قصيدة الغزل المنقوض
شعر : إبراهيم عبد الله
دراسة : الناقدة الجزائرية سعاد حمداش
ترجمتها إلى الفرنسية : الشاعرة المغربية نعمة محمد العربي
- 1 -
الْغَزْلُ الْمَنْقُوضُ
أَضَاءَ عُشُّ الْحَمَامَةِ بِهُدْهُدِ الْمُنَى،
غُلاَلَةٌ تَشِفُّ عَنِ السِّحْرِ
ابْتِساَمَةُ الهَيْتِ تُغاَزِلُ الشِّفاَهَ،
واللُّجَّةُ فيِ بَحْرِ الوَجْدِ
رَقْراَقَةً،
لِساَنٌ يَشْدوُ بالتِّيجاَنِ المُهْمَلَةِ،
يُغْريِ بالجَناَنِ المُعَلَّلِ.
/
تَتَبَرَّجُ الْحَماَمَةُ بِأَلْواَنِ الصَّباَبَةِ
عَطْشىَ،
و"العاَشِقُ" يَسْتَحِمُّ بِالثَّلْجِ؛
أَزِمَّةُ الشَّلاَّلِ عَلىَ جَبَلِ الْقُرْبِ
والأَبْواَبُ المُغَلَّقَةُ جُنوُنُ الصُّعوُدِ
والخاَتَمُ- العَفْوُ يُحَرِّكُ الحَجَرَ،
والأَغْصاَنُ المُخْبِتَةُ تُقَدُّ قُمْصاَنُهاَ مِنْ دُبُرٍ،
واللَّمْسَةُ الْمَحْموُمَةُ زِلْزاَلٌ،
بَحْرٌ يُناَديِ
والخُطْواَتُ تُهَرْوِلُ إِلىَ الْوَراَءِ،
العُيوُنُ السَّاحِرَةُ تَعْشوُهاَ البَراَءَةُ.
جَدَعَت العَذْراَءُ أَنْفَ التُّفاَّحَةِ المُحَرَّمَةُ.
/
فيِ المَآقيِ بَريِقُ كَسَلٍ مَوْروُثٍ
بَسْمَةُ إِشْفاَقٍ لِمُلْتِهَبَةٍ
تَزُقُّ حُبَيْباَت شَهْوَةٍ ناَئِيَةٍ
تَؤُزُّ جَسَداً يَحْتَضِرُ بَيْنَ الغَدِ وَالأَبَدِ،
العَيْنُ اللاَّمَّةُ مَقْبرَةُ الكِبْرِياَءِ
والكَيْدُ العَظيِمُ غَزْلٌ يُنْقَضُ.
/
تَغْضَبُ الحَماَمَةُ بُرْكاَناً ساَعَةَ الصِّفْرِ
تَرْميِ بِشَرَرِ النُّشُوزِ
بِلَظىَ الَّصَّمْتِ الرَّهيِبِ،
سُراَدِقُ العَذاَبِ يُحْفَرُ بِمِنْقاَرِ الأَسىَ،
علَى وَصيِدِ البُعْدِ
يَنوُءُ الكَليِمُ
بِأَغْلاَلِ الوَشْيِ المَهْدوُرِ.
إكْسيِرُ الغُروُبِ
يُحَوِّلُ النَّصوُحَ غِسْليِناً يَخْنُقُ الشَّذاَ.
/
هَذَياَنُ الشَّهْوَةِ
يَكْتُبُ علَى النَّهْدَيْنِ
خَبَلَ الحِرْماَنِ،
والهُدْهُدُ بالأَناَمِلِ المَسْجوُرَةِ
قِنْديِلٌ يَتَلَأْلأُ
يَشُقُّ عَتَمَةَ الطوُّفانِ.
- 2 -
قسم الدراسة
لعبة الكلمات وعمق المعنى
في قصيدة "الغزل المنقوض"-
للشاعر ابراهيم عبد الله
بقلم : سعاد حمـــداش
اكتنف عالم الشعر الحديث بتقنية تعبيرية مغايرة لما هو مألوف، فأضحت كلمات القصيدة تتشبث بعمق المعنى وغموض الدلالة مما يستدعي آلية فكرية تأملية تسعى لتفكيك رمزية القصيدة وحل لغزها . فتلك هي جمالية الشعر ولذّة القراءة .
إلاّ أن قضية الغموض بالنسبة للبعض آلية إجرائية تبعد القارئ من ساحة القراءات الشعرية. وفي الحقيقة أن غموض القصائد المعاصرة تتعب القارئ "العامي" في ولوج عالم النص، لكن الغموض يبقى تقنية أساسية في الشعر الحديث وحافز تفكيري للقارئ "المنبه" لتفكيك طلاسم النص وترويضها وخاصة مع قصيدة النثر. فأول المدافعين عن الغموض هي "نازك الملائكة" رائدة الشعر الحر التي اعتبرت الغموض جزءا أساسيا من حياة النفس البشرية وأن التجربة الشعرية هي من يفرض ذلك.
وفي هذا الشأن يقول الجرجاني: " ليس في الأرض بيت من أبيات المعاني لقديم أو محدث إلاّ ومعناه غامض مستتر". ويضيف رومان ياكبسون : "إن الغموض أحد خصائص النص الحديث وأنه الصفة الداخلية التي لا يمكن أن تمحى من كل رسالة تتمحور حول ذاتها". كما نجد صاحب الشعرية البلاغة "جون كوهن " يقول: إن الغموض في القصيدة أساسي بالنسبة إليها .
إذن فالغموض عملية إبداعية وقوة إدراكية للتجربة تتيح لنا رؤية عمق عالم مدهش مُصاغ بصورة جذابة تعكس قيمة الإبداع.
ومن بين القصائد التي أعتبرها صورة قوية لفكرة الغموض المبدع في قصائد النثر هي قصيدة "الغزل المنقوض" للشاعر المغربي "إبراهيم عبد الله".
فأول شيء يثير انتباه القارئ في هذه المساحة الشعرية وميض الغموض الذي يقف حاجزا أمام القارئ ليمسك بمعنى القصيدة. فيأخذ الغموض بالقارئ إلى شكل آخر تتعقد فيه الصورة الفنية وتتنافر معها صورة وجه الشبه بين المشبه والمشبه به مما يبعد الدال عن مدلوله أكثر.
لكن كل ما يلاحظه القارئ من غموض ينسجم وأنساق النص في ذهنية المتلقي ومخيلته في نطاق الموسوعة المعرفية الخاصة والمستثمرة من أجل تكوين قراءة تأسيسية تندمج وتقنيات منهجية يعتمدها الشاعر ليجسّد نوعا من الجمالية الإدراكية .
فالقصيدة أنموذج واضح للغموض الفني في كسر العلاقات اللغوية التي تسعى لصياغة انزياحات أسلوبية تُكوّن جمالية شعرية في تجربة صوفية وأسطورة إسلامية جميلة الصورة ومعبّرة المعنى .
بالتالي يحتاج القارئ إلى استيعاب كامل وفهم شامل للعلاقات المنشأة بين الكلمات والصورة الشعرية والتناسق اللغوي والتشكيل السردي وخاصة المرجع وعلم الدلالة التي استندت عليه القصيدة .
إنّ قصيدة "الغزل المنقوض" تُجسّد نوعا من الطراز الأسطوري والأسطورة كما عرّفها "رولان بارث" لغة و نظام سيميائي. وهذا الطابع الأسطوري للقصيدة فرض على الشاعر اقتناء لغة خاصة من نوعها يعود أصلها إلى التعقيد بسبب تشعب الروافد الفكرية التي تتمحور عليها القصيدة وانتمائها لأكثر من حقل معرفي نهل منه الشاعر ليتحكّم في صياغة رؤيته الشعرية، وهذا يفرض على المتلقي أيضا اعتماد سنن قراءة مختصة في التعامل مع شعرية النص .
فالكتابة هنا بأسرها ضرب من لعبة الكلام المغترب وعلاماتها بحاجة إلى أن تُحوّل إلى كلام ومعنى واضح يقصده الشاعر .
تصور لنا لغة القصيدة عالما خاصا برؤية حسية جسّدها الشاعر عبر لعبة الكلمات التي تُمارس بين تفاعل العناصر التي تتحرك في انسجام عبر علاقات استبدالية .إذ يقول "هُمْبولْديت" أن كل لغة يجب أن يُنظر إليها على أنها وجهة نظر معينة للعالم وبحث في الشكل الداخلي الذي يفترق فيه الحدث الأصلي الذي تتشكّل فيه لغة أخرى.
فالشاعر سكن اللغة وصاغ عالما خاصا يتمحور مضمونه –القصيدة- حول مسألة غرامية ببصمة إغرائية خائبة تجمع بين حمامة تهيم صبابة تستثمر كل ما تملكه من جمال لتستضيف عاشقها الولهان فتحاول أن تغريه بابتسامة "الهيت" لكن العاشق يخلف وعدها لعفته وطابعه الصوفي الذي يُبعده عن الشهوات .
سوف نكمل بقية القصة مع تتبع الانزياحات الشعرية والشدّة الإستعارية في مقاطع القصيدة التي تكتنف ببعض من الإيغال في فنية الغرابة والغموض إذ يقف القارئ مع حرفية الكلام ستتسع المسافة بين الدال والمدلول والشكل والمضمون دون الإمساك بأية دلالة لما تجمع المفردات من غموض وتوتر استعارة-كناية- تنجم عن علاقات جديدة بين كلمات عقدها الشاعر .
استهلّ الشاعر حبكته السردية ورؤيته الشعرية بسرور الحمامة بحبيبها الذي أنار عشّها ولتسعى الحمامة بتثبيت عشيقها اعتمدت وسائل إغرائية تجذبه نحوها في قول الشاعر: [ غلالة تشف عن السحر] جسّد الشاعر هنا نوعا من التركيب الجمالي بين الكلمات عبر تفاعل فني يُجسد إغرائية باهرة من طرف الحمامة التي تكتسي لباسا شفافا يكشف عن السحر، والسحر لعبة شعرية تعبّر عن جمالية الجسد وقوة إغرائه .
تواصل الحمامة مناداتها الغزلية بابتسامة" الهيت" التي تغازل الشفاه فيصف الشاعر حالتها قائلا:[ واللجة في بحر الوجد رقراقة] هنا صورة شعرية انزياحية خارقة للمألوف. وكأن عواطف الحمامة الجياشة وشهوتها القوية كلطمة الموج العنيف التي تغرقها في بحر الحب والصبابة المتلألئة فأضحى لسانها يشدو إغراءا بمفاتنها . وعليه[ تبرجت الحمامة بألوان الصبابة عطشى] بمعنى أن حرارة شوق العاشقة ورقتها كانت متأججة وعطشى مشتاقة لحبيبها وتتزين له بهذا الشوق المتعدد عساها تخلب لبه لكن ردة فعل حبيبها ستكون سلبية في قول الشاعر كناية على برودة الهدهد[والعاشق يستحم بالثلج] رغم [أزمة الشلال على جبل القرب] والشلال كناية عن الشهوات الدافعة والعشق القوي الذي يجذب للقاء، لكن عفة العاشق تمنعه من القربان .
نلاحظ هنا لعبة الكلام التي تجعل من الحالة العاطفية تتنافر بين الجبل والقرب ؛
فالمحبوب مولع بالحمامة ويتمنى قربها لكن قربه من المولى العزيز جعل من مسافة قريبة جدا من الحمامة جبلا من البعد . يواصل الشاعر كلامه الفني ولعبته الشعرية قائلا: [والأبواب المغلقة جنون الصعود ] بين لعبة الكلمات هذه وتفاعلها مرجع أسطوري مقتبس من القرآن الكريم مع حادثة النبي" يوسف" عليه السلام [وغلقت الأبواب وقال هيت لك ] بمعنى الأبواب المغلقة حافز يثير جنون شهوة العاشق ليصعد جبل القرب .
التبرج والإغراء كان مستمرا، لكن العاشق المفترض لا يستجيب، العاشقة تشتعل صبابة والعاشق بارد كالثلج . وما جعله كذلك القرب من الحضرة الذي يمسك أزمة شلال شهوته. يذكّرنا هذا بما وقع ليوسف عليه السلام حين غلقت عليه زليخة الأبواب بجنونها فامتنع فكان ذلك سببا في صعوده وارتقائه دنيا وآخرة .
فنلاحظ أن الشاعر اقتبس لغة قرآنية نية في استرجاع حدث إسلامي يحمل قيمته التاريخية والأخلاقية؛ مثل القصة التي يحكيها الرسول الكريم عن رجل امتنع عن فض خاتم ابنة عمّه عندما جاءت تطلب منه مالا، فعفا عنه وفرج عليه يوما في مغارة حيث حرّك الحجر .
كما تذكر الهدهد العاشق شبابا يعرفهم قالوا للخطيئة لا، رغم قرب المورد. فكأن قمصانهم تقد من دبر مستعيدين قصة العفة الخالدة؛ قصة يوسف عليه السلام. .
فكان هذا الاستذكار حاجزا في ردع نار الشهوة التي تتأجج في نفسية العاشق.
ومع المقطع الثالث من القصيدة تتحوّل حالة العاشق إلى بريق كسل وبسمة إشفاق على حمامة تلتهب صبابة والتي تطعمه الشهوة كما تطعم الحمامة فراخها فتحرك جسدا كأنه ميت في قول الشاعر [ تزقّ حبيبات شهوة نائية] نجد في الكلام لعبة توتر الاستعارة حيث جعل الشاعر من الشهوة طعاما كالحبيبات وما يجمع الحبيبات والشهوة هو سمة التدفق لكنه تدفق نائي يتنافر من وصل العاشقين .
فجأة يتحوّل إغراء الحمامة كيدا عظيما حين نقض غزلها إذ تصبح الحمامة بركانا يتأجج غضبا، فتتعالى على حبيبها وتتجاهله باستمرار "فترمي بشرر النشوز "؛ نلاحظ في قول الشاعر هنا تركيبا انزياحيا يتفاعل ولعبة الكلام الفني . فكيف يكون الشرر شيئا يُرمى؟ جمع الشاعر بين الرمي في حركته والشرر في جماده وسكونه فألّف صورة فنية جميلة، إذ تغضب الحمامة وتعلو على حبيبها إساءة فترمي عليه بشرارة الأكاذيب. وبمكرها يغدو العسل الخالص كالغسلين الذي يخرج من أجساد الكفار في النار من قبح ودم وصدي يخنق شذا الوصل .
يختتم الشاعر قصيدته بقول فني رائع يحمل عبرة تتماشى والسير الشعبية المترددة على ألسنة العشّاق .
هذيان الشهوة
يكتب على النهدين
خبل الحرمان
والهدهد بالأنامل المسجورة
قنديلا يتلألأ
يشق عتمة الطوفان
وصف فائق لحالة العاشقين في تأجج شهوتهما التي حُرمت من وصل الأحبة، فكانت الشهوة تلحّ كالهذيان فيلجأ الهدهد الولهان لإحراق أصابعه رغبة في قمع شهوته فأضحى قنديلا يتلألأ يشقّ عتمة الشهوة المجنونة .
هكذا غصنا في عالم اللغة الشعرية مع قانون المشابهة ولعبة الاستبدالات التي تجعل الشاعر يمنح الأسماء أوصافا جديدة يبني بها علاقات فنية تتحرّك داخل فضاء دلالي لا متناهي بين جمالية الأسطورة وفنية المنحى الصوفي الذي يجعل نص"الغزل المنقوض" نصا قابلا للكتابة على حد تعبير "رولان بارث".
فالكتابة في هذا النص كتابة واعية بذاتها لكونها لعبة فنية قوامها التجربة وسندها التأويل الذي يجعل النص نصا ناطقا بكل ما يكمن فيه من صياغة بناء جديد عبر سيمات تعبيرية كالتكثيف والرمز والأسطورة والمفاجأة ... التي تندمج وسياق النص لتؤلف لنا عالما يكتنفه الغموض لكنه غموض لذيذ يحفّزنا لاكتشاف التجربة الشعرية فيه والتي هي وليدة عملية معقّدة تشمل مجموعة من الظواهر الفنية كالرمز والتداخل النصي الذي يجعل من قراءة النص ذاته ظاهرة تحتاج لبحث معمّق يكشف لعبة الكلام وعمق الدلالة بين ثنائية التقرير والإيحاء .
وعليه فهذا النص الشعري يجسّد نوعا من المعنى العميق والفكر التأملي المتعدد الرؤى وهو ما يجعل من فسيفساء نصه لعبة اشتغال الفكر عبر علاماته الرمزية التي تحمل فكرة جمالية وقيمة أخلاقية .
- 3 -
الترجمة
Le filage défait
La huppe des espérances
a illuminé le nid de la colombe,
Une tenue qui dévoile du charme
Un sourire enjôleur fleuri sur les lèvres.
La noyade est translucidité
dans l’océan de la passion.
Une langue qui chante les trônes délaissés,
et tente aux paradis aspiré.
/
La colombe se pare de couleurs de passion,
assoiffée
L’amant se baigne dans la glace,
Une cascade enrênée dans une montagne de l'approche
Les portes closes induisent la folie de L’ascension
Le pucelage pardonné fait bouger le rocher
Les branches sereines sont tirées par derrière;
Le toucher brulant
soulève un tremblement,
un océan attirant.
Les pas courent à reculons
Et ces yeux ensorceleurs aveuglés par l’innocence
La vierge a amputé la pomme interdite.
/
Dans les yeux une lueur d’une paresse héritée
Un regard piteux envers l’enflammée
Nourrit des germes de désir lointain
Tente un corps en agonie entre le lendemain et l’éternité
Le mauvais œil est le cimetière de l’orgueil
Et la grande fourberie est un filage qui se défait.
/
À l'heure zéro, tel un volcan
la colombe se met en colère
Jette des étincelles d'hostilité
des flammes de l'horrible silence
le bec du chagrin creuse Le pavillon des tourments
à l'entrée de l'éloignement;
la hutte succombe sous de futiles médisances.
L'élixir du coucher
Transforme la netteté en puanteur qui étouffe le parfum.
/
Le délire du désir
Transcrit sur les seins
La folie de la privation
La hutte aux doigts brulés
Est une lanterne qui brille
Qui trouve son chemin
Dans les ténèbres de l'inondation.
تعليق