تباطأت حركة السيارة و تقطعت، ثم أطلق محركها لهاثه الأخير محشرجا قبل أن يتوقف تماما غير عابئ بكل محاولات كريم لإنعاشه!
زفرت في حدة، كدت أنطق لكنه استبقني قائلا بتوتر:
- أعرف، أعرف ! لقد أخبرتيني أن هذا بالضبط ما سيحدث فلم أغترف من بعد نظرك و حكمتك النادرة!
حدجته بنظرة تعتمل بكل غيظي قبل أن أشيح بوجهي تجاه النافذة عاقدة ذراعيّ أمام صدري و ألزم الصمت،
دفع الباب و ترجل إلى مقدمة السيارة يرفع غطاءها محاولا سبر أغوارها.
ها هي ذي مغامرة فاشلة أخرى!
لماذا عليّ احتمال هذه الكتلة الخربة طريقا طويلا من الإسكندرية حتى الفيوم فقط كي نصحب الأولاد من عند خالته ثم نعود!
هانحن أولاء نقف وسط المجهول عند الفجر، لا يدري بنا أحد و لا يعلم مصيرنا أحد!
زفرت من جديد و شعرت بملامحي كلها تتقلص، تتشنج حول الغصة التي تكونت في حلقي و استهانت بكل محاولاتي لابتلاعها، ازدادت قوة و إيلاما و كادت أن تخنقني، دفعت بابي خارجة، لقيني الهواء البارد يتلمسني في رفق، يمسح عني شيئا من توتري، تنفست بعمق و التفت لي زوجي للحظة فأشحت مبتعدة عن عينيه، سيرى احتقان وجهي و دموعي التي طفرت من عينيّ على الرغم مني، و لن ننتهي!
- الأمر ليس بتلك البشاعة!
قالها كأنما يقرأ أفكاري..
- على أسوأ الفروض سننتظر قليلا حتى يستيقظ عطية ابن خالتي و نكلمه فيأتي ليصحبنا، لقد اقتربنا من الفيوم على كل حال، و معنا ترمس الشاي و الإفطار، عديها نزهة خلوية.
منحته ابتسامة غير ذات معنى بزاوية فمي قبل أن أبتعد عنه..
أتنهد من أعماقي، في نفسي تتردد عبارته بصوت المنطق:
" الأمر فعلا ليس بهذه البشاعة!"
فلماذا إذن يتآكلني الغيظ هكذا؟!
لماذا ما أنفك أصب وابل غضبي على رأسه، ألقي فوق عاتقه اللوم كل يوم على أي شيء يحدث لي حتى التلوث و الزحام و سوء الأحوال الجوية!
و كلما واتتني الفرصة صرخت أعماقي في وجهه بغير صوت: "أنت السبب!"، السبب في ماذا؟ لست أدري، السبب لماذا؟ أيضا لست أدري!
هل مر زمان طويل لهذه الدرجة حتى نسيت ما الذي أغضبني منه في البداية؟!
أو هي لم تكن سوى هنات صغيرة متفرقة تراكمت الواحدة منها فوق الأخرى عبر السنين و تعاظمت، زادها الصمت قوة و تأثيرا حتى حجبت عن قلبي نور الشمس و الهواء الطلق، غطت على كل شيء، أضاعت مني كل شيء، لم أعد أميز في أعماقي ملامحه، و لا ملامح السعادة التي كنت أحياها يوما، و لا ملامح الحب القديم.
انتزعني من تأملاتي صوت انغلاق غطاء المحرك، اقترب مني كريم و هو يمسح كفيه في خرقة قائلا:
- مات من زمن و لا أمل في إنعاشه!
تأملته مشدوهة، أحقا مات؟
أحقا لا أمل في إنعاشه؟!
ألا تذكر عندما كنت تقف لساعات أمام بيتي تنتظرني حتى أخرج مع أبي إلى المدرسة الثانوية، ثم ترضى بعد ذلك مني بنظرة عابرة أو ابتسامة خجلى، يتهلل وجهك بفرحة كأنها فرحة العيد، ثم تمضي بعدها إلى كليتك سعيدا.
أو عندما خضت في غمار المفاوضات مع أبي معركة حامية دامت سنوات أربع من أجل أن تخطبني، هو يأبى لضيق ذات يدك و انت تحاول من جديد، حتى اعترف لي ذات يوم أنه وافق فقط من فرط إلحاحك، و ربت على كتفيّ قائلا بحنان لم أعتده كثيرا:
- لم أر في حياتي حبا كهذا، ربما استطاع بالفعل إسعادك!
أفقت على اختراق عينيه لأعماقي، تراجعت بحدة على الرغم مني، على وجهه كانت تلك الابتسامة الهادئة التي أعرفها جيدا و هو يقول:
- كنت أعني المحرك!
ملأني الحنق، لقد قرأ أفكاري من جديد كعادته التي أكرهها، و أكره نفسي حين يفعلها!
ميرا صديقتي تقول إنها تعجب لأمري، تقول إنها تتمنى و لو لمرة واحدة في حياتها أن يقرأها زوجها بهذا الوضوح !
ربما! لكن ما يحنقني حقا هو أنه لا يفعل شيئا بعدها، يعلمني أنه يعلم، ثم يبتسم و يصمت كأنما لم يعلم!
عاد يقطع أفكاري قائلا:
- هذا المكان! يبدو مألوفا جدا..
كان يتأمل ممرا ضيقا يمتد ملتويا بين الحقول على جانب الطريق السريع، تحفه الأشجار من الناحيتين فلا تبدي إلى أين يفضي، تلقي بظلالها في سخاء فلا تسمح لضوء الفجر المنشق بالنفاذ إلا كنقاط متفرقة تاركة الطريق غامضا مهيبا، و لا يمتد البصر خلالها إلا ليتوقف عند ساقية خشبية قديمة قد دفن نصفها في الأرض الطينية و تجمعت فوقها أطنان من العيدان و الغبار و أوراق الشجر المتساقطة خريفا بعد خريف، فتشقق خشبها و تعفن، لكنها لم تبرح بعد مكانها، ظلت تقف كعلامة أو كجزء من التاريخ تعلن عن ترعة كانت هنا ذات يوم.
لدهشتي الشديدة ملأني ذات الشعور الغامض بأنني أيضا قد رأيته من قبل!
ومضات غامضة تذكر أنني مشيت يوما في هذا الطريق الملتوي، و رفعت بصري أتأمل تلك الأشجار الوارفة، و أعجبتني ظلالها التي تلقيها على الأرض طول الطريق،
و ومضة أخرى تذكر تلك الساقية الصغيرة، تذكرني و أنا أمد يدا مترددة أربت على جيد الحمار الذي يدورها بينما يحثني أبي أن أنتبه جيدا من الأرض الزلقة كيلا أسقط في الترعة!
نظرات نابعة من عيني فتاة صغيرة، تملأها الإثارة و الدهشة، و الكثير من السلام.
أين كانت كل تلك الصور تختفي في طيات ذاكرتي؟ و كيف لم أذكرها أبدا إلا اليوم؟
دون أن أشعر وجدتني و قد حواني الطريق أنا و كريم نتوغل فيه كالمنومين، نتأمل كل ما حولنا في دهشة صامتة تحفنا الأفرع الخضراء المتشابكة، و نسيم الفجر و شقشقة العصافير، لم يمض وقت طويل حتى ظهر بناء صغير يبرز وسط أرض واسعة يحاوطها سور حديدي تآكله الصدأ و رانت عليه الفطريات حتى اخضر لونه و تفككت أوصاله، و ثمة فتحة واسعة في السور و قد التصقت به بقايا مفاصل حديدية صدئة..
في خلفية ذاكرتي أرى بوابة ضخمة سوداء يفتحها أمامي فلاح أسمر معروق يبتسم في طيبة و يلهج بعبارات الترحيب.
نادى كريم:
- هل من أحد هنا؟
كانت الإجابة واضحة لكنه أراد الاطمئنان.
و هكذا مررت إلى جواره عبر الفتحة في حذر، جسدي كله تشمله رعشة قوية، على الممر المرصوف بالحجر مشينا، و مشت عيوننا تتفحص الحديقة المنصرمة، كلما توغلنا أكثر بين الأطلال كلما عادت إلى وعيي صورة قديمة أخرى..
حديقة غناء واسعة تملأها أشجار المانجو و الجوافة و نخيل البلح الأحمر، و حوضان واسعان عن يمين و يسار الممر المرصوف يفرشهما النجيل و تتوزع فيهما أزهار الربيع و الورد الأحمر و الفل و القرنفل و البانسيه.
و فيلا صغيرة من دورين كانت في عينيّ الطفلتين قصرا منيفا، على جانبي الدرجات القليلة عند المدخل تقف شجرتا ياسمين هندي وارفتان تنضحان بما تحملان من الأزهار فتتساقط على الدرجات و حول المدخل و على رؤوس من يعبر، مرحبة أيما ترحيب بكل القادمين.
ثم تكعيبة العنب..
التفت يسارا فجأة هاهي بقايا الخشب و بعض عيدان النبات الجافة تتدلى كديدان من أعلى، هنا كانت التكعيبة التي أحببتها كثيرا و اعتدت أن أجلس في ظلها مع جدي يحكي لي حكاياته المشوقة، الآن تذكرت!
صحت بلا إنذار:
- انه مبنى استراحة الري! أعني كان كذلك، كان أبي يصحبني إلى هنا لرؤية جدي رحمه الله حين كان مفتشا بالري.
رحت أقفز و قد ملأني جذل مفاجئ، و أجري إلى الساحة الخلفية..
- هنا كانت ساحة واسعة يفرشها النجيل و وسطها استقامت خميلة رائعة، أما هناك... آه!
صحت بغتة حين تعثرت قدمي و سقطت.
هرع كريم نحوي جزعا، لم يصبني أذى لكنني كنت أتألم و قد التوى كاحلي..
- أنا بخير!
قلتها بصوت يكاد يبكي بينما انحنى هو يفحص قدمي و يدلكها باهتمام، ابتسمت بحنان، رحت أراقبه في صمت لكن قلبي كان يخفق بصوت مسموع، شعرت بدفء يغمرني حين اقترب مني، دفء لم أتوقعه لكنه أعجبني، و دفعني لأن أهمس في نشوة:
- كنت على وشك أن أريك أين أخفي الكنز!
رفع لي رأسه بغته و سألني مشدوها:
- أي كنز؟
أطلقت ضحكة صغيرة قبل أن أقول:
- كان كنزا بالنسبة لي آنذاك، في الحقيقة لم يكن سوى...
قاطعني متمتما:
- مجموعة من البلور الملون ؟!
تفجرت دهشتي!
مسألة قراءة الأفكار هذه زادت عن حدها!
صحت في ذهول:
- بالله كيف عرفت؟!
أشرقت على شفتيه ابتسامة واسعة و هو يقول مبهورا و قد تذكر أيضا:
- الآن تذكرت لم يبدو هذا المكان مألوفا! كنا في رحلة مع المدرسة لزيارة القاهرة، و تعطلت الحافلة بالقرب فأتى بنا الأستاذ إلى هنا حتى يصلحونها..
المزيد من الصور تتدافع إلى عقلي و لا أكاد أصدق بينما يتابع هو:
- كانت حفيدة المفتش لطيفة حقا! أصغر مني بكثير لكنني لسبب ما رقت لها أكثر من الجميع، أخذتني من يدي و همست لي بنفس اللهجة: سأريك أين أخفي الكنز.. قطعة واحدة أعجبتني بالتحديد..
تمتمت بأنفاس ملهوفة:
- يا إلهي!
نظر في عيني مباشرة، مد يده في جيبه و أخرج سلسلة مفاتيحه، اتسعت عيناي و كتمت بكفي صيحة مفاجأة، فأمام عيني كانت تتدلى بلورة زرقاء وسط السلسلة، أليس عجيبا أن تظل ترى شيئا ما لسنوات دون أن تراه!
تابع هو في صوت متهدج:
- منحتني إياها بسخاء، قالت: إحفظها في مكان أمين!
شملتني رعشة قوية و ثار في عروقي انفعال يعصف بالعاطفة..
شعرت بالدموع تملأ مقلتيّ و بأنامله تمسحها بحنان عن خدي، تشاركنا في نظرة طويلة حارة كأنها النظرة الأولى، خفق قلبي بقوة حين حوتني زرقة عينيه الصافية و حنانهما المغرق، تنفست بعمق عبير أنفاسه القريبة و أسبلت عيني و أنا أسمعه يهمس لي بصوت باسم:
- هل أنت جائعة؟ مازالت سلة الإفطار تنتظر.
فتحت عينيّ أملأهما من ملامحه الحبيبة من جديد..
دون أن أفكر ملت أتعلق في رقبته و تركته يحملني بين ذراعيه إلى حيث يشاء.
* * *
زفرت في حدة، كدت أنطق لكنه استبقني قائلا بتوتر:
- أعرف، أعرف ! لقد أخبرتيني أن هذا بالضبط ما سيحدث فلم أغترف من بعد نظرك و حكمتك النادرة!
حدجته بنظرة تعتمل بكل غيظي قبل أن أشيح بوجهي تجاه النافذة عاقدة ذراعيّ أمام صدري و ألزم الصمت،
دفع الباب و ترجل إلى مقدمة السيارة يرفع غطاءها محاولا سبر أغوارها.
ها هي ذي مغامرة فاشلة أخرى!
لماذا عليّ احتمال هذه الكتلة الخربة طريقا طويلا من الإسكندرية حتى الفيوم فقط كي نصحب الأولاد من عند خالته ثم نعود!
هانحن أولاء نقف وسط المجهول عند الفجر، لا يدري بنا أحد و لا يعلم مصيرنا أحد!
زفرت من جديد و شعرت بملامحي كلها تتقلص، تتشنج حول الغصة التي تكونت في حلقي و استهانت بكل محاولاتي لابتلاعها، ازدادت قوة و إيلاما و كادت أن تخنقني، دفعت بابي خارجة، لقيني الهواء البارد يتلمسني في رفق، يمسح عني شيئا من توتري، تنفست بعمق و التفت لي زوجي للحظة فأشحت مبتعدة عن عينيه، سيرى احتقان وجهي و دموعي التي طفرت من عينيّ على الرغم مني، و لن ننتهي!
- الأمر ليس بتلك البشاعة!
قالها كأنما يقرأ أفكاري..
- على أسوأ الفروض سننتظر قليلا حتى يستيقظ عطية ابن خالتي و نكلمه فيأتي ليصحبنا، لقد اقتربنا من الفيوم على كل حال، و معنا ترمس الشاي و الإفطار، عديها نزهة خلوية.
منحته ابتسامة غير ذات معنى بزاوية فمي قبل أن أبتعد عنه..
أتنهد من أعماقي، في نفسي تتردد عبارته بصوت المنطق:
" الأمر فعلا ليس بهذه البشاعة!"
فلماذا إذن يتآكلني الغيظ هكذا؟!
لماذا ما أنفك أصب وابل غضبي على رأسه، ألقي فوق عاتقه اللوم كل يوم على أي شيء يحدث لي حتى التلوث و الزحام و سوء الأحوال الجوية!
و كلما واتتني الفرصة صرخت أعماقي في وجهه بغير صوت: "أنت السبب!"، السبب في ماذا؟ لست أدري، السبب لماذا؟ أيضا لست أدري!
هل مر زمان طويل لهذه الدرجة حتى نسيت ما الذي أغضبني منه في البداية؟!
أو هي لم تكن سوى هنات صغيرة متفرقة تراكمت الواحدة منها فوق الأخرى عبر السنين و تعاظمت، زادها الصمت قوة و تأثيرا حتى حجبت عن قلبي نور الشمس و الهواء الطلق، غطت على كل شيء، أضاعت مني كل شيء، لم أعد أميز في أعماقي ملامحه، و لا ملامح السعادة التي كنت أحياها يوما، و لا ملامح الحب القديم.
انتزعني من تأملاتي صوت انغلاق غطاء المحرك، اقترب مني كريم و هو يمسح كفيه في خرقة قائلا:
- مات من زمن و لا أمل في إنعاشه!
تأملته مشدوهة، أحقا مات؟
أحقا لا أمل في إنعاشه؟!
ألا تذكر عندما كنت تقف لساعات أمام بيتي تنتظرني حتى أخرج مع أبي إلى المدرسة الثانوية، ثم ترضى بعد ذلك مني بنظرة عابرة أو ابتسامة خجلى، يتهلل وجهك بفرحة كأنها فرحة العيد، ثم تمضي بعدها إلى كليتك سعيدا.
أو عندما خضت في غمار المفاوضات مع أبي معركة حامية دامت سنوات أربع من أجل أن تخطبني، هو يأبى لضيق ذات يدك و انت تحاول من جديد، حتى اعترف لي ذات يوم أنه وافق فقط من فرط إلحاحك، و ربت على كتفيّ قائلا بحنان لم أعتده كثيرا:
- لم أر في حياتي حبا كهذا، ربما استطاع بالفعل إسعادك!
أفقت على اختراق عينيه لأعماقي، تراجعت بحدة على الرغم مني، على وجهه كانت تلك الابتسامة الهادئة التي أعرفها جيدا و هو يقول:
- كنت أعني المحرك!
ملأني الحنق، لقد قرأ أفكاري من جديد كعادته التي أكرهها، و أكره نفسي حين يفعلها!
ميرا صديقتي تقول إنها تعجب لأمري، تقول إنها تتمنى و لو لمرة واحدة في حياتها أن يقرأها زوجها بهذا الوضوح !
ربما! لكن ما يحنقني حقا هو أنه لا يفعل شيئا بعدها، يعلمني أنه يعلم، ثم يبتسم و يصمت كأنما لم يعلم!
عاد يقطع أفكاري قائلا:
- هذا المكان! يبدو مألوفا جدا..
كان يتأمل ممرا ضيقا يمتد ملتويا بين الحقول على جانب الطريق السريع، تحفه الأشجار من الناحيتين فلا تبدي إلى أين يفضي، تلقي بظلالها في سخاء فلا تسمح لضوء الفجر المنشق بالنفاذ إلا كنقاط متفرقة تاركة الطريق غامضا مهيبا، و لا يمتد البصر خلالها إلا ليتوقف عند ساقية خشبية قديمة قد دفن نصفها في الأرض الطينية و تجمعت فوقها أطنان من العيدان و الغبار و أوراق الشجر المتساقطة خريفا بعد خريف، فتشقق خشبها و تعفن، لكنها لم تبرح بعد مكانها، ظلت تقف كعلامة أو كجزء من التاريخ تعلن عن ترعة كانت هنا ذات يوم.
لدهشتي الشديدة ملأني ذات الشعور الغامض بأنني أيضا قد رأيته من قبل!
ومضات غامضة تذكر أنني مشيت يوما في هذا الطريق الملتوي، و رفعت بصري أتأمل تلك الأشجار الوارفة، و أعجبتني ظلالها التي تلقيها على الأرض طول الطريق،
و ومضة أخرى تذكر تلك الساقية الصغيرة، تذكرني و أنا أمد يدا مترددة أربت على جيد الحمار الذي يدورها بينما يحثني أبي أن أنتبه جيدا من الأرض الزلقة كيلا أسقط في الترعة!
نظرات نابعة من عيني فتاة صغيرة، تملأها الإثارة و الدهشة، و الكثير من السلام.
أين كانت كل تلك الصور تختفي في طيات ذاكرتي؟ و كيف لم أذكرها أبدا إلا اليوم؟
دون أن أشعر وجدتني و قد حواني الطريق أنا و كريم نتوغل فيه كالمنومين، نتأمل كل ما حولنا في دهشة صامتة تحفنا الأفرع الخضراء المتشابكة، و نسيم الفجر و شقشقة العصافير، لم يمض وقت طويل حتى ظهر بناء صغير يبرز وسط أرض واسعة يحاوطها سور حديدي تآكله الصدأ و رانت عليه الفطريات حتى اخضر لونه و تفككت أوصاله، و ثمة فتحة واسعة في السور و قد التصقت به بقايا مفاصل حديدية صدئة..
في خلفية ذاكرتي أرى بوابة ضخمة سوداء يفتحها أمامي فلاح أسمر معروق يبتسم في طيبة و يلهج بعبارات الترحيب.
نادى كريم:
- هل من أحد هنا؟
كانت الإجابة واضحة لكنه أراد الاطمئنان.
و هكذا مررت إلى جواره عبر الفتحة في حذر، جسدي كله تشمله رعشة قوية، على الممر المرصوف بالحجر مشينا، و مشت عيوننا تتفحص الحديقة المنصرمة، كلما توغلنا أكثر بين الأطلال كلما عادت إلى وعيي صورة قديمة أخرى..
حديقة غناء واسعة تملأها أشجار المانجو و الجوافة و نخيل البلح الأحمر، و حوضان واسعان عن يمين و يسار الممر المرصوف يفرشهما النجيل و تتوزع فيهما أزهار الربيع و الورد الأحمر و الفل و القرنفل و البانسيه.
و فيلا صغيرة من دورين كانت في عينيّ الطفلتين قصرا منيفا، على جانبي الدرجات القليلة عند المدخل تقف شجرتا ياسمين هندي وارفتان تنضحان بما تحملان من الأزهار فتتساقط على الدرجات و حول المدخل و على رؤوس من يعبر، مرحبة أيما ترحيب بكل القادمين.
ثم تكعيبة العنب..
التفت يسارا فجأة هاهي بقايا الخشب و بعض عيدان النبات الجافة تتدلى كديدان من أعلى، هنا كانت التكعيبة التي أحببتها كثيرا و اعتدت أن أجلس في ظلها مع جدي يحكي لي حكاياته المشوقة، الآن تذكرت!
صحت بلا إنذار:
- انه مبنى استراحة الري! أعني كان كذلك، كان أبي يصحبني إلى هنا لرؤية جدي رحمه الله حين كان مفتشا بالري.
رحت أقفز و قد ملأني جذل مفاجئ، و أجري إلى الساحة الخلفية..
- هنا كانت ساحة واسعة يفرشها النجيل و وسطها استقامت خميلة رائعة، أما هناك... آه!
صحت بغتة حين تعثرت قدمي و سقطت.
هرع كريم نحوي جزعا، لم يصبني أذى لكنني كنت أتألم و قد التوى كاحلي..
- أنا بخير!
قلتها بصوت يكاد يبكي بينما انحنى هو يفحص قدمي و يدلكها باهتمام، ابتسمت بحنان، رحت أراقبه في صمت لكن قلبي كان يخفق بصوت مسموع، شعرت بدفء يغمرني حين اقترب مني، دفء لم أتوقعه لكنه أعجبني، و دفعني لأن أهمس في نشوة:
- كنت على وشك أن أريك أين أخفي الكنز!
رفع لي رأسه بغته و سألني مشدوها:
- أي كنز؟
أطلقت ضحكة صغيرة قبل أن أقول:
- كان كنزا بالنسبة لي آنذاك، في الحقيقة لم يكن سوى...
قاطعني متمتما:
- مجموعة من البلور الملون ؟!
تفجرت دهشتي!
مسألة قراءة الأفكار هذه زادت عن حدها!
صحت في ذهول:
- بالله كيف عرفت؟!
أشرقت على شفتيه ابتسامة واسعة و هو يقول مبهورا و قد تذكر أيضا:
- الآن تذكرت لم يبدو هذا المكان مألوفا! كنا في رحلة مع المدرسة لزيارة القاهرة، و تعطلت الحافلة بالقرب فأتى بنا الأستاذ إلى هنا حتى يصلحونها..
المزيد من الصور تتدافع إلى عقلي و لا أكاد أصدق بينما يتابع هو:
- كانت حفيدة المفتش لطيفة حقا! أصغر مني بكثير لكنني لسبب ما رقت لها أكثر من الجميع، أخذتني من يدي و همست لي بنفس اللهجة: سأريك أين أخفي الكنز.. قطعة واحدة أعجبتني بالتحديد..
تمتمت بأنفاس ملهوفة:
- يا إلهي!
نظر في عيني مباشرة، مد يده في جيبه و أخرج سلسلة مفاتيحه، اتسعت عيناي و كتمت بكفي صيحة مفاجأة، فأمام عيني كانت تتدلى بلورة زرقاء وسط السلسلة، أليس عجيبا أن تظل ترى شيئا ما لسنوات دون أن تراه!
تابع هو في صوت متهدج:
- منحتني إياها بسخاء، قالت: إحفظها في مكان أمين!
شملتني رعشة قوية و ثار في عروقي انفعال يعصف بالعاطفة..
شعرت بالدموع تملأ مقلتيّ و بأنامله تمسحها بحنان عن خدي، تشاركنا في نظرة طويلة حارة كأنها النظرة الأولى، خفق قلبي بقوة حين حوتني زرقة عينيه الصافية و حنانهما المغرق، تنفست بعمق عبير أنفاسه القريبة و أسبلت عيني و أنا أسمعه يهمس لي بصوت باسم:
- هل أنت جائعة؟ مازالت سلة الإفطار تنتظر.
فتحت عينيّ أملأهما من ملامحه الحبيبة من جديد..
دون أن أفكر ملت أتعلق في رقبته و تركته يحملني بين ذراعيه إلى حيث يشاء.
* * *
تعليق