المعتوه و الخنفساء
ليست هي المرة الأولى التي يتلقى فيها قائد المنطقة شكوى من بعض الأهالي في ما يخص المعلم الجديد , لكنه لا يستطيع فعل أي شيء ولا اتخاذ أي قرار بحقه ويجيب المشتكي بألا شيء يؤاخذ عليه المعلم لحد الساعة . فهو يقوم بعمله كما يجب ويلتزم حدوده تماما . ربما كان انطواؤه مثارا للجدل .. لا مقهى ولا اختلاط مع زملائه المدرسين أو غيرهم و لا استجابة لأية دعوة لحفل ما . كل هذا يخصه وحده ، ولا ضرر منه ما دام لا يؤذي أحدا . حقا إنه يبالغ في انتهاره لبعض تلامذته حين يصطادون العصافير الصغيرة و يشوونها بعد ذبحها ، أو يطاردون كلبا بالحجارة أو يربطون قطا بحبل ويجرونه .. كل هذا مقبول على مضض .. لكن أن يتوعدهم بالعقاب الشديد فقط لأنهم ينتزعون من الدجاج ريشه لكي يتقمصوا دور الهنود الحمر .. فهذا كثير .
- لقد اقترفتم ذنبين .. كذبتم على الدجاجة باستدراجها لأكل الحب ، ثم آذيتموها بنزع ريشها .. ألا تعلمون أنها تتألم كما تتألمون ؟
كتم الصغار ضحكتهم ، لكنهم أطلقوا العنان لمزاحهم وهم بين ذويهم ..
- يا للأحمق .. يغضب لأتفه الأسباب .. كذب على الدجاجة ؟
- هل الكذب حرام يا أبي ؟
سكت الأب مليا وهو نظر إلى زوجته ثم أجاب :
- طبعا يا بني ..
- ويعاقب الله عليه ؟
- أجل ..
- إذن فالمعلم على حق .. قل لي يا أبي .. هل كذبت مرة ؟
- ربما .. كذب أبيض .
- لكنه كذب ؟
- اسمع يا بني .. لا زلت صغيرا .. ومثل هذه الأمور لن تقدر على فهمها الآن ..
ربما كان هذا الحوار يتكرر في كل البيوت مع هبوط الظلام والسكون يخيم على القرية في الوقت الذي تجتمع كل أسرة حول المائدة لتناول العشاء .. و من الأكيد أن نظرات اخترقت الظلمة باتجاه البيت المنعزل قبالة المدرسة .
- هل سمعتم بآخر الأخبار ؟ .. لقد شوهد "المسيو" وهو يوقف سيارة الدرك حتى لا تدوس صفا من النمل .
أما في مكتب القائد فإن الجو صار مشحونا بحضور وفد يمثل الجماعة ..
- هذا لا يطاق .. سيدي القائد .. ابني عاد بالأمس يبكي لأن "المسيو" لامه بشدة على قتله خنفساء .
- اهدأ من فضلك ..
- كيف أهدأ يا سيدي ؟ - رد الرجل و هو ينظر إلى الآخرين ملتمسا التجاوب معه – هذا فظيع .. يجب أن نوقفه عند حدوده .. و إلا صار أبناؤنا معقدين ؟
- ألا ترى معي أنهم يزدادون تعلقا به رغم ذلك ، بخلاف زملائه ؟
- تعلقا به ؟.. بل هو فقط فضول منهم لرؤية معتوه عن قرب حتى يجدوا ما يتحدثون به في بيوتهم ..صار حديث الكل . صمت القائد برهة و هو يتلاعب بقلم ذهبي ، ثم قال بصوت يشوبه الإعياء ، دون أن ينظر إليهم :
- وماذا ترون الآن ؟
- أرى أن تستدعيه لتوقفه عند حده .
- حسنا ، سوف يكون هنا غدا .. عليك بالحضور .. أنا لم أجد لحد الآن ما أوجهه ضده .. أحضر معك من تريد حتى يتم الاتفاق بحضور الجميع .
بدا على رئيس الجماعة بعض التردد و الحيرة وشعر أنه في وضع حرج .. لعن في نفسه "هذا القائد الضعيف الذي لا يعرف شغله جيدا ".. أين منه سلفه الذي كان يرتعش الجميع لمجرد مروره ؟
وحين يلتئم الجمع في المكتب ، يسود الصمت والمعلم ينتظر توضيحا لهذا الاجتماع الطارئ .. فيتكلم القائد :
- أستاذ .. شرفتنا بحضورك .. وهؤلاء ممثلون لأولياء التلاميذ .. نريد أن نتناقش في كل ما يخصهم وما يفيدهم ، و أنت أدرى بذلك بحكم سلطتك التربوية و قربك منهم .
- شكرا .. أنا ممتن لهذه البادرة و شاكر لكم ثقتكم . أما الصغار الذين أعتبرهم أبنائي ، فإني راض عن سلوكاتهم .. لكن لي طلب واحد .
- مر يا سيدي .. على الراس و العين .
- ألاحظ أن أغلبهم يأتي دون تناول وجبة الفطور وهذا مؤثر على تركيزهم .
- الخير وفير و الحمد لله يا أستاذ .. لا نشتكي من شيء .
التفت إلى ركن حيث جلس رجل قميء يرتعش من الانفعال و كأنه أزاح عن صدره حملا ثقيلا :
- أنا قصدت فقط أنهم يهملون تلك الوجبة .. و أنتم أهل الخير ولا شك ..
- هل ترى أنهم يجب أن يحملوها معهم ؟
- المهم تناولها في وقتها ..
همس القميء في أذن اقرب شخص إليه :
- ربما يود مشاركتهم إياها ..
- أو لإطعام حشراته المفضلة .
و أخيرا نطق رئيس الجماعة :
- أستاذ .. لا تؤاخذني .. بعض أبنائنا يشتكون من تأنيب .. عفوا .. غير مبرر .. سامحني .
- لا حرج عليك – أجاب المدرس الشاب بكل هدوء – لقد فهمت ما ترمي إليه ..
- ألا ترى سيدي ..
- حسنا .. لقد تناقشنا أنا و تلامذتي أمس .. لقد اقتنعوا .. وكلهم يؤيدون ذلك وبدون استثناء .
عاد الصمت ليطبق من جديد على المكتب ، فنهض القائد قائلا :
- شكرا لك أستاذ على رعايتك لفلذات أكبادنا .. أيها السادة .. أعتقد أننا في حضرة مربي جليل لا تحظى الجماعات الأخرى بمثله ..
- طبعا .. لا شك في ذلك سيدي القائد - رد الآخرون بصوت واحد وهو يقفون تحية للمدرس لدى انصرافه .
- مربي؟.. ما هذا يا سيدي القائد ؟ .. كأنك تؤيد تصرفاته .
- ألستم كذلك ؟ .. فلم لم تتكلموا إذن ؟
- بصراحة سيدي القائد .. يجب استبدال هذا المعلم بآخر .. لا يخفى عليك أن النساء هنا صرت مهووسات بما يفعل ويتتبعن أخباره عبر الأولاد بكل لهفة .
- نعم خاصة وهو وسيم ...
- العياذ بالله .. نساؤنا أشرف من ..
- لا أقصد ذلك .. لكن الشيطان ..
- هو الشيطان بعينه ..
- لكنه ذكر لي مرة أنه يجد حرجا في استقبال الأمهات بدلكم عندما يطلب من تلميذ ما اصطحاب ولي أمره.. خاصة حين تقدم أية امرأة في وقت غير وقت الدراسة ...ونحن نعلم جميعا أن المدرسة منعزلة عن القرية .
- يقول هذا ليغطي نيته السيئة .. نحن لدينا أشغالنا و هو يعرف ذلك .. لم لا يقابلنا يوم السوق ؟ .. لا فائدة .. استبداله صار ضروريا ..
- اسمعوا .. ما تطالبون به يحتاج إلى مبرر قوي ..
- وجنونه هذا .. أليس مبررا كافيا ؟
قهقه القائد قائلا وهو يتمطط على الكرسي الفخم :
- قد أفاجئكم إذا قلت لكم إنه ربما ينال تهنئة من جهات أخرى على ما يفعله .
- تهنئة ؟
- أجل .. ولكنكم لن تفهموا هذا ..
- كتب علينا تحمل هذه المصيبة .. ولكن إلى متى ؟
- اطمئنوا .. قليلا من الصبر أرجوكم .. سوف تتخلصون منه في آخر الموسم الدراسي الحالي .
- حقا ؟..
- أجل .. و إن كنت أرى في رحيله خسارة لكم و لأبنائكم .
- ليرحل .. فهذا أفضل له و لنا .. لكن قل لي سيدي .. الله يبشرك بالخير .. كيف ؟
- شارك في الحركة الانتقالية .. وسوف ينتقل إلى مدينته .
- الحمد لله ..
- حتى الخنفساء ؟؟ - غمغم القميء وهو ينصرف مع المنصرفين .
انتهى الموسم الدراسي و رحل المعلم و عاد الهدوء يعم القرية .. ولم يعد أحد يشتكي من شيء ، وخاصة التلاميذ. ومم يشتكون وهم لا يطؤون المدرسة إلا لماما وحين يتم جلبهم بالقوة من طرف المخزني ليقفوا أمام القائد الذي يؤنب و يتوعد ثم يخلي سبيلهم لتمر فترة يلجون فيها الفصل بلا أية رغبة تذكر في الدراسة ، ثم يبدأون بالتغيب ، متذرعين تارة بالمرض ، وتارة بغياب المعلم الجديد الذي ينصرف يوم السوق ولا يعود إلا مع بداية الأسبوع .. و أحيانا بمرافقة القطيع إلى المراعي في أعلى الجبل .. وصار من عادة ثلة منهم التجمع عند المنبع للتشاورمليا حول المكان الأفضل لقضاء يوم طويل بعيدا عن أعين الأهل وسجن المدرسة :
- لو كان "المسيو" معنا لاقترح علينا شيئا جديدا .
- نعم .. خسارة أنه رحل ..
- الذنب ذنبنا حين كنا نشتكي منه .
- ما فات قد فات .. انظر إلى هذه الخنفساء ..
- دعها وشأنها .. فإن لها روحا مثلك ..
- صدقت .. ما أجمل ما علمنا "المسيو"..
في تلك اللحظة انبرى صوت كالرعد من بين الأشجار :
- ماذا تفعلون هنا أيها الشياطين والمدرسة فارغة ؟.. أنت .. ماذا تخفي بيدك ؟
- خنفساء .. سأعيدها إلى مكانها .. كادت تسقط في المنبع .
- اذهبوا .. لعنة الله عليكم ، والتحقوا بأقسامكم ..
تفرق الصبية كالفئران ، مذعورين أمام قامة الشيخ الفارعة الطول .. وسرعان ما لحق به رئيس الجماعة ليجده محدقا في الحشرة وهو يتمتم :
- يا للمعتوه .. حتى الخنفساء ؟
12 رجــــــــب 1429 هـ
16 يوليــــــــوز 2008 م
ليست هي المرة الأولى التي يتلقى فيها قائد المنطقة شكوى من بعض الأهالي في ما يخص المعلم الجديد , لكنه لا يستطيع فعل أي شيء ولا اتخاذ أي قرار بحقه ويجيب المشتكي بألا شيء يؤاخذ عليه المعلم لحد الساعة . فهو يقوم بعمله كما يجب ويلتزم حدوده تماما . ربما كان انطواؤه مثارا للجدل .. لا مقهى ولا اختلاط مع زملائه المدرسين أو غيرهم و لا استجابة لأية دعوة لحفل ما . كل هذا يخصه وحده ، ولا ضرر منه ما دام لا يؤذي أحدا . حقا إنه يبالغ في انتهاره لبعض تلامذته حين يصطادون العصافير الصغيرة و يشوونها بعد ذبحها ، أو يطاردون كلبا بالحجارة أو يربطون قطا بحبل ويجرونه .. كل هذا مقبول على مضض .. لكن أن يتوعدهم بالعقاب الشديد فقط لأنهم ينتزعون من الدجاج ريشه لكي يتقمصوا دور الهنود الحمر .. فهذا كثير .
- لقد اقترفتم ذنبين .. كذبتم على الدجاجة باستدراجها لأكل الحب ، ثم آذيتموها بنزع ريشها .. ألا تعلمون أنها تتألم كما تتألمون ؟
كتم الصغار ضحكتهم ، لكنهم أطلقوا العنان لمزاحهم وهم بين ذويهم ..
- يا للأحمق .. يغضب لأتفه الأسباب .. كذب على الدجاجة ؟
- هل الكذب حرام يا أبي ؟
سكت الأب مليا وهو نظر إلى زوجته ثم أجاب :
- طبعا يا بني ..
- ويعاقب الله عليه ؟
- أجل ..
- إذن فالمعلم على حق .. قل لي يا أبي .. هل كذبت مرة ؟
- ربما .. كذب أبيض .
- لكنه كذب ؟
- اسمع يا بني .. لا زلت صغيرا .. ومثل هذه الأمور لن تقدر على فهمها الآن ..
ربما كان هذا الحوار يتكرر في كل البيوت مع هبوط الظلام والسكون يخيم على القرية في الوقت الذي تجتمع كل أسرة حول المائدة لتناول العشاء .. و من الأكيد أن نظرات اخترقت الظلمة باتجاه البيت المنعزل قبالة المدرسة .
- هل سمعتم بآخر الأخبار ؟ .. لقد شوهد "المسيو" وهو يوقف سيارة الدرك حتى لا تدوس صفا من النمل .
أما في مكتب القائد فإن الجو صار مشحونا بحضور وفد يمثل الجماعة ..
- هذا لا يطاق .. سيدي القائد .. ابني عاد بالأمس يبكي لأن "المسيو" لامه بشدة على قتله خنفساء .
- اهدأ من فضلك ..
- كيف أهدأ يا سيدي ؟ - رد الرجل و هو ينظر إلى الآخرين ملتمسا التجاوب معه – هذا فظيع .. يجب أن نوقفه عند حدوده .. و إلا صار أبناؤنا معقدين ؟
- ألا ترى معي أنهم يزدادون تعلقا به رغم ذلك ، بخلاف زملائه ؟
- تعلقا به ؟.. بل هو فقط فضول منهم لرؤية معتوه عن قرب حتى يجدوا ما يتحدثون به في بيوتهم ..صار حديث الكل . صمت القائد برهة و هو يتلاعب بقلم ذهبي ، ثم قال بصوت يشوبه الإعياء ، دون أن ينظر إليهم :
- وماذا ترون الآن ؟
- أرى أن تستدعيه لتوقفه عند حده .
- حسنا ، سوف يكون هنا غدا .. عليك بالحضور .. أنا لم أجد لحد الآن ما أوجهه ضده .. أحضر معك من تريد حتى يتم الاتفاق بحضور الجميع .
بدا على رئيس الجماعة بعض التردد و الحيرة وشعر أنه في وضع حرج .. لعن في نفسه "هذا القائد الضعيف الذي لا يعرف شغله جيدا ".. أين منه سلفه الذي كان يرتعش الجميع لمجرد مروره ؟
وحين يلتئم الجمع في المكتب ، يسود الصمت والمعلم ينتظر توضيحا لهذا الاجتماع الطارئ .. فيتكلم القائد :
- أستاذ .. شرفتنا بحضورك .. وهؤلاء ممثلون لأولياء التلاميذ .. نريد أن نتناقش في كل ما يخصهم وما يفيدهم ، و أنت أدرى بذلك بحكم سلطتك التربوية و قربك منهم .
- شكرا .. أنا ممتن لهذه البادرة و شاكر لكم ثقتكم . أما الصغار الذين أعتبرهم أبنائي ، فإني راض عن سلوكاتهم .. لكن لي طلب واحد .
- مر يا سيدي .. على الراس و العين .
- ألاحظ أن أغلبهم يأتي دون تناول وجبة الفطور وهذا مؤثر على تركيزهم .
- الخير وفير و الحمد لله يا أستاذ .. لا نشتكي من شيء .
التفت إلى ركن حيث جلس رجل قميء يرتعش من الانفعال و كأنه أزاح عن صدره حملا ثقيلا :
- أنا قصدت فقط أنهم يهملون تلك الوجبة .. و أنتم أهل الخير ولا شك ..
- هل ترى أنهم يجب أن يحملوها معهم ؟
- المهم تناولها في وقتها ..
همس القميء في أذن اقرب شخص إليه :
- ربما يود مشاركتهم إياها ..
- أو لإطعام حشراته المفضلة .
و أخيرا نطق رئيس الجماعة :
- أستاذ .. لا تؤاخذني .. بعض أبنائنا يشتكون من تأنيب .. عفوا .. غير مبرر .. سامحني .
- لا حرج عليك – أجاب المدرس الشاب بكل هدوء – لقد فهمت ما ترمي إليه ..
- ألا ترى سيدي ..
- حسنا .. لقد تناقشنا أنا و تلامذتي أمس .. لقد اقتنعوا .. وكلهم يؤيدون ذلك وبدون استثناء .
عاد الصمت ليطبق من جديد على المكتب ، فنهض القائد قائلا :
- شكرا لك أستاذ على رعايتك لفلذات أكبادنا .. أيها السادة .. أعتقد أننا في حضرة مربي جليل لا تحظى الجماعات الأخرى بمثله ..
- طبعا .. لا شك في ذلك سيدي القائد - رد الآخرون بصوت واحد وهو يقفون تحية للمدرس لدى انصرافه .
- مربي؟.. ما هذا يا سيدي القائد ؟ .. كأنك تؤيد تصرفاته .
- ألستم كذلك ؟ .. فلم لم تتكلموا إذن ؟
- بصراحة سيدي القائد .. يجب استبدال هذا المعلم بآخر .. لا يخفى عليك أن النساء هنا صرت مهووسات بما يفعل ويتتبعن أخباره عبر الأولاد بكل لهفة .
- نعم خاصة وهو وسيم ...
- العياذ بالله .. نساؤنا أشرف من ..
- لا أقصد ذلك .. لكن الشيطان ..
- هو الشيطان بعينه ..
- لكنه ذكر لي مرة أنه يجد حرجا في استقبال الأمهات بدلكم عندما يطلب من تلميذ ما اصطحاب ولي أمره.. خاصة حين تقدم أية امرأة في وقت غير وقت الدراسة ...ونحن نعلم جميعا أن المدرسة منعزلة عن القرية .
- يقول هذا ليغطي نيته السيئة .. نحن لدينا أشغالنا و هو يعرف ذلك .. لم لا يقابلنا يوم السوق ؟ .. لا فائدة .. استبداله صار ضروريا ..
- اسمعوا .. ما تطالبون به يحتاج إلى مبرر قوي ..
- وجنونه هذا .. أليس مبررا كافيا ؟
قهقه القائد قائلا وهو يتمطط على الكرسي الفخم :
- قد أفاجئكم إذا قلت لكم إنه ربما ينال تهنئة من جهات أخرى على ما يفعله .
- تهنئة ؟
- أجل .. ولكنكم لن تفهموا هذا ..
- كتب علينا تحمل هذه المصيبة .. ولكن إلى متى ؟
- اطمئنوا .. قليلا من الصبر أرجوكم .. سوف تتخلصون منه في آخر الموسم الدراسي الحالي .
- حقا ؟..
- أجل .. و إن كنت أرى في رحيله خسارة لكم و لأبنائكم .
- ليرحل .. فهذا أفضل له و لنا .. لكن قل لي سيدي .. الله يبشرك بالخير .. كيف ؟
- شارك في الحركة الانتقالية .. وسوف ينتقل إلى مدينته .
- الحمد لله ..
- حتى الخنفساء ؟؟ - غمغم القميء وهو ينصرف مع المنصرفين .
انتهى الموسم الدراسي و رحل المعلم و عاد الهدوء يعم القرية .. ولم يعد أحد يشتكي من شيء ، وخاصة التلاميذ. ومم يشتكون وهم لا يطؤون المدرسة إلا لماما وحين يتم جلبهم بالقوة من طرف المخزني ليقفوا أمام القائد الذي يؤنب و يتوعد ثم يخلي سبيلهم لتمر فترة يلجون فيها الفصل بلا أية رغبة تذكر في الدراسة ، ثم يبدأون بالتغيب ، متذرعين تارة بالمرض ، وتارة بغياب المعلم الجديد الذي ينصرف يوم السوق ولا يعود إلا مع بداية الأسبوع .. و أحيانا بمرافقة القطيع إلى المراعي في أعلى الجبل .. وصار من عادة ثلة منهم التجمع عند المنبع للتشاورمليا حول المكان الأفضل لقضاء يوم طويل بعيدا عن أعين الأهل وسجن المدرسة :
- لو كان "المسيو" معنا لاقترح علينا شيئا جديدا .
- نعم .. خسارة أنه رحل ..
- الذنب ذنبنا حين كنا نشتكي منه .
- ما فات قد فات .. انظر إلى هذه الخنفساء ..
- دعها وشأنها .. فإن لها روحا مثلك ..
- صدقت .. ما أجمل ما علمنا "المسيو"..
في تلك اللحظة انبرى صوت كالرعد من بين الأشجار :
- ماذا تفعلون هنا أيها الشياطين والمدرسة فارغة ؟.. أنت .. ماذا تخفي بيدك ؟
- خنفساء .. سأعيدها إلى مكانها .. كادت تسقط في المنبع .
- اذهبوا .. لعنة الله عليكم ، والتحقوا بأقسامكم ..
تفرق الصبية كالفئران ، مذعورين أمام قامة الشيخ الفارعة الطول .. وسرعان ما لحق به رئيس الجماعة ليجده محدقا في الحشرة وهو يتمتم :
- يا للمعتوه .. حتى الخنفساء ؟
12 رجــــــــب 1429 هـ
16 يوليــــــــوز 2008 م
تعليق