تكيسر مجاذيف
جلس "العمدة " بين أقاربه وأخذ يحدثهم عن نية سعيد أبو خيال في بناء بركة سباحة في القرية، معرباً لهم عن حماسه الشديد للمشروع الذي تفتقر القرية لمثله، ثم ختم حديثه قائلاً في حماس أضفى على الموضوع شيئاً من الأهمية:
- ولأن المشروع دخل دماغي، سوف أقدم التسهيلات اللازمة لإنجازه في أقرب وقت..
تبادل أقرباء" العمدة" النظرات لقراءة ما ظهر على الوجوه، مما يدور في الرؤوس، وسرعان ما اختلط لغطهم وإن كانوا قد اجمعوا، على معارضتهم الشديدة في أن ينال سعيد أبو خيال شرف تنفيذ هذا المشروع، الذي أدركوا مدى أهميته، وحاجة القرية إليه، ذلك إلى أن وقف الاستاذ سمير، المعروف بحنكته وخبرته، وبحبه الكبير للعائلة لدرجة التعصب.. فاشرأب بعنقه قائلاً بصوت فيه حدة أوقفت الكلمات على شفاه الجميع:
- لماذا لا نقيم نحن هذا المشروع؟ خاصة وأن القرية بحاجة إليه فعلاً.. وهو مشروع بلا شك مربح للغاية، أضف إلى ذلك أننا سوف نكون أولياء نعمة من نشغلهم فيه.
ثم صمت للحظة أدار فيها ناظريه في الوجوه من حوله، ليستطلع أثر كلماته عليهم، وعندما بدت له علامات الموافقة على جميع الوجوه، اطمـأن لوجهـة نظره، وهم بمواصلة حديثة، إلا أنه فوجئ بالشاب كامل الممتلئ حيوية يقول بصوت امتلأ بالحماس والسرور:
- ولكن أرجو الإسراع في تنفيذ المشروع، لأننا نريد أن نسبح.. فالصيف على الأبواب..
فهز العمدة رأسه وقد ارتسمت على محياه ابتسامة رضى وهو يقول:
- الحقيقية أنها فكرة جيدة، ومن شأنها تعزيز مكانة العائلة في القرية، ألم أقل لكم دائماً بأن رأي الشباب مهم في أية موضوع؟!
فأسرع الاستاذ سمير إلى القول:
- يجب أن لا يفلت هذا المشروع من بين أيدينا..
فقال العمدة بصوت لم يخل من توتر وضيق وقلق وتردد:
- ولكن هناك مشكلة يا جماعة، فماذا يقول الرجل عني خاصة أنني كنت قد أظهرت له حماسي الشديد للموضوع.. إن سحب المشروع منه سوف يثير حفيظته ويؤلب أقاربه ومعارفه علينا، وأنتم تعلمون أننا بحاجة إليهم في الفترة القادمة من أجل أصواتهم الانتخابية على الأقل.. فالانتخابات على الأبواب.. ويمكن اعتبار الأمر كنوع من ذر الرماد في العيون.. نحن لا نريد احراجات ولا ما يحزنون..
ثم توجه العمدة بنظراته نحو أبي بسام وهو يقول:
- هل يوجد لديك حل لهذه المعضلة يا أبا بسام؟!
كان أبو بسام رجلاً قصير القامة، يتمتع بحنكة ودهاء ولسان سليط لا يوفر احداً دون ان ينتقده وكانوا يسمونه حلال العقد، وغالباً ما كان يحرص العمدة على استشارته عند الملمات. واستدارت الرؤوس نحو أبي بسام، الذي حاول أن يمط عنقه، لتطول قامته حتى يظهر من المقعد الذي غاص فيه.. أدار ناظريه في الجميع حتى ساد الصمت.. تجشأ ثم تنحنح قبل أن يقول بصوته الجهوري الذي يرتفع فوق قامته:
- لا عليك يا عمدة سوف نعفيك من المواجهة.
فقال العمدة بصوت غابت عنه الثقة:
- كيف؟ كيف يا أبا بسام؟ المهم أن تكون وجهة النظر مقنعة..
فهز أبو بسام رأسه وقد ظهرت عليه علامات الثقة، ثم قال موجهاً حديثة إلى العمدة:
- تظاهر بمواصلة حماسك ونحن نتدبر الأمر.
فعاد العمدة يتساءل:
- ماذا ستعمل؟
فقال أبو بسام بلهجة واثقة:
- أنا أتكفل بوضع خطة تحبط الرجل وتفشل المشروع ولو مؤقتاً، وبعد فترة، عندما تهدأ الأمور نباشر في بناء البركة ولا من شاف ولا من سمع.. ولكن دعوني أفكر وأخطط كي أصل إلى أنجع الطرق بهدوء.. وكل ما أطلبه منكم الآن هو الدعاء لي بالتوفيق..
فأخذ عدد من الحضور يلحون في معرفة التفاصيل، مما اضطر أبو بسام إلى القول:
- يا جماعة.. يا جماعة.. داروا حوائجكم بالكتمان.. المهم أننا متفقون على الهدف، ولكن التفاصيل دعوها لي كي أتدبر أمرها.. وأنتم تعلمون أن كثرة الطباخين تفسد الطبخة.. وأنا أريد الطبخة أن تستوي على نار هادئة…آهذه أول مرة؟!
فعلق الاستاذ سمير في عدم اقتناع:
- طيب.. أطبخ كما تريد.. ولكن ليس خطأ أن نعرف نوع الطبخة، لأننا نحن الأكيلة..
وتدخل العمدة قائلاً في جفاء:
- يا أخي.. دعه يطبخ ولن نَزْور في أكل طبخته حتى لو كانت شربه خروع..
فهز أبو بسام رأسه قائلاً في عتاب:
- الله يسامحك يا عمدة.. هل سبق وأن أسقيتك خروع..
فقال العمدة في شبه اعتذار:
- الحقيقة لا.. ولكن….
فقاطعه أبو بسام قائلاً:
- إذاً دعوا الأمر لي واتكلوا على الله.. ولن يكون إن شاء الله إلا ما تريدون..
ثم غادر أبو بسام دون أن يتحدث عن خطته.. وفي اليوم التالي بدأت تنتشر شائعة في القرية عن أٌنسان ينوون إقامة بركة سباحة سياحية مختلطة مما قد يساعد على وجود بؤرة فساد أخلاقي في القرية.. كيف وأن القرية محافظة وأنها ما زالت تحافظ على الاعراف والتقاليد.
فهرع وجوه القرية من كل العائلات إلى منزل العمدة ليستفسروا عن تلك الشائعة، فوقف العمدة وهو في حيرة من الأمر في البداية، ولكن سرعان ما راح يضرب كفاً بكف وهو يقول للناس:
- يا جماعة.. الحقيقة أن سعيد أبو خيال قد جاء وعرض علي نيته في إقامة مشروع بركة وأنا أيدته لأنني لم أجد في الأمر غضاضة..
فوقف أحد الشيوخ من أقرباء سعيد أبو خيال ليقول:
- له يا عمدة.. أنت تعرف سعيد وتعرف طيشه.. المادة قد أغمضت عينيه عن كل شيء.. ولكن نحن يجب أن لا نسكت عن أمور الفساد.. كيف يكون الحال غداً عندما نرى بناتنا وشبابنا وهم عرايا تحت الماء.. ماذا يمكن أن يحدث.. صحيح الدنيا آخر وقت.. والله اني أرى علامات الساعة تظهر الواحدة تلو الأخرى.. الله يتوب علينا..
فظهرت الدهشة والغيظ على وجه العمدة الذي اسرع يقول:
- صحيح.. كيف ما دارت هذه الشغلة على بالي.. بس أنا بقول..
فقاطعة رجل أخرى قائلاً:
- الشغلة أصبحت واضحة مثل عين الشمس.. وأنا أقول: انسوا الموضوع وطبوا ع الخبر ماجور.. ويا دار ما فتك شر..
-هي عند قولك..
ثم خرج الكل من دار العمدة وهم مجمعون على رفض الموضع جملة وتفصيلاً، مما إدى إلى إصابة سعيد أبو خيال بإحباط شديد، إلا أنه سرعان أقامت البرك في القرية المجاورة .. وبعد عام تقريباً دخل العمدة على جماعته ليعلن لهم بأن أبا عماد ينوي إقامة مشروع معصرة زيتون، فهبت جماعته تطالب بأن يكونوا هم أصحاب الشرف وعاد أبو بسام ليصدر فتاواه.. وضاع مشروع جديد كان من الممكن أن يفيد القرية.. وتساءل أحد المثقفون من أبناء العائلة الذين تلقوا تعليمهم العالي:
- يا جماعة ألا ترون معي بأن قريتنا بحاجة إلى الكثير من المشاريع حتى تجاري القرى المجاورة؟ الناس صاروا وتصوروا ونحن ما زلنا محلك سر..
فرد عليه أحد الكهول قائلاً:
- يا بني أنا تجاوزت التسعين من عمري.. وطول عمري اسمع عن مشاريع، وكلها تطير وتنفذ في القرى المجاورة.. أننا لا نجيد إلا الكلام، وتكسير مجاذيف الآخرين.. اسمعوا من هالشيبة.. بلدنا عمرو ما بقوم فيها مشروع ما دامت الأمور تسير على هذا الحال.. حلال عليّ ومحرم على غيري.. يا جماعة فضوها سيره.. ما دمنا ما بنعرف إنفكر غير هيك عمرها ما بتقوم إلنا قايمة.. لكن ما دمنا غير قادرين على العمل لندع غيرنا يعمل..
فعلق أبو بسام في سخرية وهو يمط رقبته:
- هزلت.. نحن رؤوس القرية.. لم يبق إلا أن تقول للعمدة استقيل ودع غيرك يقوم في حمل البلد.. الظاهر انك خرفنت..
فقال الشاب المثقف:
- أفضل طريق للعمل أن تعمل بصمت ودع الجميع يفاجأون بعملك..
فقال أبو بسام بصوت غاضب:
- كيف؟ هل تعتقد بأن الأمور سايبه أم أنك ناوي تفتحها على الغارب…
فقال الشاب وهو يهم بالمغادرة:
- من فمك لباب السماء.. ليتها تفتح لنرى النور والفرج..
فصاح أبو بسام وتبعته صيحات، وساد هرج ومرج، واختلط الحابل بالنابل ولم يعد أحد يميز صوتاً من آخر..
جلس "العمدة " بين أقاربه وأخذ يحدثهم عن نية سعيد أبو خيال في بناء بركة سباحة في القرية، معرباً لهم عن حماسه الشديد للمشروع الذي تفتقر القرية لمثله، ثم ختم حديثه قائلاً في حماس أضفى على الموضوع شيئاً من الأهمية:
- ولأن المشروع دخل دماغي، سوف أقدم التسهيلات اللازمة لإنجازه في أقرب وقت..
تبادل أقرباء" العمدة" النظرات لقراءة ما ظهر على الوجوه، مما يدور في الرؤوس، وسرعان ما اختلط لغطهم وإن كانوا قد اجمعوا، على معارضتهم الشديدة في أن ينال سعيد أبو خيال شرف تنفيذ هذا المشروع، الذي أدركوا مدى أهميته، وحاجة القرية إليه، ذلك إلى أن وقف الاستاذ سمير، المعروف بحنكته وخبرته، وبحبه الكبير للعائلة لدرجة التعصب.. فاشرأب بعنقه قائلاً بصوت فيه حدة أوقفت الكلمات على شفاه الجميع:
- لماذا لا نقيم نحن هذا المشروع؟ خاصة وأن القرية بحاجة إليه فعلاً.. وهو مشروع بلا شك مربح للغاية، أضف إلى ذلك أننا سوف نكون أولياء نعمة من نشغلهم فيه.
ثم صمت للحظة أدار فيها ناظريه في الوجوه من حوله، ليستطلع أثر كلماته عليهم، وعندما بدت له علامات الموافقة على جميع الوجوه، اطمـأن لوجهـة نظره، وهم بمواصلة حديثة، إلا أنه فوجئ بالشاب كامل الممتلئ حيوية يقول بصوت امتلأ بالحماس والسرور:
- ولكن أرجو الإسراع في تنفيذ المشروع، لأننا نريد أن نسبح.. فالصيف على الأبواب..
فهز العمدة رأسه وقد ارتسمت على محياه ابتسامة رضى وهو يقول:
- الحقيقية أنها فكرة جيدة، ومن شأنها تعزيز مكانة العائلة في القرية، ألم أقل لكم دائماً بأن رأي الشباب مهم في أية موضوع؟!
فأسرع الاستاذ سمير إلى القول:
- يجب أن لا يفلت هذا المشروع من بين أيدينا..
فقال العمدة بصوت لم يخل من توتر وضيق وقلق وتردد:
- ولكن هناك مشكلة يا جماعة، فماذا يقول الرجل عني خاصة أنني كنت قد أظهرت له حماسي الشديد للموضوع.. إن سحب المشروع منه سوف يثير حفيظته ويؤلب أقاربه ومعارفه علينا، وأنتم تعلمون أننا بحاجة إليهم في الفترة القادمة من أجل أصواتهم الانتخابية على الأقل.. فالانتخابات على الأبواب.. ويمكن اعتبار الأمر كنوع من ذر الرماد في العيون.. نحن لا نريد احراجات ولا ما يحزنون..
ثم توجه العمدة بنظراته نحو أبي بسام وهو يقول:
- هل يوجد لديك حل لهذه المعضلة يا أبا بسام؟!
كان أبو بسام رجلاً قصير القامة، يتمتع بحنكة ودهاء ولسان سليط لا يوفر احداً دون ان ينتقده وكانوا يسمونه حلال العقد، وغالباً ما كان يحرص العمدة على استشارته عند الملمات. واستدارت الرؤوس نحو أبي بسام، الذي حاول أن يمط عنقه، لتطول قامته حتى يظهر من المقعد الذي غاص فيه.. أدار ناظريه في الجميع حتى ساد الصمت.. تجشأ ثم تنحنح قبل أن يقول بصوته الجهوري الذي يرتفع فوق قامته:
- لا عليك يا عمدة سوف نعفيك من المواجهة.
فقال العمدة بصوت غابت عنه الثقة:
- كيف؟ كيف يا أبا بسام؟ المهم أن تكون وجهة النظر مقنعة..
فهز أبو بسام رأسه وقد ظهرت عليه علامات الثقة، ثم قال موجهاً حديثة إلى العمدة:
- تظاهر بمواصلة حماسك ونحن نتدبر الأمر.
فعاد العمدة يتساءل:
- ماذا ستعمل؟
فقال أبو بسام بلهجة واثقة:
- أنا أتكفل بوضع خطة تحبط الرجل وتفشل المشروع ولو مؤقتاً، وبعد فترة، عندما تهدأ الأمور نباشر في بناء البركة ولا من شاف ولا من سمع.. ولكن دعوني أفكر وأخطط كي أصل إلى أنجع الطرق بهدوء.. وكل ما أطلبه منكم الآن هو الدعاء لي بالتوفيق..
فأخذ عدد من الحضور يلحون في معرفة التفاصيل، مما اضطر أبو بسام إلى القول:
- يا جماعة.. يا جماعة.. داروا حوائجكم بالكتمان.. المهم أننا متفقون على الهدف، ولكن التفاصيل دعوها لي كي أتدبر أمرها.. وأنتم تعلمون أن كثرة الطباخين تفسد الطبخة.. وأنا أريد الطبخة أن تستوي على نار هادئة…آهذه أول مرة؟!
فعلق الاستاذ سمير في عدم اقتناع:
- طيب.. أطبخ كما تريد.. ولكن ليس خطأ أن نعرف نوع الطبخة، لأننا نحن الأكيلة..
وتدخل العمدة قائلاً في جفاء:
- يا أخي.. دعه يطبخ ولن نَزْور في أكل طبخته حتى لو كانت شربه خروع..
فهز أبو بسام رأسه قائلاً في عتاب:
- الله يسامحك يا عمدة.. هل سبق وأن أسقيتك خروع..
فقال العمدة في شبه اعتذار:
- الحقيقة لا.. ولكن….
فقاطعه أبو بسام قائلاً:
- إذاً دعوا الأمر لي واتكلوا على الله.. ولن يكون إن شاء الله إلا ما تريدون..
ثم غادر أبو بسام دون أن يتحدث عن خطته.. وفي اليوم التالي بدأت تنتشر شائعة في القرية عن أٌنسان ينوون إقامة بركة سباحة سياحية مختلطة مما قد يساعد على وجود بؤرة فساد أخلاقي في القرية.. كيف وأن القرية محافظة وأنها ما زالت تحافظ على الاعراف والتقاليد.
فهرع وجوه القرية من كل العائلات إلى منزل العمدة ليستفسروا عن تلك الشائعة، فوقف العمدة وهو في حيرة من الأمر في البداية، ولكن سرعان ما راح يضرب كفاً بكف وهو يقول للناس:
- يا جماعة.. الحقيقة أن سعيد أبو خيال قد جاء وعرض علي نيته في إقامة مشروع بركة وأنا أيدته لأنني لم أجد في الأمر غضاضة..
فوقف أحد الشيوخ من أقرباء سعيد أبو خيال ليقول:
- له يا عمدة.. أنت تعرف سعيد وتعرف طيشه.. المادة قد أغمضت عينيه عن كل شيء.. ولكن نحن يجب أن لا نسكت عن أمور الفساد.. كيف يكون الحال غداً عندما نرى بناتنا وشبابنا وهم عرايا تحت الماء.. ماذا يمكن أن يحدث.. صحيح الدنيا آخر وقت.. والله اني أرى علامات الساعة تظهر الواحدة تلو الأخرى.. الله يتوب علينا..
فظهرت الدهشة والغيظ على وجه العمدة الذي اسرع يقول:
- صحيح.. كيف ما دارت هذه الشغلة على بالي.. بس أنا بقول..
فقاطعة رجل أخرى قائلاً:
- الشغلة أصبحت واضحة مثل عين الشمس.. وأنا أقول: انسوا الموضوع وطبوا ع الخبر ماجور.. ويا دار ما فتك شر..
-هي عند قولك..
ثم خرج الكل من دار العمدة وهم مجمعون على رفض الموضع جملة وتفصيلاً، مما إدى إلى إصابة سعيد أبو خيال بإحباط شديد، إلا أنه سرعان أقامت البرك في القرية المجاورة .. وبعد عام تقريباً دخل العمدة على جماعته ليعلن لهم بأن أبا عماد ينوي إقامة مشروع معصرة زيتون، فهبت جماعته تطالب بأن يكونوا هم أصحاب الشرف وعاد أبو بسام ليصدر فتاواه.. وضاع مشروع جديد كان من الممكن أن يفيد القرية.. وتساءل أحد المثقفون من أبناء العائلة الذين تلقوا تعليمهم العالي:
- يا جماعة ألا ترون معي بأن قريتنا بحاجة إلى الكثير من المشاريع حتى تجاري القرى المجاورة؟ الناس صاروا وتصوروا ونحن ما زلنا محلك سر..
فرد عليه أحد الكهول قائلاً:
- يا بني أنا تجاوزت التسعين من عمري.. وطول عمري اسمع عن مشاريع، وكلها تطير وتنفذ في القرى المجاورة.. أننا لا نجيد إلا الكلام، وتكسير مجاذيف الآخرين.. اسمعوا من هالشيبة.. بلدنا عمرو ما بقوم فيها مشروع ما دامت الأمور تسير على هذا الحال.. حلال عليّ ومحرم على غيري.. يا جماعة فضوها سيره.. ما دمنا ما بنعرف إنفكر غير هيك عمرها ما بتقوم إلنا قايمة.. لكن ما دمنا غير قادرين على العمل لندع غيرنا يعمل..
فعلق أبو بسام في سخرية وهو يمط رقبته:
- هزلت.. نحن رؤوس القرية.. لم يبق إلا أن تقول للعمدة استقيل ودع غيرك يقوم في حمل البلد.. الظاهر انك خرفنت..
فقال الشاب المثقف:
- أفضل طريق للعمل أن تعمل بصمت ودع الجميع يفاجأون بعملك..
فقال أبو بسام بصوت غاضب:
- كيف؟ هل تعتقد بأن الأمور سايبه أم أنك ناوي تفتحها على الغارب…
فقال الشاب وهو يهم بالمغادرة:
- من فمك لباب السماء.. ليتها تفتح لنرى النور والفرج..
فصاح أبو بسام وتبعته صيحات، وساد هرج ومرج، واختلط الحابل بالنابل ولم يعد أحد يميز صوتاً من آخر..
تعليق