ثمة التباس في الوسط الثقافي العربي ـ حول الأدب الساخر ومفهومه، خصوصاً: القصة الساخرة، والمقالة الصحفية الساخرة.
فإذا كانت السخرية لمجرد إضحاك القاريء، فهناك: النكتة الشفوية، التي تقوم بهذا الفعل الانساني على أكمل وجه، وبأسرع ما يكون الإيصال ويكون التكثيف. السخرية الشفوية.. وليدة حاجة البشر إليها، وليدة ساعتها، وقد تنقضي بعد انقضاء ضحكاتها، وفي اليوم.. الذي ولدت فيه، القليل النادر الذي يتبقى على ألسنة الناس جيلا بعد جيل: كنوادر أشعب وأبي نواس وجحا، هي التي توفرت على اكثر عناصر السخرية والهجاء ديمومة، ولا أعني أيضا: كل ما وصلنا منها مكتوباً، لأن فيها الكثير من العادي والسطحي واليومي.
بماذا إذن.. تختلف السخرية الشفوية، عن.. المكتوبة؟!
هذا سؤال اتركه لنقادنا ـ المنقرضين ـ ولنواقيدنا ـ المتكاثرين بالانقسام الذاتي، لأكون شاهداً فحسب، على ذاك الخلط، والالتباس الرائج منذ عقدين على أقل تقدير.. حين اعتبر بعض من امتهنوا الكتابة الساخرة.. مهنة وحرفة واحترافا، أن تحويل نكتة يومية من شفويتها إلى نص مكتوب، هو.. من باب الأدب الساخر، وكذلك اصطياد «حدوتة» لم تضحك سوى أصحابها، وتحويلها إلى «قصة ساخرة»! أو.. أن المفارقة اللغوية، بما فيها: المفارقة بين منطوق الشخصيات، أو.. تلك النابعة من تباين لهجاتنا الشفوية، والاتكاء على بعض المأثورات الشعبية الساخرة، يكفي وحده.. لتأسيس أدب ساخر. ما أعرفه.. أن السخرية في الأدب خصوصاً، موقف من العالم، التقاط لأبرز مفارقاته، هجاء لنقائضه.. يدمي الروح في اللحظة ذاتها التي يضحك فيها الكائن البشري على ضعفه وتخاذله وخساسته وابتذاله، قبل أن يضحك بسببها على الآخرين. في مأثورنا العربي: شر البلية ما يضحك، والبلية في كل زمان ومكان من حولنا، قد لا يكون بوسعنا مواجهتها.. سوى بأعرق أسلحة البشر وألطفها: السخرية! عن عراقتنا في السخرية.. أورد مثالين: أولهما.. من فن بصري، قبل فن «الكاريكاتير» المتعارف على أنه اختراع غربي، وذاك في «بردية» مصرية قديمة، بيد رسام ساخر مجهول، عن طائر يصعد الى شجرة، ليس.. بواسطة جناحيه، وإنما بواسطة سلم خشبي!
وتلك هي المفارقة الساخرة حين تصطاد لحظة التحول الجوهرية، وليس الشكلية الخارجية فحسب، لأن جوهر الطيور: الطيران، فإذا انحرفت الطيور عن جوهرها صارت مثاراً للسخرية!
وثانيهما.. من نص بابلي مكتوب في الألف الثانية قبل الميلاد، ويتضمن حوارية بين سيد وعبده، السيد يبوح لعبده بكل ما يفكر به، وتتناقض أقواله ومقولاته بين جملة وغيرها، والعبد يبرر لسيده كل تناقضات حديثة موافقا على كل ما يقول، حتى يقول السيد لعبده: ـ أفكر أن أقتلك!
هاهنا، يقود تبرير العبد لسيده.. إلى الموت، وها هنا.. تغدو حياة العبد رغم كل تبريراته الحاذقة وذرائعيته، ذريعة لتبرير أشد ذرائعية من كل ما سبق.
يقول العبد:
ـ تستطيع يا سيدي أن تقتلني ببساطة، ولكنك ستموت من بعدي جوعا وعطشاً وأمراضاً من قلة النظافة، فأنت لا تجيد شيئا سوى إصدار الأوامر، وآخر أوامرك القاتلة لك: قتل من يخدمك!
لا تكتمل السخرية لتصير هجاء سوى.. بوجهها التراجيدي، وليس عبر تضخيم الشخصيات وحدها، أو السخرية الكلامية من شكلها الخارجي، وبهذا المعنى، تتضمن قصص «كليلة ودمنة» قدراً هائلاً من السخرية، هجاء للسلطة السياسية على لسان حيوانات فحسب، وذاك لأن السياسة أشبه ما تكون بعالم «الغاب» وقوانينه، حيث لا بقاء للحيوان الضعيف، سوى.. لمن يراهن وينافق ويتنحى جانبا حتى تشبع قوة الغاب من فرائسها، فلا يبقى لهؤلاء من الجيفة سوى الفتات!
«بيدبا» الفيلسوف يحيل أقدم استعارات البشر من عالم الحيوان إلى نص لا يغني، طازج على الدوام، عميق في سخريته وهجائه.
وهكذا.. فان «البخلاء» للجاحظ ليس عمله الساخر الوحيد، وانما ايضا كتابه «الحيوان» على الرغم من كونه في باب التصانيف العلمية!
أما شيخ الساخرين في دنيا العرب البائدة والسائدة، فهو «أبولينوس» الليبي، وهو فيلسوف لم يجد سبيلا لانتقاد امبراطورية روما، القوة الدولية الواحدة الوحيدة آنذاك، سوى عبر عمل أدبي، وهو الفيلسوف، فأنجزه رواية ساخرة بعنوان «الحمار الذهبي» وكان أبولينوس بطلها بعد أن لعنته آلهة روما فمسخته حماراً ها هنا يقبض «أبولينوس» على لحظة التحول الجوهرية، ليس بوصفها تحولاً شكليا فحسب، حين حولته الآلهة من كائن بشري الى حيوان بقوائم وذيل وأذنين طويلتين ونهيق مستديم، لكنها..
رغم سطوتها، لم تستطع تحويل حواسه وعواطفه وعقله البشري، فظل يتجول في أرجاء الامبراطورية، راصداً مفارقاتها في مفارقته، ساخراً من سطوتها، في هجاء عميق لايزال يصلح لكل امبراطورية، بما فيها ولايات جورج دبل يوسي بوش!
تلك كانت أول رواية ساخرة في الأدب الانساني، حتى يتم اكتشاف ما هو أقدم منها وأكثر كمالا في البناء والبنية وفي الارتقاء بالمفارقة الى هجاء عصر وأزمان تتوالى. ولن اعرج على قصص «الديكاميرون» أو على «دون كيشوت» أو معطف «غوغول» وأرواحه الميتة، لأني سأعود الى ابي العتاهية، الذي افتتح بابا جديداً في السخرية والهجاء، حين بدأ بهجاء نفسه، قبل هجاء ما حوله ومن حوله، جاء مقذعاً سيعجز عنه كل الذين اكتووا بنار سخريته!
بهذا المعنى.. أنا مع سخرية زكريا تامر ومحمد الماغوط.
ولهذا المعنى.. أتطير من تهريج دريد لحام وآل قنوع وهمام حوت، وغيرهم أكثر من الهم على القلب في دنيانا العربية الراهنة!
وسأختم بتساؤل عن ندرة المساهمات النسائية في أدبنا الساخر، حديثه وقديمه، وفي الأدب العالمي؟! فأغلب انتاجات النساء تتمحور حول انتقاد المجتمع الذكوري وتسلط الرجال، ولو أن إحداهن.. بدأت بهجاء نفسها، كما فعل ابوالعتاهية، وبهجاء سلبيات بنات جنسها الحوائي، لكان لدينا أدب ساخر نسائي لا يجارى في عمقه وطرافته!. وذاك لأن الادب الساخر يحصن الروح الإنسانية عن صمتها وخوفها وترددها في التعبير والتصريح وإثارة الاسئلة، حتى لكأنه آخر ملاذات الكائن من اغتيال كينونته، بل.. نافذته على قهقهة مديدة مغمسة بالألم تسخر لتهجو الطغاة والجلادين وكتبة التقارير وقتلة الحب والجمال وضحكات الأمل. وقد ثبت علميا..
أن الضحك يطيل العمر، وأدبيا.. أن الأدب الساخر يقصر من عمر الطغاة والفاسدين والمرتشين ومهربي ضحكات أطفالنا عبر المصارف العابرة للقارات!.. اسخروا.. يرحمكم الله أجمعين!
منقول من الكاتب
نجم الدين السمان
فإذا كانت السخرية لمجرد إضحاك القاريء، فهناك: النكتة الشفوية، التي تقوم بهذا الفعل الانساني على أكمل وجه، وبأسرع ما يكون الإيصال ويكون التكثيف. السخرية الشفوية.. وليدة حاجة البشر إليها، وليدة ساعتها، وقد تنقضي بعد انقضاء ضحكاتها، وفي اليوم.. الذي ولدت فيه، القليل النادر الذي يتبقى على ألسنة الناس جيلا بعد جيل: كنوادر أشعب وأبي نواس وجحا، هي التي توفرت على اكثر عناصر السخرية والهجاء ديمومة، ولا أعني أيضا: كل ما وصلنا منها مكتوباً، لأن فيها الكثير من العادي والسطحي واليومي.
بماذا إذن.. تختلف السخرية الشفوية، عن.. المكتوبة؟!
هذا سؤال اتركه لنقادنا ـ المنقرضين ـ ولنواقيدنا ـ المتكاثرين بالانقسام الذاتي، لأكون شاهداً فحسب، على ذاك الخلط، والالتباس الرائج منذ عقدين على أقل تقدير.. حين اعتبر بعض من امتهنوا الكتابة الساخرة.. مهنة وحرفة واحترافا، أن تحويل نكتة يومية من شفويتها إلى نص مكتوب، هو.. من باب الأدب الساخر، وكذلك اصطياد «حدوتة» لم تضحك سوى أصحابها، وتحويلها إلى «قصة ساخرة»! أو.. أن المفارقة اللغوية، بما فيها: المفارقة بين منطوق الشخصيات، أو.. تلك النابعة من تباين لهجاتنا الشفوية، والاتكاء على بعض المأثورات الشعبية الساخرة، يكفي وحده.. لتأسيس أدب ساخر. ما أعرفه.. أن السخرية في الأدب خصوصاً، موقف من العالم، التقاط لأبرز مفارقاته، هجاء لنقائضه.. يدمي الروح في اللحظة ذاتها التي يضحك فيها الكائن البشري على ضعفه وتخاذله وخساسته وابتذاله، قبل أن يضحك بسببها على الآخرين. في مأثورنا العربي: شر البلية ما يضحك، والبلية في كل زمان ومكان من حولنا، قد لا يكون بوسعنا مواجهتها.. سوى بأعرق أسلحة البشر وألطفها: السخرية! عن عراقتنا في السخرية.. أورد مثالين: أولهما.. من فن بصري، قبل فن «الكاريكاتير» المتعارف على أنه اختراع غربي، وذاك في «بردية» مصرية قديمة، بيد رسام ساخر مجهول، عن طائر يصعد الى شجرة، ليس.. بواسطة جناحيه، وإنما بواسطة سلم خشبي!
وتلك هي المفارقة الساخرة حين تصطاد لحظة التحول الجوهرية، وليس الشكلية الخارجية فحسب، لأن جوهر الطيور: الطيران، فإذا انحرفت الطيور عن جوهرها صارت مثاراً للسخرية!
وثانيهما.. من نص بابلي مكتوب في الألف الثانية قبل الميلاد، ويتضمن حوارية بين سيد وعبده، السيد يبوح لعبده بكل ما يفكر به، وتتناقض أقواله ومقولاته بين جملة وغيرها، والعبد يبرر لسيده كل تناقضات حديثة موافقا على كل ما يقول، حتى يقول السيد لعبده: ـ أفكر أن أقتلك!
هاهنا، يقود تبرير العبد لسيده.. إلى الموت، وها هنا.. تغدو حياة العبد رغم كل تبريراته الحاذقة وذرائعيته، ذريعة لتبرير أشد ذرائعية من كل ما سبق.
يقول العبد:
ـ تستطيع يا سيدي أن تقتلني ببساطة، ولكنك ستموت من بعدي جوعا وعطشاً وأمراضاً من قلة النظافة، فأنت لا تجيد شيئا سوى إصدار الأوامر، وآخر أوامرك القاتلة لك: قتل من يخدمك!
لا تكتمل السخرية لتصير هجاء سوى.. بوجهها التراجيدي، وليس عبر تضخيم الشخصيات وحدها، أو السخرية الكلامية من شكلها الخارجي، وبهذا المعنى، تتضمن قصص «كليلة ودمنة» قدراً هائلاً من السخرية، هجاء للسلطة السياسية على لسان حيوانات فحسب، وذاك لأن السياسة أشبه ما تكون بعالم «الغاب» وقوانينه، حيث لا بقاء للحيوان الضعيف، سوى.. لمن يراهن وينافق ويتنحى جانبا حتى تشبع قوة الغاب من فرائسها، فلا يبقى لهؤلاء من الجيفة سوى الفتات!
«بيدبا» الفيلسوف يحيل أقدم استعارات البشر من عالم الحيوان إلى نص لا يغني، طازج على الدوام، عميق في سخريته وهجائه.
وهكذا.. فان «البخلاء» للجاحظ ليس عمله الساخر الوحيد، وانما ايضا كتابه «الحيوان» على الرغم من كونه في باب التصانيف العلمية!
أما شيخ الساخرين في دنيا العرب البائدة والسائدة، فهو «أبولينوس» الليبي، وهو فيلسوف لم يجد سبيلا لانتقاد امبراطورية روما، القوة الدولية الواحدة الوحيدة آنذاك، سوى عبر عمل أدبي، وهو الفيلسوف، فأنجزه رواية ساخرة بعنوان «الحمار الذهبي» وكان أبولينوس بطلها بعد أن لعنته آلهة روما فمسخته حماراً ها هنا يقبض «أبولينوس» على لحظة التحول الجوهرية، ليس بوصفها تحولاً شكليا فحسب، حين حولته الآلهة من كائن بشري الى حيوان بقوائم وذيل وأذنين طويلتين ونهيق مستديم، لكنها..
رغم سطوتها، لم تستطع تحويل حواسه وعواطفه وعقله البشري، فظل يتجول في أرجاء الامبراطورية، راصداً مفارقاتها في مفارقته، ساخراً من سطوتها، في هجاء عميق لايزال يصلح لكل امبراطورية، بما فيها ولايات جورج دبل يوسي بوش!
تلك كانت أول رواية ساخرة في الأدب الانساني، حتى يتم اكتشاف ما هو أقدم منها وأكثر كمالا في البناء والبنية وفي الارتقاء بالمفارقة الى هجاء عصر وأزمان تتوالى. ولن اعرج على قصص «الديكاميرون» أو على «دون كيشوت» أو معطف «غوغول» وأرواحه الميتة، لأني سأعود الى ابي العتاهية، الذي افتتح بابا جديداً في السخرية والهجاء، حين بدأ بهجاء نفسه، قبل هجاء ما حوله ومن حوله، جاء مقذعاً سيعجز عنه كل الذين اكتووا بنار سخريته!
بهذا المعنى.. أنا مع سخرية زكريا تامر ومحمد الماغوط.
ولهذا المعنى.. أتطير من تهريج دريد لحام وآل قنوع وهمام حوت، وغيرهم أكثر من الهم على القلب في دنيانا العربية الراهنة!
وسأختم بتساؤل عن ندرة المساهمات النسائية في أدبنا الساخر، حديثه وقديمه، وفي الأدب العالمي؟! فأغلب انتاجات النساء تتمحور حول انتقاد المجتمع الذكوري وتسلط الرجال، ولو أن إحداهن.. بدأت بهجاء نفسها، كما فعل ابوالعتاهية، وبهجاء سلبيات بنات جنسها الحوائي، لكان لدينا أدب ساخر نسائي لا يجارى في عمقه وطرافته!. وذاك لأن الادب الساخر يحصن الروح الإنسانية عن صمتها وخوفها وترددها في التعبير والتصريح وإثارة الاسئلة، حتى لكأنه آخر ملاذات الكائن من اغتيال كينونته، بل.. نافذته على قهقهة مديدة مغمسة بالألم تسخر لتهجو الطغاة والجلادين وكتبة التقارير وقتلة الحب والجمال وضحكات الأمل. وقد ثبت علميا..
أن الضحك يطيل العمر، وأدبيا.. أن الأدب الساخر يقصر من عمر الطغاة والفاسدين والمرتشين ومهربي ضحكات أطفالنا عبر المصارف العابرة للقارات!.. اسخروا.. يرحمكم الله أجمعين!
منقول من الكاتب
نجم الدين السمان
تعليق