[align=right]في زمن أحد النكبات وعلى جانبي الخط الحديدي الذي يقطع رفح الفلسطينية وصولاً إلى رفح المصرية كانت النسوة يرقبن ذلك الحدث الاستثنائي ..
قوات كبيرة مدعومة بالدبابات والجيبات المصفحة تتقدم من الشمال إلى الجنوب وصولاً إلى رفح المصرية التي سينطلقون منها إلى الحدود مع مصر ..
الدهشة كانت البادئة على وجه النساء اللاتي صرخن في ظفر عندما أعلنت أحداهما بصوتها الجهوري :
- قوات الجيش العراقي يا بنات ..
ثم بدأت الزغاريد تنطلق من كل مكان ، لون الفرح يغطي وجوههن ، ثم التقافز فرحاً على جانبي السكة الحديد ..
سعاد ..توجت لحظات السعادة هذه بمبادر ة منها ..
حملت صينية بها ما توفر من غذاء ثم اقتربت من أحد الجنود تناوله إياها :
الجندي الذي بات الدهشة على ملامحه أكثر من كل من يحيطون به يشيح برأسه أن لا ..فتصر سعاد .. ثم تجد نساء المخيم وقد التفوا حولها يحملون الطعام والشراب للجنود الذين كان ردهم واحداً .. إشاحة برؤوسهم لليمين واليسار أن لا ..
لكن أبو أحمد لم يعجبه الحال ..المخيم كله يعرفه ويعرف جبروته وقوة قلبه وبندقيته ..
كيف يبقى جنود الجيش العراقي صامتين هكذا .. ثمة أمر محير في الموضوع ..
لم يكن يعي كثيراً ما تعنيه نجمة داوود التي يعلقها الجنود على بذلهم العسكرية ..
لكنه كان يعرف ويعي تماماً أن في الأمر ما يريب .. جمع حوله بعض رجال المخيم صارحهم بشكوكه
أقسم أحد الرجال أنه رأى علم العراق فوق الدبابات الزاحفة ، وأقسم آخر أنه سمع في الإذاعة عن طلائع الجيش العربي القادمة لكي تحارب معهم ..
ثم قرروا أمراً ما .. اختبار لتجربة رد فعلهم ..
أبو أحمد :
- سنطلق النار مرة واحدة في الهواء باتجاههم .. ولنرى رد فعلهم ..
إن كانوا من الجيش العراقي لن يردوا بالمثل .. وان كانوا من اليهود والعياذ بالله فإنهم سيردون على إطلاق النار ..
- وما الذي سيأتي باليهود إلينا .. كان الجيش المصري سيسحقهم قبل أن يدخلوا غزة .
قالها أحد الرجال معترضاً على فكرة أبو أحمد لكنه كان صاغراً يتجه معهم لتنفيذها ..
أبو أحمد وهو يجهز بندقيته :
- إن كنت قد لاحظت يا جاري العزيز فان الجيش المصري لم يظهر له أثر منذ الأمس ، ومعسكراتهم صامتة وكأنها فارغة .. كنا نظنهم يستغرقون بأمر ما .. أو يخططون لشيء ما .
انتبه .. أطلق النار ..
قالها لكي يقطع بها الحوار المشكك ..ويدوي صوت إطلاق الرصاص من بنادقهم ..
لم يتعمدوا أن يصيبوا أحداً ، إنما أطلقوا النار في الهواء .. مباشرة فوق رؤوس الجنود القادمين مع ضوء الصباح ..
دقيقة مرت .. دقيقتان .. لم يسمعوا إطلاق نار باتجاههم ..
تجهز الرجال للخروج من مكامنهم .. للترحيب بالجيش الذي جاء ليحارب معهم ..
لكن الرد لم يأت بالرصاص .. فقد تحول المكان إلى قطعة من جهنم .. عشرات .. بل مئات القذائف سقطت فوق رؤوسهم في لحظات ..
فر الرجال ، وتفرق الجمع ، وسقطت البنادق أرضاً تعانق التراب الصامت ..
صرخ أبو أحمد برجال المخيم ..
- إنهم اليهود ... والجيش المصري ترك معسكراته وهرب .. فلنوحد الصفوف يا رجال .
صرخته هكذا .. بقيت معلقة في سماء المخيم ولم يجبها أحدهم فقد كان الجمع مشغول بسرقة معسكرات الجيش التي تركوها فارغة،والبعض الآخر كان لا زال يحمل أواني الطعام واضعاً إياها أمام الجندي الذي يشيح برأسه قائلاً :
- طعام لا ..
أبو أحمد يدور حول المخيم كالمجنون ،يحمل بندقيته العتيقة ،يراقب الجهل المطبق ، وينتظر لحظة الصفر كي يهاجم .. وحده .
*****
ابريل 2009[/align]
قوات كبيرة مدعومة بالدبابات والجيبات المصفحة تتقدم من الشمال إلى الجنوب وصولاً إلى رفح المصرية التي سينطلقون منها إلى الحدود مع مصر ..
الدهشة كانت البادئة على وجه النساء اللاتي صرخن في ظفر عندما أعلنت أحداهما بصوتها الجهوري :
- قوات الجيش العراقي يا بنات ..
ثم بدأت الزغاريد تنطلق من كل مكان ، لون الفرح يغطي وجوههن ، ثم التقافز فرحاً على جانبي السكة الحديد ..
سعاد ..توجت لحظات السعادة هذه بمبادر ة منها ..
حملت صينية بها ما توفر من غذاء ثم اقتربت من أحد الجنود تناوله إياها :
الجندي الذي بات الدهشة على ملامحه أكثر من كل من يحيطون به يشيح برأسه أن لا ..فتصر سعاد .. ثم تجد نساء المخيم وقد التفوا حولها يحملون الطعام والشراب للجنود الذين كان ردهم واحداً .. إشاحة برؤوسهم لليمين واليسار أن لا ..
لكن أبو أحمد لم يعجبه الحال ..المخيم كله يعرفه ويعرف جبروته وقوة قلبه وبندقيته ..
كيف يبقى جنود الجيش العراقي صامتين هكذا .. ثمة أمر محير في الموضوع ..
لم يكن يعي كثيراً ما تعنيه نجمة داوود التي يعلقها الجنود على بذلهم العسكرية ..
لكنه كان يعرف ويعي تماماً أن في الأمر ما يريب .. جمع حوله بعض رجال المخيم صارحهم بشكوكه
أقسم أحد الرجال أنه رأى علم العراق فوق الدبابات الزاحفة ، وأقسم آخر أنه سمع في الإذاعة عن طلائع الجيش العربي القادمة لكي تحارب معهم ..
ثم قرروا أمراً ما .. اختبار لتجربة رد فعلهم ..
أبو أحمد :
- سنطلق النار مرة واحدة في الهواء باتجاههم .. ولنرى رد فعلهم ..
إن كانوا من الجيش العراقي لن يردوا بالمثل .. وان كانوا من اليهود والعياذ بالله فإنهم سيردون على إطلاق النار ..
- وما الذي سيأتي باليهود إلينا .. كان الجيش المصري سيسحقهم قبل أن يدخلوا غزة .
قالها أحد الرجال معترضاً على فكرة أبو أحمد لكنه كان صاغراً يتجه معهم لتنفيذها ..
أبو أحمد وهو يجهز بندقيته :
- إن كنت قد لاحظت يا جاري العزيز فان الجيش المصري لم يظهر له أثر منذ الأمس ، ومعسكراتهم صامتة وكأنها فارغة .. كنا نظنهم يستغرقون بأمر ما .. أو يخططون لشيء ما .
انتبه .. أطلق النار ..
قالها لكي يقطع بها الحوار المشكك ..ويدوي صوت إطلاق الرصاص من بنادقهم ..
لم يتعمدوا أن يصيبوا أحداً ، إنما أطلقوا النار في الهواء .. مباشرة فوق رؤوس الجنود القادمين مع ضوء الصباح ..
دقيقة مرت .. دقيقتان .. لم يسمعوا إطلاق نار باتجاههم ..
تجهز الرجال للخروج من مكامنهم .. للترحيب بالجيش الذي جاء ليحارب معهم ..
لكن الرد لم يأت بالرصاص .. فقد تحول المكان إلى قطعة من جهنم .. عشرات .. بل مئات القذائف سقطت فوق رؤوسهم في لحظات ..
فر الرجال ، وتفرق الجمع ، وسقطت البنادق أرضاً تعانق التراب الصامت ..
صرخ أبو أحمد برجال المخيم ..
- إنهم اليهود ... والجيش المصري ترك معسكراته وهرب .. فلنوحد الصفوف يا رجال .
صرخته هكذا .. بقيت معلقة في سماء المخيم ولم يجبها أحدهم فقد كان الجمع مشغول بسرقة معسكرات الجيش التي تركوها فارغة،والبعض الآخر كان لا زال يحمل أواني الطعام واضعاً إياها أمام الجندي الذي يشيح برأسه قائلاً :
- طعام لا ..
أبو أحمد يدور حول المخيم كالمجنون ،يحمل بندقيته العتيقة ،يراقب الجهل المطبق ، وينتظر لحظة الصفر كي يهاجم .. وحده .
*****
ابريل 2009[/align]
تعليق