عندما يصبح الحبُّ قاتلاً

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد العبسي
    أديب وكاتب
    • 22-10-2008
    • 182

    عندما يصبح الحبُّ قاتلاً

    عندما يصبح الحبُّ قاتلاً

    لم تكن لتشعر بالحقد عليه ، لو أنّه شعر بحبّها له الذي دام أكثر من سنتين ، ولكن ربّما هو فرط الحبّ هذا الذي يودي إلى الكراهية .
    عامان وهي تغدق عليه نظراتها بسخاءٍ وحياء ، وتغمز له أحياناً بكلماتٍ من الأدب تعبّر عن تلك النار المشتعلةِ بقلبها والتي يبدو بأنّها أحرقته . هكذا بدأت الأمور عندما قرّرت أن تنتقم من حبيبها ، وتذيقه من ذات الكأس الذي شربت منه .. لو كان يدري هو أنّها تحبّه من البداية ... لم تكن فتاةً عادية ، أو ملكة جمالٍ فحسب ، بل لقد كانت فتنةً ألهبت قلوب الكثيرين .. ، مسكين ذلك الشاب كم أحبّها في سرّه ، لكنّ ضعف شخصيته الاجتماعية وخجله الزائد - والذي كان يمنعه من أن ينظر في عينيها ليرى بريقهما الذي يعكس صورته التي سكنت قلبها - حال دون قدرته على أن يوصل لها ما يشعر به من نار تأكله من رأسه حتى أخمص قدميه ، لم يكن يتخيّل أنّها يمكن أن تحبّه ، كان يكتفي من حبّها بذلك الحُـلم الذي كان يراوده بين الفينة والأخرى ، والذي جعله يعشق النوم ، ويتمنى لو ينام إلى الأبد ، كان يسخر من نفسه كلّما شعر بحبّها يجتاحه ، ويقول في نفسه : توقف . لا تكذبنّ على نفسك وتوهمها بحبٍّ زائف فمثلُ تلك الأميرة لا يمكن أن يحطّم أبواب قلبها أحد حراس المعبد . وهي كأي فتاة راقية لم يكن ليسمح لها حياؤها بأن تحطّم جدران الصمت ، وتعبر له عن حبّها مباشرةً دون أي مقدماتٍ . قد لا يفهمها مثل ذلك الشاب ، لكنّها ولغرض الانتقام برّرت لنفسها كسر حاجز الحياء ، ذاك الذي كانت تتـقنعه ، عندما اقتربت منه لتهمس بأذنه بعد نظرٍ مباشرٍ في عينيه لفت انتباه جميع من حولها .. أحبّك . نلتقي في العاشرة مساءً .. صديقتها التي كانت كالكثيرين رأت وسمعت ما جرى ، ذهبت إليها فزعةً لتسألها عمَّ فعلت ، أجابتها بأنْ لا تقلقي ، لستُ أقصد ما أقول بل أريدُ أن أعذّبه قليلاً انتقاماً لإحدى صديقاتي القدامى . طمأنتها بذلك الكلام وهدَّأت من روعها .
    لم يكن هو يدرك ما سمع ، ذهب به الخيال بعيداً ، أحسّ أن تلك التي كانت تتكلم ليست من البشر إطلاقاً، أحسّها حوريةً من حوريات الجنّة ، لقد كان صوتها ملائكياً على ما فيه من الكذب والنفاق ، هل كان هذا جزاء صبريَّ الطويل ، والصابرون يدخلون الجنة بغير حساب . ولماذا إلى العاشرة ، بدأ يعد أجزاء الثانية ، سأراها بعد مليوني جزءٍ من الثانية ، آه كم هذا الزمن بعيد ... ذهب مسرعاً اشترى بذلة جديدة ارتداها بحذر لكي لا يفسد كيّها ، ماذا سأقول لها ، هل أحكي لها حكاية حبّي الطويل وأنا صابرٌ أراقبها من بعيد منذ أوَّل يوم رأيتُها فيه ، لا..لا .. ستظنني أحمقاً لكتمِ حبّي كل هذا الوقت ، وستعرف عندها كم أنا خجول ، وربما هذا لا يناسبها ، إذ أنّها جريئة ، لاسيما أنّها صرّحت لي بحبّها مباشرةً دون أي مقدمات ، لا ..لا.. يجب أن أُحدثها بأشياءٍ أخرى كي لا أفقدها ، يجب أن تراني كما تحبُّ وتحلم . تباً لذلك الخجل الذي جعلني انتظر كلَّ هذا الوقت . تتضارب الأفكار في رأسه تسبب له ما يشبه الصداع . كم أنا مرهق يستلقي على سريره قائلاً يجب أن أرتاح جيداً قبل أن أراها .

    العاشرة مساءً . تتأخر عنه ساعة كاملة ، ينهض من أجلها بلباقة ، يحدق في عينيها طويلاً ، يحاول أن يختصر كلّ حياته بينهما ، تتفجر من قلبه براكين العشق والحب التي خمدت طويلاً لتسيل على لسانه أعذب الكلمات وأرقها ، وأحرّ تراتيل الشوق المجنون . وهي بدورها وبكلماتٍ قليلة ونظرات حارقة تزلزل كيانه ، تجعله يشعر بنشوة لا تحدثها أفضل أنواع الخمور ، تجعله لروعة جمالها يتمنى لو أنّه يستطيع أن يحرّر روحه من جسده ليتحد معها في جسدٍ واحد .
    لم يكن يريد لهذا اللقاء أن ينتهي لولا أنّها انسحبت منه وهي تعانقه بنظراتها وتوهمه أنّها لا تريد الذهاب لكن لا بدّ من ذلك . خرجت بعد أن وعدته بلقاء آخر بعد يومين في المكان ذاته ، بدأت تحدث نفسها كم هو رائع هذا الحب ، يا ألله كم يحبني هذا الشاب لقد كدتُ احترق من حرارة كلماته ، كما كان ليرديني بنظراته لو لم أسرع بالانسحاب وأجبر عيناي على عدم النظر في عينيه .. آه كم أحبّه .. لكنّي لن أنسى انتقامي .. حبّي له انتهى .. الآن أنا أكرهه .. أكرهه .. يجب أن انتقم منه .. يجب .. لقد أشقاني وعذبني بحبّه ، عامين وهو لا يدري .. أكرهه .. هو أحبّني الآن لأنّني أخبرته بحبّي ، لو لم أفعل لما كان أحبّني ، كان عليه أن يحبّني ويخبرني بذلك هو ، هكذا هي العادات ، يجب أن أتدلّل كأي فتاة ، أمّا أنْ أخبره أنا فهذا غير صحيح ، أخبرته كي انتقم وسأنتقم .. لا أحبه .. لا أحبه .. .
    مضى اليومان كألفي عام وهو يعد أجزاء الثانية جزءًا جزءًا ، انتظرها في نفس المكان ، عشر ساعات ولم تأتِ ، يومٌ ويومان وثلاثة أيامٍ ولم تأتِ ، صار عمر الشاب عشرة ألاف سنة وبدأ يظهر عليه الوهن والتعب ، رآها مصادفةً بعد عدّة أيام ، وقف أمامها كخيال شاحب وقد أنهكه البعد والشوق ، لماذا لم تأتي كما وعدتني ، انتظرك منذ كذا وكذا ، وكان لا يزال في ذهنه بريق أمل ٍ لأن تبدي عذراً ينهي ذلك الكابوس ، الذي مازال يأكل أفكاره وجسده منذ ذلك اليوم ، لكنّه غدا حقيقةً عندما أجابته : من أنت ؟! من تكون حتى تحدثني بهذا الكلام ، ضحكت منه بسخرية ... أنا أكرهك .. لا أحبك أبداً . كنت أتسلّى فحسب ، هل تراني جننتُ حتى أحبَّ شخصاً مثلك ... ، أجابها : لا يا سيدتي لم تفقدي عقلكِ حتى تحبيني ، لم تفقدي عقلكِ أنا المعتوه ، أنا المعتوه الذي صدق ذلك ، أنا الذي جننت .. أنا الذي جننت .. أنا الذي جننت ، وأخذ يرددها وهو مغادرٌ طوال ذلك الطريق إلى حيث المكان الذي التقيا فيه .
    جلس هناك ... ألم أقل لك يا قلبي أنّها لا يمكن أن تحبّني ، لماذا أصررت على أن لا تصدق ؟ من سيخمد نارك المشتعلة الآن ، ويطفئ لهيب حممك التي تفجرت في داخلي ؟ .. حتى أنت يا قلبي ستحرقني الآن بلا رحمة . آهٍ .. ما أحلى ذلك الخجل وتلك الأحلام . كنت قانعاً بها راضياً ، مستعداً أن أعيش كل حياتي ضمن حُـلم . يالتعاسة الحياة . كيف سأحيا الآن ، كيف سأعيش في كل عامٍ مئة ألف عام ، أي جسدٍ هذا الذي يقوى على الاحتمال ، أي جسدٍ ذلك الذي تستهويه جهنّم ، لكي يعيش فيها ملايين السنين . لا أظن أنّ نار جهنم هي أقسى من النار المشتعلة في داخلي ، آهٍ كم كنت معتوهاً عندما ظننتُ أنني قد دخلت إلى الجنة ، الحالمون لا يدخلون الجنة .. لا يمكن أن يدخلوها . كيف صدقتُ أنّها تحبني وعلى أي أساس . كم هي سهلة الكلمات يا لها من سهولة بسهولة الموت . أشعر أن روحي لن ترحمني ولن تستطيع البقاء في هذا الجسد الذي سيتعفن بعد يومين أو ثلاثة فالزمن غير الزمن .
    لم تكن هي سعيدةً بما قالت فسرعان ما أحرقت كلماتها قلبها الرقيق ، ولم يستطع كبريائها أن يثني إرادة الحب ، حزمت أمرها بعد عدّة أيام لتذهب إليه ، وتخبره بالقصة كاملةً علّه يسامحها بعد أن شعرت أنّ ما فعلته قد يجعلها تخسره إلى الأبد ، فلم تكن لتستطيع أن تكرهه ، كانت تحبّه من أعماقها حبّاً أعمى ... سألت عنه : أخبروها أنّهم وجدوه ميتاً في ذلك المكان بعد أن ترك ورقةً مكتوبٌ عليها : أدفنوني هنا فهذه جنتي ، لم يعد يستطيع الحياة بعد أن فقد حلمه الوحيد ، لقد مات قهراً ، أثبت الطب الشرعي أن الوفاة كانت بسبب نوبةٍ قلبيةٍ مفاجئة .
    صعقها الخبر ... ، جُنَّ جنونها ، أخذت تهرول إلى ذلك المكان ، آه ما أقساني قلبي الصغير هذا استطاع أن يحقد حتى صار قاتلاً ، لم أكرهه يوماً ، من قال لقلبي أنّي كرهته ؟ من خدعه ؟ من جعلني أصدق هذه الكذبة التي قتلتني ؟ أحببته في كلّ وقت ، كانت كلماته في ذلك المساء تزيدني شغفاً ، كيف استطعتُ أن أكذب على نفسي ؟ كنت أشعر بأنّي قد وصلتُ إلى ما أريد .. إلى حبّي .. تباً للحقد .. تباً لي .. لو لم أكسر جدار الحياء أبداً ، لو بقيت أتعذّب .. كان ذلك أفضل لي ألف مرّة من أن أصبح مجرمة .. من قال أنّنا نستطيع أن نحبّ ونكره كما نشاء .. يا لي من غبية قتلت نفسي مرتين .. لا بدَّ من القصاص .. لا بدَّ من القصاص .. لابدّ أن ألحق به حيث هو الآن علّه يسامحني .. ولكن كيف .. كيف .. أنا قاتلة .. قاتلة .. قاتلة ... .

    تبكي وتبكي حتى تحرق الدموع وجهها الوردي ، تفتح حقيبتها
    تخرج مشرطاً صغيراً تقطعُ به وريدها وتلقي بنفسها فوق القبر .


    - النهــــــــاية -
    نثق بالله لأنه الله

    ما أروع الحبّ أشقانا بصحبته
    إن الشــــقاء لمقـرونٌ بروعـته
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    قصة مطولة انتهت بالانتحار من كلا الطرفين ..لحب مزعزع غير متمكن
    تحية وتقدير
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • ريمه الخاني
      مستشار أدبي
      • 16-05-2007
      • 4807

      #3
      تلك الشخصيات المهزوزة لاتولد الا حبا ضعيفا وحيثيات حارقة ومضمخة بالدم...
      العنوان كان جذابا جدا
      رغم انها تمت بصلة ما لقصص الحب الرومانسية
      تحيتي ومودتي

      تعليق

      • فاطمة رشاد ناشر
        عاشقة الورق
        • 21-05-2007
        • 222

        #4
        لماذا جعلتها نهاية بهذه الصورة الماساوية

        تعليق

        • أحمد العبسي
          أديب وكاتب
          • 22-10-2008
          • 182

          #5
          رد: عندما يصبح الحبُّ قاتلاً

          اعتذر كثيراً على تأخري في الرد على من قرأ القصة ...
          وشكراً لكل من مرَّ على حروفي قارئاً ومعلقاً
          هناك بعض الملاحظات :
          القصة لم تنتهي بانتحار الطرفين
          فالشاب أضعف من أن ينتحر لذالك مات بأزمة قلبية فهو إنسان حالم
          لا يقوى على ممارسة الفعل أياً كان
          والفتاة ربما لم تمت أسعفوها إن أردتم
          هي صاحبة ردات فعل قوية منذ بداية القصة وهذه أحدها

          وإن شاء الله سأتبعها بدراسة كاملة ومقنعة فأنا منذ البداية لم أقصد أصلاً الحديث عن قصة حب فما وراء الكلمات نموذج إنساني أردت تبيينه
          نثق بالله لأنه الله

          ما أروع الحبّ أشقانا بصحبته
          إن الشــــقاء لمقـرونٌ بروعـته

          تعليق

          يعمل...
          X