وفــــــــــاء
وفاء تبدو متألقة .. وفاء ترفل في حلتها القشيبة كالفراشة .. وفاء توزع الابتسامات و ترد على الإشارات فتتمايل قلوب وتتلهف أخرى .. تعالي يا وفاء .. من فضلك يا وفاء .. شكرا يا وفاء ..
وفاء نجمة الليلة بدون منازع .. تتطلع الأنظار إلى شعرها المعقوص و زينتها التي جمعت بين الأناقة و البساطة وتتابعها العيون بين هائم عاشق وحاسد غيور ومعجب فخور .. لكن وفاء لا تنسى أن الليلة هي ليلة الآخر ، القادم من بعيد بعد طول انتظار، ولا تنسى العناية بأمه القابعة وسط ثلة من جاراتها اللواتي جئن يهنئنها بعودة الابن الأصغر و قد أنهى دراسته و تخرج بكل تفوق ..
يبلغ الحماس أوجه حين يأتي من يعلن عن وصول يوسف .. فيكاد قلب الأم ينخلع و يرتمي خارجا ليحضن الولد ..لكن داخلها كان يهتف .."أهلا بطفلي العزيز .. لم تخيب ظني فيك .. لم تخيب أمل أخيك فيك .. الحمد لله .. الحمد لله ."
ترقب نجلها البكر وهو يدخل محملا بالحقائب ، ثم يعود ليأتي بأخرى وقد تصبب عرقا .. تحس بوخزة ألم .. " لماذا لم يكن حظه كأخيه ؟ .. ولم اضطر للتضحية بمستقبله ليتوظف حتى يكمل الآخر دراسته وينأى عن الأسرة شبح الفقر ؟.. ألم يكن من حقه الوصول إلى درجات أعلى كأخيه هذا ؟.. تلك أقدار الله .. و لا راد لقدره .."
يدخل يوسف وقد علا محياه الارتباك و الأنظار مصوبة نحوه ، ناظرا إلى أقصى الحجرة حيث جلست امه بكل أناقتها التي ورثها عنها .. يخيل إليه أن قلبيهما تعانقا قبل أن تقوم و تحضنه بين ذراعيها .. أزعجته زغرودة إحدى الجارات وسط ضحكات الفتيات اللائي اشرأبت أعناقهن لرؤية هذا الفتى المدلل الذي تحدثت عنه أمهاتهن بشيء غير قليل من التنهد .. عن وسامته و رفعة مركزه .. لكن لا أحد يملك نفسه من الالتفات إلى وفاء وقد علت وجنتيها حمرة وزادت عيناها لمعانا ..
يستسلم يوسف لحضن أمه ثم يلتفت إلى خالته و بعض النسوة القريبات منه فيحييهن ويزيد ارتباكه فيعانق من جديد أخاه رغم أنه كان أول من استقبله عند وصوله إلى المحطة .
وحين ينصرف الجميع مهنئين مازحين و ملمحين ، يخلو الجو للأسرة الصغيرة ولا تبقى سوى الخالة التي فضلت المبيت عند أختها .. ويظل يوسف بجانب أمه وراحته في راحتها .. يجيب دون ملل على أسئلتها التي لا تنتهي ، ملتفتا بين الفينة و أخرى إلى أخيه متسائلا عما تخفيه تلك النظرة الحزينة التي لا تفارق عينيه . هل يتحسر على ضياع فرصته في الدراسة و التحصيل ؟.. لعن الشيطان في نفسه ثم أقبل بكل كيانه يعانق أمه ويشبعها قبلات .. تتأمله وتقول ضاحكة :
- صرت الآن تشبه تماما المرحوم أباك .. نفس الشعر ..نفس الحاجبين .. نفس الغمازتين .. لكنك أخذت عني عيني ..
وفي لحظة اختلائه بنفسه في حجرته الصغيرة .. تنهال عليه الذكريات حلوة ، عذبة . لا ينغصها سوى رحيل الأب المبكر. وحتى هذا الحادث لم يترك في نفسه اثرا بحكم صغر سنه وعدم إلمامه بكل ما يحدث آنذاك ، إضافة إلى أن أمه عوضته عن ذلك بحنو و رعاية مضاعفين .
يفتح النافذة المطلة على الزقاق و ينظر إلى الشرفة المقابلة .. يتخيل وفاء وهي في أبهى أناقتها وسط الأهل و الجيران .. لم تخف عليه نظرتها و ابتسامتها منذ وصوله . ولم تفته أيضا ضحكات رفيقاتها ولا غمزاتهن .. ولم يكن مفاجئا له أن يجدها في السطح لوحدها تنتظره حين صعد لكي يتفقد حمامه .. لا شك أنها علمت بقرب صعوده فسبقته إلى هناك ..
تصنعت المفاجأة وهي تعود للنظر إلى الزقاق ..
- الحمد لله على سلامتك ..
- الله يسلمك ..
- يبدو أن الحمام افتقدك .
- أنا أيضا افتقدته ..
تكلما كثيرا و تحدثا عن أشياء ، ثم انتبها – أو على الأصح – انتبهت إلى أنهما يجب أن ينهيا هذه الخلوة حتى لا يدعا مجالا للقيل و القال .. لكنها حرصت على أن يكون دخولهما معا حيث تجمع الأهل و الجيران .
ما أجملها وما أعذب منطقها .. لكن ما بالها تغيرت بمجرد تواجدهما مع الآخرين ؟ ولم ذاك الجفاء المصطنع و السخرية من كل ما يقوله أو يفعله ؟.. ربما كان ذلك نابعا من حرصها على ألا تبدي شيئا من عواطفها أمام الغير ؟.. لكن معاملتها في ما تلا ذلك من أيام لم تستقر على حال .. فتارة تلقاه هاشة باشة ، وتودعه بابتسامة و نظرة تأخذان بمجامع قلبه وتارة تتجاهل حتى وجوده ولا تمنحه فرصة للحديث ، فيعود مغتما ، ليجد أمه في مكانها المعتاد ، بسبحتها و إشراقة محياها ..
- يبدو أن يوسف قد مل القعود دون عمل .. أو أن شيئا آخر يشغل باله ..
- نعم يا خالتي .. انتظر بكل شوق اليوم الذي أبدأ فيه عملي ..
التفتت الخالة إلى أمه كمن ينتظر موافقة أو تأييدا وقالت :
- لكن .. فكر في أننا يجب أن نفرح بك ..
قهقه طويلا و أجاب :
- يا خالتي الحبيبة .. ألا يمكنني العيش بحرية قليلا ؟
- ومن قال إننا سنحبسك ؟ .. ثم إن العروس ليست غريبة ..
- آه .. يبدو أنك اخترت لي العروس..
- يا لك من ذئب .. أنت الذي اخترت ولسنا نحن ...
صمت مبتسما فاستدركت الخالة متحمسة :
- احمد الله على أنها لم تفلت من يدك ..
نظر إليها و قد علت البغتة محياه وقال :
- هيه .. هل تقدم أحد يريدها ؟ ..
انتبه إلى أمه وهي ترمق أختها مقطبة .. يسود الصمت .. وحين لا يسمع أي توضيح ينهض مستأذنا ويخرج و نظرات المرأتين تتابعه في حيرة .. وتظل الأم مطرقة برهة .. هي تعلم أنها لن تصمد طويلا أمام إلحاحه .. و أن عليها إخباره بكل شيء .. لأنها لا تستطيع إخفاء أمر ما ، طالما هو يستمع إليها محدقا فيها بعينيه النجلاوين .
- الزواج يا بني قسمة و نصيب .. و المختار أخوك تتمناه كل فتاة .. لكن كل شيء بأوانه ومقدر عد ربنا .. لا شيء يتم بالإكراه و البنت حرة في اختيار من يناسبها .. سأنتقي ما يناسبه .. له أن يشير فقط و أنا أنفذ ما يريد .
تتزاحم الأفكار في رأسه و تنهال عليه الذكريات من جديد .. لكنها هذه المرة أكثر وضوحا .. أيام الدراسة .. الفقر .. ضيق الحال .. رحيل الأب .. اضطرار المختار للاشتغال كموظف مباشرة بعد الباكالوريا .. تشجيعه و رعايته ، حتى أنه لم يحس بمرارة فقد الأب .. وسيعلم في ما بعد أن المختار كان يستغني عن اقتناء بذلة جديدة حرصا على توفير المال اللازم للدراسة بالنسبة لأخيه ..
وتتمثل له العينان الحزينتان فلا يستطيع محوهما من مخيلته .. ويحس بغصة و انقباض .. يذرع الأزقة على غير هدى وهو عرضة لمشاعر شتى ، حتى يتناهى إليه صوت المؤذن يدعو لصلاة العشاء ، فيلج المسجد ويتوضأ ثم يصلي الفرض و الشفع و الوتر .. ويمكث قليلا مستندا على أحد أعمدة المسجد يحدق في السقف المزخرف ..
يخرج من المسجد أكثر اطمئنانا وهدوءا ..ويعود إلى البيت حيث يجد الأسرة في انتظاره لتناول العشاء .. و تمضي ساعات الليل والسمر لا ينتهي .... وربما كانت الليالي المتتالية متشابهة .. ضحك و سمر و ذكريات ..حتى المختار بدا و كأنه تخلص من سحنته المتجهمة و صار أكثر تحمسا للحديث عن زواج أخيه . وحين يذكره يوسف أنه الأولى في اتخاذ هذه الخطوة ، يقهقه و يقول :
- لا عليك .. سوف أتزوج عاجلا أو آجلا .. لا تخافوا .. لن أترهب ..
- أخي .. لا تدعني أقسم على عدم الزواج حتى أراك كذلك ..
- يا حبيبي .. فرحتي وسعادتي أن حلمنا تحقق بحصولك على شهادتك العليا .. أما في ما عدا ذلك فالخير في ما اختاره الله .
تنظر الأم إليها دامعة العين .. وتتمتم بدعوات في سرها .. وتلحظ في عيني يوسف بريقا لم تعهده من قبل وسيمر وقت طويل قبل أن تفيق من المفاجأة وهي تعي ما يقوله بنبرة لا تقبل الجدل :
- حسنا .. سألتحق بعملي غدا .. ربما لن أراكم في المستقبل القريب .. لكني سوف أتصل بكم طبعا .. أمي ارضي علي ..
و أردف ضاحكا :
- ولا تنسي أن تختاري لي عروسا كما تفكرين بالنسبة للمختار أخي ..
- كيف ؟ ...و ..؟
- سوف نقيم معا إن شاء الله .. أليس كذلك ؟ و الآن تصبحان على خير ..
ظلت الأم تنظر لحظة إلى باب الحجرة الموصد ، ثم التفتت إلى المختار وفي عينيها تساؤل عريض ، فوجدته لا يقل حيرة عنها وقالت :
- ماذا يعني هذا كله ؟
لكنها ومع وقع المفاجأة ، لم تستطع كبت ابتسامة ارتسمت على شفتيها وغمغمت وهي تخفي دمعها :
- الله يرضي عليك يا طفلي العزيز .. لم يخب ظني فيك ابدا .. الهت يرضي عليكما و يرحم الفقيد .."
9 رجـــــــب 1430 هـ
2 يوليــــــوز 2009 م
وفاء تبدو متألقة .. وفاء ترفل في حلتها القشيبة كالفراشة .. وفاء توزع الابتسامات و ترد على الإشارات فتتمايل قلوب وتتلهف أخرى .. تعالي يا وفاء .. من فضلك يا وفاء .. شكرا يا وفاء ..
وفاء نجمة الليلة بدون منازع .. تتطلع الأنظار إلى شعرها المعقوص و زينتها التي جمعت بين الأناقة و البساطة وتتابعها العيون بين هائم عاشق وحاسد غيور ومعجب فخور .. لكن وفاء لا تنسى أن الليلة هي ليلة الآخر ، القادم من بعيد بعد طول انتظار، ولا تنسى العناية بأمه القابعة وسط ثلة من جاراتها اللواتي جئن يهنئنها بعودة الابن الأصغر و قد أنهى دراسته و تخرج بكل تفوق ..
يبلغ الحماس أوجه حين يأتي من يعلن عن وصول يوسف .. فيكاد قلب الأم ينخلع و يرتمي خارجا ليحضن الولد ..لكن داخلها كان يهتف .."أهلا بطفلي العزيز .. لم تخيب ظني فيك .. لم تخيب أمل أخيك فيك .. الحمد لله .. الحمد لله ."
ترقب نجلها البكر وهو يدخل محملا بالحقائب ، ثم يعود ليأتي بأخرى وقد تصبب عرقا .. تحس بوخزة ألم .. " لماذا لم يكن حظه كأخيه ؟ .. ولم اضطر للتضحية بمستقبله ليتوظف حتى يكمل الآخر دراسته وينأى عن الأسرة شبح الفقر ؟.. ألم يكن من حقه الوصول إلى درجات أعلى كأخيه هذا ؟.. تلك أقدار الله .. و لا راد لقدره .."
يدخل يوسف وقد علا محياه الارتباك و الأنظار مصوبة نحوه ، ناظرا إلى أقصى الحجرة حيث جلست امه بكل أناقتها التي ورثها عنها .. يخيل إليه أن قلبيهما تعانقا قبل أن تقوم و تحضنه بين ذراعيها .. أزعجته زغرودة إحدى الجارات وسط ضحكات الفتيات اللائي اشرأبت أعناقهن لرؤية هذا الفتى المدلل الذي تحدثت عنه أمهاتهن بشيء غير قليل من التنهد .. عن وسامته و رفعة مركزه .. لكن لا أحد يملك نفسه من الالتفات إلى وفاء وقد علت وجنتيها حمرة وزادت عيناها لمعانا ..
يستسلم يوسف لحضن أمه ثم يلتفت إلى خالته و بعض النسوة القريبات منه فيحييهن ويزيد ارتباكه فيعانق من جديد أخاه رغم أنه كان أول من استقبله عند وصوله إلى المحطة .
وحين ينصرف الجميع مهنئين مازحين و ملمحين ، يخلو الجو للأسرة الصغيرة ولا تبقى سوى الخالة التي فضلت المبيت عند أختها .. ويظل يوسف بجانب أمه وراحته في راحتها .. يجيب دون ملل على أسئلتها التي لا تنتهي ، ملتفتا بين الفينة و أخرى إلى أخيه متسائلا عما تخفيه تلك النظرة الحزينة التي لا تفارق عينيه . هل يتحسر على ضياع فرصته في الدراسة و التحصيل ؟.. لعن الشيطان في نفسه ثم أقبل بكل كيانه يعانق أمه ويشبعها قبلات .. تتأمله وتقول ضاحكة :
- صرت الآن تشبه تماما المرحوم أباك .. نفس الشعر ..نفس الحاجبين .. نفس الغمازتين .. لكنك أخذت عني عيني ..
وفي لحظة اختلائه بنفسه في حجرته الصغيرة .. تنهال عليه الذكريات حلوة ، عذبة . لا ينغصها سوى رحيل الأب المبكر. وحتى هذا الحادث لم يترك في نفسه اثرا بحكم صغر سنه وعدم إلمامه بكل ما يحدث آنذاك ، إضافة إلى أن أمه عوضته عن ذلك بحنو و رعاية مضاعفين .
يفتح النافذة المطلة على الزقاق و ينظر إلى الشرفة المقابلة .. يتخيل وفاء وهي في أبهى أناقتها وسط الأهل و الجيران .. لم تخف عليه نظرتها و ابتسامتها منذ وصوله . ولم تفته أيضا ضحكات رفيقاتها ولا غمزاتهن .. ولم يكن مفاجئا له أن يجدها في السطح لوحدها تنتظره حين صعد لكي يتفقد حمامه .. لا شك أنها علمت بقرب صعوده فسبقته إلى هناك ..
تصنعت المفاجأة وهي تعود للنظر إلى الزقاق ..
- الحمد لله على سلامتك ..
- الله يسلمك ..
- يبدو أن الحمام افتقدك .
- أنا أيضا افتقدته ..
تكلما كثيرا و تحدثا عن أشياء ، ثم انتبها – أو على الأصح – انتبهت إلى أنهما يجب أن ينهيا هذه الخلوة حتى لا يدعا مجالا للقيل و القال .. لكنها حرصت على أن يكون دخولهما معا حيث تجمع الأهل و الجيران .
ما أجملها وما أعذب منطقها .. لكن ما بالها تغيرت بمجرد تواجدهما مع الآخرين ؟ ولم ذاك الجفاء المصطنع و السخرية من كل ما يقوله أو يفعله ؟.. ربما كان ذلك نابعا من حرصها على ألا تبدي شيئا من عواطفها أمام الغير ؟.. لكن معاملتها في ما تلا ذلك من أيام لم تستقر على حال .. فتارة تلقاه هاشة باشة ، وتودعه بابتسامة و نظرة تأخذان بمجامع قلبه وتارة تتجاهل حتى وجوده ولا تمنحه فرصة للحديث ، فيعود مغتما ، ليجد أمه في مكانها المعتاد ، بسبحتها و إشراقة محياها ..
- يبدو أن يوسف قد مل القعود دون عمل .. أو أن شيئا آخر يشغل باله ..
- نعم يا خالتي .. انتظر بكل شوق اليوم الذي أبدأ فيه عملي ..
التفتت الخالة إلى أمه كمن ينتظر موافقة أو تأييدا وقالت :
- لكن .. فكر في أننا يجب أن نفرح بك ..
قهقه طويلا و أجاب :
- يا خالتي الحبيبة .. ألا يمكنني العيش بحرية قليلا ؟
- ومن قال إننا سنحبسك ؟ .. ثم إن العروس ليست غريبة ..
- آه .. يبدو أنك اخترت لي العروس..
- يا لك من ذئب .. أنت الذي اخترت ولسنا نحن ...
صمت مبتسما فاستدركت الخالة متحمسة :
- احمد الله على أنها لم تفلت من يدك ..
نظر إليها و قد علت البغتة محياه وقال :
- هيه .. هل تقدم أحد يريدها ؟ ..
انتبه إلى أمه وهي ترمق أختها مقطبة .. يسود الصمت .. وحين لا يسمع أي توضيح ينهض مستأذنا ويخرج و نظرات المرأتين تتابعه في حيرة .. وتظل الأم مطرقة برهة .. هي تعلم أنها لن تصمد طويلا أمام إلحاحه .. و أن عليها إخباره بكل شيء .. لأنها لا تستطيع إخفاء أمر ما ، طالما هو يستمع إليها محدقا فيها بعينيه النجلاوين .
- الزواج يا بني قسمة و نصيب .. و المختار أخوك تتمناه كل فتاة .. لكن كل شيء بأوانه ومقدر عد ربنا .. لا شيء يتم بالإكراه و البنت حرة في اختيار من يناسبها .. سأنتقي ما يناسبه .. له أن يشير فقط و أنا أنفذ ما يريد .
تتزاحم الأفكار في رأسه و تنهال عليه الذكريات من جديد .. لكنها هذه المرة أكثر وضوحا .. أيام الدراسة .. الفقر .. ضيق الحال .. رحيل الأب .. اضطرار المختار للاشتغال كموظف مباشرة بعد الباكالوريا .. تشجيعه و رعايته ، حتى أنه لم يحس بمرارة فقد الأب .. وسيعلم في ما بعد أن المختار كان يستغني عن اقتناء بذلة جديدة حرصا على توفير المال اللازم للدراسة بالنسبة لأخيه ..
وتتمثل له العينان الحزينتان فلا يستطيع محوهما من مخيلته .. ويحس بغصة و انقباض .. يذرع الأزقة على غير هدى وهو عرضة لمشاعر شتى ، حتى يتناهى إليه صوت المؤذن يدعو لصلاة العشاء ، فيلج المسجد ويتوضأ ثم يصلي الفرض و الشفع و الوتر .. ويمكث قليلا مستندا على أحد أعمدة المسجد يحدق في السقف المزخرف ..
يخرج من المسجد أكثر اطمئنانا وهدوءا ..ويعود إلى البيت حيث يجد الأسرة في انتظاره لتناول العشاء .. و تمضي ساعات الليل والسمر لا ينتهي .... وربما كانت الليالي المتتالية متشابهة .. ضحك و سمر و ذكريات ..حتى المختار بدا و كأنه تخلص من سحنته المتجهمة و صار أكثر تحمسا للحديث عن زواج أخيه . وحين يذكره يوسف أنه الأولى في اتخاذ هذه الخطوة ، يقهقه و يقول :
- لا عليك .. سوف أتزوج عاجلا أو آجلا .. لا تخافوا .. لن أترهب ..
- أخي .. لا تدعني أقسم على عدم الزواج حتى أراك كذلك ..
- يا حبيبي .. فرحتي وسعادتي أن حلمنا تحقق بحصولك على شهادتك العليا .. أما في ما عدا ذلك فالخير في ما اختاره الله .
تنظر الأم إليها دامعة العين .. وتتمتم بدعوات في سرها .. وتلحظ في عيني يوسف بريقا لم تعهده من قبل وسيمر وقت طويل قبل أن تفيق من المفاجأة وهي تعي ما يقوله بنبرة لا تقبل الجدل :
- حسنا .. سألتحق بعملي غدا .. ربما لن أراكم في المستقبل القريب .. لكني سوف أتصل بكم طبعا .. أمي ارضي علي ..
و أردف ضاحكا :
- ولا تنسي أن تختاري لي عروسا كما تفكرين بالنسبة للمختار أخي ..
- كيف ؟ ...و ..؟
- سوف نقيم معا إن شاء الله .. أليس كذلك ؟ و الآن تصبحان على خير ..
ظلت الأم تنظر لحظة إلى باب الحجرة الموصد ، ثم التفتت إلى المختار وفي عينيها تساؤل عريض ، فوجدته لا يقل حيرة عنها وقالت :
- ماذا يعني هذا كله ؟
لكنها ومع وقع المفاجأة ، لم تستطع كبت ابتسامة ارتسمت على شفتيها وغمغمت وهي تخفي دمعها :
- الله يرضي عليك يا طفلي العزيز .. لم يخب ظني فيك ابدا .. الهت يرضي عليكما و يرحم الفقيد .."
9 رجـــــــب 1430 هـ
2 يوليــــــوز 2009 م