إذن ها أنذا قررت الرحيل, ولكن الوجهة مجهولة المعالم.لا أريدها رحلة حلاجية في الحلول.ولا ابن عربية في في وحدة الوجود.ولا حتى رحلة تاوية تبحث عن حكمة لاوتسه.بل هي رحلة افتراضية عبر الزمن الطيفي.على متن أحلام اينشتاين.رحلة ذات أبعاد رباعية أو خماسية.لا يهم.أريدها أن تكون انفلاتا لأعماق المخيال اللاشعوري.تيقنت أن لا شعوري هو الكفيل بنقلي إلى مسافات نائية,قصية عن الإدراك.الفكرة كانت تراودني وأنا طفل صغير.كم هي جميلة أحلام الطفولة.
رغم الألفة الحميمية التي تربطني بالأشياء,بالأماكن وبالأشخاص.قررت الرحيل هذه المرة.والقرار لا رجعة فيه.سأرحل إلى الموطن المجهول الذي طالما حلمت به منذ نعومة أظافري.ولن احمل معي لا نبراسا ولا حلما ولا حتى وردة... سأحمل معي أنشودة طفولية أحببتها و وكنت ارددها في صغري."هناك.هناك من وراء الجبال.هناك شمس تغيب.هيا بنا إلى هناك.".
سأقتحم ألهناك وسأخترقه.سأصعد إلى أعاليه.لا لسبب يذكر إلا للبحث عن موطني الأصلي.عن حكمتي المجنونة التي لاحقتها مرة,فخانتني مرارا.سأفتش عن لينا.
لماذا أنت هكذا حقيقة تضيع كلما ظننت أني امسكها؟
أعزائي الكرام.رحلتي رحلة أعماق.ولا يمكن أن تكون رحلة في أعماقكم.فرغم المطلق الذي سأدور في فلكه.فانا لست بطلا.ولا تتسرعوا في أن تذهبوا معي إلى النهاية.أحكامكم القيمية لا تعنيني,احتفظوا بها عندكم.فالنهاية التي ترومونها هي نهاية البداية.ولما كانت لينا بداية فهي نهاية.ولتعلموا أن كل بداية للنهاية هي نهاية...
هذا الكلام ليس لدهائي,ولا لمكر داخلي.بل هو نتاج كل هذا الإرث الذي أحمله كثقل إنساني.ولكن يجب أن أخبركم أن لينا ستبقى المرأة. الرمز.الأرض.المعنى.القيمة.وقيمة القيم.قيمة عاطفية لا أبحث عن أساسها ولا حتى عن أصلها.جينيالوجيتها تكمن في إبراز وجودها,في صوفيتها,في نداءات وجودها التي تأتيني عبر آهاتها المنسية على مدار الزمن. ستبقى رمز لمحطة باقية في رحلتنا الأبدية.
عندي الكثير لأقوله لكم.ولكن لتتحملوا معي عناء السفر.أخالكم نزقين إلى درجة لا توصف.حاولوا أن تتمتعوا بلغتي المميزة.بزخم المعنى الذي لا ينبض...ولا تأخذوا كلامي على انه مبالغة في عظمة تفكير.لا أبدا.أو أن رغبتم فقولوا ما شئتم.لا يهمني.
فانا مشاكس عنيد ,قوي,ضعيف,غامض,نزق,مجنون,محب,حنون,مرهف....و....و.. ..
اعذروني,كلماتي قاسية مرة,ناعمة مرة أخرى.أعيشها.أشم رائحة زخمها بين جدران جمجمتي.ودون أن اكذب عليكم.فهي أحيانا توصلني إلى قمة لا تتصورونها.أتذكر أنها قمة سامقة وجميلة المعالم وأجواؤها رائعة.
تلك الرائحة القوية النفاذة التي قادتني إلى الرحيل.لا سبيل إلى مقاومتها.لصد غوايتها,إلا بالانصياع لها والاتحاد معها.والتخلي عن سبل مواجهتها.لم تعطني الفرصة بعد لانفلت من قدرها.بل تركت في داخلي جراحا عميقة جدا,تتلاطم كما هي أمواج البحر العاتية.
هذا الامتلاء الذي ينتابني.هذا الخوف الذي يعتريني.هذه التخمة التي أتمنى أن لا تكون عقب وجبة بورجوازية حقيرة.كل هذه الحالات النفسية التي أعيشها.أريد أن أجعلها فنا ما,لم أعرف طبيعته بعد.أريد أن أجعلها أكثر واقعية.فأنا رغم عبثيتي فاني واقعي.ليست واقعية مكسيم غوركي طبعا.ولا حتى تلك لمحمود درويش.بل واقعية من نوع خاص...
آه لحماقاتي.لم أتشدق بهذه الكلمات الكبيرة,والعشوائية.هذا مخجل للأسف.ما علاقة تجربتي الوجودية بالواقعية؟إنني ببساطة قشة مبحرة في العدم.
إنها الوجودية عندما تبقى حبيسة الأنفاس.تائهة ترقب من بعيد,حيث الرؤية مغبشة.والطريق مسدود,والسراب يلوح في أفق مظلم.فتغدو والعدم واللامعنى سيدة الموقف بامتياز.
ما معنى أن أنقب عن المعنى غير الموجود.غير المتوفر.وضبابية تلفني وتشل حركتي,فتصير مفاصيلي عاجزة عن القيام بحركة تربط الأجزاء بعضها بعضا.أو ربما تفصلها فتعيد تركيبها.إنني أدور في حلقة مفرغة عدمية للأسف.أتنفس أخر نفس بقلبي المثقل,بذهني المعكر ثم أمضي لحالي.ألقي كلماتي لتسقط زلات على وقع أقدامي ثم أمشي بعيدا.,بعيدا.
مجرد الحديث عنها يمنحني قوة الفرح والسعادة,ويغمرني بأطياف الحياة كلها.هي بدورها حياة أريد من كل من يتأملها أن يجد فيها الإبداع والتفكير والجسارة واليأس والأمل والرجاء.أنها رحلة كرحلة كبار البحارة.فلينا هي أيضا عالم يحتاج إلى رحلات استكشتاف في حقول الحياة الأكثر بؤسا,والأشد فزعا.فيها الشيء الكثير من الغرابة والذهول.ولكن لكل من فكر يوما الالتحاق بركبها أن يتخلى عن غريزته في البقاء.وإلا فانه سيتخبط خبط عشواء وهو يبحث عن موضع جديد يخلد إليه.
فكرة الرحيل بالنسبة لي لا تحمل أبعادا ترتبط بتغيير الزمان والمكان,ولا بانتقال في أفقهما.لا ثم لا.لا أريد أن تكون رحلتي أدبا.ولا هواية.لا أريدها برغماتية يكون هاجسها تحصيل الثروة وتحقيق الأسطورة الشخصية... ولن تكون رحلتي ايديلوجية غامضة.بل ستكون سافرة واضحة وضوح الشمس,مكسرة لفلق الإصباح.ولن تكون نقلة مكانية,زمانية,حالمة ويوتوبية للبحث عن الذات والكينونة المجهولة.
كينونتي ضائعة في هلامات تلاشت ملامحها منذ نعومة أظافري.لم أرسم لرحلتي مسارا مسبقا.ولكنها ستكون في جميع الاتجاهات.ستكون الرياح والأمطار والأعاصير أسطرلابي الذي سيقودني في غمرة الإبحار إلى موطني الحقيقي.
لا أريد أن تكون رحلتي أقرب إلى الرحلات الاستكشافية,استكشاف العوالم الجديدة كمثل التي وقعت في العالم الجديد.كان الرحالة هاجسهم الوحيد ربح الأموال الطائلة وجلب الذهب, وتهجير حشود من السود من موطنهم الأصلي.فكانت النتيجة مخالفة لإرادتهم.كانت في الأخير عبارة عن بصمات جغرافية مرتبطة باكتشاف المحيطات والقارات.فانا لن أكون كريستوف كولومبس, ولا ابن بطوطة.ولكني سأكون مغامرا مغمورا,ذو أحلام طفولية بريئة.
سؤال يتبادر إلى ذهني بقوة ملحة : هل من مكان لهذه البراءة المزعومة في الوجود الإنساني؟
ساترك خلفي تعقيدات السياسة والايدولوجيا, وتراكمات ومنزلقات الممارسة الميدانية, وسأخلف ورائي الحلقة العدمية للوجود من أكل الخبز دون إنتاج.سأحرق جميع كتبي التي قرأتها والتي لم اقرأها بعد.صراحة كانت عالمي الخاص بامتياز.سابكي كل كتاب وكأنني ابكي أطلالي وسأجمع رمادها أشمه خلال رحلتي كمخدر للانتشاء.يعيد لي نوعا من النوستالجيا الماضية.مكتبتي كانت عالما مميزا وحقيقيا.سيل جارف من الأسئلة المعقدة كتعقد بنيتي النفسية.كان الفرد والمجتمع والعقل والطبيعة.المرأة والسياسة والعقيدة,بحورا.أحيانا باردة برودة أعماق المحيطات, وساخنة ملتهبة حارقة كهجير الظهيرة في صيف قائظ.حالتان فيزيائيتان أذابت أعماقي وصهرتها في بوثقة الألم والنسيان .
كنت مهووسا بإرادة القوة عند نيتشه, وبروح العصر عند هيجل,بفائض القيمة عند ماركس.وكنت مشغوفا بابيستسمية فوكو وتفكيكية دريدا.مولعا بروايات دوستيفسكي وكافكا.محبا لأرجوحة الماغوط وخيانته لوطنه.وأتذكر بقايا صور لحنا مينه.وكنت أيضا مأخوذا بالألحان الموسيقية البسيطة وبتجارب المتصوفة والخوارج والصعاليك...
علاقة الثقافي بالسياسي ,المعادلة المتعددة المجاهيل ,محرك وجودي ومبحث معقد أصابني بلوثة الحمق والجنون.
كنت محبا لكل ما يربط الأشياء بصور معقدة,باحثا عن طريقة تخرجها واضحة وضوح الشمس.هي تراكمات عديدة جعلتني أرفض فكرة وجودي كانسان.ربما لأنني أعشق الموت.أو ربما لأنني حالم.أو ببساطة لأني أعشق الترحال.لكنني هذه المرة قررت الرحيل,ولن أحمل أسفارا ولا بوصلة ولا أشعارا.وإنما سأحمل قنينة ماء وذكريات أسماء حاضرة على متن الذاكرة.هي تتبعني لتجعلني حمارا تراجيديا لا يقدر على الاستمرار ومتابعة الرحلة.هذه المرة سأرحل من أجل لينا وسأحمل معي وردة.
رحلتي يا أعزائي ستكون من أجل البحث عن البداية.إنها لينا القدرية.سأبحث عنها في الفيافي والمحيطات وفي قمم الجبال.سأصعد إليها مقتفيا أثرها.لينا كثيرة الترحال.لا تستقر في أي مكان.هي كالوعول في الغابات.فراشة ذهبية ذات أجنحة ملألئة,تحوم حول أفكاري منذ مدة.بحبوحة رسمت لي ملامح الطريق,وأعطتني الإشارة بالشروع في ركب الأضواء.لينا كانت طفلة,فأصبحت امرأة يانعة’خصبة الأثداء.ولكنها رغم ذالك بقيت طفلة.مظاهر الأنوثة منغرسة في أعماقها كآلهة سومرية تفوح منها رائحة الخصب والحب.
رحلتي هي رحلة حب.أليس من المخجل الحديث عن سفر من أجل قيمة روحية وجمالية وجسدية؟حتى وان كانت في أقاصي العالم ومنتهاه سأصلها..البعض يرحل من أجل ترف يزور فيه مواقع تاريخية.لن أفعل هذا ما دام التاريخ لم يبرح الآثار ليغدو حرية مطلقة.
عندما سأصل إلى لينا البداية.ستكون الفرصة تاريخية و والمناسبة احتفالية.سأرضع من ثدييها حليب السياسة, وسأقبل شفتيها حتى تدمى.سأعضها في فمها وأطلب منها أن تعضني بدورها ونمتص دماء بعضنا في طقوس حيوانية.سادية ومازوشية تمتزجان لتخلقان حالة من هستيريا إنسانية مفجعة .
سأتعرى أمامها وتتعرى كذلك.وسنتأمل بعضنا البعض ونمارس طقوس التخيل.تداعي الأجساد وانهيارها في تأملات تأويلية التي حرمت منها. أتساءل هل جسد المرأة يحتاج إلى تاويلية بول ريكور واختلافية غادامير وتفكيكية دريدا؟
رغم ذلك سأتأمل مناطقها المجهولة عن بعد.أما إذا دنوت منها فحرارتها الصاعقة ستلفحني.هي تخيفني بنظراتها الهلامية.لن أبني على صدرها أبراجا,ولن تحط سفن على بطنها المرمري.بل سأكتب أشعارا بكتابة هيروغليفية على ظهرها.وأبصم على مسارها تراثا يتوقف عنده كل الرحالة وعابري السبيل والقنا صين وقطاع الطرق,ليتأملوا إعجاز الأشعار وعظمتها.
سأمارس طقوسا تعبدية على مشارف ركبتيها,وأشرب خمرا على جنبات وديان دموعها.فهي تبكي ماساتها وأنا أفرح لعشقها المتوهج.
عندما سأشبع من لينا وهي لا تشبع أبدا.سأطلب منها أن تجز لحمي بخنجر,وأن تبقر بطني بمدية,وأن تنشب أظافرها في عيني لكي لا أبصر أحدا قط.ولا بأس أن أرجوها بقطع أوردتي الدموية حتى تنزف ألحانا دراماتيكية لإنسان حقير.سأطلب منها أن تبارك رغبة سادية في أن تروي جموحها إلى النفي, وتطلق حماقاتها لكي تخنقني.العمى والألم ضاربان في أعماقي اللاشعورية. وتناقضات الذرات الحيوية,واختلالات الليبيدو تشل حركتي تماما.
تبا لهذا المسمى فرويد واكتشافاته حول اللاشعور,المنطقة السوداء في حياتنا.البعض يتحدث عن هذا الاكتشاف كتفجير لطاقات نحو الخارج وتحقيق للأسطورة الشخصية.أما أنا فأجده حالة كمون تطال الجسد والعقل فتجعل الإنسان يتخبط خبط عشواء في اللذة والألم والكبت والقمع والعقد الجنسية والتفكير في الانتحار بشتى ألوانه.
لهذا لن أتوانى في طلب ملح في حياتي من بداية البدايات,على أن تضع نهاية لفكرة إنسان مثقل بإرث إنساني جميل ومركب.أحببت الرواية والقصة والأسطورة والقصيدة .سأدعوها أن تحفر لي قبرا بجوارها وأن تتبول علي كل يوم حتى أرتوي من موادها العضوية التي ستسقيني ,لتبعث الحياة في نسوغ عظامي.ولم لا أن تقطر علي دماء حيضها في كل نهاية شهر,احتفاء بنهاية أخرى مأساوية لمشروع كائن لم يكتب له النجاح في الرحلة المستقبلية الوجيزة.
سأقبل راحة يديها التي ستكتب أناملها على شاهدة قبري ترانيم إنسان سكنته الهلوسة,فآوت عظامه وجعلته من سلالة الشياطين.والتي ستنحت على ظهري خدوشا من تقاطعات لا متناهية,ولا باس أن تزرع ورودا في جنباته في مقبرة مقفرة تعج بموتى زمن المستنقع.
عناء السفر سيتعبني,أعرف ذلك.ولكن متعة اللقاء ستنسيني عوثاءه.,وتنفس عني هول المغامرة وحرقة الشمس.لينا كانت أرضا جرداء,انمحلت تربتها وأقحطت,ومع توالي السنوات العجاف,اكتسبت قدرة خارقة على مواجهة عوادي الطقس وتقلبات الطبيعة المناخية والبشرية.كانت سماؤها زاخرة بلوحات سريالية عميقة وبروتوشات غامضة , في داخلها خليط من الصفاء والغموض.أحيانا تخالها روضة خلابة خالدة وأحيانا زوبعة هوجاء تقتلع الجذور من عقالها.
جدل طبيعي يكتنف دواخلها ويعطيها إمكانية تكيف مع أبسط المقامات وأعقدها.لينا هي أيضا قصيدة ارتجالية في حفل مصادفة غريب.لم تكن منظومة من قبل ولم تخضع لمنطق التفعيلة ولا لوزن البحور.,بل كانت محيطا أمواجه ترطم السواحل بقوة وبدون هوادة.وهي قصيدة حب وغزل وهمس داخلي ومناجاة ليلية.بمجرد أنني أقرا أبياتها أصاب بعصاب وبصعقة ارتجاجية ترتد إلى أعماق النفس الداخلية محدثة انشقاقا قلبيا وبؤرة تحت شعورية.
لينا هي كذلك رواية تاريخية,أطوارها تراجيدية وأبطالها تاريخيون يحملون هموم البشرية وأحلامها. يصنعون غدا مشرقا في ثنايا الصفحات وأحلاما ذات أبعاد كونية.لكن للأسف لم تبرح صناعة الكلمات.هي أشبه برواية تاريخية اعتمدت تجربة حياتها العصامية كمادة خام تنسج بها مخيالها الأدبي والروحي,فاستطاعت بصيغة محنكة أن تقتحم تجربة الكتابة كعمل انقلابي.
وتبقى لينا في آخر المطاف كل شيء جميل.كل طيف فيها يصير حلما حقيقيا.سألحقه طيلة الرحلة مهما بعدت.سيكون الاكتشاف عظيما والفرحة أبدية.
لماذا هاجس أقرب إلى بوح داخلي يمنعني من إكمال الرحلة.لا يهمني.القرار اتخذ, وسأخلف ورائي كل الذكريات وكل الأماكن.سأبول على كل شيء جميل صادفني في مساري.الحياة علمتني أن لا انتظر الشيء الكثير.مسار ببساطة نحو الموت.لكن قبل أن أموت يجب أن أترك بصمات على الذاكرة المنسية .
أريد أن اقترب منها,أريد أن اخترق تخوم أراضيها.ولكنني أخالها تبتعد دائما.تسافر إلى الأماكن البعيدة حيث لا ضجيج السيارات ولا صخب البارات ولا حتى غوغاء الرعاع الصارخين بأعلى أصواتهم يحتجون ويتوعدون.
هي محبة لهواية الظهور والاختفاء.إيديولوجية تعددت تسمياتها.فتارة هي جفرة وطورا هي منى وأحيانا أخري هي بشرى....هي عوالم من أسماء نقشت بحروف نجوما بكبرياء زائد على شغاف قلبي.فجعلتني صنما روحه متوهمة.بصمت على واجهة محياه تقاسيم عشق مضى وآخر قادم.
قررت أخيرا بعد رحلة تفتيش مضنية عنها, وفي داخلي شعور جبار كدفق فيضان ساخط,أن اقتحم أجواءها و أن أغتصبها,وأن أصبغ جدرانها بألوان تحجب الرؤية وتغبشها.
أتمنى أن أحب عوالم الرحلة.أوثر أن أعيش بين أحضانها كطفل يرتد إلى المرحلة الفمية من مراحل نموه,ليطلق العنان لشفتيه أن تلثم أجمل الأجساد وأروعها.
هي ستستقبلني لا محالة.لأنها كريمة مضيافة.وسأكون رضيعا بين أحضانها أرضع من آبار أثدائها ألبان الغبطة والفرح والاختلاف.
في طريقي المعتاد.ما زلت متوسدا عصا الانكسار.أتمشى كعادتي ورأسي نحو الأسفل.لمحتها تتبع خطاي التي تمزق الأرض.تقتفى أثري حذو نعلي.فجأة ظهرت كطيف يلاحق ظلي الصباحي.انتابني شعور غامض.توقفت وغصة في عنقي. ناديتها بقوة وبصراخ حقيقي.لم تلتفت قط.كنت أناديها في غيابها وأتعلق بعنقها العنقودي,أوردته الدموية تنبض ألحانا من سمفونية الحياة وروعتها.
أعدت النداء.ترددت موجاته حاملة شحنات جذابة.استدارت وكأنها تراقص نسيم الصباح.فتحت أحضانها في الهواء وخاطبتني
-هيا يا مكتشفي.عانقني وقبلني وابصم اكتشافك باغتصابي.ها أنذا أمامك.
قلت لها بتوهج : لن اغتصبك.فلست محاربا اسبارتيا يسبي أعداءه بالفتك والقتل والاغتصاب.
لمحت في ثنايا نظراتها شكوكا وجودية.قالت بحزم فائق:
- كلكم تقولون نفس الكلام.والخلاصة التي وصلت إليها.هي أنكم أنانيون ووحشيون والرغبة تقود اكتشافاتكم وزعاماتكم.
ما زلت اقترب منها.لم تتحرك من مكانها.دنوت منها حدود اللمس وإذا بي أجد نفسي متشبثا بعنقها.أنوس بينها كعقرب ساعة عريقة.قبلتها بغنج زائد على خديها.لاعبت أرنبة انفها وشممت رائحة أنفاسها الخرافية.في تلك اللحظة بالذات,تصبب عرق من جبينها على شفتي.تلذذت بارتشافه بشغف فائق.وصرخت في وجها:
-أنت بشري, ذاكرتي وحقيقتي ونهايتي.
كنت طفلا لا يقوى على مفارقة جيدها الشبيه بجذع شجرة,أعماقها ضاربة في التاريخ.كلامها كان عبارة عن محصلة أعرف حقيقتها.لقد فككت لغزها مسبقا.لهذا قررت الرحيل تاركا خلفي غموض المغازي وزيف الحقائق وجمود القوالب.قلت لها بعد أن قبلت أذنها اليسرى من وراء ظلال شعرها:
-أنا يا عزيزتي لست صيادا محترفا.وهواية الصيد أكرهها.لست أنانيا ولا وحشيا.إحساسي وتصوري كان كونيا يفوق تصورات الواقع وإمكانات المعقول.هواجسي عاطفية,وأحلامي يوتوبية.ولكن لا شيء يهمني سوى تحقيق اكتشاف طالما ظننته سرابا في يومي وفلسفتي.
انه حلم خاص بلينا بامتياز.لينا كانت البداية وليس كلمة فقط.تعلقت بها تلك اللحظات.وبعد أن فرغت من كلامي قبلت لوزتيها المنتفختين.باغتها بسؤال فجائي:
- لماذا عنقك منتفخ هكذا,وكأنه ينتظر الانفجار.
أجابت وحسرة محياها تقتلني:
- كنت دائما أصرخ وحيدة,وكثرة الصراخ بحت صوتي ونفخت عنقي ,ومع ذلك لا بأس الآن.تعودت على انكسارات الجسد وانقباضات الزمن,ولا أحد أثرت انتباهه.ولكن أمرك أنت يحيرني.سأسأك ويجب أن تجيبني بصراحة وبجرأة تاريخية سيسجلها التاريخ المشترك بيننا في ارشفيه الإنساني والقيمي ولما لا العاطفي:
-هل أنا الماثلة أمامك هنا,التي تتخيلها كل مرة.تستطيع أن تكون موضوعا يستحق الاكتشاف والاقتحام والاهتمام والتضحية؟
لم أنتظر ولو برهة واحدة حتى وجدت نفسي في حوار حاد معها يشرح تفاصيل الأشياء وأهداف الرحلة ومشروعية الاكتشاف ومبدئية القضية.فقلت لها :
- أنت قضيتي وجسدي وحبي وطليعتي وأحلامي....
أخذت نفسا عميقا,واسترسلت في الكلام هذه المرة بنبرة عالية فيها تحد مجنون:
-أنت قصيدتي وروايتي وفلسفتي وحياتي ودمائي وبشراي.ودون أن اشعر أخرجت وردة حمراء ذبلت أوراقها وجفت تماما,لكن رائحة قوية انبعثت منها.فتحت يديها بعدما قبلت راحتيها ووضعت الوردة بين خطوط كفيها وأغلقتهما وأنا انظر إلى عينيها مشدوها.أحسست أنذاك بإحساس كان يراودني في أحلامي الجميلة,ولكنه الآن أصبح حقيقة أزلية وصورة رومانسية ولوحة تراجيدية.
أهذا حلم أم وهم أم ماذا؟لماذا هذا الهاجس المقلق يركبني كشيطان مارد؟لماذا أحلامي باردة برودة صقيع الشتاء؟لماذا لينا هي نهاية كل البدايات؟وهم أطارده ولكني لا أقدر على الإقرار به.في داخلي وجع ذاكرة محملة بالآلام وانكسارات الروح.أبحث عنها في كل الوضعيات,تحت وطء أقدامي,في كل اشراقة يوم جديد.تحت انبعاث صياح الديكة,بين السيارات,فوق أعمدة الكهرباء,في عمق السماء.فأخالها لحظة,وتختفي لحظات.أمد يدي رافعا إياها إلى من هو في السماء.أتضرع,أتضوع وألم يعتصرني حتى أصرع.
هاته المشاعر المشحونة بالصور المتعددة التي تقارب واقعي أحيانا بارتباطه بالضرورة والخيال اللامحدود بغرائبية موغلة في الغموض وتكثيف لأحاسيس تتوغل في مناطق نائية عن اللمس.إنني أجهد نفسي بشكل زائد على مستوى فكري لأبقى في أحضان لينا.لكن رغم ذلك أنفرط من حين لآخر بين انعراجات المواقف وتقاطعات الرغبة.كلماتي وصوري هي حالة من حالات الرغبة العاطفية والإنسانية في شبوبها وتمردها بين جمالية روحي وربما يأسها وبين ثورة الجسد المقموع.وما جسدي في هذه النقطة بالذات سوى نص ينضح لذة لا تنقاد لعبقرية فردية ولا تنصاع لاقتدائية منحى معين.إنها تسير في اتجاهات متضاربة تروم هلوسة مجنونة اصطدمت مرارا بانبهارات ومواقف غرائبية لم تدع لقوانين المنطق والواقع مجالا.
هل أنا مجنون؟وألفاظي تنتقل بعنف بين تشبيهات مجزوءة من أحلامي إلى تهويمات ذهنية تغوص في عوالم السحر والجنون بصوره الغرائبية الموحشة.
كنت أتوقف دائما حالما تحضرني صور من الذاكرة.عندما تحضرني صور الكلمات الأصلية الأولى التي لسعتني جاذبيتها .أهيم في دروب النسيان لتحضر الذكرى بثقلها,لأعيدها مشاهدا أتفرج عليها عندما أكون مستندا إلى عزلتي المقدسة.لكن لينا بحضورها الثقل في لحظات التيه تعيد لي الجسارة في التخيل,القوة في الإبداع.ولما تتوارى من وراء حجاب ترهقني بمطاردتها الأبدية.
مع مرور الزمن,تيقنت انه يجب علي أن ألاحقها إلى الأعالي,إلى درى الجبال,حيث السكون التام والحكمة الأزلية تغرس أسرارها بين أعشاب السفوح.لاحقتها أيضا إلى كهوف المرتفعات وبين شقوق النمل,لأنعم برحيقها العسلي.لكنها ترتفع ثم تسمو إلى أن تتوارى عن أنظاري.أركب جناحي الطفوليين لأحلق على إثرها.يتعبني التحليق فأرسو على سواحل الارتفاع.أفرش لها كل أفكاري وأشعاري لتنزل على عتبات جسدي وحيا من حقيقة غريبة تقتحم رأسي لتطهره من كل الخزعبلات العالقة فيه.أبسط لها يدي لتحط الرحال بين راحتي كفراشة ترنو إلى أنوار قلبي لتحترق على أضواء شمعتي الدائبة.هي عشقي الذي يقدم إلى بدون سابقا ل إنذار.لتعلمني على أن الحب مجرد غراميات مضحكة في زمن الابتذال.
هل أنا ضحية هذا الوهم المسمى بلينا؟
لم لا وأنا الضحية والجلاد في آن واحد كما قال بودلير.لينا ليست حقيقة ما.إنها استعارة,وهي في كتاباتي إنسانة حقيقية في مقابلة قيمة رمزية لا يحدها أفق ما.شعلة قنديل يوحي بمخيالية إبداعية.وحي صورة أبحث لها عن علة جسدية لأبعث فيها من روحي حتى تتنفس أفكاري.حتى ترقص لأنغامي.حتى تتعرى من فرط هياجي وتستجيب لرغبتي الموؤودة بين الأنا والشهوة.
هائم دوما تحت تهويمات أطمار دفنتني لأزمان متلاحقة.الخوف والقسوة هما اللذان ولدا في الرغبة الجامحة في الانتحاب ولم لا الانتحار.لحظات نشوة عارمة تعتريني خالقة لدي نوعا من أحاسيس غامضة.أحس أني حر وسوي وسعيد.تلك السعادة المنبعثة من الأعماق,متلألأة من بين أغساق الغبار الممتد في صحراء قاحلة.إنها تنمحي عندي الرغبة في الحياة وحتى معناها يخبو.وفي محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة التي تؤرقني في حياتي,وهي أسئلة وجودية مستمدة من الواقع المأساوي.كنت أسير على دروب الوهم.
أعزائي لقد نسيت لينا بين أحضان الأحداث في تتابعها المضحك,لكن حضورها القووي يهز أعماقي من حين لأخر.يملأ جدران القاعة بأسرها.لحظات تيهي توقع بي إلى مهاوي سحيقة من التخيل,وأثناءها أحس بالامتلاء الذي يجعلني مرتبكا وأنا أتابع نور وجهها الضاري يفتك برؤيتي للأشياء,فأصير أحولا يتكأ على عصا الانكسار. خاطبتها بصوت خافت وبدات تظهر جلية كنور الصباح:
-يكفي يا عزيزتي,فعناء السفر يضنيني وذكريات حياتي تقتلني.فهلا خففت من وطء الكارثة ووقع الأزمة.بمتابعتك لي بهذه الطريقة وكأنك ظلي اللصيق بي ليل نهار.أطلب منك أن تضعي لي حدا نهائيا وحاسما.كفاك من المطاردة وأنت تأتين ورائي أينما حللت.اقتليني إن شئت أو الأفضل أن تخنقيني حتى الشنق.أنا سادي بطبعي رغم كرهي لهده الميزة اللعينة.اسقيني سما قاتلا أو ابقري بطني أو لم لا أن تجزي أوردة عنقي بمخالب أنوارك الفتاكة.ها أنذا أمامك.اضربي ضربتك الحاسمة...
وانتشي,واصرخي.أرقصي على نغمات ألحان قطرات دمي.سأعزف لك ألحانا فيروزية,وأغني لك كلمات قصائد محمود درويش وأبيات زهور الشر البودليرية.انتفضي كديك رومي منفوش الريش. صوبي نحوي نصال سهامك.أطلقي طلقتك القلبية واضغطي على زناد بنادق مشاعرك واقتليني.فانا خلقت لتقتليني بنفسك.أريدك أن تقتليني. هل فهمت؟اقتليني لينا من فضلك.
كانت عالما مجهول المعالم وما زالت ولا تزال.عقدتها تتبعني في كل حركة.في كل نسمة.في كل همسة.إنني أصاب بالغثيان كمحاولة تطهيرية للنفس وعقدها.التزمت الصمت أنا أيضا وسمعتها بعد رحلة طويلة في الزمان:
-لن أقتلك لأنك حدثتني بصراحة وجرأة.لا أريدك أن تحلم بي ولا أن تتعذب من اجلي.سئمت من الحياة وابحث منذ أمد طويل عن أحد يضع نهاية لحياتي ثم أردفت.
-أرى انه صار ما بيننا أشبه بالحب.صرت أحن إلى دفء صوتك أحيانا والى وقاحتك أحيانا أخرى.كان صوتك يحمل في أغواري أحزانا كثيرة.أوراقا خريفية تناثرت حتى جعلت منك أسطورة حية.
-أجبتها باستهزاء واضح : لقد ولى زمن الأساطير.أنا مجرد لحظة عابرة.أراقب لطمات الموج تصفع الناس على مؤخراتهم لترميهم على شواطئ همومهم اليومية التي لا تنتهي ثم أحزن حزنا عميقا.
لم تكترث لكلامي واستفاضت في بث تعاليم كلامها وأنا مشدوه إلى وحي عباراتها:
-كنت أحب أن أنصت لك...أن أراقب تقلبات ذاتك وكأنك بطل ما...في كتاب ما.أحاول دائما أن أقرأك.لطالما حاولت أن أجد لك لحنا يشبهك.أن أجد صورة تستطيع أن تجمعك ,أعلقها على حائطي لتأملك.هذا الغنى الإنساني الذي هو أنت.سمعتك مرارا تردد انك مجرد تفاهة إنسانية,وأنا أتساءل في صمت مريب في عتمة الليل وبرودة الظلام إن كنت أنت تفاهة.فماذا أسمي نفسي أنا؟أنا التي كانت تراك في برج عاجي وكأنك شعلة تحترق لتنير حلكة ليل كالح.في الواقع كنت ترى تفاهتك وأنا أرى فيك سر قوتك...
-قوتي في تفاهتي,في خللي تكويني الذاتي البدائي.في حالة النسخة المشوهة للبدء البشري وسط تهويمات تحت أرضية.
ردت ودموع على مقلتيها ساحت لتختلط مع حشرجة صوتها صرت أخشى عليك هلوسة الفكر.وصرت أخشى على نفسي أن أسلم أمري لك.أن أسلم شراعاتي لك لأرسو فيك.فتغدو أنت نهاية لبداية كانت.بداية أسطورتي أنا.
-لا تخشي شيئا جميلتي.اشراقة صباحك كل يوم تكفيني بلطفها لألامس الغمام في الأعالي,فأمطر الحان الغبطة.
-صدقني.صار في داخلي ما يشبه المعارك الضارية بين الاستسلام لك أو الهروب منك.فانا المتوحشة,ثائرة المشاعر.العزلة والتوحد جعلاني هروبية إلى مواقع الحياد والظل والوهم والترقب.فانا لا أرضى أن أروض.لا أريد أن أكون بدايتك لأني نهاية.
عندما أنهت كلامها الذي أصبح نصالا ينغرس في عظامي فتدمى تعاسة وألما.فالحديث عن النهاية يرميني في هاوية أعماق سحيقة بين طبقات مجهولة,في أغوار محيطات من التساؤلات المحيرة.فأغفو وصورتها تسكن مرايا قلبي ثم تنحسر لحظات ومض الذاكرة في أفق الرحيل اللامنتهي إلى واحات القحط وفقدان الأمل.
لينا تشبه تلك الاكمات المنتصبة في خلاء وجودي.لحظة توحد بين الأرض والسماء.لعزلتها أحببتها,ولحكمتها المتوارية بين السهوب والمروج اتبعها,اقتفى أثرها,أتبع خطاها النعل بالنعل.الصوت بالصوت.الهمس بالهمس حتى أكاد أمسك بتلابيب ثوبها اللؤلئي.ولكن لم استطع يوما الإمساك بها واعتصارها بين اذرعي لأشرب منها نخب حياة تملأ كاس المرارة حتى تفيض معاني اللذة القاسية.
دريسي مولاي عبد الرحمان
المغرب
رغم الألفة الحميمية التي تربطني بالأشياء,بالأماكن وبالأشخاص.قررت الرحيل هذه المرة.والقرار لا رجعة فيه.سأرحل إلى الموطن المجهول الذي طالما حلمت به منذ نعومة أظافري.ولن احمل معي لا نبراسا ولا حلما ولا حتى وردة... سأحمل معي أنشودة طفولية أحببتها و وكنت ارددها في صغري."هناك.هناك من وراء الجبال.هناك شمس تغيب.هيا بنا إلى هناك.".
سأقتحم ألهناك وسأخترقه.سأصعد إلى أعاليه.لا لسبب يذكر إلا للبحث عن موطني الأصلي.عن حكمتي المجنونة التي لاحقتها مرة,فخانتني مرارا.سأفتش عن لينا.
لماذا أنت هكذا حقيقة تضيع كلما ظننت أني امسكها؟
أعزائي الكرام.رحلتي رحلة أعماق.ولا يمكن أن تكون رحلة في أعماقكم.فرغم المطلق الذي سأدور في فلكه.فانا لست بطلا.ولا تتسرعوا في أن تذهبوا معي إلى النهاية.أحكامكم القيمية لا تعنيني,احتفظوا بها عندكم.فالنهاية التي ترومونها هي نهاية البداية.ولما كانت لينا بداية فهي نهاية.ولتعلموا أن كل بداية للنهاية هي نهاية...
هذا الكلام ليس لدهائي,ولا لمكر داخلي.بل هو نتاج كل هذا الإرث الذي أحمله كثقل إنساني.ولكن يجب أن أخبركم أن لينا ستبقى المرأة. الرمز.الأرض.المعنى.القيمة.وقيمة القيم.قيمة عاطفية لا أبحث عن أساسها ولا حتى عن أصلها.جينيالوجيتها تكمن في إبراز وجودها,في صوفيتها,في نداءات وجودها التي تأتيني عبر آهاتها المنسية على مدار الزمن. ستبقى رمز لمحطة باقية في رحلتنا الأبدية.
عندي الكثير لأقوله لكم.ولكن لتتحملوا معي عناء السفر.أخالكم نزقين إلى درجة لا توصف.حاولوا أن تتمتعوا بلغتي المميزة.بزخم المعنى الذي لا ينبض...ولا تأخذوا كلامي على انه مبالغة في عظمة تفكير.لا أبدا.أو أن رغبتم فقولوا ما شئتم.لا يهمني.
فانا مشاكس عنيد ,قوي,ضعيف,غامض,نزق,مجنون,محب,حنون,مرهف....و....و.. ..
اعذروني,كلماتي قاسية مرة,ناعمة مرة أخرى.أعيشها.أشم رائحة زخمها بين جدران جمجمتي.ودون أن اكذب عليكم.فهي أحيانا توصلني إلى قمة لا تتصورونها.أتذكر أنها قمة سامقة وجميلة المعالم وأجواؤها رائعة.
تلك الرائحة القوية النفاذة التي قادتني إلى الرحيل.لا سبيل إلى مقاومتها.لصد غوايتها,إلا بالانصياع لها والاتحاد معها.والتخلي عن سبل مواجهتها.لم تعطني الفرصة بعد لانفلت من قدرها.بل تركت في داخلي جراحا عميقة جدا,تتلاطم كما هي أمواج البحر العاتية.
هذا الامتلاء الذي ينتابني.هذا الخوف الذي يعتريني.هذه التخمة التي أتمنى أن لا تكون عقب وجبة بورجوازية حقيرة.كل هذه الحالات النفسية التي أعيشها.أريد أن أجعلها فنا ما,لم أعرف طبيعته بعد.أريد أن أجعلها أكثر واقعية.فأنا رغم عبثيتي فاني واقعي.ليست واقعية مكسيم غوركي طبعا.ولا حتى تلك لمحمود درويش.بل واقعية من نوع خاص...
آه لحماقاتي.لم أتشدق بهذه الكلمات الكبيرة,والعشوائية.هذا مخجل للأسف.ما علاقة تجربتي الوجودية بالواقعية؟إنني ببساطة قشة مبحرة في العدم.
إنها الوجودية عندما تبقى حبيسة الأنفاس.تائهة ترقب من بعيد,حيث الرؤية مغبشة.والطريق مسدود,والسراب يلوح في أفق مظلم.فتغدو والعدم واللامعنى سيدة الموقف بامتياز.
ما معنى أن أنقب عن المعنى غير الموجود.غير المتوفر.وضبابية تلفني وتشل حركتي,فتصير مفاصيلي عاجزة عن القيام بحركة تربط الأجزاء بعضها بعضا.أو ربما تفصلها فتعيد تركيبها.إنني أدور في حلقة مفرغة عدمية للأسف.أتنفس أخر نفس بقلبي المثقل,بذهني المعكر ثم أمضي لحالي.ألقي كلماتي لتسقط زلات على وقع أقدامي ثم أمشي بعيدا.,بعيدا.
مجرد الحديث عنها يمنحني قوة الفرح والسعادة,ويغمرني بأطياف الحياة كلها.هي بدورها حياة أريد من كل من يتأملها أن يجد فيها الإبداع والتفكير والجسارة واليأس والأمل والرجاء.أنها رحلة كرحلة كبار البحارة.فلينا هي أيضا عالم يحتاج إلى رحلات استكشتاف في حقول الحياة الأكثر بؤسا,والأشد فزعا.فيها الشيء الكثير من الغرابة والذهول.ولكن لكل من فكر يوما الالتحاق بركبها أن يتخلى عن غريزته في البقاء.وإلا فانه سيتخبط خبط عشواء وهو يبحث عن موضع جديد يخلد إليه.
فكرة الرحيل بالنسبة لي لا تحمل أبعادا ترتبط بتغيير الزمان والمكان,ولا بانتقال في أفقهما.لا ثم لا.لا أريد أن تكون رحلتي أدبا.ولا هواية.لا أريدها برغماتية يكون هاجسها تحصيل الثروة وتحقيق الأسطورة الشخصية... ولن تكون رحلتي ايديلوجية غامضة.بل ستكون سافرة واضحة وضوح الشمس,مكسرة لفلق الإصباح.ولن تكون نقلة مكانية,زمانية,حالمة ويوتوبية للبحث عن الذات والكينونة المجهولة.
كينونتي ضائعة في هلامات تلاشت ملامحها منذ نعومة أظافري.لم أرسم لرحلتي مسارا مسبقا.ولكنها ستكون في جميع الاتجاهات.ستكون الرياح والأمطار والأعاصير أسطرلابي الذي سيقودني في غمرة الإبحار إلى موطني الحقيقي.
لا أريد أن تكون رحلتي أقرب إلى الرحلات الاستكشافية,استكشاف العوالم الجديدة كمثل التي وقعت في العالم الجديد.كان الرحالة هاجسهم الوحيد ربح الأموال الطائلة وجلب الذهب, وتهجير حشود من السود من موطنهم الأصلي.فكانت النتيجة مخالفة لإرادتهم.كانت في الأخير عبارة عن بصمات جغرافية مرتبطة باكتشاف المحيطات والقارات.فانا لن أكون كريستوف كولومبس, ولا ابن بطوطة.ولكني سأكون مغامرا مغمورا,ذو أحلام طفولية بريئة.
سؤال يتبادر إلى ذهني بقوة ملحة : هل من مكان لهذه البراءة المزعومة في الوجود الإنساني؟
ساترك خلفي تعقيدات السياسة والايدولوجيا, وتراكمات ومنزلقات الممارسة الميدانية, وسأخلف ورائي الحلقة العدمية للوجود من أكل الخبز دون إنتاج.سأحرق جميع كتبي التي قرأتها والتي لم اقرأها بعد.صراحة كانت عالمي الخاص بامتياز.سابكي كل كتاب وكأنني ابكي أطلالي وسأجمع رمادها أشمه خلال رحلتي كمخدر للانتشاء.يعيد لي نوعا من النوستالجيا الماضية.مكتبتي كانت عالما مميزا وحقيقيا.سيل جارف من الأسئلة المعقدة كتعقد بنيتي النفسية.كان الفرد والمجتمع والعقل والطبيعة.المرأة والسياسة والعقيدة,بحورا.أحيانا باردة برودة أعماق المحيطات, وساخنة ملتهبة حارقة كهجير الظهيرة في صيف قائظ.حالتان فيزيائيتان أذابت أعماقي وصهرتها في بوثقة الألم والنسيان .
كنت مهووسا بإرادة القوة عند نيتشه, وبروح العصر عند هيجل,بفائض القيمة عند ماركس.وكنت مشغوفا بابيستسمية فوكو وتفكيكية دريدا.مولعا بروايات دوستيفسكي وكافكا.محبا لأرجوحة الماغوط وخيانته لوطنه.وأتذكر بقايا صور لحنا مينه.وكنت أيضا مأخوذا بالألحان الموسيقية البسيطة وبتجارب المتصوفة والخوارج والصعاليك...
علاقة الثقافي بالسياسي ,المعادلة المتعددة المجاهيل ,محرك وجودي ومبحث معقد أصابني بلوثة الحمق والجنون.
كنت محبا لكل ما يربط الأشياء بصور معقدة,باحثا عن طريقة تخرجها واضحة وضوح الشمس.هي تراكمات عديدة جعلتني أرفض فكرة وجودي كانسان.ربما لأنني أعشق الموت.أو ربما لأنني حالم.أو ببساطة لأني أعشق الترحال.لكنني هذه المرة قررت الرحيل,ولن أحمل أسفارا ولا بوصلة ولا أشعارا.وإنما سأحمل قنينة ماء وذكريات أسماء حاضرة على متن الذاكرة.هي تتبعني لتجعلني حمارا تراجيديا لا يقدر على الاستمرار ومتابعة الرحلة.هذه المرة سأرحل من أجل لينا وسأحمل معي وردة.
رحلتي يا أعزائي ستكون من أجل البحث عن البداية.إنها لينا القدرية.سأبحث عنها في الفيافي والمحيطات وفي قمم الجبال.سأصعد إليها مقتفيا أثرها.لينا كثيرة الترحال.لا تستقر في أي مكان.هي كالوعول في الغابات.فراشة ذهبية ذات أجنحة ملألئة,تحوم حول أفكاري منذ مدة.بحبوحة رسمت لي ملامح الطريق,وأعطتني الإشارة بالشروع في ركب الأضواء.لينا كانت طفلة,فأصبحت امرأة يانعة’خصبة الأثداء.ولكنها رغم ذالك بقيت طفلة.مظاهر الأنوثة منغرسة في أعماقها كآلهة سومرية تفوح منها رائحة الخصب والحب.
رحلتي هي رحلة حب.أليس من المخجل الحديث عن سفر من أجل قيمة روحية وجمالية وجسدية؟حتى وان كانت في أقاصي العالم ومنتهاه سأصلها..البعض يرحل من أجل ترف يزور فيه مواقع تاريخية.لن أفعل هذا ما دام التاريخ لم يبرح الآثار ليغدو حرية مطلقة.
عندما سأصل إلى لينا البداية.ستكون الفرصة تاريخية و والمناسبة احتفالية.سأرضع من ثدييها حليب السياسة, وسأقبل شفتيها حتى تدمى.سأعضها في فمها وأطلب منها أن تعضني بدورها ونمتص دماء بعضنا في طقوس حيوانية.سادية ومازوشية تمتزجان لتخلقان حالة من هستيريا إنسانية مفجعة .
سأتعرى أمامها وتتعرى كذلك.وسنتأمل بعضنا البعض ونمارس طقوس التخيل.تداعي الأجساد وانهيارها في تأملات تأويلية التي حرمت منها. أتساءل هل جسد المرأة يحتاج إلى تاويلية بول ريكور واختلافية غادامير وتفكيكية دريدا؟
رغم ذلك سأتأمل مناطقها المجهولة عن بعد.أما إذا دنوت منها فحرارتها الصاعقة ستلفحني.هي تخيفني بنظراتها الهلامية.لن أبني على صدرها أبراجا,ولن تحط سفن على بطنها المرمري.بل سأكتب أشعارا بكتابة هيروغليفية على ظهرها.وأبصم على مسارها تراثا يتوقف عنده كل الرحالة وعابري السبيل والقنا صين وقطاع الطرق,ليتأملوا إعجاز الأشعار وعظمتها.
سأمارس طقوسا تعبدية على مشارف ركبتيها,وأشرب خمرا على جنبات وديان دموعها.فهي تبكي ماساتها وأنا أفرح لعشقها المتوهج.
عندما سأشبع من لينا وهي لا تشبع أبدا.سأطلب منها أن تجز لحمي بخنجر,وأن تبقر بطني بمدية,وأن تنشب أظافرها في عيني لكي لا أبصر أحدا قط.ولا بأس أن أرجوها بقطع أوردتي الدموية حتى تنزف ألحانا دراماتيكية لإنسان حقير.سأطلب منها أن تبارك رغبة سادية في أن تروي جموحها إلى النفي, وتطلق حماقاتها لكي تخنقني.العمى والألم ضاربان في أعماقي اللاشعورية. وتناقضات الذرات الحيوية,واختلالات الليبيدو تشل حركتي تماما.
تبا لهذا المسمى فرويد واكتشافاته حول اللاشعور,المنطقة السوداء في حياتنا.البعض يتحدث عن هذا الاكتشاف كتفجير لطاقات نحو الخارج وتحقيق للأسطورة الشخصية.أما أنا فأجده حالة كمون تطال الجسد والعقل فتجعل الإنسان يتخبط خبط عشواء في اللذة والألم والكبت والقمع والعقد الجنسية والتفكير في الانتحار بشتى ألوانه.
لهذا لن أتوانى في طلب ملح في حياتي من بداية البدايات,على أن تضع نهاية لفكرة إنسان مثقل بإرث إنساني جميل ومركب.أحببت الرواية والقصة والأسطورة والقصيدة .سأدعوها أن تحفر لي قبرا بجوارها وأن تتبول علي كل يوم حتى أرتوي من موادها العضوية التي ستسقيني ,لتبعث الحياة في نسوغ عظامي.ولم لا أن تقطر علي دماء حيضها في كل نهاية شهر,احتفاء بنهاية أخرى مأساوية لمشروع كائن لم يكتب له النجاح في الرحلة المستقبلية الوجيزة.
سأقبل راحة يديها التي ستكتب أناملها على شاهدة قبري ترانيم إنسان سكنته الهلوسة,فآوت عظامه وجعلته من سلالة الشياطين.والتي ستنحت على ظهري خدوشا من تقاطعات لا متناهية,ولا باس أن تزرع ورودا في جنباته في مقبرة مقفرة تعج بموتى زمن المستنقع.
عناء السفر سيتعبني,أعرف ذلك.ولكن متعة اللقاء ستنسيني عوثاءه.,وتنفس عني هول المغامرة وحرقة الشمس.لينا كانت أرضا جرداء,انمحلت تربتها وأقحطت,ومع توالي السنوات العجاف,اكتسبت قدرة خارقة على مواجهة عوادي الطقس وتقلبات الطبيعة المناخية والبشرية.كانت سماؤها زاخرة بلوحات سريالية عميقة وبروتوشات غامضة , في داخلها خليط من الصفاء والغموض.أحيانا تخالها روضة خلابة خالدة وأحيانا زوبعة هوجاء تقتلع الجذور من عقالها.
جدل طبيعي يكتنف دواخلها ويعطيها إمكانية تكيف مع أبسط المقامات وأعقدها.لينا هي أيضا قصيدة ارتجالية في حفل مصادفة غريب.لم تكن منظومة من قبل ولم تخضع لمنطق التفعيلة ولا لوزن البحور.,بل كانت محيطا أمواجه ترطم السواحل بقوة وبدون هوادة.وهي قصيدة حب وغزل وهمس داخلي ومناجاة ليلية.بمجرد أنني أقرا أبياتها أصاب بعصاب وبصعقة ارتجاجية ترتد إلى أعماق النفس الداخلية محدثة انشقاقا قلبيا وبؤرة تحت شعورية.
لينا هي كذلك رواية تاريخية,أطوارها تراجيدية وأبطالها تاريخيون يحملون هموم البشرية وأحلامها. يصنعون غدا مشرقا في ثنايا الصفحات وأحلاما ذات أبعاد كونية.لكن للأسف لم تبرح صناعة الكلمات.هي أشبه برواية تاريخية اعتمدت تجربة حياتها العصامية كمادة خام تنسج بها مخيالها الأدبي والروحي,فاستطاعت بصيغة محنكة أن تقتحم تجربة الكتابة كعمل انقلابي.
وتبقى لينا في آخر المطاف كل شيء جميل.كل طيف فيها يصير حلما حقيقيا.سألحقه طيلة الرحلة مهما بعدت.سيكون الاكتشاف عظيما والفرحة أبدية.
لماذا هاجس أقرب إلى بوح داخلي يمنعني من إكمال الرحلة.لا يهمني.القرار اتخذ, وسأخلف ورائي كل الذكريات وكل الأماكن.سأبول على كل شيء جميل صادفني في مساري.الحياة علمتني أن لا انتظر الشيء الكثير.مسار ببساطة نحو الموت.لكن قبل أن أموت يجب أن أترك بصمات على الذاكرة المنسية .
أريد أن اقترب منها,أريد أن اخترق تخوم أراضيها.ولكنني أخالها تبتعد دائما.تسافر إلى الأماكن البعيدة حيث لا ضجيج السيارات ولا صخب البارات ولا حتى غوغاء الرعاع الصارخين بأعلى أصواتهم يحتجون ويتوعدون.
هي محبة لهواية الظهور والاختفاء.إيديولوجية تعددت تسمياتها.فتارة هي جفرة وطورا هي منى وأحيانا أخري هي بشرى....هي عوالم من أسماء نقشت بحروف نجوما بكبرياء زائد على شغاف قلبي.فجعلتني صنما روحه متوهمة.بصمت على واجهة محياه تقاسيم عشق مضى وآخر قادم.
قررت أخيرا بعد رحلة تفتيش مضنية عنها, وفي داخلي شعور جبار كدفق فيضان ساخط,أن اقتحم أجواءها و أن أغتصبها,وأن أصبغ جدرانها بألوان تحجب الرؤية وتغبشها.
أتمنى أن أحب عوالم الرحلة.أوثر أن أعيش بين أحضانها كطفل يرتد إلى المرحلة الفمية من مراحل نموه,ليطلق العنان لشفتيه أن تلثم أجمل الأجساد وأروعها.
هي ستستقبلني لا محالة.لأنها كريمة مضيافة.وسأكون رضيعا بين أحضانها أرضع من آبار أثدائها ألبان الغبطة والفرح والاختلاف.
في طريقي المعتاد.ما زلت متوسدا عصا الانكسار.أتمشى كعادتي ورأسي نحو الأسفل.لمحتها تتبع خطاي التي تمزق الأرض.تقتفى أثري حذو نعلي.فجأة ظهرت كطيف يلاحق ظلي الصباحي.انتابني شعور غامض.توقفت وغصة في عنقي. ناديتها بقوة وبصراخ حقيقي.لم تلتفت قط.كنت أناديها في غيابها وأتعلق بعنقها العنقودي,أوردته الدموية تنبض ألحانا من سمفونية الحياة وروعتها.
أعدت النداء.ترددت موجاته حاملة شحنات جذابة.استدارت وكأنها تراقص نسيم الصباح.فتحت أحضانها في الهواء وخاطبتني
-هيا يا مكتشفي.عانقني وقبلني وابصم اكتشافك باغتصابي.ها أنذا أمامك.
قلت لها بتوهج : لن اغتصبك.فلست محاربا اسبارتيا يسبي أعداءه بالفتك والقتل والاغتصاب.
لمحت في ثنايا نظراتها شكوكا وجودية.قالت بحزم فائق:
- كلكم تقولون نفس الكلام.والخلاصة التي وصلت إليها.هي أنكم أنانيون ووحشيون والرغبة تقود اكتشافاتكم وزعاماتكم.
ما زلت اقترب منها.لم تتحرك من مكانها.دنوت منها حدود اللمس وإذا بي أجد نفسي متشبثا بعنقها.أنوس بينها كعقرب ساعة عريقة.قبلتها بغنج زائد على خديها.لاعبت أرنبة انفها وشممت رائحة أنفاسها الخرافية.في تلك اللحظة بالذات,تصبب عرق من جبينها على شفتي.تلذذت بارتشافه بشغف فائق.وصرخت في وجها:
-أنت بشري, ذاكرتي وحقيقتي ونهايتي.
كنت طفلا لا يقوى على مفارقة جيدها الشبيه بجذع شجرة,أعماقها ضاربة في التاريخ.كلامها كان عبارة عن محصلة أعرف حقيقتها.لقد فككت لغزها مسبقا.لهذا قررت الرحيل تاركا خلفي غموض المغازي وزيف الحقائق وجمود القوالب.قلت لها بعد أن قبلت أذنها اليسرى من وراء ظلال شعرها:
-أنا يا عزيزتي لست صيادا محترفا.وهواية الصيد أكرهها.لست أنانيا ولا وحشيا.إحساسي وتصوري كان كونيا يفوق تصورات الواقع وإمكانات المعقول.هواجسي عاطفية,وأحلامي يوتوبية.ولكن لا شيء يهمني سوى تحقيق اكتشاف طالما ظننته سرابا في يومي وفلسفتي.
انه حلم خاص بلينا بامتياز.لينا كانت البداية وليس كلمة فقط.تعلقت بها تلك اللحظات.وبعد أن فرغت من كلامي قبلت لوزتيها المنتفختين.باغتها بسؤال فجائي:
- لماذا عنقك منتفخ هكذا,وكأنه ينتظر الانفجار.
أجابت وحسرة محياها تقتلني:
- كنت دائما أصرخ وحيدة,وكثرة الصراخ بحت صوتي ونفخت عنقي ,ومع ذلك لا بأس الآن.تعودت على انكسارات الجسد وانقباضات الزمن,ولا أحد أثرت انتباهه.ولكن أمرك أنت يحيرني.سأسأك ويجب أن تجيبني بصراحة وبجرأة تاريخية سيسجلها التاريخ المشترك بيننا في ارشفيه الإنساني والقيمي ولما لا العاطفي:
-هل أنا الماثلة أمامك هنا,التي تتخيلها كل مرة.تستطيع أن تكون موضوعا يستحق الاكتشاف والاقتحام والاهتمام والتضحية؟
لم أنتظر ولو برهة واحدة حتى وجدت نفسي في حوار حاد معها يشرح تفاصيل الأشياء وأهداف الرحلة ومشروعية الاكتشاف ومبدئية القضية.فقلت لها :
- أنت قضيتي وجسدي وحبي وطليعتي وأحلامي....
أخذت نفسا عميقا,واسترسلت في الكلام هذه المرة بنبرة عالية فيها تحد مجنون:
-أنت قصيدتي وروايتي وفلسفتي وحياتي ودمائي وبشراي.ودون أن اشعر أخرجت وردة حمراء ذبلت أوراقها وجفت تماما,لكن رائحة قوية انبعثت منها.فتحت يديها بعدما قبلت راحتيها ووضعت الوردة بين خطوط كفيها وأغلقتهما وأنا انظر إلى عينيها مشدوها.أحسست أنذاك بإحساس كان يراودني في أحلامي الجميلة,ولكنه الآن أصبح حقيقة أزلية وصورة رومانسية ولوحة تراجيدية.
أهذا حلم أم وهم أم ماذا؟لماذا هذا الهاجس المقلق يركبني كشيطان مارد؟لماذا أحلامي باردة برودة صقيع الشتاء؟لماذا لينا هي نهاية كل البدايات؟وهم أطارده ولكني لا أقدر على الإقرار به.في داخلي وجع ذاكرة محملة بالآلام وانكسارات الروح.أبحث عنها في كل الوضعيات,تحت وطء أقدامي,في كل اشراقة يوم جديد.تحت انبعاث صياح الديكة,بين السيارات,فوق أعمدة الكهرباء,في عمق السماء.فأخالها لحظة,وتختفي لحظات.أمد يدي رافعا إياها إلى من هو في السماء.أتضرع,أتضوع وألم يعتصرني حتى أصرع.
هاته المشاعر المشحونة بالصور المتعددة التي تقارب واقعي أحيانا بارتباطه بالضرورة والخيال اللامحدود بغرائبية موغلة في الغموض وتكثيف لأحاسيس تتوغل في مناطق نائية عن اللمس.إنني أجهد نفسي بشكل زائد على مستوى فكري لأبقى في أحضان لينا.لكن رغم ذلك أنفرط من حين لآخر بين انعراجات المواقف وتقاطعات الرغبة.كلماتي وصوري هي حالة من حالات الرغبة العاطفية والإنسانية في شبوبها وتمردها بين جمالية روحي وربما يأسها وبين ثورة الجسد المقموع.وما جسدي في هذه النقطة بالذات سوى نص ينضح لذة لا تنقاد لعبقرية فردية ولا تنصاع لاقتدائية منحى معين.إنها تسير في اتجاهات متضاربة تروم هلوسة مجنونة اصطدمت مرارا بانبهارات ومواقف غرائبية لم تدع لقوانين المنطق والواقع مجالا.
هل أنا مجنون؟وألفاظي تنتقل بعنف بين تشبيهات مجزوءة من أحلامي إلى تهويمات ذهنية تغوص في عوالم السحر والجنون بصوره الغرائبية الموحشة.
كنت أتوقف دائما حالما تحضرني صور من الذاكرة.عندما تحضرني صور الكلمات الأصلية الأولى التي لسعتني جاذبيتها .أهيم في دروب النسيان لتحضر الذكرى بثقلها,لأعيدها مشاهدا أتفرج عليها عندما أكون مستندا إلى عزلتي المقدسة.لكن لينا بحضورها الثقل في لحظات التيه تعيد لي الجسارة في التخيل,القوة في الإبداع.ولما تتوارى من وراء حجاب ترهقني بمطاردتها الأبدية.
مع مرور الزمن,تيقنت انه يجب علي أن ألاحقها إلى الأعالي,إلى درى الجبال,حيث السكون التام والحكمة الأزلية تغرس أسرارها بين أعشاب السفوح.لاحقتها أيضا إلى كهوف المرتفعات وبين شقوق النمل,لأنعم برحيقها العسلي.لكنها ترتفع ثم تسمو إلى أن تتوارى عن أنظاري.أركب جناحي الطفوليين لأحلق على إثرها.يتعبني التحليق فأرسو على سواحل الارتفاع.أفرش لها كل أفكاري وأشعاري لتنزل على عتبات جسدي وحيا من حقيقة غريبة تقتحم رأسي لتطهره من كل الخزعبلات العالقة فيه.أبسط لها يدي لتحط الرحال بين راحتي كفراشة ترنو إلى أنوار قلبي لتحترق على أضواء شمعتي الدائبة.هي عشقي الذي يقدم إلى بدون سابقا ل إنذار.لتعلمني على أن الحب مجرد غراميات مضحكة في زمن الابتذال.
هل أنا ضحية هذا الوهم المسمى بلينا؟
لم لا وأنا الضحية والجلاد في آن واحد كما قال بودلير.لينا ليست حقيقة ما.إنها استعارة,وهي في كتاباتي إنسانة حقيقية في مقابلة قيمة رمزية لا يحدها أفق ما.شعلة قنديل يوحي بمخيالية إبداعية.وحي صورة أبحث لها عن علة جسدية لأبعث فيها من روحي حتى تتنفس أفكاري.حتى ترقص لأنغامي.حتى تتعرى من فرط هياجي وتستجيب لرغبتي الموؤودة بين الأنا والشهوة.
هائم دوما تحت تهويمات أطمار دفنتني لأزمان متلاحقة.الخوف والقسوة هما اللذان ولدا في الرغبة الجامحة في الانتحاب ولم لا الانتحار.لحظات نشوة عارمة تعتريني خالقة لدي نوعا من أحاسيس غامضة.أحس أني حر وسوي وسعيد.تلك السعادة المنبعثة من الأعماق,متلألأة من بين أغساق الغبار الممتد في صحراء قاحلة.إنها تنمحي عندي الرغبة في الحياة وحتى معناها يخبو.وفي محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة التي تؤرقني في حياتي,وهي أسئلة وجودية مستمدة من الواقع المأساوي.كنت أسير على دروب الوهم.
أعزائي لقد نسيت لينا بين أحضان الأحداث في تتابعها المضحك,لكن حضورها القووي يهز أعماقي من حين لأخر.يملأ جدران القاعة بأسرها.لحظات تيهي توقع بي إلى مهاوي سحيقة من التخيل,وأثناءها أحس بالامتلاء الذي يجعلني مرتبكا وأنا أتابع نور وجهها الضاري يفتك برؤيتي للأشياء,فأصير أحولا يتكأ على عصا الانكسار. خاطبتها بصوت خافت وبدات تظهر جلية كنور الصباح:
-يكفي يا عزيزتي,فعناء السفر يضنيني وذكريات حياتي تقتلني.فهلا خففت من وطء الكارثة ووقع الأزمة.بمتابعتك لي بهذه الطريقة وكأنك ظلي اللصيق بي ليل نهار.أطلب منك أن تضعي لي حدا نهائيا وحاسما.كفاك من المطاردة وأنت تأتين ورائي أينما حللت.اقتليني إن شئت أو الأفضل أن تخنقيني حتى الشنق.أنا سادي بطبعي رغم كرهي لهده الميزة اللعينة.اسقيني سما قاتلا أو ابقري بطني أو لم لا أن تجزي أوردة عنقي بمخالب أنوارك الفتاكة.ها أنذا أمامك.اضربي ضربتك الحاسمة...
وانتشي,واصرخي.أرقصي على نغمات ألحان قطرات دمي.سأعزف لك ألحانا فيروزية,وأغني لك كلمات قصائد محمود درويش وأبيات زهور الشر البودليرية.انتفضي كديك رومي منفوش الريش. صوبي نحوي نصال سهامك.أطلقي طلقتك القلبية واضغطي على زناد بنادق مشاعرك واقتليني.فانا خلقت لتقتليني بنفسك.أريدك أن تقتليني. هل فهمت؟اقتليني لينا من فضلك.
كانت عالما مجهول المعالم وما زالت ولا تزال.عقدتها تتبعني في كل حركة.في كل نسمة.في كل همسة.إنني أصاب بالغثيان كمحاولة تطهيرية للنفس وعقدها.التزمت الصمت أنا أيضا وسمعتها بعد رحلة طويلة في الزمان:
-لن أقتلك لأنك حدثتني بصراحة وجرأة.لا أريدك أن تحلم بي ولا أن تتعذب من اجلي.سئمت من الحياة وابحث منذ أمد طويل عن أحد يضع نهاية لحياتي ثم أردفت.
-أرى انه صار ما بيننا أشبه بالحب.صرت أحن إلى دفء صوتك أحيانا والى وقاحتك أحيانا أخرى.كان صوتك يحمل في أغواري أحزانا كثيرة.أوراقا خريفية تناثرت حتى جعلت منك أسطورة حية.
-أجبتها باستهزاء واضح : لقد ولى زمن الأساطير.أنا مجرد لحظة عابرة.أراقب لطمات الموج تصفع الناس على مؤخراتهم لترميهم على شواطئ همومهم اليومية التي لا تنتهي ثم أحزن حزنا عميقا.
لم تكترث لكلامي واستفاضت في بث تعاليم كلامها وأنا مشدوه إلى وحي عباراتها:
-كنت أحب أن أنصت لك...أن أراقب تقلبات ذاتك وكأنك بطل ما...في كتاب ما.أحاول دائما أن أقرأك.لطالما حاولت أن أجد لك لحنا يشبهك.أن أجد صورة تستطيع أن تجمعك ,أعلقها على حائطي لتأملك.هذا الغنى الإنساني الذي هو أنت.سمعتك مرارا تردد انك مجرد تفاهة إنسانية,وأنا أتساءل في صمت مريب في عتمة الليل وبرودة الظلام إن كنت أنت تفاهة.فماذا أسمي نفسي أنا؟أنا التي كانت تراك في برج عاجي وكأنك شعلة تحترق لتنير حلكة ليل كالح.في الواقع كنت ترى تفاهتك وأنا أرى فيك سر قوتك...
-قوتي في تفاهتي,في خللي تكويني الذاتي البدائي.في حالة النسخة المشوهة للبدء البشري وسط تهويمات تحت أرضية.
ردت ودموع على مقلتيها ساحت لتختلط مع حشرجة صوتها صرت أخشى عليك هلوسة الفكر.وصرت أخشى على نفسي أن أسلم أمري لك.أن أسلم شراعاتي لك لأرسو فيك.فتغدو أنت نهاية لبداية كانت.بداية أسطورتي أنا.
-لا تخشي شيئا جميلتي.اشراقة صباحك كل يوم تكفيني بلطفها لألامس الغمام في الأعالي,فأمطر الحان الغبطة.
-صدقني.صار في داخلي ما يشبه المعارك الضارية بين الاستسلام لك أو الهروب منك.فانا المتوحشة,ثائرة المشاعر.العزلة والتوحد جعلاني هروبية إلى مواقع الحياد والظل والوهم والترقب.فانا لا أرضى أن أروض.لا أريد أن أكون بدايتك لأني نهاية.
عندما أنهت كلامها الذي أصبح نصالا ينغرس في عظامي فتدمى تعاسة وألما.فالحديث عن النهاية يرميني في هاوية أعماق سحيقة بين طبقات مجهولة,في أغوار محيطات من التساؤلات المحيرة.فأغفو وصورتها تسكن مرايا قلبي ثم تنحسر لحظات ومض الذاكرة في أفق الرحيل اللامنتهي إلى واحات القحط وفقدان الأمل.
لينا تشبه تلك الاكمات المنتصبة في خلاء وجودي.لحظة توحد بين الأرض والسماء.لعزلتها أحببتها,ولحكمتها المتوارية بين السهوب والمروج اتبعها,اقتفى أثرها,أتبع خطاها النعل بالنعل.الصوت بالصوت.الهمس بالهمس حتى أكاد أمسك بتلابيب ثوبها اللؤلئي.ولكن لم استطع يوما الإمساك بها واعتصارها بين اذرعي لأشرب منها نخب حياة تملأ كاس المرارة حتى تفيض معاني اللذة القاسية.
دريسي مولاي عبد الرحمان
المغرب
تعليق