ماذا أقول لسعيد ؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد عبد السميع نوح
    عضو الملتقى
    • 14-11-2008
    • 108

    ماذا أقول لسعيد ؟

    تظاهرت بالانشغال في تحضير دروسي ، قلت لسعيد : أجيبك في الحصة الأخيرة، انصرف وترك لي عينين جديدتين أقلبهما ، واحدة في هذه الدعوة الملقاة علي مكتبي ، والأخري علي سعيد وسنين سعيد .
    أربعون سنة بيني وبينك يا حبيبة القلب ، أرويها بدموعي ودمي لو كان ذلك مجديا ، مسافة لا تحسب إلا بحساب سرعة الضوء ، بيني وبين نجم في البعيد ، وهو شاخص للعين في كل ليلة بكل سماء .
    قال سعيد : أريد أن أسأل سؤالا يا أستاذ ؛ ففرحت كعادة المدرسين ـ أو هكذا أظن ـ بأن تلميذا سيسأل ، تصورت واستحضرت بضاعة السنة الرابعة الابتدائية ، لم تغادر عيني تلك الدعوة الملقاة علي مكتبي ، تختصرتسعا وثلاثين قارة من قارات النوى . بقيت قارة واحدة ، هي أن أصطحب من يرضي الصحبة من الأولاد ، فأستقل التاكسي من ميدان المحطة إلى نادى نقابة الزراعيين لحضور عرس ابنتها ( رنا ) .
    لاشك أنها ليست صاحبة الدعوة ، ولا زوجها ، الأقرب للفهم أنه زوج اختها الذى أصرعلى أن يبقى الود بيني وبينه فى مناسبلت الزواج والموت قائما .
    قال سعيد : كلمني يا أستاذ عن الحب .
    قلت : الحب فضيلة وغريزة سامية ، بل أسمى ما ركب فى الإنسان من غرائز .
    عم محمد الشبشيري يصف من سلمه الدعوة باليد : رجل فى حوالى الستين أو أقل قليلا ، متفحم الشعر والملابس ، عيناه حمراوان بدرجة مثيرة للشفقة ، يحاول أن يبدو مبتسما ، إلا أنك سرعان ما .. قلت له : ياعم محمد ناقص تقول فيه شعر . ثم فهمت أنه دس فى يد عم محمد الشبشيري خمسة جنيهات .
    راحت أصابعى تقلب فى دفتر التحضيرتقليبات لا معنى لها ...للجنيهات رائحة فى العيون ، وللسنوات رائحة فى الأرواح ، ولحبها رائحة ومذاق .
    لايظنن ظان أن الولد الشقى ( محمد الزرقانى ) حين نتش مني صورتها فمزقها نتفا صغيرة طيرها فى الهواء لكى أستريح من عذاب ذكرياتها، أنى استرحت .
    حاشا ثم حاشا ، ثم الثالثة حاشا وكلا . لقد خطف الأفق هاتيك القصاقيص ليصنع منها النموذج الأمثل الذى لايتخيل أى عاشق أخيل منه .
    حدث هذا بعيد رحيلها عن البلدة مباشرة ، فقط بعده بخمس سنوات ، وماخمس سنوات ؟ إنها تنهيدة في عمر هذا الحب .
    الحب فضيلة و غريزة سامية ، فقاطعنى سعيد : يا أستاذ ستقول ومنها حب الوطن والأب والأم ، كل هذا مفهوم ، وأنا أحفظ كل الأناشيد :
    مصر العزيزة لى وطنْ .. وهى الحمى وهى السكنْ .. وهى الفريدة فى الزمنْ وجميع ما فيها حسنْ .. لسمائها الـ .. قلت : كفى يابنى ، لابد أنك تقصد الحب الأعلى ، حب الله ورسوله .قال : يا أستاذ ومن ذا الذى لا يحب الله ورسوله ؟ يا أستاذ حاول تفمهنـ ... .
    ما زلت حتى اللحظة لم أفهمه . تجاوزت نصف العقد السادس ، هذا الحب غض طرى ، هل كان مساء البارحة ؟ لم تستهلكه السنوات ، ولا أحسبها تقدر .
    ذات محاولة يا عم محمد ادخرت خمسة جنيهات خلال العام الدراسى سبعة وستين ثمانية وستين من القرن الذى مضى بها ، أتعرف كيف ؟ لم يكن لى مصروف متفق عليه ، كان القرش من عمى على القرش من خالى على القرش أمتصه من بعض مشاويرى لشراء أشياء أعمامى وأخوتى على ثمن كتبى المدرسية ، نعم ، كنت و صديقى مجدى نكتفى من كل كتاب بنسخة ، كانت تكفينا وتفيض . فلم تنته السنة إلا ومعى جنيهاتى الخمسة ، قد يتحقق بها حلمى
    ـ حلمك ؟ أى حلم يا بنى ؟
    كأنه يسألني ، وكأنما كنت أحكى له .
    لابد يا عم محمد أنك عاصرت أو سمعت عن ( العصر الطبلوى ) كالعصر الطينى والبرونزى ..الخ . من أهم سماته أن توضع الطبلية فى وسط الدار أو حجرة فسيحة وفى وسطها لمبة الجاز نمرة خمسة ، فإذا كانت الأمور فى اتساع فنمرة عشرة ، نجلس نحن بنى العمومة أو الخئولة أو الجيرة أو الصداقة نتحلق حولها مستذكرين متسامرين .
    يخرج عم محمد ويدخل ، من وإلى حجرة المدرسين ، يرتب أعماله كعادته ، لم أشعر من قبل بقدر ما أشعر الآن أن له عينين تكادان تتخللان مسام صدرى ليطبطب على هذا القلب المكسور . لكأننى أحكى له ، ولكأنه سائلى :
    ـ لم تقل .. أى حلم ؟
    ـ صبرك ياعم محمد .
    ـ فإذا لم يكن حب الوطن ولا الأب والأم ولا الحب الأعلى فأى حب يا سعيد ؟
    ـ البنات
    كان أجمل شيء هو السينما ، وخاصة أيام الأحد ، أزوغ من المدرسة فأدخل حفلة الصباح ، عالم آخر من السحر والمتعة ، لا هذا البائس .
    إذا قدم للأولاد شاى أوطعام فى لحظات غيابى المؤقت عن الطبلية قالت لهم : انتظروا محمدا ، إذا قيلت نكتة تعيدها لى ، إن استشكل عليها درس ، لا تفهمه من غيرى . أكنت أحتفظ لنفسى بمتعة السينما دونها ؟ نظراتك تتهمنى ، ... بصراحة كنت أشعر أن السينما هي الفرصة الوحيدة ، الأرض المقدسة التى تتحمل هذا البوح .ـ ............................ ؟
    ـ هل جننت ؟ أيمكن أن أبوح لها ؟ مثلها الأعلى ! قدوة الأولاد فى الأسرة ! القدوة التى يتغنى بها الكبار. وتتصور أن أبوح لها ؟ أقول أحبك ؟؟؟ والناس تحبو نحوهذه الكلمة ببطء شديد فإذا حققوها لم يلفظوها وكنوا عنها بأخواتها غير الشقيقات ، وهل لها شقيق ؟ فالإعزاز والمودة والاحترام ليست مما نحن فيه .
    ما بال سعيد بقول : البنات
    ـ طبعا ياسعيد ، كلنا نحب البنات كما نحب الصبيان ، و نحب الشمس والقمر والسماء والنجوم والهواء والطيور وكل شيء خلقه الله .
    نظر إلى بغيظ محسوب على الاحترام وقال : يا أستاذ أكلمك عن الحب الحب ! ألم تحب ؟
    بلى ، كدت أجن لهفة كلما تخيلتها معى فى السينما ، أقصى ما كان يمكن أن تصل إليه سفينتى الفضائية وسط هذا السديم البشرى هو أن تتلمس أناملى خشونة معطفها شتاء أو نعومة بلوزتها صيفا . أضع يدى حول كتفيها وقاية لها من هواء مجال أى إنسان أن يمس هواء مجالها . حلم دام سنة ، القارة الأولى فى هذا العالم . كلما تمدد العمر سنة تمددت المسافة ؛ فانشقت الأرض عن قارة جديدة بيننا ؛ ليلتقى الزمان والمكان فى اللاشيء ، لعله في هذه الدعوة . تراءى لي وجه سعيد كأنما يتعجل الجواب ، تضاخم حتى ملأ الأفق .. أخرج لى لسانه . ستة وخمسون عاما ، قلتها للا أحد :
    ـ كم تبقى من الوقت ؟
    ـ لا شيء ... قالها عم محمد ينبهنى لموعد حصتى ( الأخيرة ) كنت أسأل عن شيء آخر . أقف على أطراف الوقت ، هي على الطرف الآخر ، القرار على طرف لسانى : أذهب لاأذهب . ملامحى لم تتغير كثيرا ، وإن تغيرت ، ما الجدوى ؟
    أقصى طرف للقارة الأولى أقرب طرف الثانية ، فى هذا الميدان يتجمع الآلاف من طالبات الإعدادى والثانوى عند المرواح ، على بعد مئات الأمتارتنتقيها عيناى فلاتضلانها بحال .ولو من سنتيمترواحد فى غطاء رأسها أو انسيابية كتفيها
    فإذا كنت فى الميدان فى غير موعد المرواح توجهت من فورى إلى الحافلة التى تقلها وزميلاتها .. الحافلة دخلت قلبى بشفاعتها ، أحببت كل مسمار بها ، كل إطار من إطاراتها ، كل سلخة كاوتش في أى إطاركانت تصنع صوت رفة أثناء السير تساق إلى أذنى كأبدع ما تكون الموسيقى ، أحصيت تفاصيلها جزءا جزءا ، تالله إنها لحافلة ما صنعت إلا لهذا الحب الذى ناء به البوح إلا التنفيس على هذا النحو . لم أوت شجاعة سعيد ، الموت قبل البوح ، بل الموت ولا البوح ، للبقعة الباهتة ـ أو قل الجرباء فى جسم الحافلة بقلبى ما لا يقدر قدره إنسان ـ
    أقول لسعيد : الحب عاطفة الإنسانية الخالدة .
    ـ بصراحة يا أستاذ أنا أحب زميلة لى فى الفرقة الثالثة ، أحس أنها تبادلنى شعورى ، وأسألك النصيحة بما تمتلك من خبرة وتجربة .
    ...
    السيارة تقترب من نادى الزراعيين ، مررنا بمدرسة الديوان الإعدادية للبنات ، أحزنني أنها هدمت وبنيت حديثا . طرحت عينى فى الميدان ، أكوام من القمامة لم تكن موجودة فى منتصف القرن الماضى ، نظرت أمام مسرح المدينة ، لا أثر للحافلة ، لم يمض على وقوفها هنا إلا أربعون سنة !
    تحسست جيبى المحشوبخمسمائة جنيه ، تذكرت الخمسة جنيهات ، عشرة قروش لتذكرتى السينما ، الباقي هدية لها بمناسبة الاعتراف ...ابتسمت .
    معى ما يكفى مائة حلم آخر . اتسعت ابتسامتى
    تذكرت يوم عزمت على خطبتها ومعى مائتا جنيه أتصورها الشبكة ،قال لى واحد من أقربائها : لقد تقدم لها من يملك أمام كل جنيه من جنيهاتك فدانا من الأرض .
    اختفت الابتسامة بسرعة . نور كشاف عند إشارة مرور ، أعدت قراءة الدعوة .
    كيف امتلأتُ طيلة النهار بهذا الهاجس ؟
    الدعوة من دار المسنين لحضورالأمسية الأدبية التى كثيرا ما شاركت فيها .
    ـ عد بنا يا أسطى إلى المحطة .
    ....................................
    ـ ماذا تقول ؟
    قلت: لا شيء
    كنت أحدث نفسى : ماذا سأقول لسعيد ؟
يعمل...
X