هذا نص للمبدعة القاصة المغربية : عتيقة بواردي
أعرضها عليكم للقراءة والتعليق
حتى تسجل في هذا المنتدى الراقي
يوميات مجاز " عفوا زبال "
عتيقة بواردي / المغرب
أفاق على المنبه اللعين الذي كره رنينه المزعج قبل صياح ديكة الحي الكئيب, "براريك" قاتمة حزينة كقلوب ساكنيها,يسمع ترنيمات جارهم السكير الذي عاد وقد بلغت منه الخمرة مبلغها,يغني تارة, ويسب ويلعن تارة أخرى " الله يلعن الحكومة اللي غلات علينا الدقيق , حتى الشراب (ولينا تنشربو الألكول) وحتى هو غالي". ; والزيت والخضرة
ضحك زبالنا المحترم مبارك و قال : العن من تشاء وكيفما تشاء فالحكومة لا تهتم بكلامكم ولا تخاف من البهائم مثلكم ولكنها لن تسمح بأبسط منه من لسان مثقف حكيم,فكل الحكومات تتمنى أن تموت ضمائر وعقول مواطنيها حتى لا يحاسبوها و يقفون لها شوكة في الحلق,لا تعجبوا من كلام هذا الرجل فهو مجاز في الحقوق وللأسف لم يتمكن من نيل حقه المستحق في العمل وهو الآن موظف مع البلدية كزبال بأول السلم وشتان مابين درجة سلمه ودرجات سلم الوزير أو النائب المحترم ,لا مجال للمقارنة بين جيب الأول النحيل وجيب الثاني المتضخم.
هيأت له زوجته الطيبة زينة المجازة أيضا في علم النفس إبريق شاي ووضعت بجانبه قطعة خبز اصلب من الحجر, فقد مضى على خبزها أكثر من يومين ,لن يفرطوا فيها بل يسدون بها رمق جوعهم , توضأ وصلى ثم التهم بعض القطع المغمسة في الشاي حتى لا تتأذى أسنانه أكثر مما هي عليه , ارتدى تلك الملابس الخاصة بالزبالين المحترمين ووضع القفازات اللازمة للشغل ثم ودع زوجته ,اطل إطلالة حنونة على أبنائه الذين استغرقوا في سبات عميق تحت موسيقى الإمطار وهي تنقر على السقف ألصفيحي , فقد ألفوا ذلك ولو قدر وتملكوا شقة كسائر العباد فأبدا لن تغمض لهم جفون لأنهم هناك سيفتقدون تلك الأصوات. تمتم وهو يرمي رجليه .خارج براكته: بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله , ومن هنا بدأ مغامرته النهارية مع عالم الزبال, تجلد رغم شراسة الصقيع وغزارة الأمطار وتوجه قاصدا البلدية ,هناك قام بعمله الأولي وهو تنظيف المقر المبجل, ثم امتطى الشاحنة ذات الروائح الخاصة مع صديقه صالح, العجيب في الأمر أن الابتسامة لا تغادر وجهه الوضاء ,ولسانه لا يكف من الجود على زملائه والمارة بكلمات تسليهم وتضحكهم.
شرع مبارك في تنظيف الأزقة والشوارع من قمامات وزبال تجود بها ساكنتها,ويظهر من ذلك أن هؤلاء يعانون من الشبع ولا مجال هنا للحديث عن أزمة الجوع .
"ذاك الزبال ابن الحرام (داز بكري) أو في الليل قبل ما نرمي الزبال", تلتقط أذن مبارك هذه الكلمات فيقترب من المرأة ويلقي عليها التحية ويأخذ من يدها حاويتها المتسخة وهي واقفة مذهولة لأنها تسرعت في الحكم وهو عائد لامتطاء الشاحنة,يسمع صرخات من امرأة "انتظر أيها الزبال"وتتمتم : "مالكم زربانين ياك تيخلصوكم على خدمتكم" ينظر إليها زبالنا المحترم نظرة استغراب ولا يجيبها فلا مجال لنقاش,غبي مع هذه المرأة المسكينة, لكن رجلا من سكان الحي يجيب وهو ساخط : ألا لا تتقوا الله في نفوسكم وفي هؤلاء الرجال الذين لا يعرفون لذة النوم ولا الراحة (باش يجمعوا ليكم زبلكم وديروا روسكم فبلاصتهم واش تقدروا تتحملوا ريحة الزبل؟ واش من خلاص علاش تتكلموا راه الأجر ديالو الشهري تخسروه في يوم واحد ).
يكبر مبارك هذه الشهادة من ذلك الرجل ولكن لو قالها ألف شخص آخر أو مليون ماذا سيغير ذلك في الأمر؟ الزبال هو الزبال والأجر هو الأجر والحال هو الحال والمستقبل له ولأبنائه مجهول ولكن شيئا واحدا يعزيه ويعطيه الأمل وحب الحياة هو يقينه بان الرزق في يد الله فلو كان بيد البشر لمات كل فقير ومحتاج ومقهور جوعا وعطشا لان المكلف بخزينة الأرزاق سيتعب لا محالة من..توزيع الأموال على أصحابها وسيستحوذ عليه الطمع تمر الساعات طويلة ومتعبة عند رجلنا المناضل ويعود لبيته عندما ينشر الليل أثوابه الحالكة....تستقبله زينة بابتسامة عريضة وترحيب يليق بالملوك وتدعوه لأخذ حمام لكم إن تتخيلوا كيف سيكون وسط دار صفيحية لا تتوفر على ابسط حقوقها لا ماء ولا كهرباء ولا دورة مياه ورغم ذلك يشكر مبارك ربه ويتناول مع أبنائه عشاء متواضعا وهم يمرحون ويتمازحون وبمجرد ما يضع رأسه على المخدة يستغرق مباشرة في النوم ولا ينتبه إلا على المنبه ليستقبل يوما جديدا من مغامراته مع الازبال .