صديقتي العزيزة ... شكرا
الساعة تقترب من منتصف الليل . تبدو ساحة الحمامة متوهجة بالأنوار ، لكن الحركة مشلولة . بين الفينة و الأخرى ، تمر سيارة مسرعة فيمزق هديرها السكون المخيم على الساحة .
تجيل رجاء النظر من الشرفة المطلة على موقف الحافلات ، وتلبث طويلا متأملة قبل أن تعود إلى سريرها وتجلس على حافته . تفكر في حالها و في الأيام الخمسة التي قضتها لحد الآن هنا . وتعود بها الذكريات إلى الماضي .. إلى طفولتها و شبابها . تخرج مرآتها من حقيبتها اليدوية وتنظر مليا إلى وجهها .. محدقة في الهالتين السوداوين اللتين أحاطتا بعينيها . تتنهد بحسرة و تلتفت إلى الساعة . الدقائق تمر ببطء شديد . مثلها مثل الأيام الرتيبة التي تزيد من قنوطها ووحشتها . تتناول الفطور .. تأخذ الدواء .. يجيء الطبيب لفحصها..ينصرف .. تدخل الممرضة لتنفيذ تعليماته .. تخرج .. تبدأ الزيارات ..يجلس البعض كأنه جاء للسمر وتطول جلستهم حتى تدخل الممرضة من جديد لتعلن عن انتهاء الزيارة . في بعض الأحيان تتمنى رجاء لو تبقى وحيدة و لا يزورها أحد ، لكنها ترقب بشغف مقدم صديقتها أمينة.. رفيقة عمرها و مستودع أسرارها .. وتحمد الله أنها ممرضة بالمصحة ذاتها ، ويمكنها رؤيتها كل حين .
منذ شهر و هي تعاني من صداع وشعور بالغثيان . زارت عدة أطباء .. كل واحد شخص لها مرضا مختلفا .. أمها أكدت لها تعرضها للعين .. خالتها أرجعت ذلك لإصابتها بمس .. معظم الأهل حثها على زيارة "السيد".. لكنها ظلت تقاوم الأعراض وتصم أذنيها عن كل ما يعرض عليها من علاج ، إلى أن انهارت منذ خمسة أيام وهي في مكتبها بالمقاطعة ، فجيء بها إلى المصحة . ربما كان لخصامها الأخير مع خطيبها أثر في ذلك ، لكن الطبيب أكد أن فقر الدم هو السبب و إن اعتبر أن التوتر الأخير كان سببا مباشرا في انهيارها .
تمت خطوبتها منذ أشهر .. هي عصبية المزاج .. لا تحتمل ثرثرة خطيبها ولا طريقة تفكيره التي تعتبرها متخلفة . ربما قبلت به على مضض تحت إلحاح أمها وخالتها .. فهو شاب ذو مركز رفيع ، ولن تجد مثله وهي تخطو نحو الثلاثين وتبدو أكبر منه سنا وأقل منه وسامة . ثم إنه ليس غريبا عن العائلة .. فأمه نشأت مع والدتها في حي واحد وكانت مرشحة لكي تتزوج خالها لولا حادثة السير التي ذهب ضحيتها بسبتة . ورجاء نفسها لم تجد فيه ما يعيب لولا ثرثرته الزائدة عن الحد و تأييده لفكرة زيارتها لـ"السيد" ، ثم استهتاره بكل شيء ، إذ لا تكاد تبدي رأيا حتى يهز كتفيه و يمط بشفتيه قائلا :
- أفكار بالية ولعب عيال .
الجميع يجمع على أن حظها من السماء . ولا تكاد تنطق بكلمة احتجاج حتى تواجه بوابل من الانتقاد وتكرر نفس النغمة حتى ألفتها :
- احمدي الله .. من تراها تفوز بمثل هذا العريس ؟.. لا تغرنك وظيفتك ، فهي لا تسمن و لا تغني من جوع ولا تساوي شيئا مما أعده لك الرجل من أسباب الرفاهية .. لو كنت مكانك لطلبت الاستقالة ولخدمته طول عمري .
أمينة وحدها التي كانت تحس بما تعانيه وتفهمها جيدا ، حتى إنها لم تجد حرجا في البوح لها بحقيقة الخلاف حين أبدت استغرابها لتوتر العلاقة بين الخطيبين دون سبب مقنع .
- لا شيء صديقتي .. سوى أنه يعتبر الخطوبة هي كل شيء . يريدني دائما إلى جانبه سواء مع الأهل أو لوحدنا .
- و ما الضرر في ذلك ؟
- الخلوة من الشيطان – تجيب رجاء ساهمة و هي تتنهد – تصوري أنه أراد تقبيلي أمس بمجرد ذهاب أمي إلى المطبخ لإعداد الشاي .
لم تفطن رجاء إلى رعشة سرت في أوصال أمينة ولم تنتبه أيضا لتورد وجنتيها ، وتابعت :
- كم من مرة شرحت له الأمر ورجوته أن يصبر فقط لحين كتابة العقد رغم أن الكثيرات يتمنعن عن ذلك حتى بعد كتابته ويصررن على انتظار ليلة الزفاف . لكنه ثار و اتهمني بالتحجر و التزمت .. هل يرضيك هذا يا أمينة ؟
ظلت الأخرى صامتة . لمحت في عينيها دمعا فقالت :
- اعذريني .. أحملك من مشاكلي ما لا يطاق .
- عيب عليك يا رجاء .. أنا صديقتك و في منزلة أختك .. لكن أرجوك .. حاولي ألا تثيريه .. أنت بذلك تثيرين أهلك .
- و ما العمل ؟ استسلم له و أعصي ربي ؟.. ماذا فعلت ليهجرني يومين كاملين وهو يعلم بحالتي ؟.. حتى أهلي لا يزورونني إلا و في نظراتهم لوم .. بل و أمي نفسها.. صرت ألمس منها جفاء ونفورا .
شكت و غصت بريقها ثم انتحبت و أمينة تنظر إليه في صمت .. ربتت على كتفيها و احتضنتها قائلة :
- شدة وتزول .. وغدا يصير كل ما يحدث الآن مجرد ذكرى ..فقط حاولي أن تتحكمي في أعصابك .. أنت في حاجة إلى الراحة .. ارتاحي يا أختي وانسي كل شيء ..
في عناقها لأمينة ، أحست رجاء بدقات قلبها و صدق لهجتها فأطالت العناق و النحيب قبل أن تقول وهي تبتعد عنها قليلا و تكفكف دمعها بكم منامتها :
- لا تطيلي غيبتك عني ..
- اطمئني .. اليوم سيكون دوري في الحراسة الليلية .. استريحي جيدا ..و الآن مع السلامة .. هل تحتاجين شيئا ؟
- لا .. شكرا لك .
بعد يومين ، لم تكن تتوقع أن يكون خطيبها أول الزائرين . عقدت الدهشة لسانها و ارتبكت وهي تتمتم بتحية الصباح مصلحة من شأنها كيفما اتفق .. كيف حصل هذا و ما الذي جعله يضح حدا لهجره ؟
- كيف حالك الآن ؟.. التقيت بصديقتك أمينة بالأمس و حدثتني عنك ..
لهج قلبها بشكر أمينة و تمثل لها وجهها الطيب الحزين .. تقبلت قبلته المفاجئة على خدها على مضض ثم جلست قبالته تسأله عن الأهل .. بدا لها شاردا وكأنه في عالم آخر .
- هل يزعجك شيء ؟
- لا .. إطلاقا .
تحدثا عن أشياء .. كان يمد يده بين الفينة و الأخرى و يضعها على فخذها ، أو يتناول قارورة ماء معدني بجانبها فيلمس بمرفقه نهدها ، وتحس بضغطه .. يسود الصمت ولا يقطعه سوى رنين جرس يدعو إحدى الممرضات لأمر مستعجل .. في هذا الوقت من الظهيرة تخمد الحركة وتقفر الممرات .
- سأنصرف الآن .. هل تحتاجين لشيء ؟
- أرجو أن تمر عند أمي .. أحتاج لمنامة جديدة .
- حسنا .. مع السلامة .
على حين غرة طوقها بذراعه و لثم شفتيها .. بوغتت بحركته فدفعته عنها بعنف ، لكنه شدها إليه بقوة فصاحت :
- لا .. أرجوك .
انزاحت منامتها عن كتفها فبدت عارية وظهر نهداها نافرين .. جحظت عيناه وفغر فاه ، ودفعها على السرير .
- لا .. تعقل.. أرجوك .
في تلك اللحظة ، فتح الباب وبدت أمينة تجر عجلة الدواء .. حان وقت الحقنة الصباحية ... لحسن الحظ أنها لم تلحظ شيئا مما حصل أو أنها غضت الطرف و تجاهلت الأمر.. هب واقفا .. تمتم بكلمات مبهمة ثم خرج ، بينما أسرعت رجاء بارتداء ما انحسر من منامتها .
تأخذ الدواء في انفعال و صديقتها ترمقها في فضول .. فتنظر إليها وتنتحب باكية .. وتسألها أمينة :
- مالك ؟ .. وما سبب بكائك ؟
فتحكي لها و هي تشهق دون أن تنتبه إلى حمرة علت وجنتي صديقتها .. لكنها تتوقف نادمة على سردها التفصيلي لعلمها بشبقية أمينة وعواطفها المتأججة المتعطشة للحب منذ كانتا طالبتين .. وكثيرا ما كانت تحذرها من اندفاعها فتقول لها بين الهزل و الجد :
- كوني على حذر يا أمينة .. فهناك ذئاب بشرية قد تستغل هيجانك هذا ..
و تضحك أمينة بثقة وهي ترى إقبال الطلاب على مصاحبتها و التودد إليها لكنها لم تستسلم لأحد .. وها هي تخطو نحو الأربعين دون أن تفقد نظرتها ذاك الوهج الشهواني كلما التقت عيناها بعيني رجل ..
- سامحيني أمينة .. أعذبك بحكاياتي ..
- لا عليك أختي .. المهم راحتك و صحتك .اسمعي.. يجب أن تضعا حدا لهذا المشكل . لماذا لا تقدمون موعد كتابة العقد ؟
- صعب يا اختي .. فأخي الوحيد لن يعود من الخارج إلا في الصيف .. و أنا لا استطيع فعل شيء في غيابه .. ولكن إذا اقتضى الحال ، وافقت على ذلك مع إرجاء الحفل إلى الصيف ..
- هذا حل مرض للجميع .. لماذا لم تصارحي به خطيبك ؟
- في الحقيقة لم تخطر الفكرة ببالي .. و الفضل يرجع إليك ..
- إذن كلميه في أقرب فرصة .. في زيارته القادمة .
- حسنا .. و إن كنت متأكدة أن زيارته ستتأخر هذه المرة ..
- اطمئني .. لن يكون إلا خيرا. و الآن دعيني أنصرف .. تأخرت.. طابت ليلتك .
لكن الزيارة لم تتم .. ويقترب موعد خروجها فتتضارب أحاسيسها بين الفرحة لمغادرة جدران المصحة الموحشة ، و الأسى لفراق مكان نعمت فيه بالسكينة و الطمأنينة و البوح لصديقتها التي غمرتها بكل اللطف و الحنان المفتقد .. ويلف قلبها الانقباض من مواجهة المجهول ..كل شيء صار مجهولا و غير مفهوم .. خطيبها .. أهله .. أمها .. الجميع ..
أمينة وحدها تمثلت لها كواحة ظليلة في وسط صحراء قاحلة .. تخلو إليها لتواسيها و تخفف عنها .. قالت لها إنها ستكون واسطة بينها و بين خطيبها لرأب الصدع و إرجاع المياه إلى مجاريها ..
في البداية ، بدت أمينة متحمسة و متلهفة لفعل أي شيء .. لكن سرعان ما طبع الفتور حديثها وهي تلمح إلى صعوبة التفاهم مع الخطيب ، ثم استحالة ذلك .. قالت لها :
- أصارحك يا أختي أني لم أصادف رجلا مثله عنادا و غباء .. لك الحق يا أختي أن تحمليه مسؤولية ما جرى .. حتى حديثه لا يخلو من فحش مبطن .. صرت أخاف أن ينقض علي أنا أيضا ..
ضحكتا طويلا .. ثم استطردت أمينة :
- أقول لك الحق ؟.. هو إنسان شهواني .. ولا أدري إن كنت ستتحملين طلباته بعد الزواج .. يوجد رجال كثيرون من هذا النوع .. لكن لا تخافي .. العشرة و المودة كفيلتان بتيسير الأمور و حل كل المشاكل .
نطقت بجملتها الأخيرة و هي تشرد بنظرها بعيدا .. ربما أضافت أشياء أخرى ، لكن رجاء سهمت بدورها فلم تنتبه لتتمة الحديث .
لم تلتقيا بعد ذلك . فقد صادف يوم خروجها من المصحة أن كانت أمينة في رخصة بعد وعكة أصابتها .. كم أحست بالوحشة و هي تخرج وحيدة . لم يكلف أحد نفسه عناء مرافقتها ، وعادت إلى بيتها في حالة يرثى لها من الوهن لتجد أمها جالسة و الشرر يكاد يتطاير من عينيها الضيقتين .
- أهلا بك .. هنيئا لنا بهروب العريس .. لقد فسخ الخطوبة .. أهذا ما كنت تريدينه ؟
- أمي ، ألا تهنئينني بخروجي من المصحة ؟
- أهنئك ؟ .. كنت أفعل هذا لو مت هناك و استرحت منك و من وجودك .. ماذا أقول للناس بعد فضيحتك هذه ؟
- حسنا .. أمي .. سأذهب إلى غرفتي لأستريح .
أغلقت على نفسها باب حجرتها وعي عرضة لأحاسيس شتى .. حزن .. قلق .. ارتياح ؟ .. استلقت على السرير ونظرت إلى السقف برهة .. ارتاحت للهدوء الذي ساد المكان .. وظلت مستلقية لحظات قبل أن تنهض إلى الحاسوب لتتفحص كل الرسائل التي أرسلت إليها أثناء غيابها .. ما أقلها وما أكثر الرسائل الطفيلية التي لا أهمية لها .. لكن مهلا .. هذه رسالة من أمينة .. كتبت في آخر يوم التقتا فيه ..
-" صديقتي و أختي العزيزة رجاء .. لا ادري كيف سيكون وقع الخبر عليك .. ولا كيف ستحكمين علي بعد قراءتك لرسالتي هذه.. كانت نزوة مع خطيبك ولم استطع تفاديها . لم أشعر إلا و أنا أستسلم له .. كان يأتي كل يوم إلى المصحة .. حاولت إقناعه بالفكرة المعروفة .. ثم حدث ما حدث ذات ليلة .. ليلة نفس اليوم الذي حاول فيه النيل منك .. أنا الآن حامل .. سوف نتزوج بعد أسبوع .. أتمنى لك حياة سعيدة .. لا تشكي في إخلاصي و محبتي .. أؤكد لك أنه لا يناسبك من جميع
النواحي .. طبعكما متنافر جدا .. وداعا ... أختك المخلصة : أمينة ."
حدقت مليا في الشاشة و أعادت قراءة الرسالة مرارا ..ابتسمت ثم ضحكت .. قبل أن يتعالى نحيبها .. مسحت دمعها بكم قميصها ثم نقرت على ملمس الحاسوب وهي لا تكاد تميز حروفه :
-" صديقتي العزيزة .. شكرا ."
23 رجــــــــب 1429 هـ
27 يوليــــــــوز 2008 م
الساعة تقترب من منتصف الليل . تبدو ساحة الحمامة متوهجة بالأنوار ، لكن الحركة مشلولة . بين الفينة و الأخرى ، تمر سيارة مسرعة فيمزق هديرها السكون المخيم على الساحة .
تجيل رجاء النظر من الشرفة المطلة على موقف الحافلات ، وتلبث طويلا متأملة قبل أن تعود إلى سريرها وتجلس على حافته . تفكر في حالها و في الأيام الخمسة التي قضتها لحد الآن هنا . وتعود بها الذكريات إلى الماضي .. إلى طفولتها و شبابها . تخرج مرآتها من حقيبتها اليدوية وتنظر مليا إلى وجهها .. محدقة في الهالتين السوداوين اللتين أحاطتا بعينيها . تتنهد بحسرة و تلتفت إلى الساعة . الدقائق تمر ببطء شديد . مثلها مثل الأيام الرتيبة التي تزيد من قنوطها ووحشتها . تتناول الفطور .. تأخذ الدواء .. يجيء الطبيب لفحصها..ينصرف .. تدخل الممرضة لتنفيذ تعليماته .. تخرج .. تبدأ الزيارات ..يجلس البعض كأنه جاء للسمر وتطول جلستهم حتى تدخل الممرضة من جديد لتعلن عن انتهاء الزيارة . في بعض الأحيان تتمنى رجاء لو تبقى وحيدة و لا يزورها أحد ، لكنها ترقب بشغف مقدم صديقتها أمينة.. رفيقة عمرها و مستودع أسرارها .. وتحمد الله أنها ممرضة بالمصحة ذاتها ، ويمكنها رؤيتها كل حين .
منذ شهر و هي تعاني من صداع وشعور بالغثيان . زارت عدة أطباء .. كل واحد شخص لها مرضا مختلفا .. أمها أكدت لها تعرضها للعين .. خالتها أرجعت ذلك لإصابتها بمس .. معظم الأهل حثها على زيارة "السيد".. لكنها ظلت تقاوم الأعراض وتصم أذنيها عن كل ما يعرض عليها من علاج ، إلى أن انهارت منذ خمسة أيام وهي في مكتبها بالمقاطعة ، فجيء بها إلى المصحة . ربما كان لخصامها الأخير مع خطيبها أثر في ذلك ، لكن الطبيب أكد أن فقر الدم هو السبب و إن اعتبر أن التوتر الأخير كان سببا مباشرا في انهيارها .
تمت خطوبتها منذ أشهر .. هي عصبية المزاج .. لا تحتمل ثرثرة خطيبها ولا طريقة تفكيره التي تعتبرها متخلفة . ربما قبلت به على مضض تحت إلحاح أمها وخالتها .. فهو شاب ذو مركز رفيع ، ولن تجد مثله وهي تخطو نحو الثلاثين وتبدو أكبر منه سنا وأقل منه وسامة . ثم إنه ليس غريبا عن العائلة .. فأمه نشأت مع والدتها في حي واحد وكانت مرشحة لكي تتزوج خالها لولا حادثة السير التي ذهب ضحيتها بسبتة . ورجاء نفسها لم تجد فيه ما يعيب لولا ثرثرته الزائدة عن الحد و تأييده لفكرة زيارتها لـ"السيد" ، ثم استهتاره بكل شيء ، إذ لا تكاد تبدي رأيا حتى يهز كتفيه و يمط بشفتيه قائلا :
- أفكار بالية ولعب عيال .
الجميع يجمع على أن حظها من السماء . ولا تكاد تنطق بكلمة احتجاج حتى تواجه بوابل من الانتقاد وتكرر نفس النغمة حتى ألفتها :
- احمدي الله .. من تراها تفوز بمثل هذا العريس ؟.. لا تغرنك وظيفتك ، فهي لا تسمن و لا تغني من جوع ولا تساوي شيئا مما أعده لك الرجل من أسباب الرفاهية .. لو كنت مكانك لطلبت الاستقالة ولخدمته طول عمري .
أمينة وحدها التي كانت تحس بما تعانيه وتفهمها جيدا ، حتى إنها لم تجد حرجا في البوح لها بحقيقة الخلاف حين أبدت استغرابها لتوتر العلاقة بين الخطيبين دون سبب مقنع .
- لا شيء صديقتي .. سوى أنه يعتبر الخطوبة هي كل شيء . يريدني دائما إلى جانبه سواء مع الأهل أو لوحدنا .
- و ما الضرر في ذلك ؟
- الخلوة من الشيطان – تجيب رجاء ساهمة و هي تتنهد – تصوري أنه أراد تقبيلي أمس بمجرد ذهاب أمي إلى المطبخ لإعداد الشاي .
لم تفطن رجاء إلى رعشة سرت في أوصال أمينة ولم تنتبه أيضا لتورد وجنتيها ، وتابعت :
- كم من مرة شرحت له الأمر ورجوته أن يصبر فقط لحين كتابة العقد رغم أن الكثيرات يتمنعن عن ذلك حتى بعد كتابته ويصررن على انتظار ليلة الزفاف . لكنه ثار و اتهمني بالتحجر و التزمت .. هل يرضيك هذا يا أمينة ؟
ظلت الأخرى صامتة . لمحت في عينيها دمعا فقالت :
- اعذريني .. أحملك من مشاكلي ما لا يطاق .
- عيب عليك يا رجاء .. أنا صديقتك و في منزلة أختك .. لكن أرجوك .. حاولي ألا تثيريه .. أنت بذلك تثيرين أهلك .
- و ما العمل ؟ استسلم له و أعصي ربي ؟.. ماذا فعلت ليهجرني يومين كاملين وهو يعلم بحالتي ؟.. حتى أهلي لا يزورونني إلا و في نظراتهم لوم .. بل و أمي نفسها.. صرت ألمس منها جفاء ونفورا .
شكت و غصت بريقها ثم انتحبت و أمينة تنظر إليه في صمت .. ربتت على كتفيها و احتضنتها قائلة :
- شدة وتزول .. وغدا يصير كل ما يحدث الآن مجرد ذكرى ..فقط حاولي أن تتحكمي في أعصابك .. أنت في حاجة إلى الراحة .. ارتاحي يا أختي وانسي كل شيء ..
في عناقها لأمينة ، أحست رجاء بدقات قلبها و صدق لهجتها فأطالت العناق و النحيب قبل أن تقول وهي تبتعد عنها قليلا و تكفكف دمعها بكم منامتها :
- لا تطيلي غيبتك عني ..
- اطمئني .. اليوم سيكون دوري في الحراسة الليلية .. استريحي جيدا ..و الآن مع السلامة .. هل تحتاجين شيئا ؟
- لا .. شكرا لك .
بعد يومين ، لم تكن تتوقع أن يكون خطيبها أول الزائرين . عقدت الدهشة لسانها و ارتبكت وهي تتمتم بتحية الصباح مصلحة من شأنها كيفما اتفق .. كيف حصل هذا و ما الذي جعله يضح حدا لهجره ؟
- كيف حالك الآن ؟.. التقيت بصديقتك أمينة بالأمس و حدثتني عنك ..
لهج قلبها بشكر أمينة و تمثل لها وجهها الطيب الحزين .. تقبلت قبلته المفاجئة على خدها على مضض ثم جلست قبالته تسأله عن الأهل .. بدا لها شاردا وكأنه في عالم آخر .
- هل يزعجك شيء ؟
- لا .. إطلاقا .
تحدثا عن أشياء .. كان يمد يده بين الفينة و الأخرى و يضعها على فخذها ، أو يتناول قارورة ماء معدني بجانبها فيلمس بمرفقه نهدها ، وتحس بضغطه .. يسود الصمت ولا يقطعه سوى رنين جرس يدعو إحدى الممرضات لأمر مستعجل .. في هذا الوقت من الظهيرة تخمد الحركة وتقفر الممرات .
- سأنصرف الآن .. هل تحتاجين لشيء ؟
- أرجو أن تمر عند أمي .. أحتاج لمنامة جديدة .
- حسنا .. مع السلامة .
على حين غرة طوقها بذراعه و لثم شفتيها .. بوغتت بحركته فدفعته عنها بعنف ، لكنه شدها إليه بقوة فصاحت :
- لا .. أرجوك .
انزاحت منامتها عن كتفها فبدت عارية وظهر نهداها نافرين .. جحظت عيناه وفغر فاه ، ودفعها على السرير .
- لا .. تعقل.. أرجوك .
في تلك اللحظة ، فتح الباب وبدت أمينة تجر عجلة الدواء .. حان وقت الحقنة الصباحية ... لحسن الحظ أنها لم تلحظ شيئا مما حصل أو أنها غضت الطرف و تجاهلت الأمر.. هب واقفا .. تمتم بكلمات مبهمة ثم خرج ، بينما أسرعت رجاء بارتداء ما انحسر من منامتها .
تأخذ الدواء في انفعال و صديقتها ترمقها في فضول .. فتنظر إليها وتنتحب باكية .. وتسألها أمينة :
- مالك ؟ .. وما سبب بكائك ؟
فتحكي لها و هي تشهق دون أن تنتبه إلى حمرة علت وجنتي صديقتها .. لكنها تتوقف نادمة على سردها التفصيلي لعلمها بشبقية أمينة وعواطفها المتأججة المتعطشة للحب منذ كانتا طالبتين .. وكثيرا ما كانت تحذرها من اندفاعها فتقول لها بين الهزل و الجد :
- كوني على حذر يا أمينة .. فهناك ذئاب بشرية قد تستغل هيجانك هذا ..
و تضحك أمينة بثقة وهي ترى إقبال الطلاب على مصاحبتها و التودد إليها لكنها لم تستسلم لأحد .. وها هي تخطو نحو الأربعين دون أن تفقد نظرتها ذاك الوهج الشهواني كلما التقت عيناها بعيني رجل ..
- سامحيني أمينة .. أعذبك بحكاياتي ..
- لا عليك أختي .. المهم راحتك و صحتك .اسمعي.. يجب أن تضعا حدا لهذا المشكل . لماذا لا تقدمون موعد كتابة العقد ؟
- صعب يا اختي .. فأخي الوحيد لن يعود من الخارج إلا في الصيف .. و أنا لا استطيع فعل شيء في غيابه .. ولكن إذا اقتضى الحال ، وافقت على ذلك مع إرجاء الحفل إلى الصيف ..
- هذا حل مرض للجميع .. لماذا لم تصارحي به خطيبك ؟
- في الحقيقة لم تخطر الفكرة ببالي .. و الفضل يرجع إليك ..
- إذن كلميه في أقرب فرصة .. في زيارته القادمة .
- حسنا .. و إن كنت متأكدة أن زيارته ستتأخر هذه المرة ..
- اطمئني .. لن يكون إلا خيرا. و الآن دعيني أنصرف .. تأخرت.. طابت ليلتك .
لكن الزيارة لم تتم .. ويقترب موعد خروجها فتتضارب أحاسيسها بين الفرحة لمغادرة جدران المصحة الموحشة ، و الأسى لفراق مكان نعمت فيه بالسكينة و الطمأنينة و البوح لصديقتها التي غمرتها بكل اللطف و الحنان المفتقد .. ويلف قلبها الانقباض من مواجهة المجهول ..كل شيء صار مجهولا و غير مفهوم .. خطيبها .. أهله .. أمها .. الجميع ..
أمينة وحدها تمثلت لها كواحة ظليلة في وسط صحراء قاحلة .. تخلو إليها لتواسيها و تخفف عنها .. قالت لها إنها ستكون واسطة بينها و بين خطيبها لرأب الصدع و إرجاع المياه إلى مجاريها ..
في البداية ، بدت أمينة متحمسة و متلهفة لفعل أي شيء .. لكن سرعان ما طبع الفتور حديثها وهي تلمح إلى صعوبة التفاهم مع الخطيب ، ثم استحالة ذلك .. قالت لها :
- أصارحك يا أختي أني لم أصادف رجلا مثله عنادا و غباء .. لك الحق يا أختي أن تحمليه مسؤولية ما جرى .. حتى حديثه لا يخلو من فحش مبطن .. صرت أخاف أن ينقض علي أنا أيضا ..
ضحكتا طويلا .. ثم استطردت أمينة :
- أقول لك الحق ؟.. هو إنسان شهواني .. ولا أدري إن كنت ستتحملين طلباته بعد الزواج .. يوجد رجال كثيرون من هذا النوع .. لكن لا تخافي .. العشرة و المودة كفيلتان بتيسير الأمور و حل كل المشاكل .
نطقت بجملتها الأخيرة و هي تشرد بنظرها بعيدا .. ربما أضافت أشياء أخرى ، لكن رجاء سهمت بدورها فلم تنتبه لتتمة الحديث .
لم تلتقيا بعد ذلك . فقد صادف يوم خروجها من المصحة أن كانت أمينة في رخصة بعد وعكة أصابتها .. كم أحست بالوحشة و هي تخرج وحيدة . لم يكلف أحد نفسه عناء مرافقتها ، وعادت إلى بيتها في حالة يرثى لها من الوهن لتجد أمها جالسة و الشرر يكاد يتطاير من عينيها الضيقتين .
- أهلا بك .. هنيئا لنا بهروب العريس .. لقد فسخ الخطوبة .. أهذا ما كنت تريدينه ؟
- أمي ، ألا تهنئينني بخروجي من المصحة ؟
- أهنئك ؟ .. كنت أفعل هذا لو مت هناك و استرحت منك و من وجودك .. ماذا أقول للناس بعد فضيحتك هذه ؟
- حسنا .. أمي .. سأذهب إلى غرفتي لأستريح .
أغلقت على نفسها باب حجرتها وعي عرضة لأحاسيس شتى .. حزن .. قلق .. ارتياح ؟ .. استلقت على السرير ونظرت إلى السقف برهة .. ارتاحت للهدوء الذي ساد المكان .. وظلت مستلقية لحظات قبل أن تنهض إلى الحاسوب لتتفحص كل الرسائل التي أرسلت إليها أثناء غيابها .. ما أقلها وما أكثر الرسائل الطفيلية التي لا أهمية لها .. لكن مهلا .. هذه رسالة من أمينة .. كتبت في آخر يوم التقتا فيه ..
-" صديقتي و أختي العزيزة رجاء .. لا ادري كيف سيكون وقع الخبر عليك .. ولا كيف ستحكمين علي بعد قراءتك لرسالتي هذه.. كانت نزوة مع خطيبك ولم استطع تفاديها . لم أشعر إلا و أنا أستسلم له .. كان يأتي كل يوم إلى المصحة .. حاولت إقناعه بالفكرة المعروفة .. ثم حدث ما حدث ذات ليلة .. ليلة نفس اليوم الذي حاول فيه النيل منك .. أنا الآن حامل .. سوف نتزوج بعد أسبوع .. أتمنى لك حياة سعيدة .. لا تشكي في إخلاصي و محبتي .. أؤكد لك أنه لا يناسبك من جميع
النواحي .. طبعكما متنافر جدا .. وداعا ... أختك المخلصة : أمينة ."
حدقت مليا في الشاشة و أعادت قراءة الرسالة مرارا ..ابتسمت ثم ضحكت .. قبل أن يتعالى نحيبها .. مسحت دمعها بكم قميصها ثم نقرت على ملمس الحاسوب وهي لا تكاد تميز حروفه :
-" صديقتي العزيزة .. شكرا ."
23 رجــــــــب 1429 هـ
27 يوليــــــــوز 2008 م
تعليق