أنا و هو و الهرة السمراء..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أسماء قدري
    عضو الملتقى
    • 03-09-2008
    • 32

    أنا و هو و الهرة السمراء..

    جذبته الرائحة فاقترب..
    ربما دون أن يدري أو أن يفكر..
    قادته قدماه كالمخدر إلى مطعم المشويات الصغير الرابض عبر شارعنا في ليلة باردة من أواخر شهر رمضان، و الدخان الأبيض الشهي يتراقص صاعدا من مدخنة المشواة و ينتشر في الهواء حتى لكأنني أتنفسه من مكاني و أنا قابع خلف الزجاج المغلق لنافذة منزلي أتناول سحوري شاردا بعينيّ عبر شارعنا الهادئ في ذلك الوقت المتأخر من الليل، و قد بدأ الزحام المعتاد يهدأ من حول المطعم الصغير حين تجاوزت الساعة الرابعة صباحا..
    ربما من أجل ذلك سمح لنفسه بالاقتراب،
    على استحياء ينقل عينيه المترددتين بين المشواة و بين عم حسين، صاحب المطعم الجالس أبدا خلف مكتبه الصغير..
    إنه ليس بمتسول،
    و لو لم يكن الجوع يمضي يمزق في أحشائه منذ الصباح لما تجرأ و اقترب..
    و يبدو أن عم حسين قد رق لثيابه الحائلة، و ملامح وجهه الزائلة، و شعره الأغبر و حدقتيه الغائرتين..
    أو أن روح رمضان الكريمة كانت قد تلبسته حينا، فنهض يلتقط شطيرة محشوة باللحم يفوح منها ريح الفحم، يلفها في ورقة و يدفع بها إليه..
    يتهلل وجهه المسكين باللهف و هو يتلقفها منه قبل أن يعود عم حسين إلى مكانه، و يتنحى الرجل جانبا،
    يحل الورقة متعجلا بأصابع ترتجف،
    و على الفور تنقض أسنانه تنتزع قضمة في ذيلها قضمة،
    لا يترك لنفسه فسحة للمضغ أو للابتلاع،
    اللهفة تقفز من عينيه، و من انحناءة كتفيه، و من إحكام قبضتيه حول الشطيرة،
    لا أخاله يوقفه شيء أو يجتذب انتباهه عنها و لو حتى قليلا،
    و على حين غرة تسللت إلى جواره هرة صغيرة سمراء، تتمسح في ساقيه متمسكنة، تستعطفه، أو أنها ترجوه..
    توقف لحظات يلوك بين شدقيه قطعة من الشطيرة و حاجباه يرتفعان و يرتجفان كأنما يشفق على نفسه من ثقل طلبها،
    و ضعفه أمام المسئولية التي تلقيها القطة بغير قصد على كتفيه،
    يتأملها صامتا و لسان حاله يقول في عجب:
    - لماذا اخترتني أنا بالذات؟!
    و هي ترنو إليه بأعين بكماء تكاد تجهش بالبكاء، يرتجف شعر جسدها الأشعث من فرط البرد و من قلة الزاد..
    حالها كمثل حاله المسكينة، جائعة شريدة حزينة..
    اجتذبتها رائحة الدخان هي الأخرى حين مزق أمعاءها الجوع و أعيتها الحيل لإيجاد الطعام،
    و لو أنها تمتلك ما تأكله لما تسولت شيئا من أحد!
    لكنه لم يضيع وقتا طويلا في التفكير، اقتطع لها من طعامه نصيبا و ألقاه إليها، فانقضت عليه تلتهمه في ثانية واحدة و تعود ترفع إليه رأسها في لهفة و ذيلها يتحرك من حولها،
    أتبعها بأخرى، ثم ثالثة،
    و راح يقضم قضمة له و قضمة لها حتى انتهت الشطيرة.
    عندها أمسك بالورقة الخاوية و قلّبها بين كفيه في أسف و شيئ من رضا بالقدر، فطأطأت رأسها و ماءت، ثم راحت تتمسح في ساقيه كأنما تواسيه أو تهوّن عليه،
    و في أمل متهاو مدّ عينيه مترددا نحو المطعم، لربما وسع باب رحمتهم شطيرة أخرى، أو حتى قطعة خبز خالية،
    أو أي شيء يملأ به فراغ أمعائه المتقلصة.
    عندها نظرت أنا إلى طبق طعامي العامر و توقفت اللقمة قبل أن تبلغ حلقي فأعدتها و قلبي يخفق متألما،
    بغير تفكير أسرعت أنهض إلى البراد أخرج ما به من بقايا طعام و بعض خبز ألفلفه على عجل مهرعا إلى الشارع في منامتي،
    بلهفة أبحث عن صاحب الهرة في كل مكان حول المطعم لكنني لا أجده!
    أجري هنا و أجري هناك،
    أبحث و أبحث، و دون جدوى..
    أين اختفى؟!
    كان هنا يمنعه الجوع من الرحيل، فمتى مضى؟!
    عدت في يأس ألهث و أكاد أبكي من الأسف،
    لو أنه فقط بقي قليلا، لو أنه انتظر!
    من جواري سمعت مواء بائسا فالتفت، و إذا بها القطة الحزينة السمراء،
    ترنو إلىّ بأعين بكماء،
    تشكو إليّ أن الشطيرة الصغيرة لم تكفهما معا،
    ابتسمت بحنان و انحنيت نحوها أفتح لها ورقتي،
    ترددت لثوان كأنما هي تختبر نيتي، لكنها انقضت عليها بعدها تلتهم كل ما تجده من طعام و ترفع إليّ عينيها بين لحظة و أخرى بامتنان كأنها تشكرني،
    عندها ارتفع أذان الفجر من الجامع القريب و لم أكن بعد قد تناولت سحوري!
    لكنني كنت أشعر بالشبع و يملأني الرضا.
    عرفت الآن لم انصرف الرجل،
    يبدو أن الجوع أيضا يهدأ حين يتقاسمه اثنان!

    * * *
    [CENTER][COLOR=#CC0066]كل كاتب شاهد على عصره، اليوم يكتب شهادته بيده فتكتب عليه، و غدا يسأل عنها فيصمت و تجيب كلماته عنه أبلغ إجابة..[/COLOR]
    [SIGPIC][/SIGPIC][/CENTER]
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    ماأجمل أن يحرك فينا النص بصوره ولغته ..وصدق مشاعره
    فيعتمل فينا انفعال حقيقي يضيف معان انسانية تجدد في ايقاع الحياة
    وفي نضرة الحكايات

    تحيتي لقلمك الشامخ ..تحيتي لك استاذة أسماء قدري
    دمت بخير
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    يعمل...
    X