بسم الله الرحمن الرحيم [align=right]
أولا : بطاقة الكتاب
العنوان : ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار في الشعر
المؤلف : د . عبدالعزيز الأهواني
الناشر : وزارة الثقافة والإعلام – دار الشؤون الثقافية العامة - العراق
الطبعة : الثانية 1986
الصفحات :228
ثانيا : الفكرة العامة للكتاب .
ماذا يحدث عندما تغيب مهمة الشعر الحقيقية عن الشاعر ؟ وكيف يكون الخطأ في الشعر؟ وكيف يكون الانحراف في الشعر ؟ هذه هي الأسئلة العريضة التي يجيب عنها هذا الكتاب .
ثالثا : العرض
- مقدمة الكتاب :
منذ البداية يقرر الباحث أن ابن سناء الملك قد انحرف عن فهم إدراك مهمة الشاعر الحقيقية , وتساءل " من أ ين جاء إلى الشاعر هذا الانحراف , وما أسباب هذا الخطأ ؟ وماهو المجهود الذي بذله في هذا السبيل ؟ وما الطرائق التي سلكها ليحقق مثله المنشود فيما حسبه ابتكارا واختراعا ؟ ".
يجمل الباحث مبكرا مظاهر الانحراف عند ابن سناء الملك في أمرين هما :
1- أن الشاعر " لم يفهم أن الشعر تعبير عن عاطفته وتصوير لإحساسه ..., وإنما أعتقد أن الشعر جهد عقلي يصدر عن التفكير الواعي المنظم ويقوم على نوع من الحجاج المنطقي والتوليد الذهني , ومايجره هذا كله من تفنن في المعاني وتلاعب في الألفاظ , ومنافسة للقدماء ..." ص7
ويضيف بأن شعراء عصور العقم ومنهم ابن سناء الملك كانوا منفصلين عن واقعهم وبالتالي فإن الدراسة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لا تؤدي إلى الفهم الصحيح لشعر هؤلاء .
ويؤكد الباحث بعد ذلك على أهمية معرفة مفهوم الشاعر للشعر , ومقاييس الإجادة , ومهمة الشاعر , وصلته بالتراث , وموقفه من مشاهير الشعراء السابقين ومذاهبهم . وهذا برأيه أولى بالدرس عند تناول شعراء العقم . وكأن الباحث ينطلق من اتجاه آخر في الدراسات الأدبية تتناول مظاهر القبح بعد ما كان الناقد ينحو بدرسه باتجاه مكامن الجمال .
ينتقل الباحث بعد ذلك إلى أن ابن سناء الملك " حشد قوته وأفرغ طاقته في سبيل المعنى الجديد , الاتيان بماهو مبتكر لم يسبق إليه " .
2- السبب الثاني في انحراف الشاعر هي المشكلة اللغوية أو الازدواج اللغوي , ويعني الباحث بذلك , صلة اللغة التي ينظم بها الشاعر بعواطفه وارتباطها بوجدانه وخياله .
ويحدد بعد ذلك خطة الدراسة بأنه سيبدأ دراسته:
1- بالمشكلة اللغوية وأثرها في موقف الشاعر وموقف شعراء عصره , وما جرته من عقم أصاب الشعر .
2- مفهوم الشعر لدى الشاعر , وأثر ذلك في فكرة الابتكار عنده
3- استعراض جوانب هذا الابتكار في شعر ابن سناء الملك وموشحاته مع الحكم على قيمتها .
الفصل الأول :
جاء الفصل الأول بعنوان (المشكلة اللغوية والعقم) وتضمن المباحث التالية : اللغة والشعر الغنائي ,موقف الشاعر من التراث , الجمهور والمشكلة اللغوية , الركاكة ,الشعر بين العاطفة والعقل ,مفهوم الشعر بين الأمس واليوم.
افتتح الباحث الفصل الأول بسؤالين الأول : هل يعتبر العصر الأيوبي , وهو العصر الذي عاش فيه ابن سناء الملك , واحد من عصور الانحطاط والخمول والتأخر , حتى يكون عقم الشاعر في ظاهرة طبيعية تشترك ومظاهر الضعف العام للعصر كله ؟ وأجاب بأنه يميل إلى أن العصر الأيوبي عصر نهضة باعتبارها متضمنة معاني التسامي والطموح والنزوع إلى المستقبل , و تحمل في أطرها معاني التحدي للشدائد التي تحيط بالأمة , مما جعل العصر الأيوبي يفرز لنا قوادا عظماء كصلاح الدين الأيوبي , ونور الدين زنكي , وتضمنه لأحداث كبرى كمقاومة الصليبين , والمنافسة المذهبية والوحدة بين مصر والشام . وبالتالي تتلاشى تهمة العصر الأيوبي بأنه عصر انحطاط وخمول .وحينها لا نستطيع تفسير عقم الشعراء في هذا العصر بأنهم عاشوا في عصر عقيم خامل فأصابهم ما أصاب أهل عصرهم جميعا .
أما السؤال الثاني : فهو هل مايسمى بعصر الانحطاط يستلزم حتما أن يعم هذا الانحطاط كل جوانب الحياة , ولاسيما الفنون والآداب على اختلاف ميادينها وأنواعها ؟ أم أن الجماعة البشرية لابد لها من مجال التعبير عن المشاعر وتصوير العواطف – ولايمكن أن تموت المشاعر والعواطف بحالٍ من الأحوال من قلوب الناس جميعا في أي عصر – من منافذ تنطلق فيها , ومن معبرين عنها في ثدق ودقة بحيث تجد الجماعة في تعبيرهم تعبيرا عن ضميرها وعما كمن في أعماق نفوسها ؟
ويجيب الباحث عن هذا السؤال بأن " عصور الانحطاط لم تستطع أن تطمس كل مجالات التعبير الفني عن المشاعر ونضرب لذلك مثلا بالعصر المملوكي في مصر -الذي يقال عنه بأنه عصر انحطاط – فقد تفوق ذلك العصر في فن العمارة , والسير الشعبية .."
ويخلص الباحث بعد السؤالين السابقين إلى سؤال البحث الرئيس ؟
إذن ما الأسباب التي جعلت الشعر الأيوبي , ومنه شعر ابن سناء الملك ضعيفا عقيما , بعد إذ رأينا أن العصر لم يكن عقيما , وبعد إذ رأينا أيضا أن عصور العقم لاتحتم أن تكون الفنون جميعها عقيمة , إذ أن حاجة الجماعة للتعبير عن نفسها قائمة في عصري النهضة والتدهور جميعا ؟!
وراح يبرر ترتيب البحث بعد ذلك إذ يقول " ولعل منطق البحث أن نبدأ بتشخيص هذا العقم الذي نتحدث عنه , وهذا الضعف الذي وصفنا به شعر ابن سناء الملك , وأن نجيء بالشواهد ونستعرض الانتاج , ونأخذ في تحليله ونقده , قبل أن نشرع في أسباب عقم لم نقم بعد الدليل عليه . فإثبات الظاهرة ووضع اليد عليها يفترض أن يكون أول مايصنعه الباحث , ثم ينتقل بعد ذلك إلى التعليل وذكر الأسباب " . ص17
ويضيف " ولقد عدلنا عن هذا المنطق لأننا منذ نبدأ في ذكر المشكلة اللغوية سنأخذ أنفسنا بإيراد الشواهد المفصلة عليها , كذلك حين نشرع في ذكر قضية الابتكار سنعرض أمثلة ونماذج كثيرة لها من شعر الشاعر , نعرف منها كيف كان ابتكاره انحرافا في فهم معنى الشعر. ولو بدأنا بتشخيص العقم منفصلا لاضطررنا إلى التكرار , ولفقدت الوحدة والتماسك بين أجزاء البحث ".ص18
في المبحث الأول الذي جاء عنوانه ( اللغة والشعر الغنائي ) بدأ الباحث بإفتراض وهو " أن العصور التي يوجد فيها الأزدواج اللغوي لاتنجب الشعراء الغنائيين الكبار " ص18
ويعني الباحث بالأزدواج اللغوي " الاتساع الكبير بين لغة الحديث ولغة النظم بحيث توشك الأخيرة أن تصبح لغة اجنبية بالقياس إلى الى الناظم وإلى أبناء مجتمعة " ويضيف :" ونحن نعتبر أن القرن السادس الهجري في مصر وهو العصر الذي عاش فيه ابن سناء الملك , ما تلاه من قرون كان عصر ازدواج لغوي " بالمعنى الذي أشرنا إليه سابقا .
ويعلل الباحث قصده الشعر الغنائي من بين أنواع الشعر بقوله " وإنما قصدنا الشعر الغنائي لأنه تعبير مباشر عن عواطف الشاعر وإحساسه وإن مكانة اللغة من هذا التعبير تختلف عن مكانتها حين تكون وسيلة لنقل الأفكار العقلية من جانب كما هو الحال في النثر ." إذ اللغة بالنسبة للشاعر الغنائي وفق مفهوم الباحث " شحنات عاطفية تصدر من قلبه وخياله قبل صدورها في عقله " ويجمل الباحث مظاهر الضعف في شعر ابن سناء الملك وشعراء عصور العقم بما يلي :
- الركاكة
- الاقتران بين العامية والفصحى
- انعزال الشاعر عن الجمهور
- اعتماد الشاعر في لغته على كتب التراث
- الاتجاه العقلي في الشعر .
وجاء عنوان المبحث الثاني " موقف الشاعر من التراث " , وفيه يبين الباحث أن شعراء العصور المتأخرة عاشوا في أسر التراث بإعتبار أن قدامى الشعراء هم الأساتذة , ثم أن اللغة ليست ملكا لهم . ولو " فهم الشاعر المتأخر أن اللغة ملكا له وانها ملكة عنده لتغير الموقف وتطورت لغة الكتابة وتحرر الشاعر من عبوديته للشعر القديم "
ويعتبر الباحث المشكلة اللغوية هي الأساس في عقم الشعراء المتأخرين ومنهم ابن سناء الملك إذ لا يخفي ابن سناء الملك اعجابه بابن المعتز والجريء وراءه وإعجابه بالبحتري , ليخلص الباحث إلى أن ابن سناء الملك " يدور بإعترافه وانتاجه في دائرة الشعراء القدماء ويعيش في دواوينهم . فيحاكي ابن المعتز ويقلده دون ذوق ولا بصر , ويسلم بأن البحتري فوق طاقته , ويسلك في فنه مسلك أبي تمام , ويسطو على معاني المتنبي " ص36
وجاء عنوان المبحث الثالث " الجمهور والمشكلة اللغوية " وخلص فيه الباحث إلى أن من نتائج المشكلة اللغوية التي أصابت الشاعر المتأخر أن انقطعت الصلة بينه وبين الجمهور الكبير , وأصبح منال الشاعر إرضاء اللغويين مما أوقعه في ذوق مدرسي , وحرم نفسه من جمهور عريض لأن اداته قاصرة عنه .
وفي المبحث الرابع بعنوان " الركاكة " , يفرق الباحث بين ثلاثة مفاهيم هي الركاكة والعامية والسهولة ويخلص إلى أن الركاكة التي يعنيها في بحثه هي عدم التمكن من اللغة والعجز في التصرف بها , ويرى أن ابن سناء الملك قد كان ركيكا في شعر ويستشهد على ذلك بقصيدته التي كتبها في رثاء أمه حيث يراها الباحث مبنية على المنطق النحوي فغدت بحسب تعبيره " راكدة مستوية الأطراف " , ثم إن الشاعر قد تكلف في إقامة الوزن , وتصرف بسوء في تراكيب القصيدة , وهذا يعني عدم ثقة المتأخرين بلغتهم , ودليل على الجمود اللغوي الناتج عن تقعيدات النحاة .
وفي المبحث الخامس " الشعر بين العاطفة والعقل " يتساءل الباحث في مفتتح المبحث هل الشعر تعبير عن العاطفة والوجدان أم هو تفنن عقلي ؟ وينحاز الباحث إلى الإجابة الأولى مشيرا إلى أن المشكلة اللغوية ممثلة في الازدواج اللغوي ساعدت على أن ييبقى المفهوم المنحرف للشعر سلطانا على الشعر حتى غدا بهلوانية فكرية . ومضيفا أنه " لايستطيع تحميل ابن سناء الملك مسؤولية الفهم المنحرف للشعر فيغدوا متهما وحده... , لأن الانحراف كان موجودا قبله ..." .ص60
وفي المبحث الأخير من الفصل الأول " مفهوم الشعر بين الأمس واليوم " يشير الباحث إلى اختلاف مفهوم الشعر بين القدماء والمحدثين , فالشعر بالمفهوم الحديث تعبير عن العاطفة , وغاية في نفسه هدفه التنفيس عن مشاعر الشاعر . ويضيف " لو استقام لهم – أي لشعراء العصور المتأخرة - هذا الفهم لخفف كثيرا من آثار هذه المشكلة اللغوية . وراح الباحث بعد ذلك يفرق بين الفن والصناعة عند " كولنجود " في كتابه أصول الفن . ليخلص بعد ذلك إلى أن " الخلل والانحراف وضعف الشعر عند شاعرنا هي أنه فهم الشعر على أنه توليد عقلي , ومجاهدة ذهنية , فأبتعد بذلك عن المنبع الأول الذي تستمد منه الفنون قوامها ومصدر حياتها ( يعنى العاطفة ) , وفهم الابتكار على أنه الاتيان بالجديد الذي لم يسبق إليه , والشاعر لايطالب بالابتكار وإنما يطالب بالأصالة ".ص80
الفصل الثاني :
جاء الفصل الثاني بعنوان " الابتكار ووسائله " وتضمن المباحث التالية : التعليل البلاغي , الاستعارة والتعليل البلاغي , التعليل البلاغي والإلغاز , وظيفة أخرى , عبدالقاهر والتعليل البلاغي , المفارقات , المعنى الجديد , المقابلات العقلية , التشبيهات المركبة , تجربة صادقة , الحكمة في الشعر , المبالغة بين التكلف والصدق .
افتتح الباحث الفصل الثاني من كتابه بأن : شعراء العصور المتأخرة ومنهم ابن سناء الملك سيطرت عليهم فكرة خاطئة هي ما أسموه بالاختراع والابتكار , والاتيان بما لم يسبق إليه الأولون مما أدى بهم إلى العقم . وذاك مما يدل على خطأهم في فهم مهمة الشاعر . لذا يرى الباحث أن الشاعر مطالب بالأصالة وعني عنده عمق الإحساس والتميز في التعبير عن هذا العمق مما يجعل الشاعر ذو شخصية تميزه عن غيره . وذلك حينما ينفذ الشاعر في شعره إلى إدراك مايخفى عن الناس أو مايشبه أن يكون خافيا عليهم بسبب ألفتهم له . فالمسألة في حقيقتها ليست ابتكارا واختراعا وإنما هي اسلوب في التعبير يختلف من عصر لآخر .
ويلخص الباحث كلامه في ص83 قائلا :" وهكذا حين نتأمل فكرة الاختراع والابتكار عند الشعراء المتأخرين في العصر الأيوبي نجد انحرافا في فهم الشعر من جانب , ونجدها دليلا على سطحية الإحساس من جانب آخر , وتلاعبا والتماسا للغرابة والتفرد من جانب ثالث, وغلبة للعقل على العاطفة من جانب رابع " .ص83
ويرى الباحث أن ابن سناء الملك كان يسعى وراء الابتكار والاختراع حيث ورد في كتاب " فصوص الفصول " رأيه في شعر ابن رشيق بأنه لم يكن مبتكرا وكان يسطو على شعر المتنبي , ويتجلي موقفه بأن مهمة الشاعر هي : الاتيان بالشيء الجديد والبعد عن ماقاله القدماء . ولا شك أن حبه للابتكار هو سر فتنته بالموشحات .
ويجمل الباحث سمات الابتكار في شعر ابن سناء الملك في التزامه عددا من التقنيات هي :
- حسن التعليل
بمعنى تفسير ظاهرة من الظواهر المحسوسة أو المدركة بسب غير سببها الطبيعي المعروف , فيلتمس لها علة أخرى بلاغية أو أدبية تقوم مقام العلة البلاغية . وقد شغف ابن سناء الملك بهذا الاتجاه .
- المفارقة
أما المفارقة فهي إثارة التعجب من ظاهرتين متناقضتين ولكن إحداهما لاتبطل الاخرى .ص90
- التورية
- التشبيهات المركبة
- المعنى الجديد
- المقابلات العقلية
- الجناس
وهذه السمات هي مايعتز به ابن سناء الملك ويطبقها في شعره , وما سجلها له القاضي الفاضل مستحسنا ومشجعا .
ويبدأ الباحث بعد ذلك بتصحيح مفاهيم هذه التقنيات إذ يقول عن حسن التعليل البلاغي " وشرط هذا النوع من التعليل أن يكون وراءه شعور عاطفي وأن يوضع في سياق يهيء النفس المستمعه لتصديقه أو لعدم إنكاره , وأن يخيل له كأنه تجربة نفسية يجوز بها الشعور في لحظة من اللحظات . ص95
ويرى الباحث أن " الاستعارة هي الأقرب إلى الفهم الحقيقي للشعر وأبعد عن التكلف لأنها تعتمد على اللمحة الموحية .. , أما حسن التعليل فإنه لما خرج في صورة قضية منطقية كان أقرب إلى حكم العقل وأشبه بأن يثير التفكير العقلي لدى القاريء قبل الايحاء العاطفي , وهذا نوع من الانحراف في فهم معنى الشعر".ص97
والحل من وجهة نظر الباحث " أن يخفف حسن التعليل من صرامة العرض المنطقي , وأن تكون قضيته معروضة في جو عاطفي بحيث لايشعر قاريء الشعر فيه بتكلف وافتعال ..., فمهمة الشاعر وإن كانت الاقناع والتأثير النفسي فإن استخدام المنطق الجدلي يسقط شعر الشاعر فيفتضح أمام القاريء " ص97
ويشرع الباحث بعد ذلك في ذكر شواهد من حسن التعليل عند ابن سناء الملك في ص98 , ليخلص بعد تحليلها إلى أن الشاعر :
- أقام معانيه على ماشيده الشعراء من قبله وأراد الزيادة فيه , فهو بهذا المعنى لم يبتكر أي شيء وإنما هو ناظم واعي يعمل عقله ويكد ذهنه في تلفيق هذه الصور.
- الأمر الآخر أن ألفاظ الشاعر اجبرت الشاعر وجرته إلى معان بعينها .
- أن الشاعر أسرف في تكلفه وعبثه . ص100
ويشير الباحث بعد ذلك إلى أن حسن التعليل عند ابن سناء الملك تحول إلى " رياضة عقلية ومحاولة لإثارة ألغاز تحير عقول المستمعين , ثم يفجؤهم بالحل ومن ذلك قوله :
أخذ الراح حراما
وتحساها حلالا
طبختها نار خديه بنــور يتلالا
إذ يرى الباحث أن الشاعر متأثر بالحيل الفقهية ... ص100
ثم يطرح الباحث رأيا خطيرا هو أن الحماسة التي استقبل بها عبدالقاهر الجرجاني حسن التعليل قد تركت في نفوس الشعراء أثرا عميقا , إذا راحوا يحفلون بهذا الفن البلاغي , مما يجعل البلاغة تمثل دفاعا وتأكيدا لما أنحرف إليه الشعراء في العصور المتأخرة.
ويخلص الباحث إلى أن ابن سناء الملك كان يسير في طريقة وهو مطمئن النفس إلى أن إمام البلاغيين يبارك له سعيه ويحمد له جهده .
وفي حديثه عن المفارقات يشير الباحث إلى أن المفارقة تعني تسجيل التناقض بين ظاهرتين لإثارة تعجب القاريء دون تفسير أو تعليل وكلا النوعين ( أي حسن التعليل والمفارقة ) يرتدان إلى أصل واحد , وهو أن هناك صلة معقولة بين الأشياء فإذا اختل هذا المنطق وانبترت هذه الصلة كانت المفارقة , وإذا أقيم منطق جديد بين الظواهر كان ذلك حسن التعليل . ويستشهد على ذلك بقول ابن سناء الملك ( أسمعت نارا بنار تنطفي ) ص109 .
ويضيف الباحث " إذن نحن أمام جهد عقلي يلتمس أصلا منطقيا , ثم يخالف هذا الأصل , متعمدا إقامة المخالفة على اختيار المادة اللغوية التي تمكن منه , مستندا إلى ماتداوله الشاعراء من قبله من معان معروفة , ويكاد يكون هذا مسلكه في حسن التعليل" .ص110 , فصار الشعر عند ابن سناء الملك " جهدا عقليا , وتفننا منطقيا لايفيض به قلب الشاعر ... صار الهدف من وراءه استعراض الأدلة على الذكاء وقوة الحيلة " ص113
ويضيف الباحث أن " أكثر مايعين الشاعر على الاتيان بهذه المفارقات هو حرصه على فن آخر من فنون البديع وهو المطابقة والمقابلة , وعن هذا الأصل تجيء المفارقات , وإن لم يذكر فعل التعجب ويستشهد على ذلك بقول ابن سناء الملك :
ينتقل الباحث بعد ذلك إلى فكرة أخرى هي توليد المعاني الغريب ويشير إلى أن ابن سناء الملك تأثر بآراء النقاد القدامى كابن طباطبا في رأيه عن المعاني بأنها عملية مزج للمعاني القديمة لإخراج معنى قديم .
ويرى الباحث أن أبن سناء الملك في طريقة لبناء المعاني كان " يطيل الوقوف عند الألفاظ المشتركة للمعاني , على نية استغلال هذا الاشتراك " لانتاج تورية ما أو مفارقة أو حسن تعليل ...ص125 .
ويضيف الباحث بعد ذلك أن " الأساس الذهني الذي يعتمد عليه مجموع شعر ابن سناء الملك والذي تتفرع منه معانيه كلها تقريبا هو مايسمى بالمقابلة أو الطباق أو التضاد أو الموازنة " وبرأيه أن التضاد إذا لم يصدر عن وثبة عاطفية أخل بالشعر وأساء له .
وفي حديثه عن التشبيهات المركبة في شعر ابن سناء الملك يشير الباحث إلى أن أسلوب التشبيه في الشعر العربي احتل مكانة كبيرة , إلا أنه وفق رؤية الشاعر يعد " مظهرا من مظاهر البدائية في التفكير والسذاجة الأولية في التعبير وأنه يدل في بعض الحالات أيضا عن عجز الأداة اللغوية عن الوفاء بالتعبير المباشر عما في النفس من المشاعر , أو عن عجره هذه النفس عن التمييز الدقيق والتفطن المرهف لما يعتلج في ضميرها " ص132
ويرى أن المقياس الصحيح للتشبيه يقوم على " العنصر النفسي العاطفي الذي يقوم وراءه .." وذلك عكس ما قصده ابن سناء الملك إذ راح يبحث عن الاغراب في التشبيه مستندا على التنظير البلاغي وخاصة ماقاله الإمام عبدالقاهر الجرجاني . وبذلك ينحرف مفهوم التشبيه عند الشاعر . لتصبح الغرابة مطلوبة لذاتها .
وحول تجربة ابن سناء الملك يرى الباحث أن شعره " لم يبلغ لدى المثقفين في عصره المنزلة التي كان يرشحها له القاضي الفاضل ". ويفسر الباحث هذه المشكلة بأن تكلف الشاعر اللفظي وميله إلى توالد المعاني أديا إلى استغلاق المعنى وغموضه في بعض شعره , ثم الركاكة , مستشهدا على ذلك بقصيديته السينية :
وفي بادرة تعد هي الأولى في هذا الكتاب نرى الباحث يشيد بقصيدة لمس فيها صدق العاطفة من الشاعر , وذلك في قصيدة :
ويعلل الباحث هذا الصدق بأن الشاعر يعيش تجربة أبعدت ذهنه عن التراث , ثم أن الشاعر يقدم في قصيته غموضا موحيا , ويستجمع ذلك في وحدة نفسية مترابطة , لأنه يصدر عن شعور عاطفي لاجهد عقلي . وأشار بعد ذلك إلى قصيدتين امتازتا بصدق التجربة إحداهما في العتاب والأخرى في رثاء جده .
وحول الحكمة في الشعر يرى الباحث أن " الحكمة من صميم الشعر ... , وتتضمن موقفا من الحياة ينطوي دائما على شحنة عاطفية ..., مما يجعلها شيئا آخر غير التفكير الفلسفي والقضايا العقلية . وابن سناء الملك حظه من الحكمة قليل " لأنه وإن تعمق في جزئيات المعاني تعمقا عقليا يستوحيه من التلاعب اللفظي ومن منافسة الشعراء القدماء , فليس على شيء من العمق في تأمل الحياة والتدبر في الأحياء , وقلّ أن يتجه إلى استبطان ذات نفسه , أو مراقبة عواطفة واستخلاص العبر مما يمر تحت بصره وسمعه " .ص154
وينطلق الباحث بعد ذلك لمعاجلة قضية المبالغة بين التكلف والصدق , إذ يرى أن المبالغة مبدأ لدى شعراء العربية " أفسد على الشعر كثيرا من جماله لأن التباري في المبالغة قطعٌ بينها وبين الشعور الإنساني من صلة " ويضرب على ذلك مثلا (بالنحافة ) التي يدعيها المحب ..في الشعر العربي .
ويستطرد بعد ذلك لقضية الثقة بالفنان وأهميتها للناقد : إذ يرى " أن الثقة بالفنان وهي عامل نفسي , تكون شرطا أو أحد الشروط التي تجعل لفنه تأثيرا في نفوس الناس , وتخلع عليه قيمة لايمكن أن توجد إذا انعدمت هذه الثقة , وهذه الثقة لا تجيء من مجرد الهوى ولا تنشأ عن المصادفة , وإنما تجيء من معرفة انتاج الفنان كله ..." ص157
ويعود بعد ذلك ليقول أن ثقته بإنتاج ابن سناء الملك جعلته يؤكد أن معانية لم تأت عن عقل لاواعي فيكون سرياليا قبل أن تنشأ هذه المدرسة , وذلك لعدة أسباب :
أولها : سيطرة عقله الواعي على شعره
وثانيها : عرضه القضايا المنطقية في شعره
وثالثها : اعتماده على الحجاج العقلي
- ويخلص من هذا الفصل بمعايير يجب التنبه له قبل إصدار الأحكام النقدية , وهي :
- استكشاف الروح العامة التي تسود انتاج الشاعر كله ,
- كتشاف التقليد والمحاكاة في شعر الشاعر
- وتلمس الوحدة النفسية في شعرهه والتي تنم عن صدق عاطفته
ولذا فإنه وفق تقصيه لشعر ابن سناء الملك يرجح أن الشاعر في نماذجه الشعرية ذات الطابع العقلي يراها قد صدرت عن جهد عقلي, وليست ناشئة عن لاوعيه ويستدل على ذلك بأنه يعيد معانية بين فترة وأخرى مفاخرا بابتكاراته مما ينفي عنها سمة العقل اللاواعي .
الفصل الثالث :
جاء الفصل الثالث بعنوان (ابن سناء الملك والموشحات) وتضمن المباحث التالية : الغناء والتوشيح , أغاني الصوفية , خرجات التواشيح , خرجة مستعارة , بين موشحاته وقصائده .
ويخلص الباحث في هذا الفصل بعد دراسة موشحات الشاعر إلى أن " الأصول الفنية والمعنوية التي رجع إليها الشاعر حين كان ينظم قصائده هي التي رجع إليها في نظم موشحاته : الحرص على الجناس اللفظي والمقابلة بين المعاني والاعتماد على العقل وتوليد الأفكار وتمثل التراث الشعري القديم من ناحية التشبيهات والاستعارات , ومحاولة الزيادة فيه والإضافة في الجزئيات إليه ( أي في الموشح ) , ومواصلة ما اصطلح عليه الشعراء من الشكوى والعتاب , ومن جعل المحبوب مثلا أعلى في الجمال من كل وجه وناحية , ومن الحديث عن الصد وعذل العاذلين وعذاب المحب وألمه وسهاده وبكائه ودلال الحبيب وسطوته , ومن الحديث عن الخمر والتغزل فيها ... ومن الإشارة إلى الرياض وإقامة التشبيهات بين مظاهرها وأعضاء المحبوبة " ص215
ويضيف " أما شغف ابن سناء الملك في ديوانه من حسن التعليل ومن المفارقات ومن إيراد مايشبه القضايا المنطقية والحجج العقلية , فقد ظل قائما في الموشحة ولكنه لم يتوسع فيه توسعه في الشعر , لأن جهده في تلمس القوافي الكثيرة قد شغله واستنفد بعض نشاطه في الجهد العقلي , ولذلك كان تجديده في المعاني وابتكاره فيها أوضح في شعره منه في موشحاته ." ص217
وظل الشاعر يدور بموشحاته " في نطاق التراث الشعري الفصيح معنى وخيالا وأسلوبا " فاتسمت موشحاته ببعدها عن النزوع العاطفي والنفسي والخيالي .
[/align]

أولا : بطاقة الكتاب
العنوان : ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار في الشعر
المؤلف : د . عبدالعزيز الأهواني
الناشر : وزارة الثقافة والإعلام – دار الشؤون الثقافية العامة - العراق
الطبعة : الثانية 1986
الصفحات :228
ثانيا : الفكرة العامة للكتاب .
ماذا يحدث عندما تغيب مهمة الشعر الحقيقية عن الشاعر ؟ وكيف يكون الخطأ في الشعر؟ وكيف يكون الانحراف في الشعر ؟ هذه هي الأسئلة العريضة التي يجيب عنها هذا الكتاب .
ثالثا : العرض
- مقدمة الكتاب :
منذ البداية يقرر الباحث أن ابن سناء الملك قد انحرف عن فهم إدراك مهمة الشاعر الحقيقية , وتساءل " من أ ين جاء إلى الشاعر هذا الانحراف , وما أسباب هذا الخطأ ؟ وماهو المجهود الذي بذله في هذا السبيل ؟ وما الطرائق التي سلكها ليحقق مثله المنشود فيما حسبه ابتكارا واختراعا ؟ ".
يجمل الباحث مبكرا مظاهر الانحراف عند ابن سناء الملك في أمرين هما :
1- أن الشاعر " لم يفهم أن الشعر تعبير عن عاطفته وتصوير لإحساسه ..., وإنما أعتقد أن الشعر جهد عقلي يصدر عن التفكير الواعي المنظم ويقوم على نوع من الحجاج المنطقي والتوليد الذهني , ومايجره هذا كله من تفنن في المعاني وتلاعب في الألفاظ , ومنافسة للقدماء ..." ص7
ويضيف بأن شعراء عصور العقم ومنهم ابن سناء الملك كانوا منفصلين عن واقعهم وبالتالي فإن الدراسة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لا تؤدي إلى الفهم الصحيح لشعر هؤلاء .
ويؤكد الباحث بعد ذلك على أهمية معرفة مفهوم الشاعر للشعر , ومقاييس الإجادة , ومهمة الشاعر , وصلته بالتراث , وموقفه من مشاهير الشعراء السابقين ومذاهبهم . وهذا برأيه أولى بالدرس عند تناول شعراء العقم . وكأن الباحث ينطلق من اتجاه آخر في الدراسات الأدبية تتناول مظاهر القبح بعد ما كان الناقد ينحو بدرسه باتجاه مكامن الجمال .
ينتقل الباحث بعد ذلك إلى أن ابن سناء الملك " حشد قوته وأفرغ طاقته في سبيل المعنى الجديد , الاتيان بماهو مبتكر لم يسبق إليه " .
2- السبب الثاني في انحراف الشاعر هي المشكلة اللغوية أو الازدواج اللغوي , ويعني الباحث بذلك , صلة اللغة التي ينظم بها الشاعر بعواطفه وارتباطها بوجدانه وخياله .
ويحدد بعد ذلك خطة الدراسة بأنه سيبدأ دراسته:
1- بالمشكلة اللغوية وأثرها في موقف الشاعر وموقف شعراء عصره , وما جرته من عقم أصاب الشعر .
2- مفهوم الشعر لدى الشاعر , وأثر ذلك في فكرة الابتكار عنده
3- استعراض جوانب هذا الابتكار في شعر ابن سناء الملك وموشحاته مع الحكم على قيمتها .
الفصل الأول :
جاء الفصل الأول بعنوان (المشكلة اللغوية والعقم) وتضمن المباحث التالية : اللغة والشعر الغنائي ,موقف الشاعر من التراث , الجمهور والمشكلة اللغوية , الركاكة ,الشعر بين العاطفة والعقل ,مفهوم الشعر بين الأمس واليوم.
افتتح الباحث الفصل الأول بسؤالين الأول : هل يعتبر العصر الأيوبي , وهو العصر الذي عاش فيه ابن سناء الملك , واحد من عصور الانحطاط والخمول والتأخر , حتى يكون عقم الشاعر في ظاهرة طبيعية تشترك ومظاهر الضعف العام للعصر كله ؟ وأجاب بأنه يميل إلى أن العصر الأيوبي عصر نهضة باعتبارها متضمنة معاني التسامي والطموح والنزوع إلى المستقبل , و تحمل في أطرها معاني التحدي للشدائد التي تحيط بالأمة , مما جعل العصر الأيوبي يفرز لنا قوادا عظماء كصلاح الدين الأيوبي , ونور الدين زنكي , وتضمنه لأحداث كبرى كمقاومة الصليبين , والمنافسة المذهبية والوحدة بين مصر والشام . وبالتالي تتلاشى تهمة العصر الأيوبي بأنه عصر انحطاط وخمول .وحينها لا نستطيع تفسير عقم الشعراء في هذا العصر بأنهم عاشوا في عصر عقيم خامل فأصابهم ما أصاب أهل عصرهم جميعا .
أما السؤال الثاني : فهو هل مايسمى بعصر الانحطاط يستلزم حتما أن يعم هذا الانحطاط كل جوانب الحياة , ولاسيما الفنون والآداب على اختلاف ميادينها وأنواعها ؟ أم أن الجماعة البشرية لابد لها من مجال التعبير عن المشاعر وتصوير العواطف – ولايمكن أن تموت المشاعر والعواطف بحالٍ من الأحوال من قلوب الناس جميعا في أي عصر – من منافذ تنطلق فيها , ومن معبرين عنها في ثدق ودقة بحيث تجد الجماعة في تعبيرهم تعبيرا عن ضميرها وعما كمن في أعماق نفوسها ؟
ويجيب الباحث عن هذا السؤال بأن " عصور الانحطاط لم تستطع أن تطمس كل مجالات التعبير الفني عن المشاعر ونضرب لذلك مثلا بالعصر المملوكي في مصر -الذي يقال عنه بأنه عصر انحطاط – فقد تفوق ذلك العصر في فن العمارة , والسير الشعبية .."
ويخلص الباحث بعد السؤالين السابقين إلى سؤال البحث الرئيس ؟
إذن ما الأسباب التي جعلت الشعر الأيوبي , ومنه شعر ابن سناء الملك ضعيفا عقيما , بعد إذ رأينا أن العصر لم يكن عقيما , وبعد إذ رأينا أيضا أن عصور العقم لاتحتم أن تكون الفنون جميعها عقيمة , إذ أن حاجة الجماعة للتعبير عن نفسها قائمة في عصري النهضة والتدهور جميعا ؟!
وراح يبرر ترتيب البحث بعد ذلك إذ يقول " ولعل منطق البحث أن نبدأ بتشخيص هذا العقم الذي نتحدث عنه , وهذا الضعف الذي وصفنا به شعر ابن سناء الملك , وأن نجيء بالشواهد ونستعرض الانتاج , ونأخذ في تحليله ونقده , قبل أن نشرع في أسباب عقم لم نقم بعد الدليل عليه . فإثبات الظاهرة ووضع اليد عليها يفترض أن يكون أول مايصنعه الباحث , ثم ينتقل بعد ذلك إلى التعليل وذكر الأسباب " . ص17
ويضيف " ولقد عدلنا عن هذا المنطق لأننا منذ نبدأ في ذكر المشكلة اللغوية سنأخذ أنفسنا بإيراد الشواهد المفصلة عليها , كذلك حين نشرع في ذكر قضية الابتكار سنعرض أمثلة ونماذج كثيرة لها من شعر الشاعر , نعرف منها كيف كان ابتكاره انحرافا في فهم معنى الشعر. ولو بدأنا بتشخيص العقم منفصلا لاضطررنا إلى التكرار , ولفقدت الوحدة والتماسك بين أجزاء البحث ".ص18
في المبحث الأول الذي جاء عنوانه ( اللغة والشعر الغنائي ) بدأ الباحث بإفتراض وهو " أن العصور التي يوجد فيها الأزدواج اللغوي لاتنجب الشعراء الغنائيين الكبار " ص18
ويعني الباحث بالأزدواج اللغوي " الاتساع الكبير بين لغة الحديث ولغة النظم بحيث توشك الأخيرة أن تصبح لغة اجنبية بالقياس إلى الى الناظم وإلى أبناء مجتمعة " ويضيف :" ونحن نعتبر أن القرن السادس الهجري في مصر وهو العصر الذي عاش فيه ابن سناء الملك , ما تلاه من قرون كان عصر ازدواج لغوي " بالمعنى الذي أشرنا إليه سابقا .
ويعلل الباحث قصده الشعر الغنائي من بين أنواع الشعر بقوله " وإنما قصدنا الشعر الغنائي لأنه تعبير مباشر عن عواطف الشاعر وإحساسه وإن مكانة اللغة من هذا التعبير تختلف عن مكانتها حين تكون وسيلة لنقل الأفكار العقلية من جانب كما هو الحال في النثر ." إذ اللغة بالنسبة للشاعر الغنائي وفق مفهوم الباحث " شحنات عاطفية تصدر من قلبه وخياله قبل صدورها في عقله " ويجمل الباحث مظاهر الضعف في شعر ابن سناء الملك وشعراء عصور العقم بما يلي :
- الركاكة
- الاقتران بين العامية والفصحى
- انعزال الشاعر عن الجمهور
- اعتماد الشاعر في لغته على كتب التراث
- الاتجاه العقلي في الشعر .
وجاء عنوان المبحث الثاني " موقف الشاعر من التراث " , وفيه يبين الباحث أن شعراء العصور المتأخرة عاشوا في أسر التراث بإعتبار أن قدامى الشعراء هم الأساتذة , ثم أن اللغة ليست ملكا لهم . ولو " فهم الشاعر المتأخر أن اللغة ملكا له وانها ملكة عنده لتغير الموقف وتطورت لغة الكتابة وتحرر الشاعر من عبوديته للشعر القديم "
ويعتبر الباحث المشكلة اللغوية هي الأساس في عقم الشعراء المتأخرين ومنهم ابن سناء الملك إذ لا يخفي ابن سناء الملك اعجابه بابن المعتز والجريء وراءه وإعجابه بالبحتري , ليخلص الباحث إلى أن ابن سناء الملك " يدور بإعترافه وانتاجه في دائرة الشعراء القدماء ويعيش في دواوينهم . فيحاكي ابن المعتز ويقلده دون ذوق ولا بصر , ويسلم بأن البحتري فوق طاقته , ويسلك في فنه مسلك أبي تمام , ويسطو على معاني المتنبي " ص36
وجاء عنوان المبحث الثالث " الجمهور والمشكلة اللغوية " وخلص فيه الباحث إلى أن من نتائج المشكلة اللغوية التي أصابت الشاعر المتأخر أن انقطعت الصلة بينه وبين الجمهور الكبير , وأصبح منال الشاعر إرضاء اللغويين مما أوقعه في ذوق مدرسي , وحرم نفسه من جمهور عريض لأن اداته قاصرة عنه .
وفي المبحث الرابع بعنوان " الركاكة " , يفرق الباحث بين ثلاثة مفاهيم هي الركاكة والعامية والسهولة ويخلص إلى أن الركاكة التي يعنيها في بحثه هي عدم التمكن من اللغة والعجز في التصرف بها , ويرى أن ابن سناء الملك قد كان ركيكا في شعر ويستشهد على ذلك بقصيدته التي كتبها في رثاء أمه حيث يراها الباحث مبنية على المنطق النحوي فغدت بحسب تعبيره " راكدة مستوية الأطراف " , ثم إن الشاعر قد تكلف في إقامة الوزن , وتصرف بسوء في تراكيب القصيدة , وهذا يعني عدم ثقة المتأخرين بلغتهم , ودليل على الجمود اللغوي الناتج عن تقعيدات النحاة .
وفي المبحث الخامس " الشعر بين العاطفة والعقل " يتساءل الباحث في مفتتح المبحث هل الشعر تعبير عن العاطفة والوجدان أم هو تفنن عقلي ؟ وينحاز الباحث إلى الإجابة الأولى مشيرا إلى أن المشكلة اللغوية ممثلة في الازدواج اللغوي ساعدت على أن ييبقى المفهوم المنحرف للشعر سلطانا على الشعر حتى غدا بهلوانية فكرية . ومضيفا أنه " لايستطيع تحميل ابن سناء الملك مسؤولية الفهم المنحرف للشعر فيغدوا متهما وحده... , لأن الانحراف كان موجودا قبله ..." .ص60
وفي المبحث الأخير من الفصل الأول " مفهوم الشعر بين الأمس واليوم " يشير الباحث إلى اختلاف مفهوم الشعر بين القدماء والمحدثين , فالشعر بالمفهوم الحديث تعبير عن العاطفة , وغاية في نفسه هدفه التنفيس عن مشاعر الشاعر . ويضيف " لو استقام لهم – أي لشعراء العصور المتأخرة - هذا الفهم لخفف كثيرا من آثار هذه المشكلة اللغوية . وراح الباحث بعد ذلك يفرق بين الفن والصناعة عند " كولنجود " في كتابه أصول الفن . ليخلص بعد ذلك إلى أن " الخلل والانحراف وضعف الشعر عند شاعرنا هي أنه فهم الشعر على أنه توليد عقلي , ومجاهدة ذهنية , فأبتعد بذلك عن المنبع الأول الذي تستمد منه الفنون قوامها ومصدر حياتها ( يعنى العاطفة ) , وفهم الابتكار على أنه الاتيان بالجديد الذي لم يسبق إليه , والشاعر لايطالب بالابتكار وإنما يطالب بالأصالة ".ص80
الفصل الثاني :
جاء الفصل الثاني بعنوان " الابتكار ووسائله " وتضمن المباحث التالية : التعليل البلاغي , الاستعارة والتعليل البلاغي , التعليل البلاغي والإلغاز , وظيفة أخرى , عبدالقاهر والتعليل البلاغي , المفارقات , المعنى الجديد , المقابلات العقلية , التشبيهات المركبة , تجربة صادقة , الحكمة في الشعر , المبالغة بين التكلف والصدق .
افتتح الباحث الفصل الثاني من كتابه بأن : شعراء العصور المتأخرة ومنهم ابن سناء الملك سيطرت عليهم فكرة خاطئة هي ما أسموه بالاختراع والابتكار , والاتيان بما لم يسبق إليه الأولون مما أدى بهم إلى العقم . وذاك مما يدل على خطأهم في فهم مهمة الشاعر . لذا يرى الباحث أن الشاعر مطالب بالأصالة وعني عنده عمق الإحساس والتميز في التعبير عن هذا العمق مما يجعل الشاعر ذو شخصية تميزه عن غيره . وذلك حينما ينفذ الشاعر في شعره إلى إدراك مايخفى عن الناس أو مايشبه أن يكون خافيا عليهم بسبب ألفتهم له . فالمسألة في حقيقتها ليست ابتكارا واختراعا وإنما هي اسلوب في التعبير يختلف من عصر لآخر .
ويلخص الباحث كلامه في ص83 قائلا :" وهكذا حين نتأمل فكرة الاختراع والابتكار عند الشعراء المتأخرين في العصر الأيوبي نجد انحرافا في فهم الشعر من جانب , ونجدها دليلا على سطحية الإحساس من جانب آخر , وتلاعبا والتماسا للغرابة والتفرد من جانب ثالث, وغلبة للعقل على العاطفة من جانب رابع " .ص83
ويرى الباحث أن ابن سناء الملك كان يسعى وراء الابتكار والاختراع حيث ورد في كتاب " فصوص الفصول " رأيه في شعر ابن رشيق بأنه لم يكن مبتكرا وكان يسطو على شعر المتنبي , ويتجلي موقفه بأن مهمة الشاعر هي : الاتيان بالشيء الجديد والبعد عن ماقاله القدماء . ولا شك أن حبه للابتكار هو سر فتنته بالموشحات .
ويجمل الباحث سمات الابتكار في شعر ابن سناء الملك في التزامه عددا من التقنيات هي :
- حسن التعليل
بمعنى تفسير ظاهرة من الظواهر المحسوسة أو المدركة بسب غير سببها الطبيعي المعروف , فيلتمس لها علة أخرى بلاغية أو أدبية تقوم مقام العلة البلاغية . وقد شغف ابن سناء الملك بهذا الاتجاه .
- المفارقة
أما المفارقة فهي إثارة التعجب من ظاهرتين متناقضتين ولكن إحداهما لاتبطل الاخرى .ص90
- التورية
- التشبيهات المركبة
- المعنى الجديد
- المقابلات العقلية
- الجناس
وهذه السمات هي مايعتز به ابن سناء الملك ويطبقها في شعره , وما سجلها له القاضي الفاضل مستحسنا ومشجعا .
ويبدأ الباحث بعد ذلك بتصحيح مفاهيم هذه التقنيات إذ يقول عن حسن التعليل البلاغي " وشرط هذا النوع من التعليل أن يكون وراءه شعور عاطفي وأن يوضع في سياق يهيء النفس المستمعه لتصديقه أو لعدم إنكاره , وأن يخيل له كأنه تجربة نفسية يجوز بها الشعور في لحظة من اللحظات . ص95
ويرى الباحث أن " الاستعارة هي الأقرب إلى الفهم الحقيقي للشعر وأبعد عن التكلف لأنها تعتمد على اللمحة الموحية .. , أما حسن التعليل فإنه لما خرج في صورة قضية منطقية كان أقرب إلى حكم العقل وأشبه بأن يثير التفكير العقلي لدى القاريء قبل الايحاء العاطفي , وهذا نوع من الانحراف في فهم معنى الشعر".ص97
والحل من وجهة نظر الباحث " أن يخفف حسن التعليل من صرامة العرض المنطقي , وأن تكون قضيته معروضة في جو عاطفي بحيث لايشعر قاريء الشعر فيه بتكلف وافتعال ..., فمهمة الشاعر وإن كانت الاقناع والتأثير النفسي فإن استخدام المنطق الجدلي يسقط شعر الشاعر فيفتضح أمام القاريء " ص97
ويشرع الباحث بعد ذلك في ذكر شواهد من حسن التعليل عند ابن سناء الملك في ص98 , ليخلص بعد تحليلها إلى أن الشاعر :
- أقام معانيه على ماشيده الشعراء من قبله وأراد الزيادة فيه , فهو بهذا المعنى لم يبتكر أي شيء وإنما هو ناظم واعي يعمل عقله ويكد ذهنه في تلفيق هذه الصور.
- الأمر الآخر أن ألفاظ الشاعر اجبرت الشاعر وجرته إلى معان بعينها .
- أن الشاعر أسرف في تكلفه وعبثه . ص100
ويشير الباحث بعد ذلك إلى أن حسن التعليل عند ابن سناء الملك تحول إلى " رياضة عقلية ومحاولة لإثارة ألغاز تحير عقول المستمعين , ثم يفجؤهم بالحل ومن ذلك قوله :
أخذ الراح حراما
وتحساها حلالا
طبختها نار خديه بنــور يتلالا
إذ يرى الباحث أن الشاعر متأثر بالحيل الفقهية ... ص100
ثم يطرح الباحث رأيا خطيرا هو أن الحماسة التي استقبل بها عبدالقاهر الجرجاني حسن التعليل قد تركت في نفوس الشعراء أثرا عميقا , إذا راحوا يحفلون بهذا الفن البلاغي , مما يجعل البلاغة تمثل دفاعا وتأكيدا لما أنحرف إليه الشعراء في العصور المتأخرة.
ويخلص الباحث إلى أن ابن سناء الملك كان يسير في طريقة وهو مطمئن النفس إلى أن إمام البلاغيين يبارك له سعيه ويحمد له جهده .
وفي حديثه عن المفارقات يشير الباحث إلى أن المفارقة تعني تسجيل التناقض بين ظاهرتين لإثارة تعجب القاريء دون تفسير أو تعليل وكلا النوعين ( أي حسن التعليل والمفارقة ) يرتدان إلى أصل واحد , وهو أن هناك صلة معقولة بين الأشياء فإذا اختل هذا المنطق وانبترت هذه الصلة كانت المفارقة , وإذا أقيم منطق جديد بين الظواهر كان ذلك حسن التعليل . ويستشهد على ذلك بقول ابن سناء الملك ( أسمعت نارا بنار تنطفي ) ص109 .
ويضيف الباحث " إذن نحن أمام جهد عقلي يلتمس أصلا منطقيا , ثم يخالف هذا الأصل , متعمدا إقامة المخالفة على اختيار المادة اللغوية التي تمكن منه , مستندا إلى ماتداوله الشاعراء من قبله من معان معروفة , ويكاد يكون هذا مسلكه في حسن التعليل" .ص110 , فصار الشعر عند ابن سناء الملك " جهدا عقليا , وتفننا منطقيا لايفيض به قلب الشاعر ... صار الهدف من وراءه استعراض الأدلة على الذكاء وقوة الحيلة " ص113
ويضيف الباحث أن " أكثر مايعين الشاعر على الاتيان بهذه المفارقات هو حرصه على فن آخر من فنون البديع وهو المطابقة والمقابلة , وعن هذا الأصل تجيء المفارقات , وإن لم يذكر فعل التعجب ويستشهد على ذلك بقول ابن سناء الملك :
لم تزل صائما عن الاثم تقوى
فجمعت الصيام والإفطار
حملوا الراح في المباسم لكن
هم صحاة منها ونحن سكارى
هم صحاة منها ونحن سكارى
ينتقل الباحث بعد ذلك إلى فكرة أخرى هي توليد المعاني الغريب ويشير إلى أن ابن سناء الملك تأثر بآراء النقاد القدامى كابن طباطبا في رأيه عن المعاني بأنها عملية مزج للمعاني القديمة لإخراج معنى قديم .
ويرى الباحث أن أبن سناء الملك في طريقة لبناء المعاني كان " يطيل الوقوف عند الألفاظ المشتركة للمعاني , على نية استغلال هذا الاشتراك " لانتاج تورية ما أو مفارقة أو حسن تعليل ...ص125 .
ويضيف الباحث بعد ذلك أن " الأساس الذهني الذي يعتمد عليه مجموع شعر ابن سناء الملك والذي تتفرع منه معانيه كلها تقريبا هو مايسمى بالمقابلة أو الطباق أو التضاد أو الموازنة " وبرأيه أن التضاد إذا لم يصدر عن وثبة عاطفية أخل بالشعر وأساء له .
وفي حديثه عن التشبيهات المركبة في شعر ابن سناء الملك يشير الباحث إلى أن أسلوب التشبيه في الشعر العربي احتل مكانة كبيرة , إلا أنه وفق رؤية الشاعر يعد " مظهرا من مظاهر البدائية في التفكير والسذاجة الأولية في التعبير وأنه يدل في بعض الحالات أيضا عن عجز الأداة اللغوية عن الوفاء بالتعبير المباشر عما في النفس من المشاعر , أو عن عجره هذه النفس عن التمييز الدقيق والتفطن المرهف لما يعتلج في ضميرها " ص132
ويرى أن المقياس الصحيح للتشبيه يقوم على " العنصر النفسي العاطفي الذي يقوم وراءه .." وذلك عكس ما قصده ابن سناء الملك إذ راح يبحث عن الاغراب في التشبيه مستندا على التنظير البلاغي وخاصة ماقاله الإمام عبدالقاهر الجرجاني . وبذلك ينحرف مفهوم التشبيه عند الشاعر . لتصبح الغرابة مطلوبة لذاتها .
وحول تجربة ابن سناء الملك يرى الباحث أن شعره " لم يبلغ لدى المثقفين في عصره المنزلة التي كان يرشحها له القاضي الفاضل ". ويفسر الباحث هذه المشكلة بأن تكلف الشاعر اللفظي وميله إلى توالد المعاني أديا إلى استغلاق المعنى وغموضه في بعض شعره , ثم الركاكة , مستشهدا على ذلك بقصيديته السينية :
أمجلس لهوى ليس منك مجلس
لأفحشت لما غابلي عنك مؤنس
وفي بادرة تعد هي الأولى في هذا الكتاب نرى الباحث يشيد بقصيدة لمس فيها صدق العاطفة من الشاعر , وذلك في قصيدة :
فرطت فيك بسوء تدبيري
وجرى القضاء بعكس تقديري
ويعلل الباحث هذا الصدق بأن الشاعر يعيش تجربة أبعدت ذهنه عن التراث , ثم أن الشاعر يقدم في قصيته غموضا موحيا , ويستجمع ذلك في وحدة نفسية مترابطة , لأنه يصدر عن شعور عاطفي لاجهد عقلي . وأشار بعد ذلك إلى قصيدتين امتازتا بصدق التجربة إحداهما في العتاب والأخرى في رثاء جده .
وحول الحكمة في الشعر يرى الباحث أن " الحكمة من صميم الشعر ... , وتتضمن موقفا من الحياة ينطوي دائما على شحنة عاطفية ..., مما يجعلها شيئا آخر غير التفكير الفلسفي والقضايا العقلية . وابن سناء الملك حظه من الحكمة قليل " لأنه وإن تعمق في جزئيات المعاني تعمقا عقليا يستوحيه من التلاعب اللفظي ومن منافسة الشعراء القدماء , فليس على شيء من العمق في تأمل الحياة والتدبر في الأحياء , وقلّ أن يتجه إلى استبطان ذات نفسه , أو مراقبة عواطفة واستخلاص العبر مما يمر تحت بصره وسمعه " .ص154
وينطلق الباحث بعد ذلك لمعاجلة قضية المبالغة بين التكلف والصدق , إذ يرى أن المبالغة مبدأ لدى شعراء العربية " أفسد على الشعر كثيرا من جماله لأن التباري في المبالغة قطعٌ بينها وبين الشعور الإنساني من صلة " ويضرب على ذلك مثلا (بالنحافة ) التي يدعيها المحب ..في الشعر العربي .
ويستطرد بعد ذلك لقضية الثقة بالفنان وأهميتها للناقد : إذ يرى " أن الثقة بالفنان وهي عامل نفسي , تكون شرطا أو أحد الشروط التي تجعل لفنه تأثيرا في نفوس الناس , وتخلع عليه قيمة لايمكن أن توجد إذا انعدمت هذه الثقة , وهذه الثقة لا تجيء من مجرد الهوى ولا تنشأ عن المصادفة , وإنما تجيء من معرفة انتاج الفنان كله ..." ص157
ويعود بعد ذلك ليقول أن ثقته بإنتاج ابن سناء الملك جعلته يؤكد أن معانية لم تأت عن عقل لاواعي فيكون سرياليا قبل أن تنشأ هذه المدرسة , وذلك لعدة أسباب :
أولها : سيطرة عقله الواعي على شعره
وثانيها : عرضه القضايا المنطقية في شعره
وثالثها : اعتماده على الحجاج العقلي
- ويخلص من هذا الفصل بمعايير يجب التنبه له قبل إصدار الأحكام النقدية , وهي :
- استكشاف الروح العامة التي تسود انتاج الشاعر كله ,
- كتشاف التقليد والمحاكاة في شعر الشاعر
- وتلمس الوحدة النفسية في شعرهه والتي تنم عن صدق عاطفته
ولذا فإنه وفق تقصيه لشعر ابن سناء الملك يرجح أن الشاعر في نماذجه الشعرية ذات الطابع العقلي يراها قد صدرت عن جهد عقلي, وليست ناشئة عن لاوعيه ويستدل على ذلك بأنه يعيد معانية بين فترة وأخرى مفاخرا بابتكاراته مما ينفي عنها سمة العقل اللاواعي .
الفصل الثالث :
جاء الفصل الثالث بعنوان (ابن سناء الملك والموشحات) وتضمن المباحث التالية : الغناء والتوشيح , أغاني الصوفية , خرجات التواشيح , خرجة مستعارة , بين موشحاته وقصائده .
ويخلص الباحث في هذا الفصل بعد دراسة موشحات الشاعر إلى أن " الأصول الفنية والمعنوية التي رجع إليها الشاعر حين كان ينظم قصائده هي التي رجع إليها في نظم موشحاته : الحرص على الجناس اللفظي والمقابلة بين المعاني والاعتماد على العقل وتوليد الأفكار وتمثل التراث الشعري القديم من ناحية التشبيهات والاستعارات , ومحاولة الزيادة فيه والإضافة في الجزئيات إليه ( أي في الموشح ) , ومواصلة ما اصطلح عليه الشعراء من الشكوى والعتاب , ومن جعل المحبوب مثلا أعلى في الجمال من كل وجه وناحية , ومن الحديث عن الصد وعذل العاذلين وعذاب المحب وألمه وسهاده وبكائه ودلال الحبيب وسطوته , ومن الحديث عن الخمر والتغزل فيها ... ومن الإشارة إلى الرياض وإقامة التشبيهات بين مظاهرها وأعضاء المحبوبة " ص215
ويضيف " أما شغف ابن سناء الملك في ديوانه من حسن التعليل ومن المفارقات ومن إيراد مايشبه القضايا المنطقية والحجج العقلية , فقد ظل قائما في الموشحة ولكنه لم يتوسع فيه توسعه في الشعر , لأن جهده في تلمس القوافي الكثيرة قد شغله واستنفد بعض نشاطه في الجهد العقلي , ولذلك كان تجديده في المعاني وابتكاره فيها أوضح في شعره منه في موشحاته ." ص217
وظل الشاعر يدور بموشحاته " في نطاق التراث الشعري الفصيح معنى وخيالا وأسلوبا " فاتسمت موشحاته ببعدها عن النزوع العاطفي والنفسي والخيالي .
[/align]
تعليق