ساعات في الوقت الضائع
---------------------
فى الساعة التاسعة صباحا استيقظ وحيد من غفوته القصيرة ونظر الى ساعته , وضرب بيده على جبهته , عندما تذكر موعده الصباحي مع رفيقة وحدته {منى} التى كان يجب عليه أن يلقاها فى السادسة والنصف , فإضطرب قليلاً.. ثم أشعل سيجارته وفتح نافذته ونظر الى الشمس الساطعة فى كبد السماء… وكانت فتاة على النافذة المجاورة لنافذة {منى} تنتظره وتبسمت له وأشار اليها بتحية الصباح , وردت عليه التحية ثم طلب منها أن تنزل لمقابلته , وهزت له رأسها موافقة 000 ترك النافذة مفتوحه , وأغلقت هى نافذتها , وأسرع الى الحمام يباشر عمله اليومي المعتاد داخله , وفى عجلة لم ينتبه الى قدمه وهى تمزق بيجامته اثناء تغيير ملابسه , فلم يهتم , واسرع فى ارتداء ملابسه استعدادا للقاء فتاته الحسناء ..
وذهب الى المرآة ليتأكد من وسامته واناقته , فوجد أن شعره يحتاج الى تصفيفه اخرى , وانتبه الى انه لم يحلق ذقنه .. وأخذ يلعن الذقن والرأس … وأمسك بالموسى وهو يلعنه فيجرح نفسه ولم يسعفها , فأهمل شعره وبحث عن قطنة يغمسها بقطرات من ماء الكولونيا ليوقف دمه الذي ينزف على وجهه 000
كانت الساعة قد بلغت التاسعة والنصف عندما هبط سلم العمارة التى يسكنها ثلاثا ثلاث لكي يصل بسرعة الى محطة المترو حيث توقع أن تكون فتاته هناك تنتظره … لكنه لم يجدها , فإعتقد انها تركته بعد أن طال انتظارها له , فصعد أول مترو قادم وحشر نفسه بداخله . بدأ يبحث لنفسه عن زاوية يرتاح اليها , فلم يجد سوى حسناء قمحية البشرة , واسعة العينين , دقيقة الأنف والشفتين , شعرها يتماوج على كتفها بإثارة وفتنة , فبدأ يتلصص بين الواقفين حتى وصل اليها واستند بصدره عليها … وما أجمل رائحة العطر الذي يملأ عنقها000وما أعظم سائق المترو عندما لا يجيد الوقوف والتحرك فيهتز المترو بركابه000فيزداد وحيد التصاقا بالحسناء التى ترسل تنهداتها الدافئة الى وجهه فيضطر ان يهمس اليها بكلمة تعود عليها : أسف ومحطة تلو الأخرى تسحبه عنها الحسناء الى اخر محطة فيستيقظ على نفسه والحسناء تستأذنه النزول من المترو فيوسع لها الطريق ثم يتبعها , وما هى الا لحظات يراها تصافح شابا غيره وتبتسم له00 وقبل أن تبدأ فى الحديث مع صديقها , يبتعد عن طريقها ويلجأ الى المترو مرة أخرى ويجلس على أحد مقاعده خوفا من تهمة تفاجئه فى آخر محطة 00
بلغت الساعة العاشرة والنصف صباحا حينما تقدمت نحو مقعده فى المترو امرأة تحمل طفلا بين يديها , وفكر مرة تلو الاخرى , ماذا يفعل لهذه المرأة ونظر حوله فلم يجد أحد تحرك لمساعدتها , فلماذا لا يهملها مثل الاخرين ويتركها , ولم تطاوعه نفسه , فطلب منها أن تضع طفلها على ركبتيه , لكنها اعتذرت لأن الطفل لا يسكت إلا بين ذراعيها … فماذا تقصد تلك الأم البلهاء ..؟؟ هل تريد منه ان ينهض من مقعده ويجلسها , لا لن يحدث هذا ابدا000لقد دفع ثمن التذكرة ذهابا وايابا دون ان يستفيد شيئا سوى الارهاق والتعب , ولن يسمح لأحد بالجلوس على مقعده مهما كان هذا الأمر يريح ضميره المثقل بهموم الانسانية … ومضى المترو فى طريقه محطة ثانية ثم ثالثة , وفى الرابعة لم تطاوعه نفسه أن يترك المرأة تتململ بجواره مرهقة على ما يبدو , فأسرع بالوقوف متعمدا أن يحتك بها طوال الطريق ما بين المحطة التى سمح لها بالجلوس فى مقعده وحتى المحطة التى صرخت فى وجهه بهدوء يشوبه الغضب قائلة : اتفضل اقعد مكانك … فنظر اليها وحيد مرتبكا ثم قال لها : خلاص … انا نازل المحطة الجاية 000
وفى الساعة الحادية عشرة صباحا وجد {وحيد} نفسه فى السوق بجوار ميدان الاوبرا , وحاول ان يتأكد للمرة العاشرة من منظر التمثال الذي يتوسط الميدان هل الحصان فيه يرفع الساق اليمنى او لا يرفعها , وبعد ان تأكد توجه الى مبنى السينما التى تتوسط الميدان فوجدها تعرض فيلما هنديا , فقادته قدماه الى المقهى المجاور لكازينو صفية حلمى وجلس يشرب كوبا من عصير الفاكهة الذي يفضله , وانتبه الى أمرأة فى الثلاثين تجلس على طاولة أمامه وتنظر اليه مبتسمة فوجه بصره عليها , ثم ابتسم لها وأشار اليها أن تحضر عنده وتجلس معه ففعلت دون تردد , فإرتبك بعض الوقت , وشجعته على ان يتحدث اليها ويطلب منها ان ترافقه الى شقته , فوافقت على الفور , فدفع حساب الكازينو ووضع يده فى يدها وخرجا الى الشارع ليوقفا سيارة تاكسي … وفى منتصف الطريق بينما كان يضع يده بين ساقيها الممتلئتين وهى تحاول ان تمنعه دون ان تحدث ضجة توقف سائق التاكسي وطلب منهما النزول فورا .. وحاول وحيد معه ولم ينجح فى اقناعه ابدا لدرجة ان السائق اراد ان يترك حقه دون ان يأخذه , فلم يجد سوى البحث عن تاكسي أجرة يوصلهما الى شقته , وطال انتظارهما فى زحمة المواصلات حينما مرت مظاهرة كبيرة يشترك فيها الاف الطلبة , فإعتذر وحيد للمرأة وتركها لينضم الى المتظاهرين من زملائه الطلبة 000
كانت الساعة الثانية عشرة والنصف عندما وصلت قوات الأمن لتحاصر المتظاهرين من الطلبة , ولتبدأ فى عملية القمع التى تعودت عليها 000وارتفعت هتافات وحيد مع الطلبة ضد القمع … وما هى الا دقائق حتى وجد نفسه محمولا بعد ضربه تلقاها على رأسه , وفى لحظات كانت شاحنة بشرية تنقله الى مكان لا يعرفه ولم يتحقق منه الا بعد لقائه الحميم برجل اخبره بأنه سيقضي بقية عمره فى ذلك القبر الذي يسمونه زنزانة أو يركب اول طائرة مرحلاً خارج الدولة.
--------------------------------
* نشرت فى صحافة الامارات عام1983
---------------------
فى الساعة التاسعة صباحا استيقظ وحيد من غفوته القصيرة ونظر الى ساعته , وضرب بيده على جبهته , عندما تذكر موعده الصباحي مع رفيقة وحدته {منى} التى كان يجب عليه أن يلقاها فى السادسة والنصف , فإضطرب قليلاً.. ثم أشعل سيجارته وفتح نافذته ونظر الى الشمس الساطعة فى كبد السماء… وكانت فتاة على النافذة المجاورة لنافذة {منى} تنتظره وتبسمت له وأشار اليها بتحية الصباح , وردت عليه التحية ثم طلب منها أن تنزل لمقابلته , وهزت له رأسها موافقة 000 ترك النافذة مفتوحه , وأغلقت هى نافذتها , وأسرع الى الحمام يباشر عمله اليومي المعتاد داخله , وفى عجلة لم ينتبه الى قدمه وهى تمزق بيجامته اثناء تغيير ملابسه , فلم يهتم , واسرع فى ارتداء ملابسه استعدادا للقاء فتاته الحسناء ..
وذهب الى المرآة ليتأكد من وسامته واناقته , فوجد أن شعره يحتاج الى تصفيفه اخرى , وانتبه الى انه لم يحلق ذقنه .. وأخذ يلعن الذقن والرأس … وأمسك بالموسى وهو يلعنه فيجرح نفسه ولم يسعفها , فأهمل شعره وبحث عن قطنة يغمسها بقطرات من ماء الكولونيا ليوقف دمه الذي ينزف على وجهه 000
كانت الساعة قد بلغت التاسعة والنصف عندما هبط سلم العمارة التى يسكنها ثلاثا ثلاث لكي يصل بسرعة الى محطة المترو حيث توقع أن تكون فتاته هناك تنتظره … لكنه لم يجدها , فإعتقد انها تركته بعد أن طال انتظارها له , فصعد أول مترو قادم وحشر نفسه بداخله . بدأ يبحث لنفسه عن زاوية يرتاح اليها , فلم يجد سوى حسناء قمحية البشرة , واسعة العينين , دقيقة الأنف والشفتين , شعرها يتماوج على كتفها بإثارة وفتنة , فبدأ يتلصص بين الواقفين حتى وصل اليها واستند بصدره عليها … وما أجمل رائحة العطر الذي يملأ عنقها000وما أعظم سائق المترو عندما لا يجيد الوقوف والتحرك فيهتز المترو بركابه000فيزداد وحيد التصاقا بالحسناء التى ترسل تنهداتها الدافئة الى وجهه فيضطر ان يهمس اليها بكلمة تعود عليها : أسف ومحطة تلو الأخرى تسحبه عنها الحسناء الى اخر محطة فيستيقظ على نفسه والحسناء تستأذنه النزول من المترو فيوسع لها الطريق ثم يتبعها , وما هى الا لحظات يراها تصافح شابا غيره وتبتسم له00 وقبل أن تبدأ فى الحديث مع صديقها , يبتعد عن طريقها ويلجأ الى المترو مرة أخرى ويجلس على أحد مقاعده خوفا من تهمة تفاجئه فى آخر محطة 00
بلغت الساعة العاشرة والنصف صباحا حينما تقدمت نحو مقعده فى المترو امرأة تحمل طفلا بين يديها , وفكر مرة تلو الاخرى , ماذا يفعل لهذه المرأة ونظر حوله فلم يجد أحد تحرك لمساعدتها , فلماذا لا يهملها مثل الاخرين ويتركها , ولم تطاوعه نفسه , فطلب منها أن تضع طفلها على ركبتيه , لكنها اعتذرت لأن الطفل لا يسكت إلا بين ذراعيها … فماذا تقصد تلك الأم البلهاء ..؟؟ هل تريد منه ان ينهض من مقعده ويجلسها , لا لن يحدث هذا ابدا000لقد دفع ثمن التذكرة ذهابا وايابا دون ان يستفيد شيئا سوى الارهاق والتعب , ولن يسمح لأحد بالجلوس على مقعده مهما كان هذا الأمر يريح ضميره المثقل بهموم الانسانية … ومضى المترو فى طريقه محطة ثانية ثم ثالثة , وفى الرابعة لم تطاوعه نفسه أن يترك المرأة تتململ بجواره مرهقة على ما يبدو , فأسرع بالوقوف متعمدا أن يحتك بها طوال الطريق ما بين المحطة التى سمح لها بالجلوس فى مقعده وحتى المحطة التى صرخت فى وجهه بهدوء يشوبه الغضب قائلة : اتفضل اقعد مكانك … فنظر اليها وحيد مرتبكا ثم قال لها : خلاص … انا نازل المحطة الجاية 000
وفى الساعة الحادية عشرة صباحا وجد {وحيد} نفسه فى السوق بجوار ميدان الاوبرا , وحاول ان يتأكد للمرة العاشرة من منظر التمثال الذي يتوسط الميدان هل الحصان فيه يرفع الساق اليمنى او لا يرفعها , وبعد ان تأكد توجه الى مبنى السينما التى تتوسط الميدان فوجدها تعرض فيلما هنديا , فقادته قدماه الى المقهى المجاور لكازينو صفية حلمى وجلس يشرب كوبا من عصير الفاكهة الذي يفضله , وانتبه الى أمرأة فى الثلاثين تجلس على طاولة أمامه وتنظر اليه مبتسمة فوجه بصره عليها , ثم ابتسم لها وأشار اليها أن تحضر عنده وتجلس معه ففعلت دون تردد , فإرتبك بعض الوقت , وشجعته على ان يتحدث اليها ويطلب منها ان ترافقه الى شقته , فوافقت على الفور , فدفع حساب الكازينو ووضع يده فى يدها وخرجا الى الشارع ليوقفا سيارة تاكسي … وفى منتصف الطريق بينما كان يضع يده بين ساقيها الممتلئتين وهى تحاول ان تمنعه دون ان تحدث ضجة توقف سائق التاكسي وطلب منهما النزول فورا .. وحاول وحيد معه ولم ينجح فى اقناعه ابدا لدرجة ان السائق اراد ان يترك حقه دون ان يأخذه , فلم يجد سوى البحث عن تاكسي أجرة يوصلهما الى شقته , وطال انتظارهما فى زحمة المواصلات حينما مرت مظاهرة كبيرة يشترك فيها الاف الطلبة , فإعتذر وحيد للمرأة وتركها لينضم الى المتظاهرين من زملائه الطلبة 000
كانت الساعة الثانية عشرة والنصف عندما وصلت قوات الأمن لتحاصر المتظاهرين من الطلبة , ولتبدأ فى عملية القمع التى تعودت عليها 000وارتفعت هتافات وحيد مع الطلبة ضد القمع … وما هى الا دقائق حتى وجد نفسه محمولا بعد ضربه تلقاها على رأسه , وفى لحظات كانت شاحنة بشرية تنقله الى مكان لا يعرفه ولم يتحقق منه الا بعد لقائه الحميم برجل اخبره بأنه سيقضي بقية عمره فى ذلك القبر الذي يسمونه زنزانة أو يركب اول طائرة مرحلاً خارج الدولة.
--------------------------------
* نشرت فى صحافة الامارات عام1983
تعليق