[frame="1 98"]
مزعل الذلاق
قصة قصيرة
من بعيد؛كانت القرية تبدو للعيان كومة من الحجارة ، تراصت الدور الطينية جنبا إلى جنب ، بينما يفصلها من الأمام أزقة وممرات ضيقة ،ليمر الناس والدواب ، أما السوق؛ فكان بضعة دكاكين صغيرة، تصطف الواحدة تلو الأخرى لتشكل نسقا مألوفا، مع البنية العمرانية بشكل عام
.
في غروب ذلك اليوم، منسجم مع عودة رعاة الأغنام وصوت الأجراس المعلقة في أعناقها يمتزج بالثغاء وأصوات الرعاة، وصياح الأطفال اللاهيين بمرح، ليشكل مقطوعة موسيقية طبيعية.
بباب دكان رضوان بن نشوان ، فسحة يجلس عليها كريم وبعض رجال القرية يلعبون لعبة"السيجة"، فيما تنتشر في الفضاء أصوات صرصار الليل وأصوات الضفادع ، المنبعثة من بركة القرية التي تشبه المستنقع ، وتمتزج تلك الأصوات جميعها بعضها ببعض
( بسيمفونية) سحرية خالدة.
بباب الدكان كانت تصنع الحكايات، كنت أحب الجلوس في الأمسيات لأستمع إلى أحاديث الرجال التي تعبر عن أحداث مرت بهم ومصائب حلت عليهم، لدرجة كان يجف ريقي من هول ما اسمع.
كان رضوان يشعل الفانوس الذي يعمل على الجاز ( الكيروسين ) عندما جلست أنا مسترخيا ،ومتناسيا الأوامر البيتية الصارمة ،والتي تتلخص في عدم الخروج من المنزل عند قدوم المساء .
كان عبدا لله يسعل بشدة مفرطة ، حتى توقع الجميع ،أنه سيموت؛لو استمر في السعال بهذا الشكل ، لم يعد يقدر على استرداد أنفاسه ، وطال الأمر لدرجة تجمدت بمكاني، أنتظر النتيجة المفجعة ، لكن سرعان ما تمخض عنه ،أن بصق مضغة بحجم البيضة ، قذفها بعيداِ؛ بطريقة اعتاد عليها ،وبعد أن استرد أنفاسه، قال بلهجته القروية الفجة:
- لعنة الله على الدخان ... الدخان الهيشي قتلني يا جماعة .
- مليح ما قضى عليك يا رجال ... اتركه، أو دخن دخان شامي أحسن إلك وأخف.
قال كريم وهو يفرك بباطن كفه ورق دخان "الهيشي ) ذو الرائحة الفتاكة ،الذي يكفي أن تجلس بجواره حتى تنفجر من السعال ، لذلك انتابتني نوبة من _ العطس _ المتواصل بسبب قربي الشديد منه .
لكني لم اشعر باشمئزاز بسبب ذلك ، بل كانت هذه الرائحة جزء من الجو السحري الذي أعيشه هذه اللحظات .
كان الليل يلقي بسواده على المكان ، وانشغلت أنا، أراقب النجمات؛التي بدت تظهر في السماء، وبدت لي ؛ أنها هي التي تصدر تلك الأصوات الليلية . استسلمت بكل حواسي لهذا المشهد البديع،وتنبهت بعد لحظات، لوجود زعل الذلاق في الجلسة ، فيما رضوان يقوم بتعليق الفانوس على جدار الدكان؛ مستخدما عصا ،دُسَتْ بين فتحات وشقوق حجارة الجدار .
لكن فتيلة الفانوس؛ بدأت تخبو ،وتخرج سناجا اسود، مما دفع محمود إلى القول مداعبا :
- ما أجت الفتيلة تخرب .. إلا لما جانا زعل ..؟
- يا سيدي نوره كفاية ، لمبتين مضويات مع بعض ، ما بصير.
هكذا صاح كريم ممازحا .
أما زعل؛ لاذ بصمت مطبق ، وهو يعبث بعلبة تبغه، وقداحته ،بعصبية ليست مفتعلة .. مما دفع رضوان أن يقول متسائلا :
- شو مالك يا أبو محمد ..؟ !! أنت مش على عوايدك ...؟ شو فيه عندك ..؟
- الله يستر ... أكيد صار معك أشي غريب وعجيب، مثل عوايدك
قال كريم ذلك ،وهو يتكئ على جانبه، ويسند رأسه بكف يده.
حوقل زعل، وفتح علبة تبغه، ووضع بين أصابعه النحيلة، ورقة (الأوتومان ) وفرك بأصابع يده الأخرى، أوراق التبغ،وقال :
- صار معي قصة ليلة أمس لا يصدقها احد ..
مر فترة صمت قبل أن يتابع ويقول :
- أمس لما نزلت على الوادي (البكساسة ) * كنت اركب على حماري الأخضر .
قاطعه كريم :
- على حد علمي حمارك لونه اسمر ...؟
- بقلك حماري لونه أخضر، شوفه قد البغل .. علوه علو البغل .
أجاب زعل؛ وهو يشير بيده اليمنى، إلى ارتفاع حماره ، في حين كانت يده اليسرى، ممسكة بالعلبة، والسيجارة ،وتابع قائلا :
- حماري قد البغل ... قول بغل يا أخي .
قال ذلك، بنبرة حاسمة .
صاح محمود :
- حمار ولا بغل .. اترك الرجال يُكمِل القصة.
كانت مداخلة محمود ،كافية بأن يقوم زعل ؛بلف سيجارته، يبلل أطراف ورق "الاوتومان"، بطرف لسانه ،ويقرض أطرافها ،ويغلق علبة التبغ بيده الأخرى ،ويضعها في زاوية فمه ، وهنا استحثه محمود قائلا :
- أكمل يا أبو محمد.
انشغل في إشعال سيجارته ، لكن قداحته لم تشتعل، وبعد عدة محاولات فاشلة، قال رضوان ،وهو يتقدم ،ويشعل له السيجارة :
- إلك عندي نص دزينة حجار قداحه ... كمل القصة يا رجال .
اشتعلت سيجارة زعل، واسترسل في الحديث، وبدأ يسرد القصة؛ بشكل مثير ، فيما رحت أنا، أتخيل الأحداث كما يرويها .
تخيلته ،يركب حمارا ضخما؛ بحجم البغل ، فالظلام دامس ، والحمار يشق طريقه نحو الجبال المحيطة بقريتنا من الغرب، حيث لا انس ولا جان في تلك السهوب .
وبعد عدة كيلو مترات، تبدأ منحدرات خطيرة، وشديدة الوعورة، وموحشة ، فالمكان مهجع ، ومرتع لكل الكائنات القاتلة ، فهي تختفي بين الصخور ،وفي ألمغر الكثيرة، والنتوءآت الصخرية، والمنحدرات .
تسكن الذئاب، والضباع، وابن آوى ،والأفاعي السامة ، والعقارب ذات الذيل المعقوف ، بين الشجيرات ،وبين الصخور تنتشر الأفاعي السامة تبحث عن فريستها .
تخيلت زعل يحمل بندقية " الموزار"، التي يحرص على حد زعمه، أن تكون جاهزة للاستعمال السريع؛ في لحظة الخطر .
وتخيلته يحمل "لوكسا"، -مصباح - يحتوي على ست بطاريات جافة، والظلام دامس ،وحالك ، وصوت وقع حوافر الحمار، ترتفع ،وتتسارع حينا ،وتتباطأ
حينا آخر ؛عندما يصل الحمار،إلى منطقة شديدة الوعورة ، ثم تنشط من جديد .
ها هو يسحب نفسا عميقا؛ من سيجارته ، وأصوات ابن آوى يتردد صداها بين الوديان ، والمنحدرات؛ بشكل يبعث على الرهبة ، خيالات، وذكريات، ومناظر موتى ،تتسرب إلى خياله، لتناسب الحالة العامة من الرهبة ، ويتذكر موت صديقه عطا ، بل يراه شبحا؛ ينتصب أمامه كل حين .
أفكار موحشة تراوده ، وتمعن هذه الأفكار، في الولوج إلى قعر جمجمته ، يغذيها هذا الجو المشحون بالوحشة .
كل هذه التفاصيل، رأيتها بخيالي؛ فيما زعل يكمل قصته ، ثم توقف عن السرد، وتوقف معها خيالي عن العمل ، وتحسست يده مكان علبة التبغ، غير أن محمود؛ كان قد لف له لفافة التبغ،وأشعلها ،وقدمها إليه ،فسرعان ما قال بصوت لا يخلو من بحة :
- وين علبة التتن يا جماعة ..؟
- هذي علبة التتن حقك.. لفيت لك سيكارة تعمر راسك فيها ..كمل يا أبو محمد.
قال محمود ،وهو يعيد له علبة التبغ.
تناول زعل؛ علبة تبغه من يد محمود ، وعدل من جلسته ،وتابع يسرد بقية الحكاية :
- والله ويوم إني وصلت للبكساسة ، نزلت عن ظهر الحمار ، ونزلت عنه الشد ، وربطته وعلقت له عليقه الشعير ، وفرشت "الجودله" * في جنب بيت فقوس ، وحطيت حجر وسادة إلي ، ولباروده في جنبي واللوكس أبو ست بطاريات تحت راسي ، وما صرت مرتمي على الجودله إلا وأنا نايم .
ارتفعت يده؛ إلى فمه، وحاول إشعال سيجارته ، كان رضوان يسبقه لإشعالها له من جديد .
ثم سحب؛ نفسين عميقين،وتابع :
- والله يا أخوان ،وأنا بين النايم والصاحي .. واني بحس بإشي بلكزني في جنبي .. لكز .
وبدأ خيالي أنا، ينشط من جديد ، رأيته في خيالي نائما ، في تلك الرقعة من الأرض الموحشة ، وثمة شيء، يدفعه ويلكزه ، يده النحيلة تمتد بحرص وهدوء إلى "اللوكس" ، ويده الأخرى؛ تمتد، إلى البندقية المجهزة للرماية ، نهض بسرعة؛ خاطفة ، وأزاح بقدمه تلك الفرشة؛ المتهرئة ، وأضاء اللوكس، عندها انتشرت بقعة ضوء؛ دائرية ، فيما يده الأخرى، على الزناد .
صاح زعل بقوة، وجلس نصف جلسة ؛متحفزا، ومتمرسا .
توقف خيالي عن العمل ،حين توقف؛ ليسحب نفسا من سيجارته .
عدت ببصري؛ إلى الجلسة، انتظر بفارغ الصبر ،أن يكمل الحكاية ،وبعد أن قذف ،عقب السيجارة؛ قال :
- مديت البندقية وضويت اللوكس ، يتعرفوا شو شفت ..؟
ابتلعت ريقي الجاف بصعوبة ، في حين رد الجميع بالنفي ، عندها عاد إلى جلسته مسترخيا وقال بهدوء وبرود :
- كانت يا إخوان فقوسه بتكبر ... كانت "الفقوسة" اللي تدفعني في جنبي.
سرت همهمة؛ بين الرجال ، ثم انطلقت الضحكات، ودوت من هنا وهناك ، لكن خيالي الطفو لي، راح يرسم لي ،فقوسه ضخمة ،تجتاح قريتنا ، وتحاصر الأطفال في منازلهم .
بدأت أتخيل"، فقوسه" تدخل بيتنا من النافذة ، تزحف نحوي ؛ تنوي قتلي ، ولم ينقذني من هذا الكابوس، إلا صوت رضوان ،وهو يقدم له حجارة القداحة قائلا :
- تفضل يا أبو محمد ، هي حجار القداحة.. اللي وعدتك فيها
.
نهض الرجال ضاحكين، ينفضون الأتربة ؛التي علقت بمؤخراتهم ، في حين نهضت أنا متكاسلا متثاقلا ، ومتمنيا، ألا تنتهي هذه الأمسية ، فسرعان ما عادت حسابات العودة إلى البيت ، حيث العقاب العائلي الصارم .
انتهت
1981عمان
• البكساسة : اسم منطقة ارض زراعية
• الجودلة : هي فرشة من الملابس القديمة توضع لوقاية ظهر الحمار من الأذى .
اللوكس: المصباح
مع تحيات يحيى الحباشنة[/frame]
مزعل الذلاق
قصة قصيرة
من بعيد؛كانت القرية تبدو للعيان كومة من الحجارة ، تراصت الدور الطينية جنبا إلى جنب ، بينما يفصلها من الأمام أزقة وممرات ضيقة ،ليمر الناس والدواب ، أما السوق؛ فكان بضعة دكاكين صغيرة، تصطف الواحدة تلو الأخرى لتشكل نسقا مألوفا، مع البنية العمرانية بشكل عام
.
في غروب ذلك اليوم، منسجم مع عودة رعاة الأغنام وصوت الأجراس المعلقة في أعناقها يمتزج بالثغاء وأصوات الرعاة، وصياح الأطفال اللاهيين بمرح، ليشكل مقطوعة موسيقية طبيعية.
بباب دكان رضوان بن نشوان ، فسحة يجلس عليها كريم وبعض رجال القرية يلعبون لعبة"السيجة"، فيما تنتشر في الفضاء أصوات صرصار الليل وأصوات الضفادع ، المنبعثة من بركة القرية التي تشبه المستنقع ، وتمتزج تلك الأصوات جميعها بعضها ببعض
( بسيمفونية) سحرية خالدة.
بباب الدكان كانت تصنع الحكايات، كنت أحب الجلوس في الأمسيات لأستمع إلى أحاديث الرجال التي تعبر عن أحداث مرت بهم ومصائب حلت عليهم، لدرجة كان يجف ريقي من هول ما اسمع.
كان رضوان يشعل الفانوس الذي يعمل على الجاز ( الكيروسين ) عندما جلست أنا مسترخيا ،ومتناسيا الأوامر البيتية الصارمة ،والتي تتلخص في عدم الخروج من المنزل عند قدوم المساء .
كان عبدا لله يسعل بشدة مفرطة ، حتى توقع الجميع ،أنه سيموت؛لو استمر في السعال بهذا الشكل ، لم يعد يقدر على استرداد أنفاسه ، وطال الأمر لدرجة تجمدت بمكاني، أنتظر النتيجة المفجعة ، لكن سرعان ما تمخض عنه ،أن بصق مضغة بحجم البيضة ، قذفها بعيداِ؛ بطريقة اعتاد عليها ،وبعد أن استرد أنفاسه، قال بلهجته القروية الفجة:
- لعنة الله على الدخان ... الدخان الهيشي قتلني يا جماعة .
- مليح ما قضى عليك يا رجال ... اتركه، أو دخن دخان شامي أحسن إلك وأخف.
قال كريم وهو يفرك بباطن كفه ورق دخان "الهيشي ) ذو الرائحة الفتاكة ،الذي يكفي أن تجلس بجواره حتى تنفجر من السعال ، لذلك انتابتني نوبة من _ العطس _ المتواصل بسبب قربي الشديد منه .
لكني لم اشعر باشمئزاز بسبب ذلك ، بل كانت هذه الرائحة جزء من الجو السحري الذي أعيشه هذه اللحظات .
كان الليل يلقي بسواده على المكان ، وانشغلت أنا، أراقب النجمات؛التي بدت تظهر في السماء، وبدت لي ؛ أنها هي التي تصدر تلك الأصوات الليلية . استسلمت بكل حواسي لهذا المشهد البديع،وتنبهت بعد لحظات، لوجود زعل الذلاق في الجلسة ، فيما رضوان يقوم بتعليق الفانوس على جدار الدكان؛ مستخدما عصا ،دُسَتْ بين فتحات وشقوق حجارة الجدار .
لكن فتيلة الفانوس؛ بدأت تخبو ،وتخرج سناجا اسود، مما دفع محمود إلى القول مداعبا :
- ما أجت الفتيلة تخرب .. إلا لما جانا زعل ..؟
- يا سيدي نوره كفاية ، لمبتين مضويات مع بعض ، ما بصير.
هكذا صاح كريم ممازحا .
أما زعل؛ لاذ بصمت مطبق ، وهو يعبث بعلبة تبغه، وقداحته ،بعصبية ليست مفتعلة .. مما دفع رضوان أن يقول متسائلا :
- شو مالك يا أبو محمد ..؟ !! أنت مش على عوايدك ...؟ شو فيه عندك ..؟
- الله يستر ... أكيد صار معك أشي غريب وعجيب، مثل عوايدك
قال كريم ذلك ،وهو يتكئ على جانبه، ويسند رأسه بكف يده.
حوقل زعل، وفتح علبة تبغه، ووضع بين أصابعه النحيلة، ورقة (الأوتومان ) وفرك بأصابع يده الأخرى، أوراق التبغ،وقال :
- صار معي قصة ليلة أمس لا يصدقها احد ..
مر فترة صمت قبل أن يتابع ويقول :
- أمس لما نزلت على الوادي (البكساسة ) * كنت اركب على حماري الأخضر .
قاطعه كريم :
- على حد علمي حمارك لونه اسمر ...؟
- بقلك حماري لونه أخضر، شوفه قد البغل .. علوه علو البغل .
أجاب زعل؛ وهو يشير بيده اليمنى، إلى ارتفاع حماره ، في حين كانت يده اليسرى، ممسكة بالعلبة، والسيجارة ،وتابع قائلا :
- حماري قد البغل ... قول بغل يا أخي .
قال ذلك، بنبرة حاسمة .
صاح محمود :
- حمار ولا بغل .. اترك الرجال يُكمِل القصة.
كانت مداخلة محمود ،كافية بأن يقوم زعل ؛بلف سيجارته، يبلل أطراف ورق "الاوتومان"، بطرف لسانه ،ويقرض أطرافها ،ويغلق علبة التبغ بيده الأخرى ،ويضعها في زاوية فمه ، وهنا استحثه محمود قائلا :
- أكمل يا أبو محمد.
انشغل في إشعال سيجارته ، لكن قداحته لم تشتعل، وبعد عدة محاولات فاشلة، قال رضوان ،وهو يتقدم ،ويشعل له السيجارة :
- إلك عندي نص دزينة حجار قداحه ... كمل القصة يا رجال .
اشتعلت سيجارة زعل، واسترسل في الحديث، وبدأ يسرد القصة؛ بشكل مثير ، فيما رحت أنا، أتخيل الأحداث كما يرويها .
تخيلته ،يركب حمارا ضخما؛ بحجم البغل ، فالظلام دامس ، والحمار يشق طريقه نحو الجبال المحيطة بقريتنا من الغرب، حيث لا انس ولا جان في تلك السهوب .
وبعد عدة كيلو مترات، تبدأ منحدرات خطيرة، وشديدة الوعورة، وموحشة ، فالمكان مهجع ، ومرتع لكل الكائنات القاتلة ، فهي تختفي بين الصخور ،وفي ألمغر الكثيرة، والنتوءآت الصخرية، والمنحدرات .
تسكن الذئاب، والضباع، وابن آوى ،والأفاعي السامة ، والعقارب ذات الذيل المعقوف ، بين الشجيرات ،وبين الصخور تنتشر الأفاعي السامة تبحث عن فريستها .
تخيلت زعل يحمل بندقية " الموزار"، التي يحرص على حد زعمه، أن تكون جاهزة للاستعمال السريع؛ في لحظة الخطر .
وتخيلته يحمل "لوكسا"، -مصباح - يحتوي على ست بطاريات جافة، والظلام دامس ،وحالك ، وصوت وقع حوافر الحمار، ترتفع ،وتتسارع حينا ،وتتباطأ
حينا آخر ؛عندما يصل الحمار،إلى منطقة شديدة الوعورة ، ثم تنشط من جديد .
ها هو يسحب نفسا عميقا؛ من سيجارته ، وأصوات ابن آوى يتردد صداها بين الوديان ، والمنحدرات؛ بشكل يبعث على الرهبة ، خيالات، وذكريات، ومناظر موتى ،تتسرب إلى خياله، لتناسب الحالة العامة من الرهبة ، ويتذكر موت صديقه عطا ، بل يراه شبحا؛ ينتصب أمامه كل حين .
أفكار موحشة تراوده ، وتمعن هذه الأفكار، في الولوج إلى قعر جمجمته ، يغذيها هذا الجو المشحون بالوحشة .
كل هذه التفاصيل، رأيتها بخيالي؛ فيما زعل يكمل قصته ، ثم توقف عن السرد، وتوقف معها خيالي عن العمل ، وتحسست يده مكان علبة التبغ، غير أن محمود؛ كان قد لف له لفافة التبغ،وأشعلها ،وقدمها إليه ،فسرعان ما قال بصوت لا يخلو من بحة :
- وين علبة التتن يا جماعة ..؟
- هذي علبة التتن حقك.. لفيت لك سيكارة تعمر راسك فيها ..كمل يا أبو محمد.
قال محمود ،وهو يعيد له علبة التبغ.
تناول زعل؛ علبة تبغه من يد محمود ، وعدل من جلسته ،وتابع يسرد بقية الحكاية :
- والله ويوم إني وصلت للبكساسة ، نزلت عن ظهر الحمار ، ونزلت عنه الشد ، وربطته وعلقت له عليقه الشعير ، وفرشت "الجودله" * في جنب بيت فقوس ، وحطيت حجر وسادة إلي ، ولباروده في جنبي واللوكس أبو ست بطاريات تحت راسي ، وما صرت مرتمي على الجودله إلا وأنا نايم .
ارتفعت يده؛ إلى فمه، وحاول إشعال سيجارته ، كان رضوان يسبقه لإشعالها له من جديد .
ثم سحب؛ نفسين عميقين،وتابع :
- والله يا أخوان ،وأنا بين النايم والصاحي .. واني بحس بإشي بلكزني في جنبي .. لكز .
وبدأ خيالي أنا، ينشط من جديد ، رأيته في خيالي نائما ، في تلك الرقعة من الأرض الموحشة ، وثمة شيء، يدفعه ويلكزه ، يده النحيلة تمتد بحرص وهدوء إلى "اللوكس" ، ويده الأخرى؛ تمتد، إلى البندقية المجهزة للرماية ، نهض بسرعة؛ خاطفة ، وأزاح بقدمه تلك الفرشة؛ المتهرئة ، وأضاء اللوكس، عندها انتشرت بقعة ضوء؛ دائرية ، فيما يده الأخرى، على الزناد .
صاح زعل بقوة، وجلس نصف جلسة ؛متحفزا، ومتمرسا .
توقف خيالي عن العمل ،حين توقف؛ ليسحب نفسا من سيجارته .
عدت ببصري؛ إلى الجلسة، انتظر بفارغ الصبر ،أن يكمل الحكاية ،وبعد أن قذف ،عقب السيجارة؛ قال :
- مديت البندقية وضويت اللوكس ، يتعرفوا شو شفت ..؟
ابتلعت ريقي الجاف بصعوبة ، في حين رد الجميع بالنفي ، عندها عاد إلى جلسته مسترخيا وقال بهدوء وبرود :
- كانت يا إخوان فقوسه بتكبر ... كانت "الفقوسة" اللي تدفعني في جنبي.
سرت همهمة؛ بين الرجال ، ثم انطلقت الضحكات، ودوت من هنا وهناك ، لكن خيالي الطفو لي، راح يرسم لي ،فقوسه ضخمة ،تجتاح قريتنا ، وتحاصر الأطفال في منازلهم .
بدأت أتخيل"، فقوسه" تدخل بيتنا من النافذة ، تزحف نحوي ؛ تنوي قتلي ، ولم ينقذني من هذا الكابوس، إلا صوت رضوان ،وهو يقدم له حجارة القداحة قائلا :
- تفضل يا أبو محمد ، هي حجار القداحة.. اللي وعدتك فيها
.
نهض الرجال ضاحكين، ينفضون الأتربة ؛التي علقت بمؤخراتهم ، في حين نهضت أنا متكاسلا متثاقلا ، ومتمنيا، ألا تنتهي هذه الأمسية ، فسرعان ما عادت حسابات العودة إلى البيت ، حيث العقاب العائلي الصارم .
انتهت
1981عمان
• البكساسة : اسم منطقة ارض زراعية
• الجودلة : هي فرشة من الملابس القديمة توضع لوقاية ظهر الحمار من الأذى .
اللوكس: المصباح
مع تحيات يحيى الحباشنة[/frame]
تعليق