فكها يا الفكاني ، هذا القطار حية خرافية تسعى ، ثور أهوج مندفع مثل أبيك لحظة نزا ذات ظلمة فأخرجك من العدم إلى الغمة ، من الظلمة إلى الظلمة ، ترم بومبا ...
إيه ، أنت تسجع يا الفكاني ، الروح شرهة للطرب ...
أبي سماني الفكاني ، دثرني بالفقر و الحرمان ، في قعر الوجود رماني ، و أنا أحب الخوخ مع الرماني ، واحد اثنان ، ترللالي ، فكها يا الفكاني .
الفكاني !
أي اسم غريب هذا ؟ أترى معناه يعود إلى قولهم " فك ، يفك " ؟ إذن كان الأحرى أن يسميك "الفكاك "ذلك يصح على زنة " فعل يفعل " ، على قولهم " فك زيد يفك فهو فاك " و إذا شئت المبالغة فهو فكاك ، وعليه تكون أنت " فعال " لكن أباك أبى إلا تسميتك " الفكاني " اسم مشوه لاعلاقة له لا بالفعل ولا بالمصدر ، و أغلب الظن أنه أعجمي ممنوع من الصرف على زعم اللغويين الضابطين المضبوطين ، فاعل مفعول ، و أنت انضبطت يوما فكنت منضبطا ، وضبطت فكنت ضابطا ، ثم ألفيت نفسك لاضابطا و لا منضبطا أي : لا فاعلا و لا منفعلا ،
يداك في جيبك
رجلاك في الشارع
عقلك في قلبك
قلبك في المطارح
على ذكر القلب مهوى الشمس دخن سيجارة . القوم في هذه العربة متأنقون متحذلقون ، ازعجهم قليلا ، احرج ما يحيطونه حول أنفسهم من هالة زائفة ، انفث دخان سيجارتك القاطع " ألجيريا " من غير شك إنهم يتأففون من جلستك المنكمشة و ياقة قميصك الملوثة بالعرق و الغبار . أنت نشاز بينهم ، و مع ذلك فهم النشاز و أنت الاتساق . نعم ، و أنت الانعتاق ، أنت الساق يقف ضد الساق .
ها قد عبق الجو بالدخان ، وهذه السيدة الأنيقة المبجلة الكاشفة عن أخدود صدرها تنظر إليك شزرا ، دخان " ألجيريا " أزعجها ، تفتح حقيبة يدها بأظافر من ذهب ، تخرج منديلا أطرى من لحم النهد ، ترش عليه العطر ثم تشتم أو تشتم ، لا عليك ، جناس ناقص ، رد فعل اصطناعي مستجلب على شاكلة كل شيء هذه الأيام ، مزيدا من الوقاحة يا الفكاني ، أنت الوحيد غير القابل للتهريب و التسريب ، منغرس في هذه الأرض بقدر ما فيها من الوجع .
اجذب نفسا أعمق على نخب أولاد الحارة أيام كنتم صغارا إذ يتحلقون حولك إذا ما ألغز عليهم و يصيحون راقصين : فكها يا الفكاني ، فكها ...
وكنت تفك و تفك ، ولما انكسرت البراءة تغير كل شيء ، ولم يعد مها فك ، ولم يعد لاسمك معنى ، هذا على فرض أنه يعود إلى فعل " فك" ، لكنك أثبت أن لا فعل له ولا مصدر ، لا يهم ، فقد كان ذلك بعضا من الانكسار الأول .
هيا دخن سيجارة أخرى على ذكر الوجع ، فقد تمطى النعاس في هذه الأجساد الرخوة . ركبتان انضمتا حينا في تحفظ ، ثم أرخاهما النعاس و الطريق الطويل فانحسرت التنورة ، وهاهو الانفراج المظلم يقود خيالك إلى باب جهنم يلهب فيك الغموض و الشوق و الامتلاء و اليقين و الصدى .
قمر هنا و قمر على باب داركم ، و الأقمار نسخ لكنها واحد : جمال و نقاء .
شمس فوق رأسي ، و شمس في قلبي ، و الشموس صور لكنها واحد : إشراق وبهاء .
كنت تحبو ، ما أجمل الحبو في صرح سليمان المبلط بالبلور فوق الماء ، وبلقيس تكشف عن ساقها خشية البلل ، و أنت تحبو على العتبات صوفيا في مسالكه بالبيت الكبير المقوس المقبب الملألئ المصدف بالأنوار و الزبرجد ، المفروش بالزرابي و الدمقس ، العابق بالمسك و العنبر ، المبخر بشذى الصندل ، المطعم بالفضة الذهب ، المختوم بالأسرارو الوجد ، إذ كنت تشق باب الخلوة وتخطف بصرك الأنوار ، تغمض عينك فيشع داخلك بالشموس ، تأخذك الدهشة و الذهول ، تسدر ، ما لا عين رأت و لا أذن سمعت ، و يصلك النداء همسا حميما ، تزحف حبوا ، جسد وهاج ، حار نابض ، تشرئب بعنقك إلى الصدر الفتي ، رمان مريم العذراء ، فاكهة في غير أوان ، تلقمه فمك ، يملأك ، يغمغم الصوت المفعم بالحب : " أنت الآن ترضع اليقين ، يرويك نبع الحقيقة " وتركب النشوة تجوب برا حوى شطأن اللا نهايات ونفى الأضداد فليس إلا الألق و الوجد و أنت البدء و اللا نتهاء .
وفي المساء حين عوى الذئب في فضائك أنكرتك الأشياء ،
وجاءت الليلة الثالثة بعد الألف ،
وصار البيت الكبير نهب الريح و الأشباح و الصحراء ،
و خملت جوعك و لهاثك ، يهلك الدهر و من مروا و زوروا ، والعجوز حيزبون تلقمك ثديا خاويا إلا من قيح و صديد .
وقلبت وجهك في السماء تشف ما وراء الأكمة إذ بصرك إذاك حديد ... و أفزعك ما رأيت ... بيد دونها بيد ... وغراب يبقر غرابا ثم يواري سوأته في الرمل و الدم ... و أنت ثمة ترضع شيب الحيزبون و تهذي بقطرة ماء ... فيجيب الصدى : آ ... لو يضرب موسى الرمل بعصاه فينفجر الخواء عيونا و أنهارا تفتق حدائق غلبا و فاكهة و أبا ... أو يلقف الحوت يونس فيطويك الصمت سنينا عددا ... ثم يزيد أخرى مددا ... لو يعاود القلب نبضه فتخفق الحمامة في الفضاء اللامنتهي و تلم البدء و المنتهى في كف بيضاء ... لو أن لك سقف بيت يحفظ ظهرك من العراء ... لو أن لك خبزة تروي ظمأ عينيك في المساء ...ماء ...فيجيب الصدى : آ ... لو كنت أمشي في الشوارع مليء الوفاض لا حذرا ، ولا برزخ بيني وبين الواجهات و البحر الأزرق الغامض كسنى الحلم في عيني العذراء إذا طاف في دنياها طائف ، لو ... لما عرضت نفسي في ساحة الشهداء مع ثلة من أصحابي نرقب بارونات النهب و الاحتكار رهن إشارة أصابعهم نحن إذا ما أقبلت شاحناتهم المعبأة بالاسمنت و الحديد و ما صار في عدادالمفقودات و الغش و التهريب . و تضحك وجوهنا الكالحة للفرصة المقبلة فتومض أسنانا التي لم تنهش اللحم منذ جنازة الحاج قدور الضارب أطنابه في " دلاس" من الجهة الغربية للمدينة ...
و تنشط سواعدنا المفتولة تفرغ الحمولة و تصففها في الأقبية المكيفة المنصوبة فوقها فيلات علتها هوائيات مقعرة شدتها إلى عالم العيب بتعبير جدتي الثكلى ، و رب الشواحن يحثنا عبر غليونه و كرشه المهتز أن نسرع في التفريغ ، و رجلا عبعوب ابن العشرين شتاء تلتويان تحت كيس الاسمنت المرصوص على كتفه تقيأته المدرسة العام الماضي كما تقيأتني قبله منذ أعوام بعد أن ظلت سنينا تغازل براءتي بمعسول الكلام المرصع بالسجع كالوشم المرصص في صدر الحيزبون بعد أن تهدل الثديان و برز العظم مما اصطلح عليه بعد حقا بلغة الخشب فكان أن تخشبت أنا في الأزقة و المقاهي ، خلف طاولات الكاوكاو و السجائر ، في موانئ الشحن و التفريغ ، في أقبية المتكرشين النهمين ، على جدران الحي الشعبي المنخورة بالرطوبة و العري ، في ربوع هذا البلد المهرب عبر المطارات في حقائب النساء ، و في شاحنات الآلهة عبر الصحراء ... ماء ... لكن رجليك في الرمل ووجهك إلى السماء ...وعيون الحيزبون باردة تحدق فيك بلامبالاة ... و الفاعل ضمير مستتر تقديره " هم " ، لغة تجيز القراءات سبعا و تمنح فاعلها مطلق السلطة ، و المفعول به أنا ، و أنا المفعول فيه يا سيبويه و يا أيها الذين ناموا على الأرصفة و تحت الجسور تحلمون بالدفء و الشروق ، أحمل حقيبتي المهترئة و ألهث في هذه الربوع أطارد النهارات بذراعي و تعبي ، وتطاردني الليالي في الحمامات و بالهكوع على كراسي المقاهي ، حتى إذا أظلم الفجر تسابقنا مجنونين إلى مواقع الشحن و التفريغ ، أشد سروالي المرقع ، أشحن و أفرغ أي شيء ، قد أفوز بخبزة اليوم فأطارد النهار ، وقد لا ، فيسحقني النهار بطيئا باللامبالاة و الصخب فأروغ في الأزقة ذئبا جائعا أتشمم رائحة الخبز و عطر النساء ... ماء ... آ ... لكن أرضك رجم و حياتك زقوم ... و يا أصحابي الذين توزعتهم بلاد الناس قلقول ، و قمقوم ، و دمدوم ، مسخوا أسماءكم فجعلوها على زنة فعلول ، و هربتم أنتم إلى إلى أحلام الضباب فحوصرتم في المطارات و و الموانئ و أشير إليكم " أشرار " ، و منغرس أنا في هذه الأرض علقة في حلق النهمين ...
مزيدا من الوقاحة ياالفكاني هذه السيجارة العشرون ...و أنت بهمك زيت ثقيل ينزلق على قلوب هؤلاء المتحذلقين ، فهم منك يتقززون ... لا عليك ... دعهم ما شاؤوا يتفعلون ... فأنت في نظرهم مجرد مأفون ...ها قد عدت إلى السجع ... فلتسجع أكثر ... نون ... ألا بئس ما يظنون ...أالمنفى لنا يبغون ؟ ... إنا ههنا على تنفسهم قاعدون ... طون ... هذا صفير القطار يحرث رأسي بالأخاديد ... فإلام و أنت حل و ترحال و شيب حيزبون ؟ ...فكها يا الفكاني ...فكها ... إن الذي يجري فوق الحسبان ... فكها ... فحياتك تيه في ربوع الظمأ و الهيم ، وسؤال يخدش وجه الأرض و السماء بحثا عن قطرة ماء ... و ليس لك إلا الصدى يجيب : آ ... ماء ... ماء ...
عندما زقزقت عجلات القطار متوقفة نزل الفكاني يواجه مدينة وهران بحذاء مفتوح و عينين زئبقيتين تمسحان الواجهات .
هرول في اتجاه ما ... ابتعد ... صار نقطة في الجمع ... تلاشى ....
حاشية :
" ألجريا " نوع من التبغ يحمل اسم الجزائر حاد وبلا مصفاة في عقبه .
" الهكوع " نوم المرء وهو جالس من شدة التعب و الارهاق
" الهيم " عطش شديد لايرويه ماء ، وهو داء يصيب الإبل فلاتروى مهما شربت .
إيه ، أنت تسجع يا الفكاني ، الروح شرهة للطرب ...
أبي سماني الفكاني ، دثرني بالفقر و الحرمان ، في قعر الوجود رماني ، و أنا أحب الخوخ مع الرماني ، واحد اثنان ، ترللالي ، فكها يا الفكاني .
الفكاني !
أي اسم غريب هذا ؟ أترى معناه يعود إلى قولهم " فك ، يفك " ؟ إذن كان الأحرى أن يسميك "الفكاك "ذلك يصح على زنة " فعل يفعل " ، على قولهم " فك زيد يفك فهو فاك " و إذا شئت المبالغة فهو فكاك ، وعليه تكون أنت " فعال " لكن أباك أبى إلا تسميتك " الفكاني " اسم مشوه لاعلاقة له لا بالفعل ولا بالمصدر ، و أغلب الظن أنه أعجمي ممنوع من الصرف على زعم اللغويين الضابطين المضبوطين ، فاعل مفعول ، و أنت انضبطت يوما فكنت منضبطا ، وضبطت فكنت ضابطا ، ثم ألفيت نفسك لاضابطا و لا منضبطا أي : لا فاعلا و لا منفعلا ،
يداك في جيبك
رجلاك في الشارع
عقلك في قلبك
قلبك في المطارح
على ذكر القلب مهوى الشمس دخن سيجارة . القوم في هذه العربة متأنقون متحذلقون ، ازعجهم قليلا ، احرج ما يحيطونه حول أنفسهم من هالة زائفة ، انفث دخان سيجارتك القاطع " ألجيريا " من غير شك إنهم يتأففون من جلستك المنكمشة و ياقة قميصك الملوثة بالعرق و الغبار . أنت نشاز بينهم ، و مع ذلك فهم النشاز و أنت الاتساق . نعم ، و أنت الانعتاق ، أنت الساق يقف ضد الساق .
ها قد عبق الجو بالدخان ، وهذه السيدة الأنيقة المبجلة الكاشفة عن أخدود صدرها تنظر إليك شزرا ، دخان " ألجيريا " أزعجها ، تفتح حقيبة يدها بأظافر من ذهب ، تخرج منديلا أطرى من لحم النهد ، ترش عليه العطر ثم تشتم أو تشتم ، لا عليك ، جناس ناقص ، رد فعل اصطناعي مستجلب على شاكلة كل شيء هذه الأيام ، مزيدا من الوقاحة يا الفكاني ، أنت الوحيد غير القابل للتهريب و التسريب ، منغرس في هذه الأرض بقدر ما فيها من الوجع .
اجذب نفسا أعمق على نخب أولاد الحارة أيام كنتم صغارا إذ يتحلقون حولك إذا ما ألغز عليهم و يصيحون راقصين : فكها يا الفكاني ، فكها ...
وكنت تفك و تفك ، ولما انكسرت البراءة تغير كل شيء ، ولم يعد مها فك ، ولم يعد لاسمك معنى ، هذا على فرض أنه يعود إلى فعل " فك" ، لكنك أثبت أن لا فعل له ولا مصدر ، لا يهم ، فقد كان ذلك بعضا من الانكسار الأول .
هيا دخن سيجارة أخرى على ذكر الوجع ، فقد تمطى النعاس في هذه الأجساد الرخوة . ركبتان انضمتا حينا في تحفظ ، ثم أرخاهما النعاس و الطريق الطويل فانحسرت التنورة ، وهاهو الانفراج المظلم يقود خيالك إلى باب جهنم يلهب فيك الغموض و الشوق و الامتلاء و اليقين و الصدى .
قمر هنا و قمر على باب داركم ، و الأقمار نسخ لكنها واحد : جمال و نقاء .
شمس فوق رأسي ، و شمس في قلبي ، و الشموس صور لكنها واحد : إشراق وبهاء .
كنت تحبو ، ما أجمل الحبو في صرح سليمان المبلط بالبلور فوق الماء ، وبلقيس تكشف عن ساقها خشية البلل ، و أنت تحبو على العتبات صوفيا في مسالكه بالبيت الكبير المقوس المقبب الملألئ المصدف بالأنوار و الزبرجد ، المفروش بالزرابي و الدمقس ، العابق بالمسك و العنبر ، المبخر بشذى الصندل ، المطعم بالفضة الذهب ، المختوم بالأسرارو الوجد ، إذ كنت تشق باب الخلوة وتخطف بصرك الأنوار ، تغمض عينك فيشع داخلك بالشموس ، تأخذك الدهشة و الذهول ، تسدر ، ما لا عين رأت و لا أذن سمعت ، و يصلك النداء همسا حميما ، تزحف حبوا ، جسد وهاج ، حار نابض ، تشرئب بعنقك إلى الصدر الفتي ، رمان مريم العذراء ، فاكهة في غير أوان ، تلقمه فمك ، يملأك ، يغمغم الصوت المفعم بالحب : " أنت الآن ترضع اليقين ، يرويك نبع الحقيقة " وتركب النشوة تجوب برا حوى شطأن اللا نهايات ونفى الأضداد فليس إلا الألق و الوجد و أنت البدء و اللا نتهاء .
وفي المساء حين عوى الذئب في فضائك أنكرتك الأشياء ،
وجاءت الليلة الثالثة بعد الألف ،
وصار البيت الكبير نهب الريح و الأشباح و الصحراء ،
و خملت جوعك و لهاثك ، يهلك الدهر و من مروا و زوروا ، والعجوز حيزبون تلقمك ثديا خاويا إلا من قيح و صديد .
وقلبت وجهك في السماء تشف ما وراء الأكمة إذ بصرك إذاك حديد ... و أفزعك ما رأيت ... بيد دونها بيد ... وغراب يبقر غرابا ثم يواري سوأته في الرمل و الدم ... و أنت ثمة ترضع شيب الحيزبون و تهذي بقطرة ماء ... فيجيب الصدى : آ ... لو يضرب موسى الرمل بعصاه فينفجر الخواء عيونا و أنهارا تفتق حدائق غلبا و فاكهة و أبا ... أو يلقف الحوت يونس فيطويك الصمت سنينا عددا ... ثم يزيد أخرى مددا ... لو يعاود القلب نبضه فتخفق الحمامة في الفضاء اللامنتهي و تلم البدء و المنتهى في كف بيضاء ... لو أن لك سقف بيت يحفظ ظهرك من العراء ... لو أن لك خبزة تروي ظمأ عينيك في المساء ...ماء ...فيجيب الصدى : آ ... لو كنت أمشي في الشوارع مليء الوفاض لا حذرا ، ولا برزخ بيني وبين الواجهات و البحر الأزرق الغامض كسنى الحلم في عيني العذراء إذا طاف في دنياها طائف ، لو ... لما عرضت نفسي في ساحة الشهداء مع ثلة من أصحابي نرقب بارونات النهب و الاحتكار رهن إشارة أصابعهم نحن إذا ما أقبلت شاحناتهم المعبأة بالاسمنت و الحديد و ما صار في عدادالمفقودات و الغش و التهريب . و تضحك وجوهنا الكالحة للفرصة المقبلة فتومض أسنانا التي لم تنهش اللحم منذ جنازة الحاج قدور الضارب أطنابه في " دلاس" من الجهة الغربية للمدينة ...
و تنشط سواعدنا المفتولة تفرغ الحمولة و تصففها في الأقبية المكيفة المنصوبة فوقها فيلات علتها هوائيات مقعرة شدتها إلى عالم العيب بتعبير جدتي الثكلى ، و رب الشواحن يحثنا عبر غليونه و كرشه المهتز أن نسرع في التفريغ ، و رجلا عبعوب ابن العشرين شتاء تلتويان تحت كيس الاسمنت المرصوص على كتفه تقيأته المدرسة العام الماضي كما تقيأتني قبله منذ أعوام بعد أن ظلت سنينا تغازل براءتي بمعسول الكلام المرصع بالسجع كالوشم المرصص في صدر الحيزبون بعد أن تهدل الثديان و برز العظم مما اصطلح عليه بعد حقا بلغة الخشب فكان أن تخشبت أنا في الأزقة و المقاهي ، خلف طاولات الكاوكاو و السجائر ، في موانئ الشحن و التفريغ ، في أقبية المتكرشين النهمين ، على جدران الحي الشعبي المنخورة بالرطوبة و العري ، في ربوع هذا البلد المهرب عبر المطارات في حقائب النساء ، و في شاحنات الآلهة عبر الصحراء ... ماء ... لكن رجليك في الرمل ووجهك إلى السماء ...وعيون الحيزبون باردة تحدق فيك بلامبالاة ... و الفاعل ضمير مستتر تقديره " هم " ، لغة تجيز القراءات سبعا و تمنح فاعلها مطلق السلطة ، و المفعول به أنا ، و أنا المفعول فيه يا سيبويه و يا أيها الذين ناموا على الأرصفة و تحت الجسور تحلمون بالدفء و الشروق ، أحمل حقيبتي المهترئة و ألهث في هذه الربوع أطارد النهارات بذراعي و تعبي ، وتطاردني الليالي في الحمامات و بالهكوع على كراسي المقاهي ، حتى إذا أظلم الفجر تسابقنا مجنونين إلى مواقع الشحن و التفريغ ، أشد سروالي المرقع ، أشحن و أفرغ أي شيء ، قد أفوز بخبزة اليوم فأطارد النهار ، وقد لا ، فيسحقني النهار بطيئا باللامبالاة و الصخب فأروغ في الأزقة ذئبا جائعا أتشمم رائحة الخبز و عطر النساء ... ماء ... آ ... لكن أرضك رجم و حياتك زقوم ... و يا أصحابي الذين توزعتهم بلاد الناس قلقول ، و قمقوم ، و دمدوم ، مسخوا أسماءكم فجعلوها على زنة فعلول ، و هربتم أنتم إلى إلى أحلام الضباب فحوصرتم في المطارات و و الموانئ و أشير إليكم " أشرار " ، و منغرس أنا في هذه الأرض علقة في حلق النهمين ...
مزيدا من الوقاحة ياالفكاني هذه السيجارة العشرون ...و أنت بهمك زيت ثقيل ينزلق على قلوب هؤلاء المتحذلقين ، فهم منك يتقززون ... لا عليك ... دعهم ما شاؤوا يتفعلون ... فأنت في نظرهم مجرد مأفون ...ها قد عدت إلى السجع ... فلتسجع أكثر ... نون ... ألا بئس ما يظنون ...أالمنفى لنا يبغون ؟ ... إنا ههنا على تنفسهم قاعدون ... طون ... هذا صفير القطار يحرث رأسي بالأخاديد ... فإلام و أنت حل و ترحال و شيب حيزبون ؟ ...فكها يا الفكاني ...فكها ... إن الذي يجري فوق الحسبان ... فكها ... فحياتك تيه في ربوع الظمأ و الهيم ، وسؤال يخدش وجه الأرض و السماء بحثا عن قطرة ماء ... و ليس لك إلا الصدى يجيب : آ ... ماء ... ماء ...
عندما زقزقت عجلات القطار متوقفة نزل الفكاني يواجه مدينة وهران بحذاء مفتوح و عينين زئبقيتين تمسحان الواجهات .
هرول في اتجاه ما ... ابتعد ... صار نقطة في الجمع ... تلاشى ....
حاشية :
" ألجريا " نوع من التبغ يحمل اسم الجزائر حاد وبلا مصفاة في عقبه .
" الهكوع " نوم المرء وهو جالس من شدة التعب و الارهاق
" الهيم " عطش شديد لايرويه ماء ، وهو داء يصيب الإبل فلاتروى مهما شربت .
تعليق