافاً إليهما الضمير والوجدان، والتاريخ والحضارة، وجميعها فوق أرض واحدة، وعلى أرضية مشتركة؟!
كلمة التيار الوطني الحر
وألقى كلمة التيار الوطني الحر النائب د. نبيل نقولا وجاء فيها:
مناسبات تتكرر ليست مجالاً لتذكر ماض، إلا من زاوية استشراف قيم عظيمة يزخر بها إرث انطون سعاده في كل مناحي الحياة وفصولها، ومن أكثرها تعقيداً الى أقلها، منذ النكبة التي عاصرها وحتى اليوم الذ ترسخت فيه حقائق كانت حتى الأمس القريب أوهاماً، فعايشنا حقيقة العين التي قاومت المخرز، وحقيقة السجان الذي تحول أسيرا لسجينه، وحقيقة الدم الذي انتصر على السيف، وحقيقة ذلك التموز المشؤوم فجر استشهاده، يتحول فجرا آخر في تموز في العام 2006 مرورا بكل تموزيات العزة.
أنطون سعاده، في كل عام تتكرر الذكرى والرجل لا يتكرر، يتكرر توق الى التنور لممارسة دور ورسالة في هذا الشرق أدركهما أنطون سعاده بعمق، في ظل انحراف شعبوي، ما أنتج إلا حالات من الخوف والغبن والاحباط.
يتكررالإيمان بوجود حد فاصل بين التقوقع على أساس طائفي والذوبان على أساس طائفي آخر، وأن في هذه الأمة التي شهدت هبوط الأديان من السماء على الارض ، ثمة نهضة يجب أن تعيد رفع النفوس من الأرض الى السماء.
يتكرر اليقين بأن لبنان الحر، السيد المستقل، المتنور والملتزم بقضاياه الحيوية وبمصالحه العليا هو وحده، يمكن أن يكون ما عناه سعاده عندما قال، إنه دائرة ضمان لينطلق منها الفكر ويمتد الى المشرق كله.
وحدها هذه المبادىء المرتكزة على المناقب والقيم، والمدركة لمجمل حيثيات الدور والرسالة، قادرة على انتاج الموقف الوطني السليم الممتلك أهلية الانتصار على الاحتلال والازمات.
أنطون سعاده، لو كنت بيننا اليوم، لأيقنت أن الأمة التي بالحد الأدنى من توحدها، غيرت فعلاً وجه تاريخ المنطقة، فحملت مشعل الانتصار مع الشعب اللبناني بيد، وحملت بيدك الأخرى السوط الذي طرد به المسيح تجار الهيكل، إزاء قلة قليلة مشبعة بثقافة الهزيمة التي لا تفرق بين الذل والعز، بين الهزيمة والانتصار، والتي تعممت خلال خمسينانت وستينات القرن الماضي.
لو كنت بيننا اليوم، لكنت قائدا تقاوم مع من يقاوم كل مشاريع التقسيم والتوطين والالتفاف على انجازات الشعب والمقاومة.
لو كنت بيننا اليوم، لأفهمت من لم يفهم بعد ، بأن وحدة لبنان تتلازم دوما مع سيادته، بحيث لا وحدة من دون سيادة، ولا سيادة من دون وحدة، وعلمت من لم يتعلم بعد، أن السلوك الذي يكتنفه الالتزام والاحترام، يمكن على أساسه فقط، أن نمارس موقفاً سديدا وقراراً صائباً، يُفهم الشقيق التزامنا بالأخوة، وُيفهم الصديق إخلاصنا للصداقة، وُيفهم العدو أن حقنا في المقاومة لتحري أرضنا مكون من مكونات وجودنا، ويُفهم الجميع أن السيادة خط أحمر غير مقبول تجاوزه مطلقا.
أنطون سعاده، أخيرا وليس آخراً، لو كنت بيننا اليوم، لكم كانت تغيرت الأشياء، فحصلت أمور، وأمور أخرى لم تحصل، لو أن الكاهن الذي عرفك في ذلك الفجر الأسود، تمكن من إخفائك تحت جبته في حنايا قلبه، أو بين وريقات إنجيله.
أنطون سعاده هوذا اليوم، يتراءى لنا في كل موقف جريء في كل رأي حكيم، في روح كل شهيد، وفي كل جرح نازف على تراب الوطن.
باسم التيار الوطني، وباسم رئيسه العماد ميشال عون أشارككم حضوره المتنور والدائم. عشتم وعاش لبنان.
كلمة حزب الطاشناق
ثم ألقى أمين عام حزب الطاشناق هوفيك ميختاريان كلمة جاء فيها:
نجتمع هنا اليوم في ذكرى استشهاد أحد رجالات هذا الوطن العظيم الرجل الذي اغتالوا جسده قبل ستين عاما، لكنهم فشلوا في اغتيال حقيقة مفاهيمه النهضوية ومنارة أفكاره.
هذا الرجل الذي جعل في قضية أمته هدفاً واحداً لحياته فاستحوذت على كل وجوده. واليوم وبعد ستون عاما على استشهاده، ما زالت أفكاره وطروحاته تنبض بالحياة وتتطابق مع مجريات الأحداث في كل أرجاء الأمة، كما لو أنه ما زال مع رفاقه في الحزب السوري القومي الاجتماعي يعالج قضايا الوطن والأمة.
إن ذكرى استشهاد الزعيم انطون سعاده يفرض علينا من منطلق أهمية هذا الحدث، التطرق لتطورات الأحداث في لبنان وخاصة خلال السنوات الماضية حيث دفع الوطن والمواطن ثمن الانقسامات الحادة بين مختلف القوى اللبنانية والتي بدأت باغتيال دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وما تبعه من مراحل أساسية بدءاً من الانتخابات النيابية العام 2005 مروراً بسلسلة الاغتيالات التي طالت نواباً وشخصيات قيادية وما رافقها من مراحل تأليف المحكمة الدولية حتى انطلاقتها رسمياً، وما تخللها من استقالات وزراء من الحكومة التي أصبحت غير ميثاقية بغياب ممثلي طائفة اساسية، وصولاً الى مظاهر الرفض لهذا الواقع حيث نزل أكثر من مليون مواطن للمشاركة في اعتصام طال أكثر من سنة.
ولعل أبرز ما تعرض له لبنان خلال هذه الفترة هو العدوان الاسرائيلي في تموز 2006 الذي استمر ثلاثة وثلاثون يوماً لكنه وبالرغم من فظاعة جرائمه ضد المدنيين الأبرياء تمت مقاومته والحاق الخسائر بجيشه وتحقيق النصر مجدداً من قبل المقاومة اللبنانية، وبالتالي تعزيز مكانة لبنان في محيطه.
وجاءت قرارات وأحداث ايار الفائت لتهدد السلم الاهلي في لبنان والتي أدت الى توقيع اتفاقية الدوحة من قبل الاطراف المشاركة فيه وتم الاتفاق على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، وتأليف حكومة وحدة وطنية، والتوافق على قانون للانتخابات النيابية اعتمد قانون العام 1960 مع بعض التعديلات.
وكانت طاولة الحوار التي دعا اليها رئيس الجمهورية لدراسة الاستراتيجية الدفاعية من المحطات الرئيسية في هذه الفترة والتي استطاعت أن تؤمن الحد الأدنى من التواصل بين القيادات الرئيسية في هذه المرحلة.
وتميزت مرحلة ما قبل الانتخابات بحملات عنيفة ووصفت هذه الانتخابات بالمصيرية من قبل قوى الأكثرية في حين كانت قوى المعارضة تنادي بالشراكة في الحكم بغض النظر عن نتائج الانتخابات معتبرة أن لبنان لا يحكم الا بالتوافق وان الانتخابات هي مرحلة أساسية لكنها ليست مصيرية.
واليوم وبعد أن جاءت نتائج الانتخابات لمصلحة قوى الأكثرية، أُعيد التأكيد على صوابية طروحات المعارضة في نواح عدة، وأبرزها أن لبنان لايحكم الا بالتوافق ولعل أبرز مثال على ذلك هو إعادة انتخاب دولة الرئيس نبيه بري رئيساً لمجلس النواب وتكليف الشيخ سعد الحريري لتأليف حكومة وحدة وطنية يشارك فيها الجميع، ولو كانت هناك تباينات في شكل وطبيعة المشاركة.
إن تركيبة لبنان الفريدة والمتمثلة بالديمقراطية التوافقية من جهة وعلاقته بمحيطه العربي من جهة أخرى، تفرض عليه إقامة الحكم فيه بمشاركة الجميع لتعزيز صيغة العيش المشترك بين جميع أبنائه، وانطلاقاً من هنا، نرى نحن في حزب الطاشناق، أن التشكيلة الحكومية التي سوف يقدمها الرئيس المكلف سعد الحريري يجب أن تراعي خصوصية هذه التركيبة بموازاة مراعاة الظروف الاقليمية، مع العلم أننا على يقين تام بأنه على مستوى هذه المسؤولية التي تفرض عليه استيعاب الجميع في مثل هذه الظروف الدقيقة.
ولا بد أن نتطرق أيضا الى التحديات الكثيرة التي هي بانتظار الحكومة المقبلة من مشاكل اجتماعية واقتصادية وحياتية والتي تتطلب حلولاً جذرية وسريعة لتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين.
أيها الحفل الكريم
نحن على أبواب مرحلة جديدة تتطلب منا جميعا الانفتاح على بعضنا، والحوار مع بعضنا البعض من أجل التوصل الى تأليف حكومة وحدة وطنية تكون فيه مشاركة كل الأفرقاء فعالة، وتؤمن انطلاقة حقيقية لوضع البلاد على السكة السليمة وتعزيز علاقات لبنان بجواره العربي والاستفادة من المناخات الايجابية للعلاقات العربية- العربية والنهوض بلبنان الى مستوى طموحات اللبنانيين ولمواجهة التهديدات الاسرائيلية ولتكثيف الجهود لوضع حد للهجرة واستعادة طاقات لبنان الشبابية ولتعزيز دور لبنان الريادي في هذه المنطقة .
كلمة حزب الله
والقى كلمة حزب الله رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد وجاء فيها:
ستون عاماً مضت وأنطون سعاده لم يغادر
وستمضي ستون اخرى ولن يغادر
فقناعات الرجل وصدقية ممارسته لها تجسد قضية،
والقضية حين تكون بحجم وطن وأمة تصبح عصية على الارتحال.
واذا كانت الحياة لا تقاس بسنوات العمر، وانما بمدى الفعالية والتأثير في حركة الوجود؛ فإن كثيراً ممن نعدُّهم أحياء هم حقيقة في عداد الموتى لانعدام فاعليتهم وتأثيرهم...
أما الأحياء الحقيقيون فهم أولئك الفاعلون الذين وان غابت أجسامهم إلاّ أنهم يحركون الأحداث ويصنعون التطورات وتُوسَمُ ببصماتهم حقب التاريخ..
أنطون سعاده نموذج من هؤلاء الذين غادرتهم اجسادهم فيما لزمتهم أمتهم، واستمرت تقرأ في كتابهم وتستحضر وقفاتهم، تتمسك بمبادئهم وقضاياهم، تتفاعل مع نهجهم وتتابع نضالاتهم.
وحدهم الكبار الكبار، يستطيعون بذل أنفسهم قرابين من أجل ان تنتصر قناعاتهم، لأنهم يدركون يقيناً "أن الحياة وقفة عز فقط".
أو ليس ما قرأته في أنطون سعاده الشهيدة سناء محيدلي ومعها كل رفاقها في الحزب السوري القومي الاجتماعي وفي كل قوى المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني؟
كأن تموز على موعد دائم مع البطولات، وكأن القدر اختاره ليكون زمناً لإختبار الارادات وفيه على مدى التاريخ صنعت الشعوب الكثير الكثير من التحولات.
في تموز من العام 2006 واجه شعبنا المقاوم في لبنان أشرس حرب عدوانية عليه، إحتشدت فيها معظم دول الغرب المستكبر، وبعض النظام العربي المستهتر، وقوم تُبّع مشدوهون بعظمة آلة الحرب الصهيونية وتكاملت ادوار هؤلاء جميعاً مع الغزوة الاسرائيلية الفاشية ضد لبنان.
وكان الهدف... سحق المقاومة واخضاع ارادة اللبنانيين والحاق بلدهم بمنظومة اقليمية سميّت بالشرق الأوسط الجديد بما تعنيه هذه المنظومة من سيطرة استعمارية جديدة على لبنان والمنطقة كلها، وتصفية القضية المركزية للأمة، وتوطين الفلسطينيين في لبنان وبلدان الشتات وتكريس يهودية الكيان الصهيوني والتسليم بواقع التمدد الاستيطاني.
وعند الاقتضاء... تغطية ذلك كله بإعلان التزام بإقامة شبه دويلة منزوعة السيادة والسلاح، مسلوبة الموارد الاقتصادية تكون ملاذاً لمن تبقى من الشعب الفلسطيني او ارتضى ان يكون لاجئا أبدياً في هذا المخيم الوضيع.
وبقدر ما كان هذا المشروع محكماً، وبقدر ما كانت الرهانات على نجاحه كبيرة، كانت الخيبة جرّاء فشله صاعقة ومذهلة ومربكة لاصحابه.
لقد هزم شعبنا اللبناني المقاوم هذا المشروع المحكم، وأسقط كل الرهانات المعادية، وأحبط الهدف المرسوم، وأربك سياسات كل الدول والقوى المتورطة فيه.
ومن جهة أخرى صدّع بمستوى بالغ البنية الأمنية والمخابراتية والعسكرية الصهيونية التي اعتُمدت كأداة لإنجاز خطواته.
واليوم بعد مرور سنوات ثلاث، لا يزال التصدع في بنية الأداة قائماً رغم كل محاولات الترميم.. وتبدلت لغة أصحاب المشروع وأساليبُهم.. إلاّ أن الإستراتيجية لا زالت على ما كانت عليه..
فصدام الحضارات تحوّل شكلاً الى حوار بين الأديان ودول ما سُمي بمحور الشر باتت تستحق فرصة للتفاهم معها كسباً للوقت وتعميم الثورات المخملية عبر الإنترنت باتت بديلاً عن الغزو المباشر، وتثمير الإنقسام الفلسطيني بات يسمح بتمرير مشروع الدولتين، والإقرار بيهودية الكيان الصهيوني يفترض أنه مدخل مناسب لتكريس التوطين وإسقاط حق العودة.
والقبول بنتائج الإنتخابات في لبنان لا بد أن يستثمر عبر تحكيم الأكثرية وإطاحة الديمقراطية التوافقية. أما التشكيك بنتيجة الإنتخابات الرئاسية في إيران فهو معبر طبيعي لإضعاف النظام وسوقه مطعوناً الى التفاوض حول الملف النووي..
وإذا كان الجمهوري الأبيض لا يستطيع قيادة هذا التغيير الشكلي فلا بأس بتجريب الديمقراطي الأسود، المهم أن يبقى النهب للنفط العربي متيسراً، وأن تبقى صناعة السلاح مدرارة، وأن يبقى الكيان الصهيوني راس رمح صالح للإستخدام.
هذا هو مختصر اللعبة الراهنة، وعلى جميع القوى الوطنية والقومية والاسلامية المناهضة لمشروع الهيمنة والتسلط على لبنان والمنطقة أن تدرك خطورة الغفلة عن الأساليب الجديدة المبتكرة وكارثة الانخداع بأضاليل السياسات التي يروجها اليوم أصحاب المشروع نفسه.
إن التوافق اللبناني والشراكة الحقيقية في حكومة الوحدة الوطنية المزمع تشكيلها هما خطوة ضرورية لتحصين لبنان ضد مخاطر واستهدافات تلك القوى المعادية.
وإننا في حزب الله إذ نلتزم المرونة والتسامح في التعاطي بالشأن الداخلي ومع الجهات اللبنانية، فإننا نلتزم أيضا الحزم دون لين والشدّة في التعاطي مع كل تآمر أو عدوان يستهدف لبنان على مستوى الهوية والموقع والدور. وهي جميعها محددة وواضحة في ميثاق الوفاق الوطني.
ومع التزام المقاومة واجبها الوطني فإن على المجتمع الدولي أن يمارس مسؤوليته في إنهاء احتلال العدو الصهيوني للجزء اللبناني من بلدة الغجر كما لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وأن يكف عن التصرف بلا مبالاة إزاء الخروقات الاسرائيلية للسيادة اللبنانية سواء من البر أو البحر أو الجو أو عبر انشاء شبكات التجسس لضرب الاستقرار وتهديد الأمن الوطني .
إن لبنان بمقاومته وشعبه وجيشه هو اليوم أقوى مما يتوهم العدو، وان لعبة الأمم لن تقدرعلى النيل من ارادة المقاومين، ولن يُجدي نفعاً كل الأضاليل والنفخ في نار الفتن فلن يصرفنا شيء في الدنيا عن التصدي للإحتلال الصهيوني ومواجهة مشروعه.
إننا في الوقت الذي نؤكد فيه اعتزازنا وتقديرنا لوحدة الموقف بين كل قوى المعارضة في لبنان ، والتمسك بالتفاهم الذي أصبح ضابط إيقاع بيننا وبين التيار الوطني الحر، نرحب بكل خطوة باتجاه التهدئة والمراجعة للذات ، أيا يكن الطرف اللبناني الذي يقوم بها. وندعو الى مزيد من الانفتاح باتجاه التوافق بين كل القوى والاتجاهات اللبنانية.
إن ميثاق الوفاق الوطني والدستور يمثلان مرتكزاً صالحاً لبناء التفاهم بين كل اللبنانيين، وإن تحديد التصرف العملي الحاسم على قاعدة أن اسرائيل عدو وجودي يشكل تهديداً دائماً وداهماً للبنان، من شأنه أن يقفل بقية النوافذ المشرّعة أمام كل المخاطر الخارجية والانقسامات الداخلية.
إن المناسبة تفرض علينا أن نسمو الى مستوى المسؤولية الوطنية والقومية لنحفظ بلادنا و أمتنا ولنبني نهضتنا ونحمي انجازات شهدائنا.
في هذه الذكرى ... نشد على أيادي الرفاق في الحزب السوري القومي الاجتماعي ونحيي شهداءه ومناضليه كما نحيي دوره الوطني والقومي وتمسكه بالثوابت التي تضمن استقرار الوطن والسلم الاهلي فيه وحفظ مقاومته ووحدة شعبه وأرضه و مؤسساته والعلاقات الاخوية مع محيطه العربي والمميزة مع سوريا والمنفتحة على كل الأصدقاء الداعمين لقضيتنا الوطنية .
كلمة رئيس الحزب النائب أسعد حردان
كلمة الختام كانت لرئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي النائب أسعد حردان ومما جاء فيها:
نحتشد اليوم في لهب تموز المبارك، شهر العطاء والفداء لنفي مناراتنا بعضاً من حقهم القومي علينا. نتذكر الشهادة الأبهى التي أراد أصحابها التصدي، بالمتاح لهم، لمسار المؤامرة الخبيثة ضد شعبنا ووطننا ومجمل وجودنا.
من وقفة يوسف العظمة في تموز ميسلون، إلى وقفة سعاده الإنقاذية المقاوِمة في تموز بيروت، إلى انتصار لبنان المقاوم في عدوان تموز 2006 تختزل تموزياتنا المتواصلة معنى العزّ وفعل البطولة والحرية والكرامة. وينهض فينيق الحياة الجديدة بفعل الفداء الجماعي إلى مستوى القضية الكبرى، قضية الأمة وحدةً وسيادةً ونهوضاً.
ستون عاماً وتموز يتضمخ بالدم ويتزكّى بالشهادة.
ستون عاماً والبلاد مازالت تعاني من خطريْن: خارجي وداخلي. الخطر الخارجي الداهم يمثله عدو صهيوني يهدّد حاضر البلاد ومستقبلها كما سبق له أن هدّد ماضيها، والخطر الداخلي المتمثل بالطائفية والمذهبية. إنه خطر نعرفه جميعاً لأنه نقيض التماسك ووحدة الحياة، ولأنه الصاعق المفتوح على الهزات والفتن الداخلية المتتابعة، التي استهدف مثيروها ويستهدفون تفتيت بلادنا من بعد تجزئتها، تمهيداً لشلّ قواها واحتلال إرادة الحياة والنهوض فيها.
لكنّ في الأمة كلها قدرات كبيرة ترفض اليأس والتيئيس، وتمتلك جهوزية الصمود والانتصار، وما معادلة المقاومة التي فرضت نفسها ثقافةً وإرادة وروحية إلاّ السلاح الأمضى في مواجهة الحربين العسكرية والنفسية اللتين يحاول العدو "الإسرائيلي" أن يشنهما باستمرار على أرضنا وشعبنا وقضيتنا. ولعل المضمون الأعمق لاستشهاد سعاده مرتبط ارتباطاً عضوياً بفكره القومي الاستشرافي من فلسطين إلى لبنان ومن الشام إلى العراق مصوّباً البوصلة على مهبّ المخاطر المتمثلة في العدوان الصهيوني المستمر. وإذا كانت نظرية إسقاط بلادنا تقوم على تغذية مناخات التناقض والتنافر والشرذمة، فإن فلسفة سعاده الاجتماعية تقوم على مبدأ التوحّد الداخلي والإخاء القومي خدمة لمصلحة بلادنا وارتقائها. بل ان استشهاده يجسّد الرفض المبدئي الجذري لمؤامرة تقسيم الأمة تمهيداً لتفتيتها. وقد استمر الحزب السوري القومي الاجتماعي على طريق التضحية وتقديم الشهداء الأبطال دفاعاً عن وحدة المجتمع التي هي ثابتة أولية من ثوابته القومية. وما إقبال الشباب عليه إلاّ دليل على أن قضيته حيّة وذات صدقية، كما أنها مازالت حلاً رائداً لمشاكل بلادنا وأمراضها السياسية والاجتماعية.
أيها الحضور الكريم،
إذا نظرنا إلى المشهد القومي يرتسم أمامنا مشروعان متضادّان هما: المشروع الصهيوني التوسعي الغاصب لحقوقنا والقائم على نظرية "مطاطية الحدود" وفيض القوة من جهة، والهادف إلى الإبقاء على أمتنا مقسّمة إلى كيانات متنافرة من جهة أخرى، ما يعني استمرار المؤامرة بالمشروع السالب لحقوقنا والرامي إلى تدمير وحدتنا وإلغاء تاريخنا والذي يهدد العالم العربي كله بالهيمنة وسرقة الثروات. أما المشروع الآخر المقابل فهو مشروع الحق والممانعة المعاكِس، العامل على تجميع قدراتنا وتصليبها.. انه مشروع الكرامة والحياة العزيزة لأمة لا ترضى قبر التاريخ مكاناً لها تحت الشمس. وبناءً على هذا المشهد الواضح تفرض بعضُ الأسئلة نفسها على الناظر السياسي:
أولاً:
لماذا يريدون لشعب فلسطين أن يظل منقسماً على نفسه ومحاصَراً، تستنزف الخلافات طاقاتِه، وتُختلق الذرائع لتصوير وجود هذا الشعب وكأنه هو المشكلة، لا الكيان الغاصب الذي استجمع شتاته من أصقاع الأرض ليستوطن الأرض ويسلب الحق بأسلوب إرهابي ممنهج. ونداؤنا إلى شعبنا في فلسطين: الأولوية هي لتصليب الوقوف في وجه هذا المشروع الإلغائي وتصعيد الفعل المقاوم في مختلف الميادين.
لماذا يُراد للأردن ، مثلاً، أن يعيش هواجس تهديد "إسرائيلي" مستتر يتمثل في بقائه مسكوناً بفزاعة الوطن البديل أو الترانسفير، وكأن العدو يريد ضَرْب عصفوري فلسطين والأردن بحجر واحد؟ ونحن من هنا نوجّه تحية إلى شعبنا في الأردن لرفضه التطبيع مع العدو.
لماذا يُراد للعراق أن لا يعرف التوحّد الداخلي بين مكوناته، وأن يبقى بؤرة للاحتلال والتفجير وأعمال التقتيل؟ صحيح أن المحتلين بدأوا ينكفئون عن أرض العراق، بعد معاناة طويلة تلازمت مع مقاومة عراقية باسلة، إلاّ أننا في هذه المناسبة ندعو إلى وحدة العراقيين وإلى التمسك بالهوية القومية على قاعدة نبذ الانقسام والتفتّت. كما ندعو شعبنا في العراق الأبي إلى استذكار دوره وتاريخه وثرواته وقوته وخزانه الحضاري، وكلّها عناوين جديرة بالتضامن والتوحّد في مشروع تحرير العراق ولمّ شمله وإعادته عمقاً قومياً قوياً، وموئلاً للحضارة والتقدّم.
لماذا يريدون قطع شرايين الحياة التي تصل سورية بمحيطها الطبيعي، بدءاً من لبنان، حيث تطغى لدى البعض نغمةُ استعداء الشقيق الأقرب الذي فتح ذراعيه للبنانيين في أصعب المحن؟ أَلَمْ تساهم سورية في حماية وحدة لبنان وصيانة أمنه؟ ألم يكنْ لها الدور الفاعل في دعم لبنان أثناء عدوان نيسان عام 1996 وفي الوقوف إلى جانب مقاومته؟ أَلَمْ تكن سورية إلى جانب لبنان وشعبه وجيشه ومقاومته التي أدّت إلى دحر العدو عام 2000؟ أَلَمْ تحتضن موجات اللبنانيين الذين تركوا منازلهم في أعقاب حرب تموز 2006؟ أَلَمْ تقف سورية إلى جانب لبنان يوم لم تكن لديه مؤسسات، قبل الطائف ومن خلاله وبعده؟ أَلَمْ تساهم في تجهيز الجيش بحاجات أساسية؟ أَلَمْ يكتف بعض اللبنانيين بالمواقف العدائية الممجوجة تجاه سورية؟ وهل يخدمون لبنان وشعبه بذلك؟ ألم يحن الوقت ليقتدي الجميع بنهج القيادات العاقلة في قراءة حقائق التاريخ والجغرافيا والمصالح، وفي تكريس العلاقات الطبيعية مع دمشق، وهي العلاقات التي نصَّ اتفاق الطائف على تميزها لأنها تؤمّن المصالح الحيوية المشتركة بين البلدين؟ أليس للبنان مصالح اقتصادية حيوية تتأمن مع سورية كالكثير من الاتفاقات التي وُقعّت من قبل حكومات سابقة وجاءت في مصلحة لبنان باعتباره الشقيق الأكثر حاجة إلى هذا الاحتضان القومي؟ أليس من مصلحة لبنان الانفتاح الإيجابي على الاستثمار في السوق السورية الواسعة؟ أليس العالم كله متجهاً نحو التكامل الاقتصادي الممثل بتجمعات كبرى وأسواق رحبة تجعلنا نحن من الدعاة الجادّين إلى إقامة مجلس تعاون مشرقي يساهم في تعزيز الأوضاع الحياتية للمواطنين في الدول الأعضاء، كما يُنْعش الأوضاع الاقتصادية للدول المعنية ويفتح الطريق أمام سوق عربية مشتركة؟ ولماذا يكون العالم أكثر منا رؤية وعملانية؟ أليست أوروبا تقارب مصالحها وفق منهجية عملية تطرح حلولاً جذرية للإشكالات وتؤمن مصالح أبنائها؟ أليس التكامل بين دول الخليج من خلال مجلس التعاون الخليجي نموذجاً ناجحاً من نماذج التعاون والتكامل؟ لماذا يُعاب على لبنان إذا تطلع إلى نموذج مماثل أقرّته آسيا وأفريقيا وأوروبا؟ أليس من واجب المسؤولين العمل على تأمين مصالح الناس وتعزيز العلاقات الضامنة لمصالح الدولة والمواطنين على حد سواء؟
أما لبنان المنكوب بجرثومة الطائفية وبإشكالية الولاءات الجزئية الأخرى، فقد حان أوان تشخيص دائه الخطير ومعالجتِه بثقافة الوحدة الداخلية وبالتربية على التاريخ الواحد والحاضر الجامع والمستقبل الواعد، في ظل سياسة إصلاحية شاملة تضع حداً للفساد والمفسدين، والماضين في تسميم أذهان الجيل الجديد بالأفكار المنافية لقيمنا وثقافتنا وخياراتنا كدولة وشعب يمثلان مشروعاً حضارياً وقضية.
وإذا كان هدف الطائف إنقاذ لبنان من حرب طائفية طويلة قُتل فيها الناس على الهوية فإن من أولويات المسؤولين العمل على تطبيق الطائف بدءاً من بند إلغاء الطائفية وتشريع قانون انتخابي عصري يسقط قانون الستين المؤسس للفتنة ويساهم في تطوير الحياة السياسية وإخراجها من النفق الطائفي المغلق. ونحن نسأل المسؤولين بكل أمانة وإيجابية: ماذا تريدون؟
الاستفادة من آفاق الطائف الإصلاحية، أم العودة إلى مناخ التوتر والاحتراب والانقياد للممارسة الطائفية المعبّرة عن ذهنية عدائية وسلوك طغياني؟
ان الجميع مدعوّون إلى المساهمة العملية في تشكيل التيار اللاطائفي الإصلاحي العريض، وإلى ما يعزز مناخ الوفاق والتضامن، وكل مشروع يُضعف من التماسك الداخلي والمنعة الوطنية يخدم بشكل غير مباشر المشروع "الإسرائيلي" المعادي للبنان كل لبنان وأبنائه ومصلحتهم. كما ان كل من يساند مخطط التفرقة يخدم، قطْعاً، مشروع العدو وأهدافه التفتيتية المبيتة والمعلنة.
ونحن في الحزب السوري القومي الاجتماعي ندعو شعبنا بكل شرائحه وأطيافه إلى احتضان قوى التوحّد في المجتمع والدولة، أعني الجيش والجامعة الوطنية، المؤسستين اللتين يجب أن تبقيا بمنأى عن الاستهداف وعن كل ما يمكن أن يشكّل مصدر إضعاف لهما باعتبار أنهما تجليا وحدة.
وفي هذا الجانب ندعو بصوت عالٍ، مسؤول وجادّ إلى اعتبار المقاومة في لبنان رافعة وطنية وتجلياً توحيدياً وعامل قوة وعزّة وإجماع. لذلك ندعو إلى احتضانها وحمايتها والافتخار بها وتضمين كتب التاريخ والتربية لانجازاتها، وتعزيز ثقافتها لدى الجيل الجديد كلّه أياً تكن الديانة التي بها يؤمن، والتنظيم الذي إليه ينتسب.
إن الاجتياحات والغزوات المتتالية التي حَصَلَتْ والتهديد "الإسرائيلي" المستمر للبنان وجنوبه وعاصمته بيروت ـ عاصمة القضية القومية وقضايا العرب كافة وفي طليعتها قضية فلسطين، كلها مسّوغات كافية للأخذ بخيار المقاومة الذي اعتمده اللبنانيون وفي مقدّمهم أهل بيروت الأحياء والشهداء، فتحية إلى بيروت المقاومة، بيروت الممانِعة، حقوقاً وثقافة وإبداعات، بيروت الكرامة والعنفوان.. تحية إلى شهدائها الأبرار ـ كل شهدائها المقاومين للاحتلال "الإسرائيلي" ومشروعه الذي لم يشبع بعد من دماء شعبنا الأبيّ المناضل.
السادة الحضور
نحن حركة حضارية تؤمن بالدولة فكرة وممارسة، كما تؤمن بتعزيز دور الدولة على قاعدة المواطنة، وفي مواجهة النظام السياسي الطائفي الذي يدمّر مخزون الدولة التقدمي والارتقائي. لذلك ندعو دعوة واضحة إلى إقامة العدالة في دولة المواطنة على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص والرعاية الاجتماعية، لأن الرعاية مرتبطة بكرامة الإنسان الذي هو قيمة عليا، ولأن غياب مشروع الدولة الاقتصادي القائم على تعزيز قطاعات الإنتاج من زراعة وصناعة وغيرها يؤدي إلى غياب فرص العمل وإفقار المواطن واستلابه وإخراجه من معادلة الولاء الوطني الحاسم.
إن مشروع العناية بالصحة والسكن والعمل والجامعة وتنمية المواهب، إضافة إلى البناء والعمران وتأمين الخدمات العامة، كلها تقع في أبجدية إنشاء الدولة.
أما الحكومات التي ينبغي أن تكون موضع ثقة المواطن وموضع استجابة لآماله وطموحاته فيجب أن تكون ـ خصوصاً في هذا الزمن بالتحديد، زمن الأزمات وتحديد الخيارات ـ حكومة وفاق وطني حقيقي، حكومة المشاركة الحقيقية الشاملة الفاعلة. هذه الشراكة تساهم إلى حدّ كبير في الخروج من الأزمة وفي توحيد المواجهة وتصليب الإرادة، وفي إقفال الأبواب التي يستفيد منها العدو "الإسرائيلي" من خلال مكامن الضعف الكائنة هنا وهناك. هذه هي الحكومة التي ندعو إلى تشكيلها أما سياسة مدّ الأيدي التي نؤيدها وندعم استمرارها وتعزيزها فتتم ترجمتها على صعيد تكوين التشكيلة الحكومية، حتى لا تقتصر على البيانات والتصريحات والزيارات والنوايا الحسنة.
الحضور الكريم،
إنني إذْ أشكر للجميع مشاركتنا إحياء ذكرى الاستشهاد الملحمي لمؤسس النهضة القومية الاجتماعية، أخاطب رفقائي فأقول:
أيها القوميون الاجتماعيون
أنتم واجهتم في الماضي جميع مشاريع التقسيم التي كان العدو يغذيها، وقدمتم التضحيات من أجل الحفاظ على وحدة لبنان ومؤسساته. واليوم مازلتم تقدمون التضحيات وستبقون على روحية التضحية لأنكم مؤمنون بوحدة شعبكم، ولأنكم أصحاب رسالة ثقافية حداثية نهضوية، وَحَمَلَة قضية عنوانها: وحدة المجتمع ونهضة الأمة. ومن خلال هذا الواقع لا يمكن لكم جميعاً إلاّ أن تكونوا ـ خصوصاً في هذه المرحلة النضالية الاستثنائية في مسؤولياتها ـ رسل النهضة تتحملون الأعباء لأنكم جدّيون لا تقصدون في الحياة لعباً، ولأن علينا جميعاً واجب المساهمة في التصدي للمشروع المعادي المستهدف وحدة بلادنا. وإنني أدعو جميع القوميين الاجتماعيين إلى الانخراط في مشروع توحيد الجهود والطاقات في الحزب الواحد باعتباره ذا عقيدة واحدة تتناول قضية واحدة ترصّعها الزوبعة الواحدة رؤيةً وفعلاً وقدرات.
ولسعاده المعلم الخالد أقول:
دمك المسفوح على رمال بيروت وسام على جبين الأمة، وإكليلُ غارٍ مضفور على هامتها، ونفيرٌ داوٍ في صميم وجدانها. وإذا كانت حياتك الحروف التي خُطََّ بها نهج النهضة، فإن دمك الزكيّ يطرّز هذا النهج بالقدوة المثلى.
ستون عاماً، ورصاصات المؤامرة الخارجية التي اخترقتْ صدرك مازالت هي هي توجَّه إلى صدر الوطن المقاوم لعلّها تكتب في مرسوم اغتياله السطر الأخير... ستون عاماً وفلسطين التي عشقتْ ترابها عيناك مازالتْ مصلوبة على الجلجلة. لكن شعبها يتمرد باستمرار على القهر وينتفض على العدوان.
ضنيناً كنتَ على نفسك، سخياً على الوطن. وبقدر ما يؤرخ فجر الثامن من تموز وقفة العز البطولية، يؤرخ أيضاً ذروة العطاء.
وها نحن نقول لك في ذكرى خلودك، ان الحزب الذي أسست مازال أميناً على روحية البذل وفلسفة العطاء والتضحيات. وها هم رفقاؤك قد أنجزوا المرحلة التأسيسية من دارك الثقافية والاجتماعية في ضهور الشوير التي أحببتها، كما أحببت كل بقعة من الوطن الحبيب.
وبالمناسبة أعلن يوم 2 آب المقبل موعداً لوضع حجر الأساس لدار سعاده الثقافية والاجتماعية.
نعم أيها المعلم الخالد،
لقد زرعْتَ في الوطن أصيل البذور وسَقَيْتَها نَسْغ عروقك، كأنك تترجم بالتضحية المطلقة إيمانك بالأمة التي استأثرتْ بوجودك يوم قلت: "كل ما فينا من الأمة وكل ما فينا هو للأمة، حتى الدماء التي تجري في عروقنا عينها ليست ملكاً لنا، بل هي وديعة الأمة فينا... متى طلبتها وجدتها".
أيها الشهيد الرمز،
عندما نتبين حجم المؤامرة ندرك كم كانوا صغاراً أولئك المشاركون من المسؤولين فيها. حسِبوا قضيتك جهيضة فإذا هي جنين في أجيال لم تولد بعد، في مواكب وليدة وصفوف مديدة تحيّيك في لحظات الاستشهاد ومعك تردد: "إذا سألوكم عن شهدائنا قولوا لهم: إن في أجسادنا عظاماً تتوثب لكي تكون رفات شهداء".
الخلود لشهدائنا الأبرار
والنصر لشعبنا وقضيتنا
تعليق