الخرّيجون العرب، وفرصة الحصول على وظيفة
ركاد حسن خليل
بعد أن تخرّجت من الأكاديمية العربية للنقل البحري برتبة ضابط "قد الدنيا"-يعني ما فيش غيري ضابط، نافش ريشو- بدأت البحث عن عمل، وابتدأت رحلة المتاعب، عدا عن كتابة الرسائل، والمشي على الأقدام من شركة لشركة من الشارقة إلى دبي إلى عجمان، ومحسوبكم يا إخوان "على الحديدة لا قرش ولا نص"
وأهلي الله يكون بعون أهلي، عايشين بمخيـّم للاجئين الفلسطينيين، ما في معهم ما يكفي يومهم، ولم أطلب من والدي رحمه الله مساعدتي لعلمي أنـّه سوف يستدين لإرسال المال لي. حتـّى أصدقائي الذين أقيم عندهم في بيت شعبي متهالك في منطقة الخان بالشارقة أكثر بؤسـًا مني. أذكر يومـًا في رمضان كنـّا صائمون، وصديقي منصور كان قد بقي لديه ثمن بيضة واحدة، اشتراها وسلقها ووضعها في صحنٍ منتظرًا مدفع الإفطار، وما أن انطلق ودَعا ربـّه، وقبل أن يبدأ بالإفطار، نظر إلينا وقال" تفضـّلوا شباب، خير الله كثير"،وكنـّا ثلاثة ما كان منـّا، إلاّ أن انفجرنا في الضـّحك وانتابتنا لدقائق انتهت بذرفنا للدموع، حزنـًا على أوضاعنا
كانت الأيام تمضي، ونحن على هذا الحال، ومعظم الرّدود تأتيني إن أتت لا وظائف شاغرة لدينا.
بدأ اليأس يتسرّب إلى يقيني، وأخذ يسحب منـّي بصيص الأمل في أنّ الغد أفضل، وأن لا بدّ من وظيفة مفصـّلة لي وعلى مقاسي تنتظرني. وقلـّة ذات اليد كانت تفعل فعلها في نفسي، وبدأت رحلة التـّذلل لفلان وفلان طالبـًا وساطته في ترشيحي لوظيفة، ولم أجد أذنـًا تسمعني أو قلبـًا يرفق بحالي، إلى أن كان يومـًا، زارنا صديقـًا لصديقي خليل، اسمه أحمد يعملُ مجنـّدًا في الجيش الإماراتي. قال لنا أحمد سأعرّفكم على والد عقيد في القوات البحريـّة الإماراتيـّة، قد يساعدكم في الالتحاق معه. فرحنا كثيرًا وعدت وصديقي خليل نبني آمالاً عِراض.
لست أدري كيف مرّ الثلاثاء والإربعاء وأتى الخميس اليوم الذي حدده صديق صديقي لمقابلة والد العقيد.
ذهبنا إلى فيلا أبو إبراهيم والد العقيد إبراهيم للقائه، وللأمانة كان الرجل في منتهى الذوق والأخلاق معنا، ولحسن حظـّنا وصل العقيد إبراهيم ونحن لا زلنا مع أبي ابراهيم نشرب الشاي. وعلى الفور وبعد التـّحيـّة أشار أبو إبراهيم لولده العقيد، وقال " الرياييل يـِبـّون يلتحقون بالبحرية عندكم، شوف كيف تقدر تساعدهم".
فقال صديقي خليل إيه بالله سيادة العقيد، نحن بحاجة لمساعدتك.
قال العقيد إبراهيم" حاضر يا بوي" والتفت إلينا وقال بعد أن عرف أننا خريـّجي الأكاديميـّة البحريـّة، يوم الإثنين تأتوني إلى مركز قيادة القوات البحريـّة ومعكم ذاتيـّاتكم وشهاداتكم وورقة التنازل عن الكفالة من الأكاديميـّة البحريـّة، لأن كفالتنا لا زالت على ملاكها، ونحن لم نفرّط بالإقامة إلاّ بوظيفة مضمونة.
عدنا إلى المنزل فرحين لا تسعنا الدنيا، اقترب موعد خلاصنا قريبـًا سنقبر الفقر والحاجة، وسوف نصبح في عداد البشر العاملين، ورضينا أن نعمل في البحريـّة العسكرية مع أنّ دراستنا مدنيـّة.
من مساء الخميس إلى صباح الإثنين، بدأ كلٌّ يبني حلمه، قلت في نفسي الراتب الأول أعطيه كلـّه لوالدي، وابتداءً من الراتب الثاني سوف اطلب من والدتي أن تبحث لي عن" ابنة حلال" أتزوّجها. وسوف أساعد إخوتي لإكمال دراساتهم. وسوف..سوف..سوف..إلى آخر ما تتخيـّلون من تسويف لإنسان لا زال في بداية حياته يشق دربه نحو تأمين مستقبله ومستقبل أهله بما يليق بمكانة اجتماعيـّة مشرّفة.
وصلنا إلى أبو ظبي وقد تدبـّرنا أجرة الميكروباص من صديق صديقي.
لبس كلٌّ منا أفضل ما عنده من ثياب، توجهنا مباشرة إلى قاعدة القوات البحريـّة الرئيسية، وكانت قاعدة كبيرة جدًّا، ذات مدخل واحد عند طرفه الأيمن بنيت غرفة للاستعلامات، وعلى الجانب الأيسر كابينة للحراسات.
دخلنا غرفة الاستعلامات وسألنا عن العقيد إبراهيم، وطلبنا مقابلته. ردّ علينا الرجل باللغة الإنكليزيـّة وكأنه هندي أو باكستاني، وقال " هل هناك موعد سابق"، قلت نعم وهو بانتظارنا.
فقال لنا اجلسا هناك، و انتظرا حتـّى نسأل.
مضت أكثر من ربع ساعة قبل أن يمسك الرجل سماعة الهاتف ويجري اتصــالاً بمكتب العقيد يسأل عن صحة الموعد، بعدها قال لنا إنّ العقيد الآن مشغول وفي حال الانتهاء من الاجتماع سوف يطلبكما.
وانتظرنا..وانتظرنا..وانتظرنا من الساعة العاشرة إلى الواحدة والنصف لنفاجأ بالعقيد إبراهيم يخرج من مدخل القاعدة البحرية بسيارته، خرجنا مسرعين واستوقفناه، فقال لنا قدّما أوراقكما في الاستعلامات وأنا سوف ارى طلبكما، وتابعت سيارته مسيرها
لم يكن أمامنا خيار آخر، فقدمنا أوراقنا بمغلـّفين مغلقين للرجل في غرفة الاستعلامات، وقال لنا غدًا ستجدون أسماء المقبولين يعلـّقون على هذا الجدار.
اتـّفقت مع صديقي خليل على البقاء في أبو ظبي، حتـّى نعلم مصيرنا.
ولأننا لا نعرف أحدً ا في أبو ظبي، احترنا في أين سننام، بقينا في الشوارع إلى أن حان موعد صلاة العشاء، وذهبنا إلى المسجد للصلاة، وبعد أن انتهينا وخرج جميع المصلـّين، قلت لصديقي خليل ما رأيك لو بقينا هنا لننام.
ولحسن حظـّنا أيضًا لم ينتبه الإمام المؤذن والمسؤول عن فتح وإقفال باب المسجد لبقائنا، فبتنا ليلتنا هناك إلى صلاة الفجر، وقد تفاجأ المؤذن بوجودنا عندما أتى لرفع آذان الصبح.
بعد الصلاة خرجنا من المسجد، وبقينا جالسين على الكورنيش، راقبنا بزوغ الفجر وطلوع الشمس.
عند العاشرة وبعد أن مشينا بعض الوقت في السوق، ذهبنا إلى القاعدة البحريـّة، وتوجـّهنا مباشرة إلى غرفة الاستعلامات حيثُ علـّقت أسماء المقبولين.
حاولنا عبثـًا إيجاد اسمينا، دون جدوى ، التفت إلى صديقي وقد كان خلفي أردت أن أحادثه، فوقع نظري على مظروفي ومظروف صديقي مغلقين كما سلــّمناهما في سلة المهملات.
ما كان منـّا إلاّ أن انفجرنا في نوبة ضحكٍ هستيريـّة" شرُّ البليـّة ما يـُضحـِك"
لقد خسرنا إقامتنا في الإمارات بعد تنازل الأكاديميـة للكفيل الجديد المفترض، وما حصـّلنا الوظيفة. وهنا وجب علينا مغادرة البلاد
وتلك قصـّة أخرى قد آتي على ذكرها في مناسبة أخرى
تمــّت
بعد أن تخرّجت من الأكاديمية العربية للنقل البحري برتبة ضابط "قد الدنيا"-يعني ما فيش غيري ضابط، نافش ريشو- بدأت البحث عن عمل، وابتدأت رحلة المتاعب، عدا عن كتابة الرسائل، والمشي على الأقدام من شركة لشركة من الشارقة إلى دبي إلى عجمان، ومحسوبكم يا إخوان "على الحديدة لا قرش ولا نص"
وأهلي الله يكون بعون أهلي، عايشين بمخيـّم للاجئين الفلسطينيين، ما في معهم ما يكفي يومهم، ولم أطلب من والدي رحمه الله مساعدتي لعلمي أنـّه سوف يستدين لإرسال المال لي. حتـّى أصدقائي الذين أقيم عندهم في بيت شعبي متهالك في منطقة الخان بالشارقة أكثر بؤسـًا مني. أذكر يومـًا في رمضان كنـّا صائمون، وصديقي منصور كان قد بقي لديه ثمن بيضة واحدة، اشتراها وسلقها ووضعها في صحنٍ منتظرًا مدفع الإفطار، وما أن انطلق ودَعا ربـّه، وقبل أن يبدأ بالإفطار، نظر إلينا وقال" تفضـّلوا شباب، خير الله كثير"،وكنـّا ثلاثة ما كان منـّا، إلاّ أن انفجرنا في الضـّحك وانتابتنا لدقائق انتهت بذرفنا للدموع، حزنـًا على أوضاعنا
كانت الأيام تمضي، ونحن على هذا الحال، ومعظم الرّدود تأتيني إن أتت لا وظائف شاغرة لدينا.
بدأ اليأس يتسرّب إلى يقيني، وأخذ يسحب منـّي بصيص الأمل في أنّ الغد أفضل، وأن لا بدّ من وظيفة مفصـّلة لي وعلى مقاسي تنتظرني. وقلـّة ذات اليد كانت تفعل فعلها في نفسي، وبدأت رحلة التـّذلل لفلان وفلان طالبـًا وساطته في ترشيحي لوظيفة، ولم أجد أذنـًا تسمعني أو قلبـًا يرفق بحالي، إلى أن كان يومـًا، زارنا صديقـًا لصديقي خليل، اسمه أحمد يعملُ مجنـّدًا في الجيش الإماراتي. قال لنا أحمد سأعرّفكم على والد عقيد في القوات البحريـّة الإماراتيـّة، قد يساعدكم في الالتحاق معه. فرحنا كثيرًا وعدت وصديقي خليل نبني آمالاً عِراض.
لست أدري كيف مرّ الثلاثاء والإربعاء وأتى الخميس اليوم الذي حدده صديق صديقي لمقابلة والد العقيد.
ذهبنا إلى فيلا أبو إبراهيم والد العقيد إبراهيم للقائه، وللأمانة كان الرجل في منتهى الذوق والأخلاق معنا، ولحسن حظـّنا وصل العقيد إبراهيم ونحن لا زلنا مع أبي ابراهيم نشرب الشاي. وعلى الفور وبعد التـّحيـّة أشار أبو إبراهيم لولده العقيد، وقال " الرياييل يـِبـّون يلتحقون بالبحرية عندكم، شوف كيف تقدر تساعدهم".
فقال صديقي خليل إيه بالله سيادة العقيد، نحن بحاجة لمساعدتك.
قال العقيد إبراهيم" حاضر يا بوي" والتفت إلينا وقال بعد أن عرف أننا خريـّجي الأكاديميـّة البحريـّة، يوم الإثنين تأتوني إلى مركز قيادة القوات البحريـّة ومعكم ذاتيـّاتكم وشهاداتكم وورقة التنازل عن الكفالة من الأكاديميـّة البحريـّة، لأن كفالتنا لا زالت على ملاكها، ونحن لم نفرّط بالإقامة إلاّ بوظيفة مضمونة.
عدنا إلى المنزل فرحين لا تسعنا الدنيا، اقترب موعد خلاصنا قريبـًا سنقبر الفقر والحاجة، وسوف نصبح في عداد البشر العاملين، ورضينا أن نعمل في البحريـّة العسكرية مع أنّ دراستنا مدنيـّة.
من مساء الخميس إلى صباح الإثنين، بدأ كلٌّ يبني حلمه، قلت في نفسي الراتب الأول أعطيه كلـّه لوالدي، وابتداءً من الراتب الثاني سوف اطلب من والدتي أن تبحث لي عن" ابنة حلال" أتزوّجها. وسوف أساعد إخوتي لإكمال دراساتهم. وسوف..سوف..سوف..إلى آخر ما تتخيـّلون من تسويف لإنسان لا زال في بداية حياته يشق دربه نحو تأمين مستقبله ومستقبل أهله بما يليق بمكانة اجتماعيـّة مشرّفة.
وصلنا إلى أبو ظبي وقد تدبـّرنا أجرة الميكروباص من صديق صديقي.
لبس كلٌّ منا أفضل ما عنده من ثياب، توجهنا مباشرة إلى قاعدة القوات البحريـّة الرئيسية، وكانت قاعدة كبيرة جدًّا، ذات مدخل واحد عند طرفه الأيمن بنيت غرفة للاستعلامات، وعلى الجانب الأيسر كابينة للحراسات.
دخلنا غرفة الاستعلامات وسألنا عن العقيد إبراهيم، وطلبنا مقابلته. ردّ علينا الرجل باللغة الإنكليزيـّة وكأنه هندي أو باكستاني، وقال " هل هناك موعد سابق"، قلت نعم وهو بانتظارنا.
فقال لنا اجلسا هناك، و انتظرا حتـّى نسأل.
مضت أكثر من ربع ساعة قبل أن يمسك الرجل سماعة الهاتف ويجري اتصــالاً بمكتب العقيد يسأل عن صحة الموعد، بعدها قال لنا إنّ العقيد الآن مشغول وفي حال الانتهاء من الاجتماع سوف يطلبكما.
وانتظرنا..وانتظرنا..وانتظرنا من الساعة العاشرة إلى الواحدة والنصف لنفاجأ بالعقيد إبراهيم يخرج من مدخل القاعدة البحرية بسيارته، خرجنا مسرعين واستوقفناه، فقال لنا قدّما أوراقكما في الاستعلامات وأنا سوف ارى طلبكما، وتابعت سيارته مسيرها
لم يكن أمامنا خيار آخر، فقدمنا أوراقنا بمغلـّفين مغلقين للرجل في غرفة الاستعلامات، وقال لنا غدًا ستجدون أسماء المقبولين يعلـّقون على هذا الجدار.
اتـّفقت مع صديقي خليل على البقاء في أبو ظبي، حتـّى نعلم مصيرنا.
ولأننا لا نعرف أحدً ا في أبو ظبي، احترنا في أين سننام، بقينا في الشوارع إلى أن حان موعد صلاة العشاء، وذهبنا إلى المسجد للصلاة، وبعد أن انتهينا وخرج جميع المصلـّين، قلت لصديقي خليل ما رأيك لو بقينا هنا لننام.
ولحسن حظـّنا أيضًا لم ينتبه الإمام المؤذن والمسؤول عن فتح وإقفال باب المسجد لبقائنا، فبتنا ليلتنا هناك إلى صلاة الفجر، وقد تفاجأ المؤذن بوجودنا عندما أتى لرفع آذان الصبح.
بعد الصلاة خرجنا من المسجد، وبقينا جالسين على الكورنيش، راقبنا بزوغ الفجر وطلوع الشمس.
عند العاشرة وبعد أن مشينا بعض الوقت في السوق، ذهبنا إلى القاعدة البحريـّة، وتوجـّهنا مباشرة إلى غرفة الاستعلامات حيثُ علـّقت أسماء المقبولين.
حاولنا عبثـًا إيجاد اسمينا، دون جدوى ، التفت إلى صديقي وقد كان خلفي أردت أن أحادثه، فوقع نظري على مظروفي ومظروف صديقي مغلقين كما سلــّمناهما في سلة المهملات.
ما كان منـّا إلاّ أن انفجرنا في نوبة ضحكٍ هستيريـّة" شرُّ البليـّة ما يـُضحـِك"
لقد خسرنا إقامتنا في الإمارات بعد تنازل الأكاديميـة للكفيل الجديد المفترض، وما حصـّلنا الوظيفة. وهنا وجب علينا مغادرة البلاد
وتلك قصـّة أخرى قد آتي على ذكرها في مناسبة أخرى
تمــّت
تعليق