بـمن تـزوّجـت زيـنـب ؟ ! ! ! .

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ياسين عرعار
    عضو الملتقى
    • 20-08-2008
    • 46

    بـمن تـزوّجـت زيـنـب ؟ ! ! ! .

    بـمن تـزوّجـت زيـنـب ؟ ! ! ! .

    ************************

    أخــيرا تـحـصّل على الشّهادة التـي حـوّلت الـحلم نصف حـقيقة ..! يعـود إلى القرية بـعد أربع سنوات من الدّراسـة الـجامعيّة … إلى رحم الأسرة التي طـالـما عبثــت بشـراعـها أعـاصيـر الـحاجة و أمـواج الفـقر ، يعـود و ما فـي يده البيضـاء غيـر رائحـة عـطر قـديـم يـفـوح !..

    أخذتـه نشـوة الـلقاء ، راح يتـأمل جـدران الـبيت ، يـحدّق فـي كلّ الأشيـاء بنور خافت ملؤه الصّـبابة ، يلمسـها ، يتحسّـسها بأنامـله ليجدها كما هـي ، حتـّى الصّخرة التـي اعـتـاد الـحديث إليـها لا تـزال مطلة على شـباب الـقريـة ، تداعـب دفء الـكوخ … مسـاءهـا تـقدّم نـحوها بـخـطى مسـرعـة لـتحتـضنـه و يسـتـعـيد شـريـط الذّكريـات .

    يعانـق الـطـفـولة بـين الأريـج و أشـجـار الـصّـفـصاف و صـوت العصافـيـر و لـحن الـسّواقي ... الـقريـة لـم تـتـغيّـر ، بـل مازالت تلـبـس ثـوب الفـضيـلة الـمطرّز بعـاداتـها و تـقاليـدهـا الـبريـئة بعيـدة عـن مـوضـة الـعصـر و زيـف الـمدينـة ، مـسـتـقرّة فـي مـحراب الـبساطـة على رداء الـطبـيعـة السّاحرة .

    استـفاق فجـأة على زغـاريد تنـبعـث في هـذا الفـضاء الرّحـب ، يغازلـهـا نسيـم يـدندنه ريـق الـشـجر الـمنسكب علـى أهـداب الـزّهر الـمترنح على ضـفة الأفـق الباسـم ، استرقّـها سـمـعه ، لكنـه سرعان ما طلق الابتسامة و الطـفولة ليبحـر صـوب بـوابـة الاغـتـراب بعـد أن ضـاقـت من الـكـلام الـموالـج و صـعبـت منه الـمخـارج ولا أقـلّ لـلذكرى من أن تكـابـد دفاتـر الأيّـام ..!.

    « إنّـك ستـذهب معنا يا أحمـد ! الـيوم ستزفّ - زينـب - ابنـة عمّـك …».

    قالتـها و مضـت ، مضى بدوره يـمزّق شرنـقة القرية ، ساقـته الزّغاريد إلى لوح السّراب ليـرسم حـفل زفـافه ، جـمالـهـا كجـمال الـوردة الناضرة ، لو اجتـمع الشّعراء من حولـها ما أنصفوها جـمعت بيـن الأنوثة و آيّ الـملاحـة ، " أسـماء " يغـازلـها ضـوء النـّهـار ، تربتـه .. بـنت قـريتـه … رفـيـقـة دراستـه منـذ البـدء جـمعـهما الـحرف و هـمس الـيـراع فـي أذن الأوراق فـتبادلا حبـّا بـحـبّ ، لكـنّ إشـراقـة الـهوى بـدّدهـــا ضبـاب الـميول الـذي أبدتـه " أسـمـاء " لأستـاذهـا ، ذاك هـو ابن الـمدينـة الـمميّز بـربطة الـعنـق و تسريـحـة الشّـعر و حقـيـبـة الأوراق …

    « ما بالـها استـسلمت للمظاهر الـخدّاعة ؟! و كيف يتـعلـق الأستـاذ بتلميـذته ؟ !!…»

    أسئلة ردّدهـا فـي نفسـه قائـلا : -

    « الـشّمس لا يـحجـبها الـغربال !…» .

    نتـائج الامتـحان النهـائي أيضا لـم تـحـجب طويـلا ، شـاهدها مرصـّعة بتـاج البـياض تزّف لـفارسها الذي اخـتار عفـتـها قبل أن يـختار جـمالـها ! … فرّت منـه فرحة النـجاح في الامتـحان و سقطت دموعه لتموت فوق بيـاض رسائلها الـمزيّفة … ليلتـها كـان القمر واقـفا على قـمّة الـجبـل الـشّامخ و الظلمة تلبسها كدادة الشفـق الـمتناثر … رفض التّوظيـف في قريتـه و رحل مكسور الـخاطر مع أوّل شـعاع من نور الصّـباح ، طـارقا أبواب الـجامعة ، تاركا وراءه أسرة رهينة الفقر و جرحا يغمد فيه سيـف الـزّمـن .

    تـميّز عن غـيره كـعادته لا تكـاد تـراه يتـحدّث مستـصرخا إلاّ أثنـاء الـمناقشة للمــواضيع الـحسّاسة …

    قلـت لـك : - « هـذا خطـأ !…» .

    « ليس المقصود ذاك يـا دكتـور ، طريقـة الـتّدريس مرتبطة بشخصيّـة الأستـاذ طبعـا…» .
    يؤيّـد ما توصّـلت إلـيه الـعلوم الـحديثة ، لكنه في قراره نـفسه لا يعترف بذلك مـقرّا…

    « إنّ الذي يـحبّ لا بدّ أن يكون أستـاذا !…» .

    و يتـيـه في جـرد الـتّماثيل الـبشريّة و عرض الـطبّيعة الـمتنكرة ، ينظر إليهنّ نظرة احـتـقار و قد تستـرن بقناع الـمساحيـق ، فيـهن حـثالة الـغرب ، لـبسن الـحضارة بالـمقلوب ، مارسن الـحريّة بالانسلاخ من الـفضيلة و طـقوس الـزّواج عـندهنّ صفـقة تـجـاريّـة .

    « قريبا سأؤدبكن يا مـتشدّقـات …».

    يـمقت تلك السّـلوكيات و ينبـذها خاصّـة و أنـّها لا تـمتّ لـلأستاذيّـة بشـيء من الـصّلة و لـم يعهدها فلسـفة في قـاموس الـمتخّلقـين .

    لـحظتها ربّـتـت على كـتـفـه تـخاطبه : -

    « أحـمـد … أحـمد … سنـذهب الآن يا ولدي! » .

    الـتـفت إليـها بشيء من الانــكسار ثم قال : -

    « بـمن تزوّجـت زينـب ؟! ! ! » .


    **********
    تـمّــت القصّـة
    **********

    بقلم
    يسين عرعار
    الجزائر

    ********
    ملاحظة /أحداث القصة حقيقية.
    الأسماء مستعارة.
    نشرت القصة بالجريدة الوطنية الجزائرية (النصر ) يوم السبت 07 سبتمبر1993
  • محمد فهمي يوسف
    مستشار أدبي
    • 27-08-2008
    • 8100

    #2
    الأستاذ القاص الأخ يسين عرعار
    قصتك بارعة السرد متشابكة الحدث في انسياب سلسبيلي الحكي
    لكني اراها اكتظت بتراكب الصور وتراكمها . مما قد يحسها القارىء
    قد ألفت من أجلها .
    عقدتها مصاغة بشكل محبوك . متنامً في الصعود إلى قمة الشوق
    فكرتها تعالج مشاكل اغتراب الدراسة بعد المراهقة وتعلق ذكريات
    المرء بجذوره التي يثق بها وينتظر العودة إليها .
    ثم يفاجأ أن القرية أصبحت كالمدينة في أخلاقها وعادات أهلها .
    وأن ما اكتنزه من ذكريات الآمال في خزينتها الجميلة ضاع منه
    فيعود إلى الخضم الواسع في المدينة التي لايثق فيها .
    أبدعت بحرفك المنمق في لغة عربية فصيحة
    نالت إعجابي بذوقك وأصالة حرفك .

    تعليق

    • ياسين عرعار
      عضو الملتقى
      • 20-08-2008
      • 46

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد فهمي يوسف مشاهدة المشاركة
      الأستاذ القاص الأخ يسين عرعار
      قصتك بارعة السرد متشابكة الحدث في انسياب سلسبيلي الحكي
      لكني اراها اكتظت بتراكب الصور وتراكمها . مما قد يحسها القارىء
      قد ألفت من أجلها .
      عقدتها مصاغة بشكل محبوك . متنامً في الصعود إلى قمة الشوق
      فكرتها تعالج مشاكل اغتراب الدراسة بعد المراهقة وتعلق ذكريات
      المرء بجذوره التي يثق بها وينتظر العودة إليها .
      ثم يفاجأ أن القرية أصبحت كالمدينة في أخلاقها وعادات أهلها .
      وأن ما اكتنزه من ذكريات الآمال في خزينتها الجميلة ضاع منه
      فيعود إلى الخضم الواسع في المدينة التي لايثق فيها .
      أبدعت بحرفك المنمق في لغة عربية فصيحة
      نالت إعجابي بذوقك وأصالة حرفك .

      الفاضل

      محمد فهمي يوسف

      أشكرك على مرورك الكريم و ما طرحته من أفكار جميلة و رؤية رائعة
      و انطباع يشرفني و يدفعني إلى عوالم الإبداع و الغوص أكثر ...

      أستاذي الفاضل محمد فهمي يوسف القصة مبنية فعلا على ما وصلت إليه بقراءتك ...
      ويبقى التساؤل مطروحا على مستوى العنوان - بـمن تـزوّجـت زيـنـب ؟ ! ! ! -.
      الذي يحمل في طياته تساؤلا أحالنا عليه البطل ليجعل الفكرة قضية في النهاية المفتوحة للقصة ...

      تحياتي أستاذي الفاضل
      محمد فهمي يوسف

      تقبل ودي وتقديري

      تعليق

      يعمل...
      X