تُرى أينَ أنتَ الآنَ يا صديقَ العُمرْ ؟
أفي صفاءٍ أنتَ أم في كدَرْ ؟
أفي ليلٍ طويلٍ مثلما كنتَ ؟
أفي حزنٍ عميقٍ...
وشدةٍ وضيق ٍ..وشجنْ ؟
أم دارَ الزمانُ دورتَهُ
وأعطاكَ وجهَهُ أخيراً
وأهداكَ لساناً ويداً
وأهداكَ عُمراً وقلباً وسَكنْ
أم هو عليكَ كما كان دوماً
وأنتَ كما أنتَ.. بلا مأوىً
غريبٌ رغمَ الزحام حولكَ
ومنفاكَ فى قلبِ الوطنْ
وثوبُك الأبيضُ..هلْ مازلتَ تلبسُهُ؟
ووجهُكَ الضحوكُ رغمَ عبوثِهِ!
وعيناكَ كالنهر حين يشيخُ
فهو يسري في انكسارٍ
فى يأسٍ ..فى وهَنْ
تمضي بنا الحياةُ
يا صديقي لنرىَ
أنَّ الأشياءَ كلَّّها تُباعُ وتُشترىَ
إلا عمرَ الحُرِّ..
فهو الوحيدُ الباقي بلا ثمنْ
لمْ تعطِكَ الحياة يا صديقي قيمة ً
فأرحامُ عصركَ أضحتْ عقيمة ً
أنتَ مَن أعطى قيمة الحياةِ لعُمرالزمنْ
أنتَ الذي بَرهنَ أنَّ الوجودَ فى دورتهِ
لا تتساوىَ فيه يدُ القتيلِ المدفونِ
ويدُ القاتل الآثم الذي دفنْ
ليتني ما قابلتكَ فى الحياةِ يوماً
فذكرياتي الجميلة معكََ
كثوْبِ عُرسٍ أمسىَ في عينيّ كفنْ
تُرى هلْ ستصلكَ هذي الكلماتِ يوماً
في أي أرضٍ أنتَ فيها
في أي سجنٍ...
في أي زنزانةٍ.. في أي زمنْ ؟!
***
لا تسألْ الأرضَ عن جوعِكَ
ولا تسألْ النيلَ عن عطشِكَ
واسألْ قضبانَكَ العنيدةَ
عن كرامةِ الإنسان ِ
فالأرضُ تبتلعُ زرعَها كمداً وحزناً
والنيلُ يرفضُ أن يكونَ قوّادًا
فيضنُّ بمائهِ العذبِ
ويكفرُ بالعالم والشطآن ِ
إنْ سألوكَ ما تهمتُكَ ؟
فقلْ لهم : سامِحوني فتهمتى خطيرةٌ جداً
إني كنتُ أتلو- خِلسة ً- آياتِ سورةِ (الرحمن ِ)!
قل لهم: إنَّها سورةٌ مدنيّةٌ
وآياتُها ثمانٍ وسبعونَ…
ولمْ يأتِ فيها ذكرُ العَسْكرِ
أوالحكومةِ أوالسُلطان ِ
قل لهم: إنِّي حينَ هَمَمْتُ بالقراءةِ
صرخَ الشيطانُ وفرَّ مِنِّي
فهلْ أنتم - يا دامَ عزُّكم - شياطينٌ...
أم أتباعُ الشيطان ِ؟!
ولتشربْ مَعيْنَ دموع حُزنِكَ صامتاً
فما كانَ حزنُك يا صديقى إلا
جُزءًا من بقايا الأحزان ِ
أنتَ ما عِشتَ من هذي الحياةِ يوماً
إذا قالو : إنَّ عمرَ الحياةِ...
سعادةُ أيامهِ مِقياسٌ للزمان ِ
فجزاءٌ من الله أوفى هُناكَ
أما جزاءُ السلطان الذي أرداكَ..
فشتّان بينهُما ..أيَّما شتّان ِ
***
سنينُ العُمر يا صديقي
تطحنُ الأحلامَ في أعماقِنا
كما تطحنُ الرحىَ حباتِ البُقلْ
وتمضي أقدامُ السُفهاءِ فوقَ رؤسِنا
لا تسمعُ أصواتِ صُراخِنا
تُسرعُ الخُطى بلا حياءٍ منها.. ولا خجلْ
فزمانُك زمنُ المهانةِ
قلت: (اللهُ أكبرُ) فاعتقلوكَ
فاسألْ عن زمانكِ
وعن المهانةِ في زمانكَ لا تسلْ
احدىَ عشرَ عاماً خلفَ القضبانِ
في تهمةِ (الله أكبر) ؟!!!
يا هذي البلدُ ....
كلُّ سلطانٍ إنسانٌ
ولكلِّ إنسانٍ أجلْ
يا هذي الحياة كمْ أنتِ رخيصة
يا هذا السجينُ في لا تهمةٍ
يا هذا النجمُ الذي تركَ المدارَ وأفلْ
ما زالَ قلبُكَ يتكسَّرُ خلفَ قضبانهِ؟
وفي عينيكَ الجسورتين...
يتوالدُ كلَّ صباحٍ جبروتُ الأملْ؟
الأملُ واليأسُ كانا عِندنا فيما مضى
اليومَ ظلَّ الأملُ حيّاً بيننا
واليأسُ عن بيتِنا يا صدييقي قدْ رحلْ
سنينُ العمر يا صديقي
تفترشُ الزُجاجَ المكسورَ لقدميْكَ
وأنت الضاحكُ الحافي !
الذى ما عرفَ شكلَ اليأس ولا طعمَ الكللْ
سنينُ العُمر يا صديقي
هي التي جمَعتنا فجأةً
هى التي فرَّقتنا خِلسةً
فانظرْ إلى الدهرِ
وما بنا قد فعلْ
فإلى هُنا تنتهي بيننا حكايتُنا
ويُسدلُ الستارُ على مسرحيتِنا
وكما كُنتَ دوماً فى دور البطولةِ ..لمْ تزلْ
فإذا كنتَ قد فارقتَ الحياةَ
وتركتَ الأرضَ ثكلىَ
فخيرُ القصدِ منكَ قد برَّرَ سوءَ العملْ
فكنْ لنا عندَ اللهِ حُجةً لظلِّ عرشهِ
فكلانا جادَ لأخيهِ بحبهِ في اللهِ
كلانا جادَ بحبهِ وما بخلْ
وإذا كنتَ على قيْدِ الحياةِ ..
فقد نلتقي...
فما زالَ فى حياتي -إلى لقياكَ- قيْدُ الأملْ
تعليق