يدفع بعينيه ، نحو كاميرته الصغيرة المعلقة على جدار تفككت لبناته شقوقا..ولبسه اصفرار ثقيل بلون الكبريت ، منذ سنوات...
كلفته ثمنا زهيدا..حصل عليها بمشاركته في إحدى معارض الرسم بمدرسته.يحبها كثيرا، فلقد عانقت معه تصوير واقع يحاول تغييره بفكره الذي لا يتجاوز العشرة أعوام..
يلتقطها ..ويمسح من عليها تعب ليلة كاملة ،افترش فيها رمال البحر ..حائراما بين البوح أو تجاهل الامر...
زارته معلمته "صوفيا"قبل يومين..طلبت منه أوراقا رسمية: شهادة ميلاده... وشهادة مدرسة وصور شمسية..تكلفت هي بدفع ثمنها..فربما سيكون من العشرة الأوائل من أطفال العالم..لحضور التجمع السنوي لعرض رسوماته وصورهم بهولندا..
-ستقوم برحلة يا "جيلالي " إلى ضفاف نهر"روتردام"..وهناك ستشبع رغبة عينيك في التغير ..فالجمال أخاذ ..والطبيعة بـِكر..قالت –صوفيا-..
--روتردام ؟ أميريكا؟ تساءل .. بذهول..
-لا..لا ..الحلم الأمريكي .."يا كراتشي" { هكذا كان يطلق عليه الجميع للشبه الكبير بينه وبين مغني هندي قديم }..تبخر منذ أعوام..حتى قبل أن يولد..الآن الحلم صار أكبر وأعمق...هي تعرف جيدا بأن الحديث عن الحـُلمين صعب عليه فهمه..
-أترى هنا..هذه هولندا...وهذا الخط الأزرق المائل جهة اليمين المتدفق على اليسار ،هو نهر *روتردام*..يا كراتشي..قالت صوفيا وهي تشير إلى نقطة صغيرة فوق خريطة على إحدىصفحات مجلة كانت بيدها..
-أيمكن أن يصاحبني أبي ..أو جدتي ..؟
- يستحيل ذلك يا كراتشي..فالبعثة الهولندية فوضت مسؤولا ..سيصحبكم بالطائرة ..من نقطة الإنطلاق..
-اه..اذن نلتقي غدا...وعدها ..وافترقا على اللقاء غدا..
نسي تماما أن يخبر أباه وجدته البارحة..ونسي أيضا وقت فطور والده...يقال بأنه فقدعقله منذ توفيت زوجته..ويقبع الآن تحت شجرة السنديان الوحيدة قرب البيت..
وهويأخذ الفطور الهزيل لوالده ..طافت في رأسه الصغيرة ، أن يكسر هاته الكاميرا..أو لو أنه لم يكن أبدا من جنس البشر..ماذا لو كان موجة ..متجددة مع كل مد وجزر..تحملها الشواطيء زبدا يتبخر في الرمال...أو لو كان طائرا..لا ترسمه حدود...أو ..لو كان...
ربت على كتف والده بحنان ..وأطعمه فطوره دون أن يخبره شيئا..فهو لن يسمعه..عاد أدراجه إلى الغرفة..تـَمـَسَّـحَ بصدر جدته ، التي تكفلت بتربيته منذ وفاة أمه ..وهي على فراش الولادة.. طلب منها أن توافق..
-وقـفـتْ منتفضة..غاضبة..يستحيل أن اتركك تذهب إلى هولندا ..أو البحر الأزرق..لا يهمني..فمن يا بني سيساعدني في بيع هذه الأكياس البلاستيكية ،وأنت تعرف الوقت شتاء..وعلي بجمع الحطب قبل اشتداد البرد..لم أعد أقوى ..وأبوك .. ههههه.. - ضحكت تهكما - كما ترى انتزع من عليه المسؤولية ولا يعيرنا اهتماما..فليته كان هو بدل المسكينة أمك..
وفتحت ملفا من الشتائم..لا تنتهي..متقطعة بحسرات صادقة..لكنها بدت لكراتشي قاسية في حق أبيه.
يقطع صوت البكاء والحسرات ..مجيء "صوفيا" بخبر سار..لقد اخـْتيرَ من المتفوقين..
-اسمعي ياخالة ..عشرة أيام فقط..وربما ستفتح له أفق ٌ أخرى ..وقد تتكلف به إحدى الجمعيات ويصير له شأن..سأتكلف أنا ماديا بكل ملتزماتك ..إلى غاية الرجوع..
-لست أدري قالت الجدة..أخاف..
هو يعرف كيف يستل منها الموافقة ..تمسح من جديد بصدرها..وغازلها بقبلة على يديها..ووافقت..
جمع أوراقه وحقيبته وانتظر مجيء المفوض.مرسول البعثة..
حلقت الطائرة في السماء لبضعة ساعات..حاملة معها آماني فياضة خضراء ..قلبت ظلمة الهواجس التي اعترته صباحا..
كانت الرحلة موفقة ..والمعرض سجل إعجابا كبيرا بنبوغ "كراتشي " وبمجموع الصور الجميلة التي شارك بها..تقاسم فيها الضوء..واللون ..والكلمة وحجم الورق بشكل ألزم الصمت َ الجميع..
تـُوِّجَ المعرض بجائزة قيمة نقدية لكراتشي..ورحلة يوم استجمامي على ضفاف نهر * روتردام* لأخذ الصور والمتعة..
وفي طريق العودة..تاه الطفل الصغير في إبداع هذا الكون من الخالق..وأخذته زرقة السماء ، المتمايلة رقصا مع تمايل الطائرة..وفجأة..
فجأة كيسا بلاستيكيا أسود..يغطي زرقة السماء. ..يعيده إلى أرض الواقع والطائرة تعلن الإنخفاض للهبوط.
**********
الى صديقي الهندي الصغير كراتشي ...
كلفته ثمنا زهيدا..حصل عليها بمشاركته في إحدى معارض الرسم بمدرسته.يحبها كثيرا، فلقد عانقت معه تصوير واقع يحاول تغييره بفكره الذي لا يتجاوز العشرة أعوام..
يلتقطها ..ويمسح من عليها تعب ليلة كاملة ،افترش فيها رمال البحر ..حائراما بين البوح أو تجاهل الامر...
زارته معلمته "صوفيا"قبل يومين..طلبت منه أوراقا رسمية: شهادة ميلاده... وشهادة مدرسة وصور شمسية..تكلفت هي بدفع ثمنها..فربما سيكون من العشرة الأوائل من أطفال العالم..لحضور التجمع السنوي لعرض رسوماته وصورهم بهولندا..
-ستقوم برحلة يا "جيلالي " إلى ضفاف نهر"روتردام"..وهناك ستشبع رغبة عينيك في التغير ..فالجمال أخاذ ..والطبيعة بـِكر..قالت –صوفيا-..
--روتردام ؟ أميريكا؟ تساءل .. بذهول..
-لا..لا ..الحلم الأمريكي .."يا كراتشي" { هكذا كان يطلق عليه الجميع للشبه الكبير بينه وبين مغني هندي قديم }..تبخر منذ أعوام..حتى قبل أن يولد..الآن الحلم صار أكبر وأعمق...هي تعرف جيدا بأن الحديث عن الحـُلمين صعب عليه فهمه..
-أترى هنا..هذه هولندا...وهذا الخط الأزرق المائل جهة اليمين المتدفق على اليسار ،هو نهر *روتردام*..يا كراتشي..قالت صوفيا وهي تشير إلى نقطة صغيرة فوق خريطة على إحدىصفحات مجلة كانت بيدها..
-أيمكن أن يصاحبني أبي ..أو جدتي ..؟
- يستحيل ذلك يا كراتشي..فالبعثة الهولندية فوضت مسؤولا ..سيصحبكم بالطائرة ..من نقطة الإنطلاق..
-اه..اذن نلتقي غدا...وعدها ..وافترقا على اللقاء غدا..
نسي تماما أن يخبر أباه وجدته البارحة..ونسي أيضا وقت فطور والده...يقال بأنه فقدعقله منذ توفيت زوجته..ويقبع الآن تحت شجرة السنديان الوحيدة قرب البيت..
وهويأخذ الفطور الهزيل لوالده ..طافت في رأسه الصغيرة ، أن يكسر هاته الكاميرا..أو لو أنه لم يكن أبدا من جنس البشر..ماذا لو كان موجة ..متجددة مع كل مد وجزر..تحملها الشواطيء زبدا يتبخر في الرمال...أو لو كان طائرا..لا ترسمه حدود...أو ..لو كان...
ربت على كتف والده بحنان ..وأطعمه فطوره دون أن يخبره شيئا..فهو لن يسمعه..عاد أدراجه إلى الغرفة..تـَمـَسَّـحَ بصدر جدته ، التي تكفلت بتربيته منذ وفاة أمه ..وهي على فراش الولادة.. طلب منها أن توافق..
-وقـفـتْ منتفضة..غاضبة..يستحيل أن اتركك تذهب إلى هولندا ..أو البحر الأزرق..لا يهمني..فمن يا بني سيساعدني في بيع هذه الأكياس البلاستيكية ،وأنت تعرف الوقت شتاء..وعلي بجمع الحطب قبل اشتداد البرد..لم أعد أقوى ..وأبوك .. ههههه.. - ضحكت تهكما - كما ترى انتزع من عليه المسؤولية ولا يعيرنا اهتماما..فليته كان هو بدل المسكينة أمك..
وفتحت ملفا من الشتائم..لا تنتهي..متقطعة بحسرات صادقة..لكنها بدت لكراتشي قاسية في حق أبيه.
يقطع صوت البكاء والحسرات ..مجيء "صوفيا" بخبر سار..لقد اخـْتيرَ من المتفوقين..
-اسمعي ياخالة ..عشرة أيام فقط..وربما ستفتح له أفق ٌ أخرى ..وقد تتكلف به إحدى الجمعيات ويصير له شأن..سأتكلف أنا ماديا بكل ملتزماتك ..إلى غاية الرجوع..
-لست أدري قالت الجدة..أخاف..
هو يعرف كيف يستل منها الموافقة ..تمسح من جديد بصدرها..وغازلها بقبلة على يديها..ووافقت..
جمع أوراقه وحقيبته وانتظر مجيء المفوض.مرسول البعثة..
حلقت الطائرة في السماء لبضعة ساعات..حاملة معها آماني فياضة خضراء ..قلبت ظلمة الهواجس التي اعترته صباحا..
كانت الرحلة موفقة ..والمعرض سجل إعجابا كبيرا بنبوغ "كراتشي " وبمجموع الصور الجميلة التي شارك بها..تقاسم فيها الضوء..واللون ..والكلمة وحجم الورق بشكل ألزم الصمت َ الجميع..
تـُوِّجَ المعرض بجائزة قيمة نقدية لكراتشي..ورحلة يوم استجمامي على ضفاف نهر * روتردام* لأخذ الصور والمتعة..
وفي طريق العودة..تاه الطفل الصغير في إبداع هذا الكون من الخالق..وأخذته زرقة السماء ، المتمايلة رقصا مع تمايل الطائرة..وفجأة..
فجأة كيسا بلاستيكيا أسود..يغطي زرقة السماء. ..يعيده إلى أرض الواقع والطائرة تعلن الإنخفاض للهبوط.
**********
الى صديقي الهندي الصغير كراتشي ...
تعليق