[align=justify][/align] أجلسه الشرطي على كرسي داخل قفص خشبي بعد ما فك الأصفاد التي كانت تشل حركة يديه .بدأ ينظر إلى اليمين ثم إلى الشمال . رأى كرسيا ضخما يتوسط القاعة تصطف على جانبيه كراس أخرى أقل ضخامة .وفي الأعلى من الكراسي رسم قبان بإتقان كبير ذو كفتين متعادلتين .فعلم أنه في المحكمة .فضحك في نفسه لأنه تذكر جريمته التي سجن بها شهرا كاملا في ذمة التحقيق وبعدها هاهو ينتظر النطق بالحكم .
- "محكمة." انتبه ليجد القاعة قد ملئت حرسا شديدا .من نوع خاص .
-"محكمة ".سكت الناس ، وطغى على القاعة الكبيرة الفسيحة ، ذات الكراسي المتآكلة صمت رهيب .ليدخل من باب خاص شاب ربما هو القاضي، و معه شلة من المستشارين .فتذكر صاحبنا أنه يحمل نفس الشهادة الجامعية لذلك القاضي ولو ساعدته الظروف لكان مكانه.بدأ القاضي بكلمات لم يسمعها لأنه كان منشغل البال بهواجسه ، فاستفاق على كلمة "أين السارق؟" .وكزه الشرطي و أمره بالقيام . فنهض وكلمة السارق يتردد صداها في ذهنه ، وردد في داخله" لست سارقا ... ولكني جائع" وهنا تاه في دواخله ليسمع الناس يتلاغطون "كيف تسرق من هذا الطفل الصغير؟ يا للعار؟ "وهو يدير رأسه ليتحاشى نظرات الناس إليه ولا يستطيع الإنكار لأن الحجة قائمة عليه فالمسروق لازال بين يديه أو بقية منه، نظر لما في يديه وأعاد الشريط ليرتب المشهد من جديد .
كان يتسكع بين شوارع العاصمة الفسيحة المكتظة بالأجساد ، الخالية من البشر ، أجسام في كل مكان يتخايطون في الطرقات والشوارع كل جسم يحمل همومه على ظهره ويجري في اتجاه . كانت أجساما خاوية لا إنسانية فيها ، تتكالب على أشياء تافهة ، وكان وسطهم يبحث عن مكان بينهم هو الشاب المثقف ذو المستوى العالي ، ويتساءل :"هل هذه المدينة لا تعرف ولا تعترف إلا بأبنائها وخاصتها؟ " لأن المسكين منذ يومين وهو على لحم بطنه، جاء من قريته البعيدة حيث الكرم والبر بالغرباء . إلى هذه المدينة التي تنشر أمام محلاتها أشهى المأكولات وأطيب الفواكه و لكن كل شيء بثمن . وهو ليس معه قرش واحد لأن ما لديه قد صرفه على بعض الأوراق طلبت منه ليجتاز مباراة للعمل أعلنت عنها وزارة العدل .لأنه من حاملي الشهادات ، الإجازة في القانون و أي قانون هذا الذي جعله يتسكع بين الطرقات ، حيث لمح طفلا يحمل كعكة كبيرة ،فلم يستطع مقاومة جوعه فأتى الطفل يداعبه و يراوده حتى أدخله زقاقا ضيقا آمنا فسلبه كعكته وأطلق ساقيه للريح . صوت الطفل فتحولت الأجسام كلها إلى بشر، وظهرت بشريتهم فجأة ،ليبدأ (الماراطون) الدولي في الشارع العام الكل يجري في اتجاه واحد .وهو في المقدمة ، كأنه استطاع أن يربح السباق وفي يده الكعكة يقضم منها مرة ،مرة ، مما أضاق تنفسه فلم يستطع الجري طويلا حتى مسك به أحد رجال الشرطة ليهوي عليه بضربة في بطنه جعلت معدته تلفظ ما اختزنت من طعام..". أين المسمى صالح؟" ، سأل القاضي بشيء من الكبرياء المصطنع ، فوكزه الشرطي ثانية ليصيح في غير وعيه -"حاضر سيدي" فتلا عليه المنسوب إليه : " لقد ضبطت وأنت تسرق طفلا ممتلكاته ." ليجيب صالح -"كعكة يا سيدي " وهنا انفجرت القاعة بالضحك.تبسم القاضي و قال ما بالك تسرق كعكة.فحكى صالح الحكاية من أولها إلى آخرها أمام القاضي مما أثار شفقة القاضي ليحكم عليه بالبراءة، لأن المدة التي قضاها في ذمة التحقيق كانت هي المدة التي سيحكم بها عليه .التفت القاضي إلى صالح وأشار عليه أن ينتظره في مكتبه.
خرج صالح من القاعة مهرولا لا يلوي على شيء قاصدا مكتب القاضي حيث الانتظار طويل و كل دقيقة تمر بأشرطة متعددة من الأحداث والأفلام والتخيلات .استيقظ على وكزة الشرطي الثالثة، يحثه بها على الدخول إلى المكتب لأن القاضي بانتظاره . دخل خجولا مطأطئ الرأس يجر رجليه جرا من الجوع والعطش والخوف . فسأله القاضي :" هل أنت ابن الحاج المصطفى؟ " فرد صالح " نعم سيدي " فأردف القاضي " ألم تعرفني ؟" . وحينها رفع صالح رأسه فإذا بالذي أمامه صديقه ورفيق دربه. فهمس في أذنه كالمستعطف
:" أتذكر الدجاجة التي سرقنا معا حينما كنا في القرية ؟"." آه لقد تغيرت " **/**
الرباط في 25/07/2009
- "محكمة." انتبه ليجد القاعة قد ملئت حرسا شديدا .من نوع خاص .
-"محكمة ".سكت الناس ، وطغى على القاعة الكبيرة الفسيحة ، ذات الكراسي المتآكلة صمت رهيب .ليدخل من باب خاص شاب ربما هو القاضي، و معه شلة من المستشارين .فتذكر صاحبنا أنه يحمل نفس الشهادة الجامعية لذلك القاضي ولو ساعدته الظروف لكان مكانه.بدأ القاضي بكلمات لم يسمعها لأنه كان منشغل البال بهواجسه ، فاستفاق على كلمة "أين السارق؟" .وكزه الشرطي و أمره بالقيام . فنهض وكلمة السارق يتردد صداها في ذهنه ، وردد في داخله" لست سارقا ... ولكني جائع" وهنا تاه في دواخله ليسمع الناس يتلاغطون "كيف تسرق من هذا الطفل الصغير؟ يا للعار؟ "وهو يدير رأسه ليتحاشى نظرات الناس إليه ولا يستطيع الإنكار لأن الحجة قائمة عليه فالمسروق لازال بين يديه أو بقية منه، نظر لما في يديه وأعاد الشريط ليرتب المشهد من جديد .
كان يتسكع بين شوارع العاصمة الفسيحة المكتظة بالأجساد ، الخالية من البشر ، أجسام في كل مكان يتخايطون في الطرقات والشوارع كل جسم يحمل همومه على ظهره ويجري في اتجاه . كانت أجساما خاوية لا إنسانية فيها ، تتكالب على أشياء تافهة ، وكان وسطهم يبحث عن مكان بينهم هو الشاب المثقف ذو المستوى العالي ، ويتساءل :"هل هذه المدينة لا تعرف ولا تعترف إلا بأبنائها وخاصتها؟ " لأن المسكين منذ يومين وهو على لحم بطنه، جاء من قريته البعيدة حيث الكرم والبر بالغرباء . إلى هذه المدينة التي تنشر أمام محلاتها أشهى المأكولات وأطيب الفواكه و لكن كل شيء بثمن . وهو ليس معه قرش واحد لأن ما لديه قد صرفه على بعض الأوراق طلبت منه ليجتاز مباراة للعمل أعلنت عنها وزارة العدل .لأنه من حاملي الشهادات ، الإجازة في القانون و أي قانون هذا الذي جعله يتسكع بين الطرقات ، حيث لمح طفلا يحمل كعكة كبيرة ،فلم يستطع مقاومة جوعه فأتى الطفل يداعبه و يراوده حتى أدخله زقاقا ضيقا آمنا فسلبه كعكته وأطلق ساقيه للريح . صوت الطفل فتحولت الأجسام كلها إلى بشر، وظهرت بشريتهم فجأة ،ليبدأ (الماراطون) الدولي في الشارع العام الكل يجري في اتجاه واحد .وهو في المقدمة ، كأنه استطاع أن يربح السباق وفي يده الكعكة يقضم منها مرة ،مرة ، مما أضاق تنفسه فلم يستطع الجري طويلا حتى مسك به أحد رجال الشرطة ليهوي عليه بضربة في بطنه جعلت معدته تلفظ ما اختزنت من طعام..". أين المسمى صالح؟" ، سأل القاضي بشيء من الكبرياء المصطنع ، فوكزه الشرطي ثانية ليصيح في غير وعيه -"حاضر سيدي" فتلا عليه المنسوب إليه : " لقد ضبطت وأنت تسرق طفلا ممتلكاته ." ليجيب صالح -"كعكة يا سيدي " وهنا انفجرت القاعة بالضحك.تبسم القاضي و قال ما بالك تسرق كعكة.فحكى صالح الحكاية من أولها إلى آخرها أمام القاضي مما أثار شفقة القاضي ليحكم عليه بالبراءة، لأن المدة التي قضاها في ذمة التحقيق كانت هي المدة التي سيحكم بها عليه .التفت القاضي إلى صالح وأشار عليه أن ينتظره في مكتبه.
خرج صالح من القاعة مهرولا لا يلوي على شيء قاصدا مكتب القاضي حيث الانتظار طويل و كل دقيقة تمر بأشرطة متعددة من الأحداث والأفلام والتخيلات .استيقظ على وكزة الشرطي الثالثة، يحثه بها على الدخول إلى المكتب لأن القاضي بانتظاره . دخل خجولا مطأطئ الرأس يجر رجليه جرا من الجوع والعطش والخوف . فسأله القاضي :" هل أنت ابن الحاج المصطفى؟ " فرد صالح " نعم سيدي " فأردف القاضي " ألم تعرفني ؟" . وحينها رفع صالح رأسه فإذا بالذي أمامه صديقه ورفيق دربه. فهمس في أذنه كالمستعطف
:" أتذكر الدجاجة التي سرقنا معا حينما كنا في القرية ؟"." آه لقد تغيرت " **/**
الرباط في 25/07/2009

تعليق