... لا يَزال القلبُ راجِياً لِظلالِ الأيَّامِ الخَوالى . و العَقلُ سَاعياً للآنْفِلاتِ من قيودِ زَمانِهِ . لَكنَّ المُسْتَحيل فى إدراكِ ذَلِك الواقِع البَعيدِ مَلْموسَاً . و الأجْدَر بِنا أنْ نَعود بالصورةِ و الذِّكرى مَعَاً فى الإتِجَاهِ المُعَاكِسِ...
في البدء
أحسُّ كلَّمَا سكنْتٌ إلى وحدتى المٌستحبة ؛ تلك التى تعْزِلنى دائماً ، بأنَّى قَدْ أتيَت من زمنٍ بعيدٍ ؛ زمن غير زماننا الّذى نَعيشَه : المظاهر فيه تَخْتَلِف ، الحياةٌ فيه تَخْتَلِف ، و النّاس غير النّاسِ ..
شئٌٌ ما بين جٌدْرانِ ذلك المكان يَحْتوينى ، يعْتصِرنى ، يَنْتَشِلنى من عالمِ المحسوساتِ إلى عالمٍ لا يتم التلاقى فيه إلاَّ..
تُرى أىّ روْحٍ تلك التى تَجْتَذِبنى إليها بقوةِ إنجذابى إليها؟ هل يحدث ذلك حقاً ؟ .. نعم ، مِنَ الممكن حدوثه ، فقط ، عندما أٌغْمِض عينىّ المتعبتين هكذا..
عِنْدها يَتَحوّل كٌلّ شئٍ مٌدْرَك بالتدريج إلى ذلك العالم الأخر..
· فيما يلى ذلك...
.. و فى أثناءِ التصاعدِ المؤقّت ، أشاهد طاقةً من نورٍ علوىّ ، بعيدةً، لكنّها تَدْنو مِنّى بقوةٍ ، و تَدْنو أكثر . لا أمتنع عليها ، أنجذب نحوها أكثر و أكثر . شئٌٌ ما يٌعْلمنىأنها تلك التى احْتَوتنى من قبلٍ . لَقَدْ ظَللت أبْحَث عنها طويلاً ، و مع بدايةِ الرِّحلة، وجدتها ، هِىَ هِىَ ، نَفْس الطاقة النورانية الجذّابة ، تحاول أنْ تأخٌذ بيدىّ إلى عالمٍ ما كان لى صِلة به فى الأمسِ البعيدِ ، أحسٌّ الأن بأنَّها أقرب ، أنا أعلمها ، كيف حَدَث ذلك؟..
قوةٌ غير محدودةٍ قَدْ أذابتْ كٌلّ الحواجز بيننا ، كٌلّ شئٍ قَدْ صَارَ معها ممكناً ..
التلاقى يقودنى فجأةً إلى معرفةٍ عٌمْرها مئات السنين . و الإمتزاج يٌزِيل الظٌلمة بالتدريج ؛ لِيَكشف عن أحداثِ ما قد فاتْ، و يفتح عينىّ على من كنت أجهله قبل الأن ..
قلت : نور الدين ؟
قال : أجل ..
قلت : حدِّثنى عن أيامك و ما كانت عليه ، عندما رأيتَ النور بقلبك فعشت له ...
قلنا : سنعود ..
الصورة الأولى :
يتماثل فوق قمةِ تلٍ من تلالِ حلب القديمة فرسُُ أبيض رشيق. يعلوه هو ؛ فارسٌٌ أسْمر ، يبدو مستوى القامة فوق صهوةِ الفرسِ ، كأنّهما قَدْ صَارا قَدّاً من كتلةٍ متماسكةٍ . شديدٌ فى غير ضعفٍ ، يٌرْسِل شعاعَ عينيهِ الحادتين عبر المنحدرِ ؛ كأنّه يَخْتَرِق أغوار الغَيمِ اللانهائى . بَيْنما الشّمس توشك على المغيبِ . ولا تزال تلك الهالة النورانية تنبعث حوله .. ممتدة إلى ما لا نهاية..
الصورة الثانية :
فى تلك الليلة المختلفة ، لم يَسْعَد عماد الدين بالنومِ الهنيئ ،و ظَلّ متيقظاً طوال ليلته تلك ؛ كان الفكر يؤرّقه بقسوةٍ ، فقد اسْتَشْعر الحدث قبل وقوعهِ وأحسّ أنَّ زَفَرَاته قَدْ باتتْ معدوداتْ ، و أنَّ أخِر أوراقه قَدْ ذَبُلَتْ ،و أوشكت على السقوط. وفى ذات الحين ؛ خرج بضعُُ من الآثمين من أوكارهم السرّية، تسللوا إلى حيث يربضْ الأرق فى جفنىّ الرجل ، أخذوا يحوّمون حول مضجعه مثلما تحوّم الذئاب حول فريستها ، و لمّا تشمموا رائحةً طيبةً تنبعث إليهم من خلال عَقِب البابِ الموصد ، إنقضّوا فجأةً .. ووقعت المشيئة ..
ماكادَتْ عيناه تٌبصران ذلك الجسد الممتد فى سكونِ الموت الجميل ، حتّى انْفَرطت منهما دمعتا الفراق ، ثم قال نور الدين بصوته المتحشرج ، و كأنَّه قد غُلّ بقيودٍ غير مرئيةٍ :
* أبى ! يا مَنْ ولدتنى إلى هذه الدنيا بكلِ ما فيها ، و علمتنى ، و لو أن ذلك لوقتٍ قصير رحلتَ بعده ، و تركتنى ، أقسم ألاّ أتخاذل فيما آليتَ نفسك عليه ، و عهدى لك قاطع ؛ أن أحارب قاتلوك حتى الفناء ، ليس لإنهم كذلك .. و لكنّ دافعى ، هو هو، دافعك الذى عشت حياتك من أجله ، و فنيت فىسبيله..
ثم أطرق عن الكلامِ فجأةً ..
عندئذ ، حدّثه أسد الدين ، و كان فى حديثهِ يتأوه تأوهاً مكتوماً ، إذْ كان يقول :
* أَىْ نور الدين ! يا سليل الخير ، إننا وراءك ، فرداً فرداً ، يدك التى تضرب بها أعداءك ؛ فتجد نتاجها ثمرةً طاهرةً .
ثم أمْسَك بمنكبي نور الدين ، و هزّه بقوةٍ ، و هو يقول :
* إيَّاك أنْ تتخاذل ! فإن أعناقنا بين يَديك أمانَةً . دَنَا من الجسدِ الساكنِ فى هدوئهِ ، وانْتَزع خاتماً ثقيلاً كان فى الأوسطِ من اليدِ اليسرى ، و أخَذَ يتأمله ، ثم قَدَّمه إلى نور الدين الّذى قَطَع العهد على نفسهِ تواً ، و قال له بإصرارٍ :
* إنَّه خاتم من يحمل الأمانة فينا ، خٌذْه ، فإنَّك أولَاَنا به.
لكنَّ نور الدين السبّاق إلى الخيِر دائماً ، أومأ برأسه تفهماً ، و قال بلهجةٍ صارمةٍ ، و عيناه البرّاقتين تستدعيان الأمل العزيز:
· أقسم على ذلك قسماً لا حنث فيه ...
الصورة الثالثة :
و فى الطريقِ المتعرِّج الممٌتد حتّى الرّها(1) كانت قوة هَزِيلة من الجنودِ تٌمْسِك عن السيِر المميت ؛ تلبية لأمرِ قائدهم جوسلين - المشاكس دائماً - ذى القلب المتحجِّر، الّذى يَحْمِل فى سَرِيرَته حِقداً قديماً قديماً ..
و قَدْ الْتَقى آنئذٍ ، و كان المساءٌ يفْرِض سطوته فى أنحاءِ المكانِ ، بالبائسِ بلدوين ؛ سَيّد مرعش و كيسوم(2) ، و انْفَردا بنفسيهما داخل خيمةٍ منزويةٍ بغايةِ التدبّر و التشاور، و قد سُمع صوت جوسلين المتناهى كأنَّه خوار الثورِ، و هويقول:
* أنا الكونت الأصيل بالرّها ، لم أنسْ ذلك يوماً ..
ثم جَرَع من قَعْبه جَرْعةً كبيرة أغرقته ، و أضاف و هو يمسح المشروب عن فمهِ:
* لقد حالفهم الحظ كثيراً ، هؤلاء الـ..
ثم جَرَع مرةً أخْرى و هو يقول :
* عماد الدين ! ذلك الدّاهية ، لقد استغل فرصة خروجى من حدود إمارتى ، ثم باغتْ المدينة ، و أخذها عنوةً .. و منذ ذلك الحين ، لم أتمكن من ردّها ، و إلتجأت غصباً إلى تل باشر(3) تلك هى الحقيقة أيها السيد بلدوين ، أنا أحقّ الجميع بالرّها ، وزوال عماد الدين يفسح الطريق إليها من جديد .
فتحدَّث بلدوين بصوتهِ النّاعِم الّذى يٌشْبه صوت النساء قائلاً:
* لكنَّك لم تحدِّثنى بعد ، يا كونت جوسلين ، عن خطتك للإغارة على الرّها ، أنا أخشى ألاّ نتمكن من ذلك ، فحسبما علمت من قول قاله الكونت ريموند ، أمير أنطاكية ، أنَّ النورانيين لا يٌمكن خداعهم بتلك السبل ال .. ساذجة .. أعنى .. أن لديهم استخبارات
مٌحْكمة فى كٌلّ مكانٍ .
إلاّ أنَّ الحلم القَدِيم الّذى يراود جوسلين قَدْ عصّب عينيهِ عن الرؤيةِ الواضحة ، فثَارَ بِغَطْرَسته المعهودة فيه ، و هو يصيح:
* إنَّه جَبَان ! ذلك الكونت المنحدر من سلالةٍ متدنّيةٍ . لن أغفر له تخاذله فى معاونتنا .
إنَّ سلوكه ذلك لا يَعْنِى سوى أنَّه يبحث عن مجده الذّاتى ، و لا يعنيه غير ذلك . ثم دَنَا من بلدوين تماماً ، و قال بصوتٍ ملْتَوى النَّبراتِ :
* أنْصِتْ إلىّ ، أيها السيد بلدوين ، لقد دبّرتُ لكل شئٍ بإحكامٍ، واتّصلت بعملائى من الأرمن هناك ، إنهم يريدوننا ،نحن، ولا أحد غيرنا ، لذا سوف يساعدوننا .
رّد بلدوين قائلاً :
* طَالَمَا أنَّك تمتلك رؤيةً واضحةً ، فلا مانع لدىّ من مصاحبتك إلى هناك .
فنهض جوسلين فجأةً ، و قال بلهجةٍ تقريريةٍ :
* دَعْنَا نَرْحل .
ثم إعتلى صهوة جواده ، و انطلق مسرعاً ، فبدا وكأنَّه يَسْتَبق الرِّياح ..
ثم مَضَى بلدوين فى إثره .. و تَبِعَهم الجنود..
و عندما غَابَ ضوء الشّمسِ الخافتِ ، كانوا يتقدمون بإصرارٍ عنيد.
عَوْدٌ على ذي بدء
أقول أثناء تلك المشاهدة الدقيقة لما فاتْ :
* لقد رأيت مثلهماكثيراً ، إنَّ زمنى يضجٌّ بأمثالهما ، و لكنّ الأسلوب يختلف .
فيرّد نور الدين بحكمته قائلاً :
* علمت ذلك ، أم أنَّك نسيتَ ؟
* نسيتٌ ماذا ؟
* نسيتَ أنَّ الأرْواح تعلم ما لا يعلمه الأحياء.
قلت:
* الأحياء يعلمون لكنَّهم يتجاهلون الكثير .
قال:
* النورانيون هم الّذين يعلمون ؛ فالعلم لابدّ أنْ يَنْبٌع من القلبِ.. هنا ..
و أشار إلى صدرهِ ..
فقلت بيأسٍ :
* زمنى غير زمنك .
قال بنفسِ الصوتِ :
* لِكٌلّ زمانٍ سٌبله ، لكنّ الهدف واحد .. لا يتغير .. و التجرّد من أهمّ دواعى الإستمرار .
فسألته برغبةٍ فى المعرِفةِ :
* كيف ذلك ؟
ردّد:
* الرّاعِى العارف بشتىّ السبل .
ردّدها أكثر من مرةٍ .. بينما أصختُ له السّمْع ..
ثم أطرق طويلاً .. و هَمَس بعد ذلك ، دونما أنْ يلتفت إلىّ :
* أنظر بقلبك ، لعلّك تستوعب ما قَدْ فاتك .
فإنصهرتُ بِكٌلِّيتى فى تأملٍ طويل..
الصورة الرابعة :
هكذا، شقّ الرّسول القادم من الرّها طريقه إلى قلبِ حلب ، كان ممتطياً جَوَادَه ، و كأنَّه مٌسْتَحْكم فوق سحابةٍ مارقةٍ بسرعةٍ قٌصْوى ، فلم يتمكن الحَرَسُ من إدراكه إلاّ ممتثلاً بين يدىّ نور الدين دَاخل مٌعَسْكر الجند المعدّ لمواجهةِ ريموند الأنطاكى ؛ الّذى أغَار من َارجِ أسْوارِ حلب ، و ما كادَ الرّسول يَبْلغ خيمةَ القائد حتّى ترّجل مسرعاً ، وهو يصيح:
* أيها القائد ! لقد تمكن جوسلين من الإغارة على الرّها بقواته الصغيرة ، و شقّ طريقه إلى قلب المدينة بمساعدة الأرمن و اليعاقبة .
ثم أطرق للحظاتٍ جَعَل يستردّ أنفاسه المتلاحقة خلالها ..
و على الرٌّغمِ من الذٌّعر الّذى شَمَل نور الدين حتّى كادَ أنْ يشلّ تفكيره ، إلاّ أنَّه قَد تمكن من السيطرةِ على أمرهِ ، فلم يٌمْهِل نَفْسه ...
وثَبَ فوق صِهوةِ جَوادَه وثبةً متمكنةً و هو يردّد:
* الويل لهم جميعاً !
ثم انطلق بفرسه إنطلاقةً أحَالتْ الزّمن إلى سهمٍ بين يديهِ..
الصورة الخامسة :
و بَيْنما كان الليلٌ يَحْتَضِن الكونَ بغشاوتهِ ، أخَذَتْ الرَّهبة المعهودة فى التضَّخمِ ، حتّى ضَاقَتْ بها مَكامِنٌها ؛ لتَنْفُذ منها خِلْسَةً إلى أصحابِ الصدورِ الواهنة ، وتُبيتٌ الآثمين فى أوكارهم بعيداً عن النور ..
وقتئذٍ ، باغتْ النورانيون قوات الفرنج من خارجِ أسوار الرّها ، و أثاروا الرَّهبة فى قلوبهم .فما لبِثَ جوسلين يتدارك حقيقة الخطر المحدق بقواتهِ ، حتّى لاحتْ له شياطين الأحلام ؛ لتُزّين الحلم الرابض فى صدرهِ منذ سنواتٍ خَلَتْ ، و تَبْعَثه إلى الحياةِ من جديد - الرّها الحبيسة فى رأسهِ - ياله من حلمٍ عزيزٍ على نفسهِ ! .. يرغمه على البقاء فوق الأرض التى لازَال يَصْبو إليها ..
لكنّ بلدوين قد صَار متردّد النفسِ ، غير متماسك ، إذْ أنَّ حلم جوسلين ، و نصرة الصليب - وكل هذه الأشياء -لم تعد ذات قيمة بالنسبة لما يتمتع به من حياةٍ ، حتّى المجد الفردى لا قيمة له إذا ما قورِن بحياةِ المرء كثمنٍ له .
لكل ذلك ، آثر بلدوين أن يتحدث إلى جوسلين حول الإنسحابِ السّرى أثناء الليل ، فقال له و الشٌعور بالمرارةِ يملأ كلماته المتوترة:
* أيها السيد جوسلين ! لقد َصعُبَ علينا المقام هنا ، نحن محاصرون تماما ، و إنّ ذلك لا ينى غير قُرب النهاية .. نهاياتنا جميعا .. و أنا لست مقامراً بحياتىحتّى أُدفع إلى الموت المٌبكِّر .
فقال جوسلين بغضبٍ غير ظاهرٍ :
* ألا تدرى أنَّ الحرب قد جٌعِلَتْ للرجال دون سواهم ، فما دام الخوف يسيطر عليك مثل النساء ، فلترحل ، لا حاجة لى بك.
فأجابه بلدوين بيأسٍ و انكسارٍ :
* لست أجد منفذاً لذلك .. نحن محاصرون من كٌلِّ جهةٍ.. و إنْ لم نجد مخرجاً ، سنهلك .. هنا .. لا أريد أنْ أموت .. أتوسل إليك !
لكنّ شياطين جوسلين لا زالتْ تعبث بخيالهِ الأسير ، فإسْتَمالته للحظاتٍ إلى ذِكْرَى استيلاء عماد الدين على الرّها ، فألْهَبت شعلة غضبه ..
فقال بصوتٍ رخامى مجرد من الحياة :
* ربما أنك على حقٍ يا سيد مرعش و كيسوم !
ثم نهض كتمثالٍ ، و أخَذَ ينظر إلى بلدوين من أعْلَى ، و أضاف :
* لا يجب أنْ نَدَع لهم الفرصة للقضاء علينا ، الثأر لم ينتهِ بعدْ ..
و مع إنطفاءةِ أخِرشموع تلك الليلة ، و نزول السكينة على قلوبِ النورانيين ، بدأ جوسلين و قواته و بعضٌٌ من التابعين من الأرمن و اليعاقبة؛ فى التسلل عبرأسوارِ المدينة إلى جوفِ الصحراء الرهيبة .
هَكَذَا ، تمكن جوسلين و حلفاؤه من الفرارِ الثّمين ؛ الّذى مَنَحهم أملاً جديداً..
و قَدْ مَضَى فى سَيرهِ على رأسِ السائرين فى سكونٍ ، يخشون مَسّ الأرضِ بأقدامهم فينتبه النورانيون إليهم ، و يٌدركون بمرهفِ حواسّهم الطريق الّذى اختاره الفارّون .و كان من بين الفارّين بصحبة جوسلين ، بإستثناء بلدوين الذى
يلازمه كالظلِ ، رجل أشيب اللّحية ، يرتدى أرديةً سوداء فضفاضة تكاد أطرافها تٌلامِس الأرض ، بَيْنما يضع فوق رأسه عمامة سوداء ، وهو رجل كثير الثرثرة فى غير حكمةٍ . أمّا الأخر ، فيبدو أشدّ بنيةً من قرينه ، و دونه فى العمرِ ، و يرتدى نَفْس الرِّداء . غير أنَّهما لم يٌمْسِكا ثغريهما عن الحديثِ المطوّل ، و لم يكفّا عن الشكوى كٌلَّما شَدّ عليهما التّعب و شَقّ السفرٌ.. ومع إنحدارِ ذلك النّجم المتألِّق جهة المشرقِ ، كان النورانيون يلْتَهِمون الطٌرق بجيادهم المطهّمة بالشجاعةِ ، بَيْنما أسلحتهم تتلألأ كٌلَّما انْعَكَسَتْ عليها أشّعة الشّمسِ ، فبدوا كقطعِ الألماسِ المتناثرة فى أنحاءِ الصحراء اللانهائية ..
و كما تهبّ الرِّياح الشتوية لتوقع الرّعب فى النفوسِ السقيمة ، إنقضّوا على أعدائهم ..فما أحسّ جوسلين المتحجِّر إلاّ بتلك الهالة النورانية مٌحْدِثةً هزّةً مفاجئةً فى صفوفِ أتباعه ، فأودتْ بتوازنهم ، فَوقعوا فى مأزقِ التفككِ .. و انْصَاعوا إلى رغباتهم الغريزية فى البحثِ عن ملجأٍ يقيهم شرّ الفناء إلى الأبد..
و من وسطِ مَعْمَعةِ الصرخاتِ المتصاعدة فى عنانِ السّماءِ ، و رنينِ السّيوف المصطّكة بعضها ببعضٍ ، و صَفير الرِّماح المتطايرة فى الهواءِ ، إنطلق صوتٌُ جَهْوّرى :
* تَقدَّموا ، اللعنة أيَّها الفرنج ، تَقدَّموا ..
لكنّ نورالدين ذا اليقين الّذى لا يتزعزع ، تمكن ببراعةٍ من تحديد مصدر الصوت المتفجِّر ، الكريه إلى نفسه ، و انطلق بفرسه وسط الميدان مثلما ينطلق شهاب من السماءِ ، و سَيْفه ضارب فى الهواءِ .. و بضربةٍ موجهة منه فى قوةٍ غيرمتناهيةٍ ، تصَاعدتْ صرخةُ من جوسلين عير الهواءِ ؛ لتٌزَلْزِل نفوس أتباعه ، الذين شاهدوه بدهشةٍ عَقَّدتْ حركتهم ، وهو يرتجف فوق جَوادةِ إثْر تلك الضّرْبة ، و الدِّماء تسيل بغزارةٍ حول عٌنقه الجريح ..
عندئذٍ ، اسْتَشْعر النورانيون حلاوة النصرِ ، فشدّ أحدهم قَوْسَه و ألقى بسَهمٍ ثمينٍ عبر الهواءِ .. ليستقر فجأةً فى صدرِ بلدوين .. ليَهوى صَريعاً .. فتدْهَسه الخيلٌ بحوافرها بلا تمييز ..و تبعثرتْ قواتٌ جوسلين بحثاً عن الفرارِ الثّمين ..
و هَكَذَا ، بَدَتْ المعركة غير متكافئةٍ ..
و خَيَّم السكون على المكان لفترةٍ قصيرةٍ ، لم يقطعها سوى الظهور المفاجئ لنور الدين وسط ميدانِ المعركةِ و هو يصيح:
* لقد فَرَّ جوسلين ..
ثم استدار بفرسه ، و انطلق عبر السهلِ المنحدرِ بسرعةٍ قٌصوى ..
لم يشعر نور الدين - رُغم النصر - بالرَّاحة الأثيرة ، إذْ تضخم الشعور بالغضبِ فى صدره حتّى تشعّب فى أنحاءِ جسده ، وأمْسَى كالقدرِ الممتلئ بالماءِ فوق فوّهةِ الموْقِد المٌلْتَهِب ، تملأه الرّغبة فى صَبِّ جَام الغضب على رٌءٌوس أولئك الخونة ؛ الّذين آثَروا لأنفسهم حياة الذٌّلِ بعد ما رأوه من الحياةِ الكريمةِ فى ظِلِّ عماد الدين ، الرّجل الّذى منَحَهم من العِزّة ما يَجْذِب إليه حَنِين الأبالسةِ ، لكنَّ الّذى حَدَث غير ذلك ، فقد انْقَلبوا على أعْقَابِهم بِمٌجرَّد زواله ، و ظَنَّوا بذلك أنَّهم قد تَحَرروا .. و أصْبَحوا بلا قيدٍ ..
لقد أصرّ نور الدين ألاّ يكون بهم رحيماً - على غير عادته - و تفجّر البركان المتّقد فى المدينة بلا هوادة .. فأحالها خراباً ..
في البدء
الانْفِصَالٌ المؤقّت
أحسُّ كلَّمَا سكنْتٌ إلى وحدتى المٌستحبة ؛ تلك التى تعْزِلنى دائماً ، بأنَّى قَدْ أتيَت من زمنٍ بعيدٍ ؛ زمن غير زماننا الّذى نَعيشَه : المظاهر فيه تَخْتَلِف ، الحياةٌ فيه تَخْتَلِف ، و النّاس غير النّاسِ ..
شئٌٌ ما بين جٌدْرانِ ذلك المكان يَحْتوينى ، يعْتصِرنى ، يَنْتَشِلنى من عالمِ المحسوساتِ إلى عالمٍ لا يتم التلاقى فيه إلاَّ..
تُرى أىّ روْحٍ تلك التى تَجْتَذِبنى إليها بقوةِ إنجذابى إليها؟ هل يحدث ذلك حقاً ؟ .. نعم ، مِنَ الممكن حدوثه ، فقط ، عندما أٌغْمِض عينىّ المتعبتين هكذا..
عِنْدها يَتَحوّل كٌلّ شئٍ مٌدْرَك بالتدريج إلى ذلك العالم الأخر..
· فيما يلى ذلك...
· التلاقى و الإمتزاج
.. و فى أثناءِ التصاعدِ المؤقّت ، أشاهد طاقةً من نورٍ علوىّ ، بعيدةً، لكنّها تَدْنو مِنّى بقوةٍ ، و تَدْنو أكثر . لا أمتنع عليها ، أنجذب نحوها أكثر و أكثر . شئٌٌ ما يٌعْلمنىأنها تلك التى احْتَوتنى من قبلٍ . لَقَدْ ظَللت أبْحَث عنها طويلاً ، و مع بدايةِ الرِّحلة، وجدتها ، هِىَ هِىَ ، نَفْس الطاقة النورانية الجذّابة ، تحاول أنْ تأخٌذ بيدىّ إلى عالمٍ ما كان لى صِلة به فى الأمسِ البعيدِ ، أحسٌّ الأن بأنَّها أقرب ، أنا أعلمها ، كيف حَدَث ذلك؟..
قوةٌ غير محدودةٍ قَدْ أذابتْ كٌلّ الحواجز بيننا ، كٌلّ شئٍ قَدْ صَارَ معها ممكناً ..
التلاقى يقودنى فجأةً إلى معرفةٍ عٌمْرها مئات السنين . و الإمتزاج يٌزِيل الظٌلمة بالتدريج ؛ لِيَكشف عن أحداثِ ما قد فاتْ، و يفتح عينىّ على من كنت أجهله قبل الأن ..
قلت : نور الدين ؟
قال : أجل ..
قلت : حدِّثنى عن أيامك و ما كانت عليه ، عندما رأيتَ النور بقلبك فعشت له ...
قلنا : سنعود ..
الصورة الأولى :
القائدٌ فى إنتظارِ الغَد
يتماثل فوق قمةِ تلٍ من تلالِ حلب القديمة فرسُُ أبيض رشيق. يعلوه هو ؛ فارسٌٌ أسْمر ، يبدو مستوى القامة فوق صهوةِ الفرسِ ، كأنّهما قَدْ صَارا قَدّاً من كتلةٍ متماسكةٍ . شديدٌ فى غير ضعفٍ ، يٌرْسِل شعاعَ عينيهِ الحادتين عبر المنحدرِ ؛ كأنّه يَخْتَرِق أغوار الغَيمِ اللانهائى . بَيْنما الشّمس توشك على المغيبِ . ولا تزال تلك الهالة النورانية تنبعث حوله .. ممتدة إلى ما لا نهاية..
الصورة الثانية :
يدّ الغدر تغتال الأصل
فى تلك الليلة المختلفة ، لم يَسْعَد عماد الدين بالنومِ الهنيئ ،و ظَلّ متيقظاً طوال ليلته تلك ؛ كان الفكر يؤرّقه بقسوةٍ ، فقد اسْتَشْعر الحدث قبل وقوعهِ وأحسّ أنَّ زَفَرَاته قَدْ باتتْ معدوداتْ ، و أنَّ أخِر أوراقه قَدْ ذَبُلَتْ ،و أوشكت على السقوط. وفى ذات الحين ؛ خرج بضعُُ من الآثمين من أوكارهم السرّية، تسللوا إلى حيث يربضْ الأرق فى جفنىّ الرجل ، أخذوا يحوّمون حول مضجعه مثلما تحوّم الذئاب حول فريستها ، و لمّا تشمموا رائحةً طيبةً تنبعث إليهم من خلال عَقِب البابِ الموصد ، إنقضّوا فجأةً .. ووقعت المشيئة ..
نور الدين يتسلم الخاتم
ماكادَتْ عيناه تٌبصران ذلك الجسد الممتد فى سكونِ الموت الجميل ، حتّى انْفَرطت منهما دمعتا الفراق ، ثم قال نور الدين بصوته المتحشرج ، و كأنَّه قد غُلّ بقيودٍ غير مرئيةٍ :
* أبى ! يا مَنْ ولدتنى إلى هذه الدنيا بكلِ ما فيها ، و علمتنى ، و لو أن ذلك لوقتٍ قصير رحلتَ بعده ، و تركتنى ، أقسم ألاّ أتخاذل فيما آليتَ نفسك عليه ، و عهدى لك قاطع ؛ أن أحارب قاتلوك حتى الفناء ، ليس لإنهم كذلك .. و لكنّ دافعى ، هو هو، دافعك الذى عشت حياتك من أجله ، و فنيت فىسبيله..
ثم أطرق عن الكلامِ فجأةً ..
عندئذ ، حدّثه أسد الدين ، و كان فى حديثهِ يتأوه تأوهاً مكتوماً ، إذْ كان يقول :
* أَىْ نور الدين ! يا سليل الخير ، إننا وراءك ، فرداً فرداً ، يدك التى تضرب بها أعداءك ؛ فتجد نتاجها ثمرةً طاهرةً .
ثم أمْسَك بمنكبي نور الدين ، و هزّه بقوةٍ ، و هو يقول :
* إيَّاك أنْ تتخاذل ! فإن أعناقنا بين يَديك أمانَةً . دَنَا من الجسدِ الساكنِ فى هدوئهِ ، وانْتَزع خاتماً ثقيلاً كان فى الأوسطِ من اليدِ اليسرى ، و أخَذَ يتأمله ، ثم قَدَّمه إلى نور الدين الّذى قَطَع العهد على نفسهِ تواً ، و قال له بإصرارٍ :
* إنَّه خاتم من يحمل الأمانة فينا ، خٌذْه ، فإنَّك أولَاَنا به.
لكنَّ نور الدين السبّاق إلى الخيِر دائماً ، أومأ برأسه تفهماً ، و قال بلهجةٍ صارمةٍ ، و عيناه البرّاقتين تستدعيان الأمل العزيز:
· أقسم على ذلك قسماً لا حنث فيه ...
الصورة الثالثة :
إجتماع مُصغّر
و فى الطريقِ المتعرِّج الممٌتد حتّى الرّها(1) كانت قوة هَزِيلة من الجنودِ تٌمْسِك عن السيِر المميت ؛ تلبية لأمرِ قائدهم جوسلين - المشاكس دائماً - ذى القلب المتحجِّر، الّذى يَحْمِل فى سَرِيرَته حِقداً قديماً قديماً ..
و قَدْ الْتَقى آنئذٍ ، و كان المساءٌ يفْرِض سطوته فى أنحاءِ المكانِ ، بالبائسِ بلدوين ؛ سَيّد مرعش و كيسوم(2) ، و انْفَردا بنفسيهما داخل خيمةٍ منزويةٍ بغايةِ التدبّر و التشاور، و قد سُمع صوت جوسلين المتناهى كأنَّه خوار الثورِ، و هويقول:
* أنا الكونت الأصيل بالرّها ، لم أنسْ ذلك يوماً ..
ثم جَرَع من قَعْبه جَرْعةً كبيرة أغرقته ، و أضاف و هو يمسح المشروب عن فمهِ:
* لقد حالفهم الحظ كثيراً ، هؤلاء الـ..
ثم جَرَع مرةً أخْرى و هو يقول :
* عماد الدين ! ذلك الدّاهية ، لقد استغل فرصة خروجى من حدود إمارتى ، ثم باغتْ المدينة ، و أخذها عنوةً .. و منذ ذلك الحين ، لم أتمكن من ردّها ، و إلتجأت غصباً إلى تل باشر(3) تلك هى الحقيقة أيها السيد بلدوين ، أنا أحقّ الجميع بالرّها ، وزوال عماد الدين يفسح الطريق إليها من جديد .
فتحدَّث بلدوين بصوتهِ النّاعِم الّذى يٌشْبه صوت النساء قائلاً:
* لكنَّك لم تحدِّثنى بعد ، يا كونت جوسلين ، عن خطتك للإغارة على الرّها ، أنا أخشى ألاّ نتمكن من ذلك ، فحسبما علمت من قول قاله الكونت ريموند ، أمير أنطاكية ، أنَّ النورانيين لا يٌمكن خداعهم بتلك السبل ال .. ساذجة .. أعنى .. أن لديهم استخبارات
مٌحْكمة فى كٌلّ مكانٍ .
إلاّ أنَّ الحلم القَدِيم الّذى يراود جوسلين قَدْ عصّب عينيهِ عن الرؤيةِ الواضحة ، فثَارَ بِغَطْرَسته المعهودة فيه ، و هو يصيح:
* إنَّه جَبَان ! ذلك الكونت المنحدر من سلالةٍ متدنّيةٍ . لن أغفر له تخاذله فى معاونتنا .
إنَّ سلوكه ذلك لا يَعْنِى سوى أنَّه يبحث عن مجده الذّاتى ، و لا يعنيه غير ذلك . ثم دَنَا من بلدوين تماماً ، و قال بصوتٍ ملْتَوى النَّبراتِ :
* أنْصِتْ إلىّ ، أيها السيد بلدوين ، لقد دبّرتُ لكل شئٍ بإحكامٍ، واتّصلت بعملائى من الأرمن هناك ، إنهم يريدوننا ،نحن، ولا أحد غيرنا ، لذا سوف يساعدوننا .
رّد بلدوين قائلاً :
* طَالَمَا أنَّك تمتلك رؤيةً واضحةً ، فلا مانع لدىّ من مصاحبتك إلى هناك .
فنهض جوسلين فجأةً ، و قال بلهجةٍ تقريريةٍ :
* دَعْنَا نَرْحل .
ثم إعتلى صهوة جواده ، و انطلق مسرعاً ، فبدا وكأنَّه يَسْتَبق الرِّياح ..
ثم مَضَى بلدوين فى إثره .. و تَبِعَهم الجنود..
و عندما غَابَ ضوء الشّمسِ الخافتِ ، كانوا يتقدمون بإصرارٍ عنيد.
عَوْدٌ على ذي بدء
حَدِيثُ مٌزدوج
أقول أثناء تلك المشاهدة الدقيقة لما فاتْ :
* لقد رأيت مثلهماكثيراً ، إنَّ زمنى يضجٌّ بأمثالهما ، و لكنّ الأسلوب يختلف .
فيرّد نور الدين بحكمته قائلاً :
* علمت ذلك ، أم أنَّك نسيتَ ؟
* نسيتٌ ماذا ؟
* نسيتَ أنَّ الأرْواح تعلم ما لا يعلمه الأحياء.
قلت:
* الأحياء يعلمون لكنَّهم يتجاهلون الكثير .
قال:
* النورانيون هم الّذين يعلمون ؛ فالعلم لابدّ أنْ يَنْبٌع من القلبِ.. هنا ..
و أشار إلى صدرهِ ..
فقلت بيأسٍ :
* زمنى غير زمنك .
قال بنفسِ الصوتِ :
* لِكٌلّ زمانٍ سٌبله ، لكنّ الهدف واحد .. لا يتغير .. و التجرّد من أهمّ دواعى الإستمرار .
فسألته برغبةٍ فى المعرِفةِ :
* كيف ذلك ؟
ردّد:
* الرّاعِى العارف بشتىّ السبل .
ردّدها أكثر من مرةٍ .. بينما أصختُ له السّمْع ..
ثم أطرق طويلاً .. و هَمَس بعد ذلك ، دونما أنْ يلتفت إلىّ :
* أنظر بقلبك ، لعلّك تستوعب ما قَدْ فاتك .
فإنصهرتُ بِكٌلِّيتى فى تأملٍ طويل..
الصورة الرابعة :
عند أسوار حلب
هكذا، شقّ الرّسول القادم من الرّها طريقه إلى قلبِ حلب ، كان ممتطياً جَوَادَه ، و كأنَّه مٌسْتَحْكم فوق سحابةٍ مارقةٍ بسرعةٍ قٌصْوى ، فلم يتمكن الحَرَسُ من إدراكه إلاّ ممتثلاً بين يدىّ نور الدين دَاخل مٌعَسْكر الجند المعدّ لمواجهةِ ريموند الأنطاكى ؛ الّذى أغَار من َارجِ أسْوارِ حلب ، و ما كادَ الرّسول يَبْلغ خيمةَ القائد حتّى ترّجل مسرعاً ، وهو يصيح:
* أيها القائد ! لقد تمكن جوسلين من الإغارة على الرّها بقواته الصغيرة ، و شقّ طريقه إلى قلب المدينة بمساعدة الأرمن و اليعاقبة .
ثم أطرق للحظاتٍ جَعَل يستردّ أنفاسه المتلاحقة خلالها ..
و على الرٌّغمِ من الذٌّعر الّذى شَمَل نور الدين حتّى كادَ أنْ يشلّ تفكيره ، إلاّ أنَّه قَد تمكن من السيطرةِ على أمرهِ ، فلم يٌمْهِل نَفْسه ...
وثَبَ فوق صِهوةِ جَوادَه وثبةً متمكنةً و هو يردّد:
* الويل لهم جميعاً !
ثم انطلق بفرسه إنطلاقةً أحَالتْ الزّمن إلى سهمٍ بين يديهِ..
الصورة الخامسة :
مباغتة
و بَيْنما كان الليلٌ يَحْتَضِن الكونَ بغشاوتهِ ، أخَذَتْ الرَّهبة المعهودة فى التضَّخمِ ، حتّى ضَاقَتْ بها مَكامِنٌها ؛ لتَنْفُذ منها خِلْسَةً إلى أصحابِ الصدورِ الواهنة ، وتُبيتٌ الآثمين فى أوكارهم بعيداً عن النور ..
وقتئذٍ ، باغتْ النورانيون قوات الفرنج من خارجِ أسوار الرّها ، و أثاروا الرَّهبة فى قلوبهم .فما لبِثَ جوسلين يتدارك حقيقة الخطر المحدق بقواتهِ ، حتّى لاحتْ له شياطين الأحلام ؛ لتُزّين الحلم الرابض فى صدرهِ منذ سنواتٍ خَلَتْ ، و تَبْعَثه إلى الحياةِ من جديد - الرّها الحبيسة فى رأسهِ - ياله من حلمٍ عزيزٍ على نفسهِ ! .. يرغمه على البقاء فوق الأرض التى لازَال يَصْبو إليها ..
لكنّ بلدوين قد صَار متردّد النفسِ ، غير متماسك ، إذْ أنَّ حلم جوسلين ، و نصرة الصليب - وكل هذه الأشياء -لم تعد ذات قيمة بالنسبة لما يتمتع به من حياةٍ ، حتّى المجد الفردى لا قيمة له إذا ما قورِن بحياةِ المرء كثمنٍ له .
لكل ذلك ، آثر بلدوين أن يتحدث إلى جوسلين حول الإنسحابِ السّرى أثناء الليل ، فقال له و الشٌعور بالمرارةِ يملأ كلماته المتوترة:
* أيها السيد جوسلين ! لقد َصعُبَ علينا المقام هنا ، نحن محاصرون تماما ، و إنّ ذلك لا ينى غير قُرب النهاية .. نهاياتنا جميعا .. و أنا لست مقامراً بحياتىحتّى أُدفع إلى الموت المٌبكِّر .
فقال جوسلين بغضبٍ غير ظاهرٍ :
* ألا تدرى أنَّ الحرب قد جٌعِلَتْ للرجال دون سواهم ، فما دام الخوف يسيطر عليك مثل النساء ، فلترحل ، لا حاجة لى بك.
فأجابه بلدوين بيأسٍ و انكسارٍ :
* لست أجد منفذاً لذلك .. نحن محاصرون من كٌلِّ جهةٍ.. و إنْ لم نجد مخرجاً ، سنهلك .. هنا .. لا أريد أنْ أموت .. أتوسل إليك !
لكنّ شياطين جوسلين لا زالتْ تعبث بخيالهِ الأسير ، فإسْتَمالته للحظاتٍ إلى ذِكْرَى استيلاء عماد الدين على الرّها ، فألْهَبت شعلة غضبه ..
فقال بصوتٍ رخامى مجرد من الحياة :
* ربما أنك على حقٍ يا سيد مرعش و كيسوم !
ثم نهض كتمثالٍ ، و أخَذَ ينظر إلى بلدوين من أعْلَى ، و أضاف :
* لا يجب أنْ نَدَع لهم الفرصة للقضاء علينا ، الثأر لم ينتهِ بعدْ ..
و مع إنطفاءةِ أخِرشموع تلك الليلة ، و نزول السكينة على قلوبِ النورانيين ، بدأ جوسلين و قواته و بعضٌٌ من التابعين من الأرمن و اليعاقبة؛ فى التسلل عبرأسوارِ المدينة إلى جوفِ الصحراء الرهيبة .
معركة غير متكافئة
هَكَذَا ، تمكن جوسلين و حلفاؤه من الفرارِ الثّمين ؛ الّذى مَنَحهم أملاً جديداً..
و قَدْ مَضَى فى سَيرهِ على رأسِ السائرين فى سكونٍ ، يخشون مَسّ الأرضِ بأقدامهم فينتبه النورانيون إليهم ، و يٌدركون بمرهفِ حواسّهم الطريق الّذى اختاره الفارّون .و كان من بين الفارّين بصحبة جوسلين ، بإستثناء بلدوين الذى
يلازمه كالظلِ ، رجل أشيب اللّحية ، يرتدى أرديةً سوداء فضفاضة تكاد أطرافها تٌلامِس الأرض ، بَيْنما يضع فوق رأسه عمامة سوداء ، وهو رجل كثير الثرثرة فى غير حكمةٍ . أمّا الأخر ، فيبدو أشدّ بنيةً من قرينه ، و دونه فى العمرِ ، و يرتدى نَفْس الرِّداء . غير أنَّهما لم يٌمْسِكا ثغريهما عن الحديثِ المطوّل ، و لم يكفّا عن الشكوى كٌلَّما شَدّ عليهما التّعب و شَقّ السفرٌ.. ومع إنحدارِ ذلك النّجم المتألِّق جهة المشرقِ ، كان النورانيون يلْتَهِمون الطٌرق بجيادهم المطهّمة بالشجاعةِ ، بَيْنما أسلحتهم تتلألأ كٌلَّما انْعَكَسَتْ عليها أشّعة الشّمسِ ، فبدوا كقطعِ الألماسِ المتناثرة فى أنحاءِ الصحراء اللانهائية ..
و كما تهبّ الرِّياح الشتوية لتوقع الرّعب فى النفوسِ السقيمة ، إنقضّوا على أعدائهم ..فما أحسّ جوسلين المتحجِّر إلاّ بتلك الهالة النورانية مٌحْدِثةً هزّةً مفاجئةً فى صفوفِ أتباعه ، فأودتْ بتوازنهم ، فَوقعوا فى مأزقِ التفككِ .. و انْصَاعوا إلى رغباتهم الغريزية فى البحثِ عن ملجأٍ يقيهم شرّ الفناء إلى الأبد..
و من وسطِ مَعْمَعةِ الصرخاتِ المتصاعدة فى عنانِ السّماءِ ، و رنينِ السّيوف المصطّكة بعضها ببعضٍ ، و صَفير الرِّماح المتطايرة فى الهواءِ ، إنطلق صوتٌُ جَهْوّرى :
* تَقدَّموا ، اللعنة أيَّها الفرنج ، تَقدَّموا ..
لكنّ نورالدين ذا اليقين الّذى لا يتزعزع ، تمكن ببراعةٍ من تحديد مصدر الصوت المتفجِّر ، الكريه إلى نفسه ، و انطلق بفرسه وسط الميدان مثلما ينطلق شهاب من السماءِ ، و سَيْفه ضارب فى الهواءِ .. و بضربةٍ موجهة منه فى قوةٍ غيرمتناهيةٍ ، تصَاعدتْ صرخةُ من جوسلين عير الهواءِ ؛ لتٌزَلْزِل نفوس أتباعه ، الذين شاهدوه بدهشةٍ عَقَّدتْ حركتهم ، وهو يرتجف فوق جَوادةِ إثْر تلك الضّرْبة ، و الدِّماء تسيل بغزارةٍ حول عٌنقه الجريح ..
عندئذٍ ، اسْتَشْعر النورانيون حلاوة النصرِ ، فشدّ أحدهم قَوْسَه و ألقى بسَهمٍ ثمينٍ عبر الهواءِ .. ليستقر فجأةً فى صدرِ بلدوين .. ليَهوى صَريعاً .. فتدْهَسه الخيلٌ بحوافرها بلا تمييز ..و تبعثرتْ قواتٌ جوسلين بحثاً عن الفرارِ الثّمين ..
و هَكَذَا ، بَدَتْ المعركة غير متكافئةٍ ..
و خَيَّم السكون على المكان لفترةٍ قصيرةٍ ، لم يقطعها سوى الظهور المفاجئ لنور الدين وسط ميدانِ المعركةِ و هو يصيح:
* لقد فَرَّ جوسلين ..
ثم استدار بفرسه ، و انطلق عبر السهلِ المنحدرِ بسرعةٍ قٌصوى ..
العودة إلى الرّها
لم يشعر نور الدين - رُغم النصر - بالرَّاحة الأثيرة ، إذْ تضخم الشعور بالغضبِ فى صدره حتّى تشعّب فى أنحاءِ جسده ، وأمْسَى كالقدرِ الممتلئ بالماءِ فوق فوّهةِ الموْقِد المٌلْتَهِب ، تملأه الرّغبة فى صَبِّ جَام الغضب على رٌءٌوس أولئك الخونة ؛ الّذين آثَروا لأنفسهم حياة الذٌّلِ بعد ما رأوه من الحياةِ الكريمةِ فى ظِلِّ عماد الدين ، الرّجل الّذى منَحَهم من العِزّة ما يَجْذِب إليه حَنِين الأبالسةِ ، لكنَّ الّذى حَدَث غير ذلك ، فقد انْقَلبوا على أعْقَابِهم بِمٌجرَّد زواله ، و ظَنَّوا بذلك أنَّهم قد تَحَرروا .. و أصْبَحوا بلا قيدٍ ..
لقد أصرّ نور الدين ألاّ يكون بهم رحيماً - على غير عادته - و تفجّر البركان المتّقد فى المدينة بلا هوادة .. فأحالها خراباً ..
تعليق