هيا والرقعة
فاجأني ظهورها. هَتفتْ باسمي كأنها تعرفني. دُهشتُ بل لعلي ذعرت. تساءلت عن هويتها أجابت:
- هيا،
صغيرة تتكور خوفاً، اهتزت أمومتي هلعاً، وددت لو ضممتها، احترت كيف أعرف ما بها، ضائعةً في عالم غائب، تصمت ثم تلهث بكلمات غريبة، راودتني شكوكي، ربما اختطفت وتنصلت من خاطفيها والعالم يطفح بالشر بعد أن أشبع به، صمتت بعد أن أدخلتها غرفتي وأنمتها في سريري، قلبي يحضنها بلهفة، وتعبها يمنعني عن تساؤلاتي الحائرة. هاتفت صديقي، صوتي المرتجف أشعره لهفتي للقائه فأسرع إليّ مضطرباً. أدخلته دائرة حيرتي، لابد من تحري حقيقته. أيقظتها بعد صبر، أخبرتني أنها غفت مرة ثم استيقظت واكتشفت أنها وحيدة، والأرض بأشجار مزهرة تحيط بها، تحن إلى أبيها ولا تعرف كيف تجده، تود إعادتها إلى أحضانه. واستيقظ في قلبي حبي القديم لأبي، دمعت عيناي، لا تخافي يا صغيرتي سأجده حتماً، وعادت إلى النوم. حدثت صديقي أنَّ تعبَ سفر طويل أو رحلةً عاثرةً قد أنهكتها، رأيت في عينيه شكوكاً حاولت تبديدها باندفاعي المعروف عني، لن أخبر أحداً سأتولى البحث عن أبيها، إن باحت أو استطاعت تذكر اسمه. وكأني في ذاتي أبحث عن أبٍ فقدته منذ حين والشوق إليه كان دافعي للبحث عن أبيها وتبديد وحدتها وخوفها الذي منه كنت أعاني. رباه ساعدني، لابد أن الحكمة الإلهية تدرك أني لن أترك طفلة بين يدي قدر ساقها إليّ واعياً حسن نيتي، والشكوك مازالت في عينيه، قال:
- احترسي، لا أريد تهورك المعتاد في أمور غامضة.
ابتسمت أسعدني أني أحسست لهفته عليّ.
أيقظتها من جديد، حاورتها ساعية حقاً للبحث عن أبيها إن أحسنت تذكر اسمه، طرت فرحاً حين أعطتني اسماً بدا مألوفاً، خرجت من فوري أبحث عن إشارة تصلني به، قلبت دليل الهاتف وأخرجت عدة أرقام وبدأت الاتصال، واحداً بعد آخر وكلها لم توصلني لدليل، عدت يائسة. يحزنني أني ما استطعت بذل ما يكفي من جهد لإسعاد صغيرتي، وحين استيقظت هتفت بلثغة الأطفال المحببة:
- أحبك، أحب رؤيتك هنا، يسعدني أني وصلت إليك.
كلمات حب أعادت تحفيز همتي واستثارت حناني ودموعي،
- وأنا أحبك يا هيا، ساعديني، ألا تذكرين رقماً أو اسماً، مدرستك مثلاً؟
وقفز قلبي فالمدرسة التي ذكرتها أعرفها كنت أدرس فيها يوماً. غادرت مسرعة أقصد المدرسة المذكورة. الدهشة قابلتني في عيني القائمة عليها، فالمدرسة لطالبات الثانوية والإعدادية منذ زمن طويل، عرفت أني في غمرة لهفتي نسيت أنها كذلك، عدت خائبة والشكوك تراودني، ماذا لو أن شركاً ما قد نصب لي ماذا لو اتهمت بما لا أحب، سألتها مرة أخرى عن مدة غيابها فأجابت: قرابة العام، عام يا صغيرتي ولم تتعثري بمن يرشدك، مرارة صبغت صوتي، تعبر عن عجزي وتوقي لإنقاذ الصغيرة، لإعادة السعادة إلى قلبها، أيقظتها من جديد،
- صغيرتي تذكري رقماً ألم يكن لديكم هاتف؟
قالت:
- أبي أحضر هاتفاً جوالاً!
هتفت:
- رائع، تذكرين أرقامه؟
وبدأت تنقل إليّ أرقاماً مختلفة كل مرة، وأتشبث بكل رقم تذكره، أحاول مساعدتها فأعيد عليها الرقم من جديد لتكتشف خطأً فيه فتصححه، والرد الهاتفي يجيبني أنه غير مخصص. الحيرة تأكلني، واللهفة تشحذ همتي والبحث طال أياماً دون جدوى، سكنتني الكآبة، والإلحاح على الصغيرة لم يعد يجدي، أحسست باليأس، بالعجز أمام عالم غريب يلفني بغموضه يبدو مظلماً وشائكاً دون علامات أو دليل يرشدني إلى الحقيقة. أيقظتها للمرة الرابعة أو الخامسة لا أدري توسلت إليها أن تصدق بكلمة أو رقم يصلني بأبيها، فزادتني حيرة وضياعاً، هتفت من كل قلبي:
- يا كثير الألطاف نجنا مما نخاف!
اختفت الصغيرة اهتزت الرقعة وتجمدت أصابعي فوق أحرفها، لهب من نار أشعل جسدي، لفني دوار، والغثيان يوشك أن يستدرجني لقيء شديد، قذفت قطعة النقد الصغيرة، أحرقت الرقعة التي تحمل أحرفاً وأرقاماً ولذت بصدر صديقي أردد كلمات الاستعاذة والبسملة.
تعليق