قراءة في قصيدة للشاعر عبد الرحمن بامرني (بمحاذاة حلم منفلت)*

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جوتيار تمر
    شاعر وناقد
    • 24-06-2007
    • 1374

    قراءة في قصيدة للشاعر عبد الرحمن بامرني (بمحاذاة حلم منفلت)*

    [align=center]قراءة في قصيدة للشاعر عبد الرحمن بامرني (بمحاذاة حلم منفلت)*
    جوتيار تمر/دهوك

    في ترجمة قصيدة ما، يحتاج الواحد منا إلى إدراك ودراية بالشاعر نفسه من حيث كونه ونفسيته، ولا يترجم قصيدة بنجاح كمالي أبدا، لكن أحيانا يترجم كون الشاعر ونفسيته بصورة دالة على الإقناع، مما يجعل من القصيدة مادة سهلة للفهم والإدراك، لذا يبقى الشعر شعرا سواء أكان مترجما أم لا، ويبقى الشاعر سابحاً في جدول أو نهر، في عتمة أو نور، في ضباب، ونهار وليل.
    ومن هذا الفضاء الواسع نقف الآن أمام عتبة باب قصيدة مترجمة للشاعر عبد الرحمن بامرني، حيث نجد بأن له منذ البدء موروثه الخاص به، وكونه الفسيح الممتد من آفاق الجبال إلى الأودية والأنهار، وتاريخا طويلا لمخاض البشرية على أرض نبت هو عليها.
    وهذا ما وجدناه من الوهلة الأولى، من خلال عنوان قصيدته اللافت والمبشر بتمرد ضمني آت لامحالة( بمحاذاة حلم منفلت) حيث الباء هنا جاءت ضرورة لتأكيد الاتجاه السالك للحلم من حيث الانحراف عن المسار العادي ليتخذ المحاذاة طريقا للوصول، والحلم هذا ليس بحلم عادي إنه منفلت خارج عن الأطر التقليدية للأحلام، وكأني به يريدنا منذ البدء أن نعيش حالته الذاتية المرافقة للنشوء والتكوين الشعري داخل كونه الخاص، وهذا ما تؤكده بداية القصيدة:

    لا أتفهم شعور الخوف
    جاذبية المرأة في ثديها وحمرة شفتيها
    غرفة بلا شباك وقفل وباب....و
    قصة عشق أبدية
    الحديث عن المرأة وجمالها يفوق في تعقيده وتشابكه ما في الحديث عن الشكل والمضمون في أي عمل أدبي من تلاحم وتواشج، حيث الإنسان لم يعد يرى جمال الطبيعة باختلاف ألوانها وأطيافها إلا من خلال المرأة، ومن هذا المنطلق جاءت البداية كاشفة لأتون ومتون نفسية الساردة للشاعر، حيث نجده في إشارة واضحة إلى كيفية إدراك نمو الإدراك الإنساني وتحسسه للأشياء من خلال المرأة مهتما بالتفاصيل الجسدية التي تداهم الذهن الإنساني حول المرأة كجسد غارس للأحاسيس بعيد عن المسالك السائبة، وقريبا من حاجيات العصر والإنسان الحديث وكونه الجديد سواء أ كان غرفة أم شارعا ضيقا رطبا أم أي شيء آخر، وبتناغم زمني جميل داخل إطار مكاني أروع.

    لماذا الأوراق في الخريف تتساقط
    لماذا وتخدع البطون الخاوية تتناسى؟
    لماذا دوى الرعود والبرق
    ياللهى في رجحان الميزان
    كنا متنافسين
    وكفتى الراجحة
    أنا في صحراء قاحلة مترامية الأطراف
    وأنت جنة عامرة واسعة

    الشاعر في قفزة شعورية يظهر لنا مواطن التلذذ الحاصل جراء الرؤية النابعة للجاذبية وأماكن الاستمتاع ويقحمنا في مقارنة عرضية بموسم التساقط حيث تكون نفسية الإنسان في حالة من الهدوء النوعي العاطفي الرومانسي، ولكن بخلاف التيار السائد يدخلنا هو في أروقة التساؤلات التي ترهقنا وتؤرق ليله، وهي تساؤلات نابعة من إحساسه الذاتي ، ومن إحساسه بكون الآخر المتمثل بمحيطه وبيئته والذي غالبا ما نسميه الأرض، فأتت كلماته هنا تثير جدلية في نفس الآخر المتلقي، وقد بدا واضحا تأثير هذه التساؤلات عليه بحيث تشبهه بالصحراء ونعلم معالم القسوة فيها، وكأني به قد فقد لوهلة توازنه الذهني وما يبرر قولي هذا قوله:

    لسذاجتي
    جعلتني مملوكا وجارية مشردة
    في صحرائك القاحلة
    نسيت ترابي ولغتي وتراثي
    أنت صامت, وصمتك يزيد ضياعي
    مع قضية الحياة أنا مذنب
    أخذت بذنب الماضي
    يا أجمل صمت
    يا أجمل غضب
    أيا أجمل سيدة نظمت لها الأشعار
    بذنبي تحترقين
    وأنا في ذنبي أأدي صلاة ضياع
    يا أكثر الأشعار جرأة


    قلما نجد من يعترف بسذاجته بالأخص إذا كنا نتحدث عن الشاعر الذي دائما نجده صاحب كبرياء، لكن لحظات الصدق هنا تتلاطم لتظهر لنا عمق هذه النفس بحيث تعي ذاتها في صراع مع كينونته، وكينونتها، والأرض، وغواية الأخرى وجاذبيتها، فيأتي اعترافه بهذا الصراع من خلال حوارية على لسان الآخر التي ترى بأنها تشردت، ونسيت، وفقدت، جراء الصراع هذا، فتكشف بذلك الآخر المتضاد بكلمة واحدة معبرة دالة وذات مساحة واسعة وهي الصمت، وهنا يستدل الشاعر بالصمت ليخز أحلامها ويسكب مشاعره فيها فتأتي كلماته صاخبة،ثائرة، ملهوفة، في آن واحد بحيث تجعلها تدرك أهمية وجودها الذي أصبح مرتبطا بضياعه، وكذلك كونها ملهمته الأولى، وليس الذنب هنا إلا مسلكا ثنائيا يسلكه الاثنان لاختراق كينونة الآخر، وفي نقطة تحول فجائي للشاعر نراه يتحول إلى تفاصيل أخرى فيها ومنها:

    بردائك الرقيق
    في ذلك اليوم سجلت
    في سجل أشعاري
    لتزين إحدى قصائدي أنت قصيدتي الأخيرة
    وأنا بين الطيران والهبوط
    الطفولة والبلوغ
    الخيال والحقيقة
    والخيال كذبة أبدية
    الأحلام الانهزامية
    والأحلام كذبة مشروعة
    في علو السماوات العالية

    وهنا مسألة تعقيدية أخرى تظهر لنا لأن الحديث عن المرأة وملابسها يأخذنا إلى طرح مسألة العلاقة بين الجسد والملابس حيث ترابطت هذه العلاقة في ذهن الإنسان حتى توصلت في بعض حالات العصاب إلى قدرة قطعة منها في أحداث الاستجابة ذاتها في ذهن الإنسان كالتي تحدثها العضو الذي تغطيه القطعة، لذا نجد الشاعر يستلهم من ردائها استفاقة حالمة لمشاعره وحروفه وفي تمازج جميل بين الواقع الحقيقة والخيال، واليقظة والأحلام، نراه يفسر لنا عمق التجربة بتحالف السماء معه في تفسيره هذا، مما يجعله يسترخي هنا من جديد مبدئيا نوعا من الليونة والتي أجدها خالفت سياق النص لكونه بدأ بلمحة تمردية منفلتة وربما كان الأجدر به أن ينتهي على نفس النسق التمردي المنفلت حيث يقول الشاعر:

    نسيت الطيران, أولم تفكري في الهبوط
    إذا كنت قد طلبت منك قبلة ورفضت
    عذرا
    أوكان لي عقد مع امرأة أخرى
    دون علمك
    عذرا
    أشك في وجودي وشقائي وأشعاري
    لذة إحدى قصائدي
    أن تكون قطرة من طعم الشهوة
    ثأر أو سذاجة أخرى منى
    لنعود بحيث منسي كل شي
    العشق والجود والضيلع
    حمرة منا كثر الخمور وحرقة
    مع ارتكاب الآثام
    جرعة للصحوة
    وجرعة للشهوة وسجدة للسادة ونسيان الذات

    هذا التراخي كان مدخلا لبث الشكوك حول إمكانية الاستمرارية على نفس النسق المنفلت فجاءت القصيدة تبرر فعلة الشاعر وتحول جهدها من أجل إقناع الآخر ، وكأن الشاعر يتوسل هنا، وهذا ما جعله يشك في وجوده، ولم تسعفه هنا سوى لذ ة الرجاء الضمني للعودة، وربما يخيل من خلال النسق الإعدادي للنص بأن للأرض هنا الأولوية في احتضان العودة، دون الاهتمام بالكيفية الملازمة لها، لأنها في كل الأحوال لذة له وربما لها وربما لهما معا كلُ بمعناه الضمني المتواتر الخاص به.
    وحتى لاأكون مجحفا بحق القصيدة من حيث المضمون والمعنى الاستدلالي أود أن أشير إلى إحدى أساسيات نجاحها وهي أنها بدأت من حيث انتهت كمضمون، حيث بدأت بشهوة وانتهت بشهوة، في الأولى كانت منفلتة وفي الثانية عاشت طور الرجاء والانتظار.
    عشنا مع الشاعر حلما بلاشك منفلتاً، قادرا على خلق توهيمات داخل نفسية الساردة بحيث ألمت بتفاصيل وأثارت أخرى في ذواتنا من خلال سير الحلم وفق تجليات الشاعر ورؤاه الخاصة.
    _________________

    * هذه القصيدة ترجمت من قبل محسن عبد الرحمن ونشرت في مجلة بيفين ، العدد(16-15) آذار 2007[/align]
  • أحمد حسن محمد
    أديب وكاتب
    • 16-05-2007
    • 716

    #2
    أخي جو ..

    سعيد أنا بما أرسيت وأبنت من لمحات ناقد خبير، يعرف أسرار النص الأدبي ويثق في محبرته، وتثق فيه الأوراق..
    كان رائعا وأنت تتحدث عن شيء في شأن الترجمة أن يكون المترجم عالما بطبيعة الكاتب النفسية والاجتماعية حتى يمكنه أن ينقل لنا الكلمات بإيحاءاتها وطبائعها التعبيرية الصحيحة أو القريبة مما أراده الكاتب..

    وإن كنت أرى زيادة أن هذا لا يجب في مرحلة الترجمة فقط، ولكن يجب كذلك في مرحلة النقد، فيختلف الناقد الذي يحكم ولا علاقة له بأي معروفة عن شاعر النص، عن قارئ يرى النص من خلال كاتبه ويرى الكاتب من نصه، ويضع علاقة وثقى بين الاثنين ..

    أخي دراسة جميلة واسمح لي بتثبيتها..

    تعليق

    • جوتيار تمر
      شاعر وناقد
      • 24-06-2007
      • 1374

      #3
      العزيز احمد...
      في البدء اتمناك بخير..........

      وشكرا لك على هذه الرؤية الجميلة حول الموضوع/ واتفق معك تماما بأن المعرفة هذه يجب ان تمتد الى اقصى حد من اجل وضع المادة/ الانسان/ الكلمة/ امام المتلقي بابهى صورة...

      مرة اخرى شكرا لك
      محبتي لك
      جويتار

      تعليق

      • ضحى بوترعة
        نائب ملتقى
        • 22-06-2007
        • 852

        #4
        جو............


        لم أكن أعرف انّك ناقد بارع لقد اكتشفت هنا

        أنّك أبدعت..........

        محبتي وتقديري

        تعليق

        • د.مصطفى عطية جمعة
          عضو الملتقى
          • 19-05-2007
          • 301

          #5
          الأستاذ العزيز / جوتيار
          تحياتي وتقديري
          لفتة طيبة منك أن تقوم بهذه الدراسة التحليلية عن الشاعر بامرني ، وكنا نحتاج إلى تعريف بالشاعر ، وإلى تقديم النص كاملا قبل عرضه وتحليله .
          وقد امتاز تحليلك بميزة مهمة جدا تتميز في :
          - أسلوبك الأدبي الراقي الذي شكل في حد ذاته نصا إبداعيا يجاور النص الشعري .
          - سبر أغوار النص وتشريح دلالاته .
          - الانطلاق من المفهوم الشمولي في تحليل النص : على مستوى المضمون والربط بين الفقرات .

          ربما تكون هناك مشكلة في دراسة النصوص المترجمة وهي أن السمات الأسلوبية تكون للمترجم وليست للشاعر الأساس ، ولكن انتقلنا بهذه الترجمة الراقية إلى أجواء شاعرية رائعة .
          تحياتي

          تعليق

          • مرادحركات
            عضو الملتقى
            • 05-09-2007
            • 343

            #6
            أستاذي الحبيب جوتيار تمر
            بارك الله فيك على هذه القراءة النقدية الحصيفة، وأتمنى أن أقرأ لك المزيد من القراءات والدراسات وبخاصة في ميدان الشعر.
            دمت بخير ألق.
            مودتي.
            [CENTER][COLOR=Blue]مراد حركات[/COLOR]

            [COLOR=Blue] مسؤول الإعلام والاتصال[/COLOR]
            [COLOR=Blue]BiTotal - New PC Services[/COLOR]
            [COLOR=Blue]Ouled Djellal[/COLOR]
            [COLOR=Blue]Algeria[/COLOR]
            [/CENTER]
            [align=center][IMG]http://profile.ak.fbcdn.net/v226/958/40/n1028062085_685.jpg[/IMG][/align]

            تعليق

            • جوتيار تمر
              شاعر وناقد
              • 24-06-2007
              • 1374

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ضحى بوترعة مشاهدة المشاركة
              جو............


              لم أكن أعرف انّك ناقد بارع لقد اكتشفت هنا

              أنّك أبدعت..........

              محبتي وتقديري


              ضحى الخير.......

              مرور عبق دائم

              محبتي لك
              جوتيار

              تعليق

              • جوتيار تمر
                شاعر وناقد
                • 24-06-2007
                • 1374

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة د.مصطفى عطية جمعة مشاهدة المشاركة
                الأستاذ العزيز / جوتيار
                تحياتي وتقديري
                لفتة طيبة منك أن تقوم بهذه الدراسة التحليلية عن الشاعر بامرني ، وكنا نحتاج إلى تعريف بالشاعر ، وإلى تقديم النص كاملا قبل عرضه وتحليله .
                وقد امتاز تحليلك بميزة مهمة جدا تتميز في :
                - أسلوبك الأدبي الراقي الذي شكل في حد ذاته نصا إبداعيا يجاور النص الشعري .
                - سبر أغوار النص وتشريح دلالاته .
                - الانطلاق من المفهوم الشمولي في تحليل النص : على مستوى المضمون والربط بين الفقرات .

                ربما تكون هناك مشكلة في دراسة النصوص المترجمة وهي أن السمات الأسلوبية تكون للمترجم وليست للشاعر الأساس ، ولكن انتقلنا بهذه الترجمة الراقية إلى أجواء شاعرية رائعة .
                تحياتي

                دكتور.........

                عذرا لاني اخرت الرد هنا......
                ابحث عن النص كاملا ، وعن سيرة الشاعر الذاتية وارفقها هنا قريبا....
                شكرا لمرورك الكريم ورؤيتك الرائعة

                محبتي لك
                جوتيار

                تعليق

                • جوتيار تمر
                  شاعر وناقد
                  • 24-06-2007
                  • 1374

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة مرادحركات مشاهدة المشاركة
                  أستاذي الحبيب جوتيار تمر
                  بارك الله فيك على هذه القراءة النقدية الحصيفة، وأتمنى أن أقرأ لك المزيد من القراءات والدراسات وبخاصة في ميدان الشعر.
                  دمت بخير ألق.
                  مودتي.
                  المبدع حركات....
                  جميل هذا المرور ورائع هذا التوقف عند حرفي.......
                  شكرا لك مرورك الرائع

                  تقبل محبتي
                  جوتيار

                  تعليق

                  يعمل...
                  X