الضائع
حين رفع الضابط يده لتهوي على وجه الشيخ السجين، دون سبب، لم يفطن إلى أن هذا الشيخ بعمر جده، أو أبيه ، أو أنه دكتور أو مهندس أو محام ، أو صاحب رسالة، أو مركز اجتماعي مرموق...
ورغم جهله لهذه الأمور إلا أنه يعترف أنه خلال جزء الثانية الذي سبق اللطمة تذكر أن هذا الشيخ ليس لصّا، أو تاجر مخدرات، أو قاتلا..
ومع ذلك لم يتردد، وهوت يده بشدة على وجه الشيخ
بلع الشيخ السجين غضبه بكبرياء، كما بلع بضعفه كمية كبيرة من الألم الجارح، وهو مدرك أن الكبرياء لا يحس بها صغار النفوس، وأن لها طعما لا يتذوقه إلا الأقوياء، حين يقعون في المحن، وأن للظلم رائحة عندما تمتزج بالجهل تطرح شرا...
ربما تمنى أن يتوقف الزمن، أو تنشق الأرض..أو تتصدع السماء فتهوي النجوم والشمس والقمر لتدك معاقل الظلم أينما كان...
لكنه اكتفى بأسبرين الصمت... ولم يقل أكثر من
"البحر الواسع لا تعكره ترعة"
ولم يزد !!!
قالها بلهجة الأب الغاضب ، المجروح من عقوق ولده، العاجز أمام ضياعه ...
ودارت الأيام..
.تاتي وتذهب.. كالطيور..كالغيوم ..
تترك جروحا وتداوي جروحا
واندمل الجرح تحت غبار الأيام وفتات الذكريات..
والشيخ في ظلمات السجن
والأيام..، كالمواسم، خصبة، مفرحة أو قاحلة من الفرح، مُرّة بجفافها.. حبلى بالمفاجآت.... لكن هذه المرة كانت غريبة المفاجأة، مزقت رائحة السجن المتغلغلة في ذكريات الأيام وخبايا النفوس، أمطرت رطوبة ودبقا، فتلتصق الثياب باجساد المساجين ، تزيدهم سجنا داخل سجن، وسجنا داخل حصار.. وحصارا داخل سجن.
ألهبت المفاجأة الحر المسلِّط، ألسنة من نار، تبعثر الذكريات ومسيرة الأيام،
وتلاشى السؤال في حدّة االدهشة تلاشيَ الظلام أمام النور.
وتنفرط لمّة المساجين المتآلفين مثنى وثلاث ورباع، حين فتح باب السجن، في غير ميعاد، فالوقت ليس وقت إفطار أو غداء، ولا هو وقت صلاة ، لأن الصلاة غير طبيعية وأنت ترفع يديك إلى الله ولا تدري إن كنت ترفعها إيمانا أو خوفا من البندقية المتربصة بك ، ولا حتى وقت قيلولة في الحر الشديد داخل الجدران السميكة المتعرّقة برائحة الرطوبة وعفن السجون.
فتح الباب الرواق، ووقف كل المساجين على أرجلهم، كما عوّدوهم
هذه المرة خيم صمت مشحون باستغراب ودهشة واسئلة تقف على حوافّ الألسنة، تريد أن تنطلق لكن الدهشة تلجمها...
اتجهت العيون كلها نحو الضابط المدفوع بعنف وسط الرواق، يرتدي ثياب المساجين بدلا من ثياب السجانين
أحاط به المساجين وعلى لسان كل منهم أكثر من سؤال..
كيف!؟ ..ولماذا!؟..وأين!؟.. ومتى!؟..
وعما إذا كان معه سجائر؟؟
تساءل الشيخ الذي كان أول من احتضن الضابط.. تساءل بصمت.. مع نفسه
صحيح!!
هل اهتزت مدينة الظلم التي كان يضرب بسيفها أو يتكئ ُعليه !!؟؟؟
هل انقلبت الدنيا خارج السجن؟؟
هل عاد العدل إلى اعتداله، بعد غياب أكثر من نصف قرن؟؟
هل سوّيت موازين الطبيعة المنحرفة عن موازينها والخارجة على طبيعتها؟؟
وبدون أن يفكر كثيرا، وتلقائيا احتضن الضابط...
ربما تخيل ابنه، أو أخاه أو أي إنسان عزيز عليه...
أحس أن الأرض الصلبة تميد به
قال موجها كلامه للضابط السجين:
تعال.. اقترب .. احك لي ماذا جرى؟؟
قال الضابط
ضربت سجينا غير عربي بعد أن شتمني ورفع الكرسي ليضربني وعيرني بعروبتي.
لاحت على وجه الشيخ ابتسامة حزينة لها أكثر من معنى
ظن الضابط السجين أن الشيخ يتذكر الماضي ويتشفى به فنفر وابتعد!
لم يزد الشيخ على أن ربت على كتف الضابط وقال
هدئ من روعك ، ولا تنس من أنت، على الأقل يهون عليك سجنك، وتتبخر نصف كمية الغضب المطل من بين عينيك!
بهت الضابط .وانكمش !
واندمج في رطوبة السجن منطويا على نفسه
وطوال مدة سجنه ظلت نظراته تهرب أمام نظرات الشيخ كي لا تلتقي بها..
بينما ظلت يد الشيخ وعينه ترعاه . [/color][/size][/b][/center]
حين رفع الضابط يده لتهوي على وجه الشيخ السجين، دون سبب، لم يفطن إلى أن هذا الشيخ بعمر جده، أو أبيه ، أو أنه دكتور أو مهندس أو محام ، أو صاحب رسالة، أو مركز اجتماعي مرموق...
ورغم جهله لهذه الأمور إلا أنه يعترف أنه خلال جزء الثانية الذي سبق اللطمة تذكر أن هذا الشيخ ليس لصّا، أو تاجر مخدرات، أو قاتلا..
ومع ذلك لم يتردد، وهوت يده بشدة على وجه الشيخ
بلع الشيخ السجين غضبه بكبرياء، كما بلع بضعفه كمية كبيرة من الألم الجارح، وهو مدرك أن الكبرياء لا يحس بها صغار النفوس، وأن لها طعما لا يتذوقه إلا الأقوياء، حين يقعون في المحن، وأن للظلم رائحة عندما تمتزج بالجهل تطرح شرا...
ربما تمنى أن يتوقف الزمن، أو تنشق الأرض..أو تتصدع السماء فتهوي النجوم والشمس والقمر لتدك معاقل الظلم أينما كان...
لكنه اكتفى بأسبرين الصمت... ولم يقل أكثر من
"البحر الواسع لا تعكره ترعة"
ولم يزد !!!
قالها بلهجة الأب الغاضب ، المجروح من عقوق ولده، العاجز أمام ضياعه ...
ودارت الأيام..
.تاتي وتذهب.. كالطيور..كالغيوم ..
تترك جروحا وتداوي جروحا
واندمل الجرح تحت غبار الأيام وفتات الذكريات..
والشيخ في ظلمات السجن
والأيام..، كالمواسم، خصبة، مفرحة أو قاحلة من الفرح، مُرّة بجفافها.. حبلى بالمفاجآت.... لكن هذه المرة كانت غريبة المفاجأة، مزقت رائحة السجن المتغلغلة في ذكريات الأيام وخبايا النفوس، أمطرت رطوبة ودبقا، فتلتصق الثياب باجساد المساجين ، تزيدهم سجنا داخل سجن، وسجنا داخل حصار.. وحصارا داخل سجن.
ألهبت المفاجأة الحر المسلِّط، ألسنة من نار، تبعثر الذكريات ومسيرة الأيام،
وتلاشى السؤال في حدّة االدهشة تلاشيَ الظلام أمام النور.
وتنفرط لمّة المساجين المتآلفين مثنى وثلاث ورباع، حين فتح باب السجن، في غير ميعاد، فالوقت ليس وقت إفطار أو غداء، ولا هو وقت صلاة ، لأن الصلاة غير طبيعية وأنت ترفع يديك إلى الله ولا تدري إن كنت ترفعها إيمانا أو خوفا من البندقية المتربصة بك ، ولا حتى وقت قيلولة في الحر الشديد داخل الجدران السميكة المتعرّقة برائحة الرطوبة وعفن السجون.
فتح الباب الرواق، ووقف كل المساجين على أرجلهم، كما عوّدوهم
هذه المرة خيم صمت مشحون باستغراب ودهشة واسئلة تقف على حوافّ الألسنة، تريد أن تنطلق لكن الدهشة تلجمها...
اتجهت العيون كلها نحو الضابط المدفوع بعنف وسط الرواق، يرتدي ثياب المساجين بدلا من ثياب السجانين
أحاط به المساجين وعلى لسان كل منهم أكثر من سؤال..
كيف!؟ ..ولماذا!؟..وأين!؟.. ومتى!؟..
وعما إذا كان معه سجائر؟؟
تساءل الشيخ الذي كان أول من احتضن الضابط.. تساءل بصمت.. مع نفسه
صحيح!!
هل اهتزت مدينة الظلم التي كان يضرب بسيفها أو يتكئ ُعليه !!؟؟؟
هل انقلبت الدنيا خارج السجن؟؟
هل عاد العدل إلى اعتداله، بعد غياب أكثر من نصف قرن؟؟
هل سوّيت موازين الطبيعة المنحرفة عن موازينها والخارجة على طبيعتها؟؟
وبدون أن يفكر كثيرا، وتلقائيا احتضن الضابط...
ربما تخيل ابنه، أو أخاه أو أي إنسان عزيز عليه...
أحس أن الأرض الصلبة تميد به
قال موجها كلامه للضابط السجين:
تعال.. اقترب .. احك لي ماذا جرى؟؟
قال الضابط
ضربت سجينا غير عربي بعد أن شتمني ورفع الكرسي ليضربني وعيرني بعروبتي.
لاحت على وجه الشيخ ابتسامة حزينة لها أكثر من معنى
ظن الضابط السجين أن الشيخ يتذكر الماضي ويتشفى به فنفر وابتعد!
لم يزد الشيخ على أن ربت على كتف الضابط وقال
هدئ من روعك ، ولا تنس من أنت، على الأقل يهون عليك سجنك، وتتبخر نصف كمية الغضب المطل من بين عينيك!
بهت الضابط .وانكمش !
واندمج في رطوبة السجن منطويا على نفسه
وطوال مدة سجنه ظلت نظراته تهرب أمام نظرات الشيخ كي لا تلتقي بها..
بينما ظلت يد الشيخ وعينه ترعاه . [/color][/size][/b][/center]
تعليق