زمن الصمت ...

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد عيسى
    أديب وكاتب
    • 30-05-2008
    • 1359

    زمن الصمت ...

    [align=right]زمن الصمت

    ذات يوم ضاعت سفينتي في البحر..
    كانت الرياح عاصفة والمد شديد وأصبحت سفينتي كلعبة تمسكها يد طفل فيقذفها ذات اليمين مرة وذات الشمال مرة ، وهنا وهناك مرات ..
    وكنت أعلم أنها النهاية ..
    تلوت الشهادتين واستغفرت ربي ووقفت انتظر نهايتي التي جزمت أنها قادمة لا ريب.
    لكن ولحسن حظي لست أنا من يكتب الأقدار.
    لقد تحطمت سفينتي وسقطت في البحر وقد فقدت أي أمل في النجاة..
    لكن وعيي عاد لي فجأة لأجد نفسي نائماً على فراشٍ رث في كوخ متواضع..
    وحولي شيخ وقور وابنته وصبيان ..
    درت بنظري في المكان وفي وجوه الناس وقلت في إعياء وأنا لم أسترد كامل قوتي ووعيي بعد:
    - أين أنا ؟ وما هذا المكان ؟ وكيف نجوت أصلاً ؟
    أحسست أنهم جميعاً سمعوني لكن أحداً لم يجب سؤالي فعدت أسأل بصوت أعلى وأكثر حدة:
    - أين أنا هل يمكن أن تخبروني؟
    لكن الصمت كان هو الجواب ..
    لاحظت أنهم جميعاً يتطلعون إلي باستغراب وبالذات الصبيان ، وكأنهم ينظرون إلى مخلوقٍ من كوكب آخر ووجدت أحد الصبيان يقترب مني ويمد يده إلى فمي ابتعدت بوجهي عن يده الممدودة وقد أثار استغرابي تصرفه لكنه أشار إلى فمه فلما اقتربت منه رأيت ما هالني ..
    ففي فمه لم يكن هناك لسان .. كان ضامراً صغيراً جدا وكأنما لم يكن .. ولما لاحظوا دهشتي فتحوا جميعاً أفواههم فتكررت نفس الصورة ، فم بأنياب صغيرة غير حادة ولسان ضامر لا يكاد يرى ..
    وأشاروا لي جميعاً علامة الصمت ..
    عجبت لأمرهم وخرجت من الكوخ فلم يحاول أحدهم منعي وفي الخارج رأيت أكواخاً أخرى متواضعة وأناس أكثر تواضعا يعملون جميعهم في الزراعة ..

    وقفت قرب مجموعة منهم وسألتهم :
    -ألا تتحدثون ؟
    لكنهم جميعا أِشاروا لي علامة الصمت ثم أشار أحدهم بإصبعه إلى كوخ رث يبدو وكأنه سينهار في أي لحظة وعاد لعمله ..
    أي أمر يحدث هنا وأي مصيبة أصابتهم جميعاً في ألسنتهم ؟
    وإلى حيث أشار الرجل قادتني خطاي وبينما أنا على باب الكوخ سمعت صوتاً يقول :
    - ادخل يا من بالباب .
    اعترتني الدهشة ..فها أنا أخيراً أسمع صوتاً في هذه القرية الصامتة ..
    دخلت إلى الكوخ فوجدت شيخاً كبيراً بلغ من الكبر عتياً يجلس القرفصاء في صدر الكوخ وما أن رآني حتى قال :
    - أهلاً بالغريب الناجي من غضب الرب .
    جلست أرضاً قبالة الرجل وقلت :
    - أهلاً بك أيها الشيخ ألا تعلم كيف نجوت من الغرق ؟
    قال الشيخ :
    - لم يحن أجلك يا بني ..أراد الله لك أن تنجو فهيأ لك أن تقبض على خشبة صغيرة قادتك بإذنه إلى بر الأمان ..
    قلت له:
    - الحمد لله .. ألا تخبرني عن القرية الصامتة و سر ضمور ألسنتهم ..
    قال الشيخ :
    إنه الخوف يا بني .. سمه الجبن، سمه الاستكانة أو سمه ما شئت .. لقد حكم هذه القرية مارد عملاق يده طائلة وبطشه شديد فقطع رقاب وألسنة كل من خالفه أو عصى له أمراً ،وكانت كل قوى الشر السوداء تسانده فقد استعان بالجان والشياطين، فصار عرشه يضىء السماء بدون نار، وأصوات مرعبة يسمعها كل من يقترب من عرشه حتى لم يعد في القرية كلها من يستطيع أن يقول: لا ، أو يحاول حتى الاقتراب منه فالقرابين تصله حيث يكون فلا مال في القرية إلا ماله، كل ما فى ومن عليها ملكه .
    وتنهد الرجل :
    كان هذا من عشرات السنين ،فصمت الجميع حتى نسوا الكلام فضمرت ألسنتهم ألا تعلم أن العضو المهمل يضمر من عدم الاستعمال، لقد تناسى الناس أن لهم ألسنة فحرموا منها أو هي لعنة أصابتهم لا أحد يدري ..حتى اللحوم حرمت عليهم فصرنا نأكل النباتات ولا شيء آخر حتى أن أسناننا أصبحت هزيلة لا تقوى على مضغ قطعة لحم واحدة..
    أذهلني كلام الرجل أيُّ رعب ذاك الذي يسيطر عليهم من ملك ظالم ذى بطش شديد وكيف استطاع ذلك الملك أن يرعبهم إلى هذه الدرجة ..
    قلت للشيخ :
    - فلم تتكلم أنت وقد صمتوا جميعاً .
    قال الشيخ :
    - لأني كنت أحدث نفسي وأحافظ سراً على علاقتي بربي وأسبحه وأحمده فلم تستطع كل الشرور أن تمسني بسوء والحمد لله ..
    شكرت الرجل وخرجت بسرعة أبحث عن ذاك الملك والى حيث تكثر إشارات الصمت ذهبت .. وحيث يكثر الخائفون المرتجفون اتجهت حتى وجدته ..
    عرشٌ هائل يجلس عليه ملكُ عملاق .. لكنه صامت وعندما اقتربت منه كنت أسمع أصواتاً مخيفة وطبولاً تدق وكأنها الحرب ..وأضواء باهرة تسطع في المكان ثم ترتفع لتسطع في السماء..
    لكني لم أخف أو اهتز فلم تكن الأضواء غريبة علي فكأنها كشافات قوية من التي تعودت رؤيتها في بلادي .
    ولما وصلت إلى العرش وجدت ما توقعته واستنتجته تماماً .
    إن ملكهم المرعب لا يحرك ساكناً .. لقد مات وشبع موتاً ..
    فضحكت وضحكت حتى ارتفع صوتي ، ومن تحت العرش خرج قزم صغير يحمل سيفاً ..قال القزم :
    - إن عرف أحد بما رأيت قتلتك ها هنا
    قلت له :
    - لست أخاف من قزم استغل بعض الأضواء والأصوات المسجلة ليرعب قرية بأكملها ليسرق غنائمها وأموالها .

    قال القزم :
    - لست أفعل هذا لأجل الغنائم فقط .. انه انتقام ٍ تربيت وأنا أقسم ألا أموت قبل أن أنفذه فهؤلاء الصامتون الخائفون كان لهم أجداد قساة غلاظ القلب لا يخافون من اقتحام الموت وكانت بينهم وأجدادي حرب ضروس كنا نهزم فيها دوماً ..
    لكننا استطعنا أن ننصب عليهم زعيماً اشتريناه بأموالنا بعد أن تفرقوا وضعفوا
    أتريد منا أن نضيع هذه الفرصة من أيدينا ؟
    كلا .. لقد تغلغلنا فيهم وسيطرنا على عقولهم وألسنتهم ولن نتركهم إلا وقد جفت حقولهم وخيراتهم وضاعت هيبتهم وتشتتوا ..
    لم أترك القزم ليكمل كلامه فهجمت عليه حتى انتزعت سيفه وجررته جراً إلى منتصف القرية وهناك صحت في الناس :
    - يا أيها الناس اقتربوا تعالوا لتشاهدوا وحشكم الجبار إن كنتم تخافون الملك فقد مات منذ سنين وان كنتم تخافون من الأضواء فهي لعبة تافهة لمن أكثر تقدماً منكم وان كنتم تخافون هذا القزم ألا لعنة الله على الجبناء..
    أيها الناس لقد صمتم حتى ضمرت ألسنتكم فان استفقتم الآن وإلا فقد فات الأوان ..

    قلتها في ازدراء ومضيت في طريقي وعندما وصلت إلى أطراف الشاطئ نظرت خلفي فوجدت بعضهم وقد سجد للقزم ظناً منهم أن معجزة نبتت من قلب الوحش فتقزم...
    دمعت عيناي وأنا لا اعلم هل اضحك أم ابكي ..
    كنت أود أن امضي فأرمي نفسي في البحر كي لا أعيش مع هؤلاء لكن تذكري لصورة الطفلين والفتاة والشيخ العجوز وكل هؤلاء الناس الطيبون من أجلهم قررت أن أعود ..
    فمن يدري ربما يستفيقون يوماً ..
    ربما تنبت لهم ألسنة من جديد ..
    وربما تكبر أسنانهم لتصبح أنياباً فيفتكون بالأقزام ..
    ربما ..
    ***************
    ديسمبر2004
    [/align]
    ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
    [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    خيال خصب ، ارتوى من معين دافق ، وواقع مر ، صاخب .. فجاءت قصته هذه المرة ، غنية إلى أبعد حد ، تحمل الكثير و الكثير بين سطورها و خلفها ، من معان تعدت الكثير مما نرى و نقرأ فى قصص هذه الأيام !
    عند السطور الأولى تذكرت الكثير مثل روبنسن كروز و سنداباد ورحلاته ، و أليس .. لا أدرى .. هكذا كان الأمر .. و لكن بالطبع اتخذت لها طريقا و مسارا مختلفا ، لكنها كانت بنفس الأدوات تتقدم فى طريق المعرفة ، و الوعى !

    كانت الرحلة معك أحمد غنية هذه المرة ، و فيها من الدروس الكثير ، مما يظل عالقا بالذهن و المخيلة ، وحتى حين من الوقت !

    أشكرك على اللغة ، و زاوية الرؤية ، و القص ، واختيارك لمادة العمل ، التى كانت بالفعل ممتعة و مدهشة فى ذات الوقت لتحقق هدفا فضفاضا من أهداف القص ، بله الهدف الرئيس !!

    شكرا لك أحمد ولرحلتك المعرفية !!

    كل سنة و أنت طيب
    sigpic

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      قص خيالي من القصص الاسطورية التي تحمل هدفا ومغزىً
      ألفاظ أنيقة وحس رقيق..هذا ما شعرت به من قراءتي
      لا نضب حبر يراعك استاذ أحمد
      لك الود والتقدير
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • أحمد عيسى
        أديب وكاتب
        • 30-05-2008
        • 1359

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
        خيال خصب ، ارتوى من معين دافق ، وواقع مر ، صاخب .. فجاءت قصته هذه المرة ، غنية إلى أبعد حد ، تحمل الكثير و الكثير بين سطورها و خلفها ، من معان تعدت الكثير مما نرى و نقرأ فى قصص هذه الأيام !
        عند السطور الأولى تذكرت الكثير مثل روبنسن كروز و سنداباد ورحلاته ، و أليس .. لا أدرى .. هكذا كان الأمر .. و لكن بالطبع اتخذت لها طريقا و مسارا مختلفا ، لكنها كانت بنفس الأدوات تتقدم فى طريق المعرفة ، و الوعى !

        كانت الرحلة معك أحمد غنية هذه المرة ، و فيها من الدروس الكثير ، مما يظل عالقا بالذهن و المخيلة ، وحتى حين من الوقت !

        أشكرك على اللغة ، و زاوية الرؤية ، و القص ، واختيارك لمادة العمل ، التى كانت بالفعل ممتعة و مدهشة فى ذات الوقت لتحقق هدفا فضفاضا من أهداف القص ، بله الهدف الرئيس !!

        شكرا لك أحمد ولرحلتك المعرفية !!

        كل سنة و أنت طيب
        اخي وأستاذي ربيع ..

        أشكرك كثيراً على حضورك وقد اشتقت له ، وعلى كلماتك وقد شعرت بالحنين لها ..
        قراءتك تختلف ، ورؤيتك تختلف وقلبك بكل تأكيد كبير بمستوى جمال روحك ..
        سعدت كثيراً برأيك باللغة والفكرة والمضمون .. وسعدت أكثر بتشريفك لي وحضورك هنا ..

        أشكرك أيها الرائع
        ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
        [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

        تعليق

        • أحمد عيسى
          أديب وكاتب
          • 30-05-2008
          • 1359

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
          قص خيالي من القصص الاسطورية التي تحمل هدفا ومغزىً
          ألفاظ أنيقة وحس رقيق..هذا ما شعرت به من قراءتي
          لا نضب حبر يراعك استاذ أحمد
          لك الود والتقدير
          الأستاذة القديرة : مها راجح

          مرورك كان هو الرقيق الأنيق .. ووجودك أسعدني وشرفني ..

          أشكرك للطفك
          كوني بخير دائماً
          تحيتي
          ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
          [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

          تعليق

          يعمل...
          X