الكل هنا يعرف عم محمد..
و لن أندهش إذا علمت أن شهرته قد تجاوزت حدود مطروح إلى ما يجاورها من قرى و مدن صغيرة، أو إذا اجتازت مئات الأميال لتصل إلى الإسكندرية حيث جئت، و أعود من إجازتي فيسألني أصدقائي و أقاربي بلهفة عن أخبار شهر العسل، ثم يعقّبون:
- و كيف حال عم محمد؟!
لقد توقفت عن الاندهاش لأمره بعد ثلاثة أيام من وصولي إلى القرية السياحية الصغيرة التي يعمل فيها عم محمد سائقا لحافلة المكان، شريان و وريد القرية النائية على هضبة (عجيبة) الساحرة، تربطها بكل مباهج مطروح و تبعدها عن زحامها في نفس الوقت.
منذ أول يوم عرفناه، بوجهه الأسمر الصبوح و ملامحه النوبية الغليظة التي تناثرت فيها تجاعيد الكبر لكنها مازالت تشي بقوة و حيوية لم تحرمه منهما السنون، و شعره الجعد الخفيف و ابتسامته الهادئة الطيبة لكنها من فرط ما فيها من ثقة و حكمة و غموض تثير حيرة من ينظر إليه، و تدفع بسؤال واحد إلى الأذهان: من هو هذا الرجل؟!
مشيته المتئدة، إيماءاته الصغيرة الهادئة، و صوته الخفيض الذي لا يسمع إلا نادرا.
كل هؤلاء كانوا يرسمون له معا صورة مختلفة عن الصورة التي نراها، صورة جديرة بملك أو حاكم أو حتى شيخ قبيلة،
الكل يعرفه، سكان و سائحون!
نصعد إلى الحافلة صباحا فيبادره الجميع بالابتسامات الودودة، و عبارة: "صباح الخير يا عم محمد" تسمعها من مختلف الأصوات و بمختلف اللهجات.
نعبر بوابات أو نقاط مرور، تتطاير التحيات من هنا و هناك،
نمشي في شوارع البلد، تجد مشاة و ركابا يبتسمون و يومئون و يحيون،
ثم تقف الحافلة في موقفها المعتاد أمام الحاتي المشهور، و ينزل عم محمد ليلقاه عدد لا بأس به من الناس بالحبور.
و نعود، نعبر بالفيلات الصغيرة المتناثرة على الشاطئ فيرفع كل أصحابها أيديهم عاليا لعم محمد كأنها تحية رسمية!
أو ينهض بعضهم و يهرول نحوه مسرعا بينما يوقف هو حافلته و يخرج رأسه من نافذته ليستمع لكلمات يسرون بها إليه، و هو محتفظ بابتسامته الهادئة يومئ برأسه موافقا فيبدو الرضا على وجوه محدثيه، أو يهبط لبعضهم يعطيهم أشياء أو يأخذ منهم أخرى، ثم ترتفع الأيدي من جديد، و تمضي الحافلة.
* * *
ابتسمت لأحمد زوجي و همست بينما تترجرج بنا الحافلة:
- من هذا الرجل؟!
بادلني الابتسام و قد شاركني التساؤل و قال محاولا إقناع نفسه:
- إنه رجل طيب، و طبيعة عمله تجعله يمر بالكثير من الناس.
هززت رأسي صامتة، لم أهدأ لهذا التفسير و لا هو..
سأله أحمد يوما محاولا فتح باب للحوار:
- منذ متى تعمل هنا يا عم محمد؟
يبتسم عم محمد ودودا و يقول:
- من زمان!
ثم يتابع صمته.
كما هي عادته في كل الحوارات يومئ برأسه إيماءات مهذبة، و لا يكثر الكلام.
صموت بغير برود و لا قلة ذوق،
غامض مثير للفضول.
حتى كنا راكبين ذات صباح مزدحم، و قد مل الركاب من طول الانتظار فقرروا الهبوط مبكرا قبل بلوغنا الموقف، لم يبق غيرنا - أنا و أحمد- بانتظار تحرك المرور.
قرر أحمد اغتنام الفرصة فقال:
- اليوم زحام في طريق الكورنيش على غير المعتاد.
أومأ برأسه و قال:
- تنفرج بإذن الله.
و يعود لصمته فيقول أحمد:
- أتساءل إن كان سيبقى هكذا طويلا، كل الركاب هبطوا لكننا نريد أن نقطع أكبر قدر من الطريق إلى رومل بعيدا عن الحر.
فيلتفت إليه عم محمد قائلا ببساطة:
- تريد أن تذهب إلى رومل؟ سأقلكما لكنني لن أبقى، و نلتقي في الموقف في تمام الواحدة.
و سار بنا في الزحام في غير طريقه المفروض قاطعا مطروح من أولها إلى آخرها فقط ليوصلنا إلى رومل بدون أية زيادة في الأجر.
و يمضي اليوم جميلا في رومل حتى إذا اقتربت الواحدة بدأنا نبحث عن سيارة تقلنا إلى الموقف،
عبثا نجوب الجزيرة الصغيرة هرولة نسأل كل سيارة نراها،
و لا شيء!
لا سيارة أجرة، و لا حافلة، و لا حتى دراجة!
عقارب الساعة تجري نحو الواحدة،
و قد بدأ اليأس يتسرب إلى نفسينا..
أحكمت قبضتي على ذراع أحمد و قلت بصوت مضعضع:
- يبدو أننا سنسير إلى مطروح!
ابتسم مربتا على كفي بحب و قال:
- بل إلى عجيبة، فلن نلحق بالحافلة على كل حال!
خرجت من أعماقي آهة عميقة و وجدتني أجلس أرضا كأنما أستعد للطريق الطويل.
عندها فاجأنا صوت بوق مألوف، التفتنا لنرى الحافلة البيضاء يبرز منها وجه عم محمد الأسمر الباسم يطالعنا فيجبرنا على التهلل بدهشة و فرحة رافعين أيدينا بتلقائية دون أن نشعر.
اتجهنا إليه من فورنا و بادره زوجي يقول بابتسامة واسعة:
- لقد أرسلك الله نجدة، كنا نبحث عبثا عن سيارة!
ابتسم و قال ببساطة:
- ظننت ذلك.
* * *
بعدها توقفنا عن الدهشة و عن الفضول،
و اكتسب وجهانا تهلل الجميع لمرآه، و ارتفعت أيدينا لتحيته مثل الآخرين.
عندها فقط فهمناه، و قد أمسينا من رعاياه،
عرفنا سر ملكه و جوهرة تاجه الخفي،
عرفنا من هو عم محمد، و لماذا هو ملك مطروح!
* * *
و لن أندهش إذا علمت أن شهرته قد تجاوزت حدود مطروح إلى ما يجاورها من قرى و مدن صغيرة، أو إذا اجتازت مئات الأميال لتصل إلى الإسكندرية حيث جئت، و أعود من إجازتي فيسألني أصدقائي و أقاربي بلهفة عن أخبار شهر العسل، ثم يعقّبون:
- و كيف حال عم محمد؟!
لقد توقفت عن الاندهاش لأمره بعد ثلاثة أيام من وصولي إلى القرية السياحية الصغيرة التي يعمل فيها عم محمد سائقا لحافلة المكان، شريان و وريد القرية النائية على هضبة (عجيبة) الساحرة، تربطها بكل مباهج مطروح و تبعدها عن زحامها في نفس الوقت.
منذ أول يوم عرفناه، بوجهه الأسمر الصبوح و ملامحه النوبية الغليظة التي تناثرت فيها تجاعيد الكبر لكنها مازالت تشي بقوة و حيوية لم تحرمه منهما السنون، و شعره الجعد الخفيف و ابتسامته الهادئة الطيبة لكنها من فرط ما فيها من ثقة و حكمة و غموض تثير حيرة من ينظر إليه، و تدفع بسؤال واحد إلى الأذهان: من هو هذا الرجل؟!
مشيته المتئدة، إيماءاته الصغيرة الهادئة، و صوته الخفيض الذي لا يسمع إلا نادرا.
كل هؤلاء كانوا يرسمون له معا صورة مختلفة عن الصورة التي نراها، صورة جديرة بملك أو حاكم أو حتى شيخ قبيلة،
الكل يعرفه، سكان و سائحون!
نصعد إلى الحافلة صباحا فيبادره الجميع بالابتسامات الودودة، و عبارة: "صباح الخير يا عم محمد" تسمعها من مختلف الأصوات و بمختلف اللهجات.
نعبر بوابات أو نقاط مرور، تتطاير التحيات من هنا و هناك،
نمشي في شوارع البلد، تجد مشاة و ركابا يبتسمون و يومئون و يحيون،
ثم تقف الحافلة في موقفها المعتاد أمام الحاتي المشهور، و ينزل عم محمد ليلقاه عدد لا بأس به من الناس بالحبور.
و نعود، نعبر بالفيلات الصغيرة المتناثرة على الشاطئ فيرفع كل أصحابها أيديهم عاليا لعم محمد كأنها تحية رسمية!
أو ينهض بعضهم و يهرول نحوه مسرعا بينما يوقف هو حافلته و يخرج رأسه من نافذته ليستمع لكلمات يسرون بها إليه، و هو محتفظ بابتسامته الهادئة يومئ برأسه موافقا فيبدو الرضا على وجوه محدثيه، أو يهبط لبعضهم يعطيهم أشياء أو يأخذ منهم أخرى، ثم ترتفع الأيدي من جديد، و تمضي الحافلة.
* * *
ابتسمت لأحمد زوجي و همست بينما تترجرج بنا الحافلة:
- من هذا الرجل؟!
بادلني الابتسام و قد شاركني التساؤل و قال محاولا إقناع نفسه:
- إنه رجل طيب، و طبيعة عمله تجعله يمر بالكثير من الناس.
هززت رأسي صامتة، لم أهدأ لهذا التفسير و لا هو..
سأله أحمد يوما محاولا فتح باب للحوار:
- منذ متى تعمل هنا يا عم محمد؟
يبتسم عم محمد ودودا و يقول:
- من زمان!
ثم يتابع صمته.
كما هي عادته في كل الحوارات يومئ برأسه إيماءات مهذبة، و لا يكثر الكلام.
صموت بغير برود و لا قلة ذوق،
غامض مثير للفضول.
حتى كنا راكبين ذات صباح مزدحم، و قد مل الركاب من طول الانتظار فقرروا الهبوط مبكرا قبل بلوغنا الموقف، لم يبق غيرنا - أنا و أحمد- بانتظار تحرك المرور.
قرر أحمد اغتنام الفرصة فقال:
- اليوم زحام في طريق الكورنيش على غير المعتاد.
أومأ برأسه و قال:
- تنفرج بإذن الله.
و يعود لصمته فيقول أحمد:
- أتساءل إن كان سيبقى هكذا طويلا، كل الركاب هبطوا لكننا نريد أن نقطع أكبر قدر من الطريق إلى رومل بعيدا عن الحر.
فيلتفت إليه عم محمد قائلا ببساطة:
- تريد أن تذهب إلى رومل؟ سأقلكما لكنني لن أبقى، و نلتقي في الموقف في تمام الواحدة.
و سار بنا في الزحام في غير طريقه المفروض قاطعا مطروح من أولها إلى آخرها فقط ليوصلنا إلى رومل بدون أية زيادة في الأجر.
و يمضي اليوم جميلا في رومل حتى إذا اقتربت الواحدة بدأنا نبحث عن سيارة تقلنا إلى الموقف،
عبثا نجوب الجزيرة الصغيرة هرولة نسأل كل سيارة نراها،
و لا شيء!
لا سيارة أجرة، و لا حافلة، و لا حتى دراجة!
عقارب الساعة تجري نحو الواحدة،
و قد بدأ اليأس يتسرب إلى نفسينا..
أحكمت قبضتي على ذراع أحمد و قلت بصوت مضعضع:
- يبدو أننا سنسير إلى مطروح!
ابتسم مربتا على كفي بحب و قال:
- بل إلى عجيبة، فلن نلحق بالحافلة على كل حال!
خرجت من أعماقي آهة عميقة و وجدتني أجلس أرضا كأنما أستعد للطريق الطويل.
عندها فاجأنا صوت بوق مألوف، التفتنا لنرى الحافلة البيضاء يبرز منها وجه عم محمد الأسمر الباسم يطالعنا فيجبرنا على التهلل بدهشة و فرحة رافعين أيدينا بتلقائية دون أن نشعر.
اتجهنا إليه من فورنا و بادره زوجي يقول بابتسامة واسعة:
- لقد أرسلك الله نجدة، كنا نبحث عبثا عن سيارة!
ابتسم و قال ببساطة:
- ظننت ذلك.
* * *
بعدها توقفنا عن الدهشة و عن الفضول،
و اكتسب وجهانا تهلل الجميع لمرآه، و ارتفعت أيدينا لتحيته مثل الآخرين.
عندها فقط فهمناه، و قد أمسينا من رعاياه،
عرفنا سر ملكه و جوهرة تاجه الخفي،
عرفنا من هو عم محمد، و لماذا هو ملك مطروح!
* * *
تعليق