
(أُخرج واندمج مع أهل الحي الذي تقطن فيه..عشْ لحظاتهم ..وعندما تدونها على الورق سيثبت لك قلمك أن القصة الناجحة هي التي نستقيها من رؤى ومشاهد مثبتة على عدسة كاميرا الزمن..)هذا ما قاله الأستاذ عبد المحسن وهو يشيد بالتلميذ خضر ..ذلك الفتى الذي أبدى موهبة جيدة في كتابة قصص كانت من خياله الجامح..
خرج الفتى خضر ليلتحم مع أهل الحي وحكايا الحي وأروقته..
في ناحية من الشارع يركن مقهى أخذ شكله طابعا ًغربياً خلافاً عن تلك المقاهى التي يفوح منها عطر العروبة والتاريخ..شده صوت رجل يشارف الأربعين من عمره ...ضعيف البنية ..يخرج متوسلاً كفيله صاحب المقهى الذي أخذ طريقه نحوسيارته الفارهة مردداً (أرجوك سيدي ..ثلاثة أشهرلم أحظ براتبي ..الشتاء يدخل الأبواب ..أرغب بشراء ملابس لأطفالي تقيهم صقيع البرد)..حدقه صاحب المقهى بعينيه الجاحظتين ..وصفع باب السيارة خلفه فيما انطلق سائقها لتختفي سريعاً..
علامات الحيرة ارتسمت على وجه الفتى ..قطعها صوت شاب في العشرين من عمره يخرج من داره القابعة في إحدى زوايا الشارع الآخر صافعاً الباب خلفه تغمره عاصفة غضب عنيفة يزمجر ويلعن ..انطلق بسيارته الصغيرة ينفث بدخانها الرمادي الذي شوه الوجوه والمكان..فيما ترك المارّة يسمعون لنبض أمه المكلوم يدق آذانهم كطائر مجروح..تتآوه بصوت مخنوق (الله يهديك يا ولدي..).
تملـّكت الفتى لغة صمت ومواسم عرق خمدت شيئاً من براكين أخذت تغتاله نحو ما رأى..
قال يُحدِّث نفسه ..(ماذا أرى يا أستاذ عبد المحسن ..واقع حكايات لا يرقى إليها تصور فني ..أرى وأسمع أقصوصات لو ألــَّفتها من نسج خيالي لقالوا عني مجنوناً..كل ما أعرفه إن القصة هي حياة قصيرة نعيشها بعمق من خلال الكلمات..قطفة من شجرة نستمتع بظلالها لتضفي على قلب القاريء نشوة من فرح أو من حزن)
صوت بوق سيارة قطعت وتيرة حيرته ...لملم أوراقه المبعثرة ..وعاد الفتى إلى بيته متشظياً كالزجاج.
**
تعليق