امرأة في زمن الرجال
عندما كنت في الثامنة من العمر... لم يكن بوسعي أن أواجه البشر بقوتي الحالية
لكن لم تخل نظرتي إلى المجتمع الذكوري من الاشمئزاز والرفض..!
عندما نيفت على الثلاثين ..واستحضرت الذاكرة الطفولية ..وقفت مهتما لتلك المرأة التي كانت وقتئذٍ منبوذة حتى فارقت الحياة قبل لا يزيد عن سنتين..وهي ضحية مجتمع ذكوري ظالم يبرر للرجل كل أخطائه مهما كبرت أو صغرت..ويعد اللفتة للمرأة ..التي هي بكل حالاتها محكومة بجرم هذا الرجل بالذات..فنيابة عنه اصدر المجتمع حكمه بالإعدام على تلك المرأة المظلومة..!!
اذكر عندما كنت في الثامنة..أن احد جيراننا وزوجته ذات ليلة كانا يسهران في بيتنا ..أمي وأبي وجارنا وزوجته يتهامسون...أفلتت منهم إلى مسامعي بعض الكلمات المنددة والشاجبة لموقف المرأة وأخرى مثلها للرجل..فكان الحديث عاماً منبثقاً عن حادثة...ومن مفردات الكلام قبل مغادرة الجيران بيتنا قال الجار لزوجته : لا تتعاملي مع هذه المرأة ولا تدعيها تدخل بيتنا..
قالت زوجته : وهل اطردها إذا أتت إلينا..؟
نعم اطرديها
لن اطردها...إلى أين ستذهب غير بيتنا..؟!
لتذهب إلى الجحيم..وهل أنا مسؤول عنها.؟
ستذهب إلى الجحيم إن لم يغفر الله لها ولكن.....
وقطع الجار على زوجته الكلام بصفعة على خدها شعرتها على خدي...ورفع يده ثانية فركضت زوجته إلى المطبخ واحتمت بداخله...وكان جارنا آخر من يحق له إدانة غيره..فقميصه قد من نحر لا من دبر..!
وكان رخوا إلى حد مشين أمام المرأة , وهو فاقد الشعور بالمسؤولية التي تقع على عاتقه اتجاه أسرته , عديم الإحساس إلى ابعد من التخيل ..كثير الخيبات , يعود إلى البيت في صباح اليوم التالي... يقضي نهاره نائما وليله عند المومسات..تاركا أسرته فريسة الفقر والجوع .. ولأنه منع دخول تلك المرأة إلى بيتهم –وهي قريبته لأمه – فقد كان محظورا على بناته التعامل معها .. ولأن تلك المرأة منبوذة لدى المجتمع ككل.. شعرت أن دخولها إلى أي بيت سيسبب المشاكل لكل الأسرة .. فاختصرت ولم تدخل أي بيت.
في احد الأيام شديدة الحر .. ندهتني أمي - رحمها الله – وأعطتني بعض ما تيسر من طعام طالبة مني أن أوصله إلى المرأة الجالسة تحت شجرة صنوبر قريبة من بيت جدي.. ذهبت إلى المرأة خائفاً , تذكرت ما حصل في بيتنا عندما كان جارنا وزوجته يسهران عندنا.. وتذكرت تلك الصفعة والكلام الذي قيل عنها.. فرسمت في خيالي صورة قبيحة لتلك المرأة ,, فقررت أن أعطيها الطعام واهرب إلى البيت , لكن المرأة كان شكلها غير بشع كما تصورت.. كانت كأي امرأة أخرى ...وبدلا من الهروب...أنست بها وأشفقت عليها خاصة بعد أن مسدت شعري وبكت بمرارة.
وعندما كبرت وأصبح بوسعي إدراك الأمور على نحو مقبول..طلبتُ من أمي أن تقص علي قصة تلك المرأة ..
كانت تسكن في منطقة نائية مع أولادها , وذات ليلة .. تعرضت للاغتصاب في غياب زوجها الدائم عن البيت دون أن تتمكن المسكينة من صد هؤلاء المجرمين أو مقاومتهم .. ولم يستجب أحدا لصراخها لأنه لم يصل إلى مسمع احد..!!
الزوج..بعد عودته صباحا كعادته..أخبرته بما حصل..فحملها على ما تكره وطردها من البيت , اتهمها بالزنى وبأنها هي التي سربت خبرا للجناة بان زوجها غائب..ولم يفد قسمها على مقاومتهم ما استطاعت.. أرت زوجها آثار العنف والكدمات على جسدها... إلا أن الزوج " الغيور على شرفه " اكتفى بطلاقها منه لغسل العار .. فلم يذبحها كما هو العرف ..على أنها " خائنة " !!
كان على جارنا أن يدافع عن قريبته لرفع الظلم النازل بها.. غير انه تصرف كذكر في مجتمع ذكوري شعاره (أعوذ بالله من جنس النساء) إلى آخر الشعارات التي وضعتها رجعية الأفكار لصالح الذكر.
المجتمع ككل وقف ضد المرأة إلا فئة قليلة حاولت بالنصح دفع الأذى وإفهام الزوج بما في المنطق من ترجيح كفة العقل أن امرأته ليست خائنة وأنها اغتصبت بالقوة...!!
الزمن كان إلى جانب الرجل .. حيث القرن الماضي كان موبوء بالجهل والظلم الاجتماعي.
وبعد ثلاثين عاما أقول : جاء دوري لأكف الأذى عن المرأة وأفسح لها المجال كي تأتي إلينا وان تشعر بالدفء بيننا ونعمة العودة إلى العائلة التي قدحتها كباقي العائلات.
سُرت هذه المرأة واطمأنت يوما بعد يوم .. واعتبرَت ذلك رفع الظلم عنها وان الله يسر لها عائلة تعطف عليها مكافأة من الله على صبرها طوال تلك السنين.. وأنها منحت صك غفران.. وإذا كان الموت قد تربص بها طويلا فإنها على كل حال ماتت هانئة مطمئنة.
تعليق