دُنيا فوق الدنيا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أمين خيرالدين
    عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
    • 04-04-2008
    • 554

    دُنيا فوق الدنيا

    [COLOR="Navy
    "]دنيا فوق الدنيا

    وقفت دنيا أمام المرآة فرأت أمامها بنتا صغيرة ، حلوة ، عيونها كعيون المها ، شعرها أصفر كالذهب ، طويل كذيل الحصان ، وقوامها رشيق ، متناسق كالحور ، تطلّ النباهة والذكاء من بين عينيها ، فسألتها دنيا :
    - من أنت ؟
    - أنا دنيا ، ومن أنت ؟
    - أنا دنيا أيضا، لكن من أين أتيت ؟
    - لا أعلم .
    سكتت دنيا برهة ثم قالت :
    - حسنا تعالي نلعب !
    - هيا . أجابت دنيا التي في المرآة .
    وضعت دنيا يدها على المرآة، فوقعت يدها على يد دنيا التي في المرآة، فظنت أن دنيا التي في المرآة مدّت يدها هي الأخرى، فقالت لها :
    - تعالي نطير في الفضاء .
    - كيف ؟ نطير!؟
    - ألا يقولون أن الأطفال كالعصافير ؟
    - نعم ، ولكننا بلا أجنحة !
    - لا تخافي، الله يساعدنا، ألسنا أحبابه !؟
    ابتسمت دنيا وأغمضت عينيها ،.. فأحست كأنها ترتفع إلى الأعلى رويدا رويدا حتى حلقت عاليا، خافت، فمدت يدها لتمسك بيد صديقتها دنيا الثانية، لكنها لم تجدها بجانبها، فزاد خوفها، وأخذت تبكي !
    سمعها الملاك جبريل وخفّ لنجدتها، وبدأ يهدئ من روعها ويطمئنها إلى أن كفت عن البكاء .
    وظلت تطير محلقة في الفضاء تطوف فوق القرى والمدن والجبال والوديان، رأت البحار والأنهار لأول مرّة، رأت أشياء كثيرة لم تكن تحلم برؤيتها، أشياء جميلة وأشياء مخيفة، زاد خوفها، لكن جبريل الذي يحرسها ظلّ يطمئنها فقال لها : " أن الدنيا واسعة، أوسع من البر والبحر، وليست سيئة، فهي تفرح من يفرح بها وترقّص من يضحك لها ، وتدوس الذي يكشّر في وجهها، فيها الشر بجانب الخير والجمال بجانب القبح والورد والشوك والنور والظلام والذئاب والأغنام والأبيض والأسود والزاهي والباهت ، إنها مليئة بالعجائب والغرائب ، ووعدها بأنه سيريها أشياء أعجب وأغرب وأكثر مما رأت ، ولم يكن يخطر لها على بال ".
    وقال لها : -هذه عمارات فخمة للأغنياء من الناس ، ومكاتب للوزراء ورؤساء الحكومات .
    - وتلك المساحات الخضراء ؟
    - هذه حدائق عامة مزروعة بالعشب الأخضر والأشجار يتنزه بها الناس عندما يخرجون من بيوتهم مع زوجاتهم أوعشيقاتهم.
    - وتلك الكتل الضخمة ؟
    - انها مدارس أو مسارح أو مستشفيات أو دور سينما أو ملاهي .
    - وتلك المباني المستديرة التي تعج بالناس ؟
    - انها ملاعب للرياضة يفرغ الشباب فيها طاقاتهم الزائدة ومدرجات يقتل فيها المتفرجون أوقات فراغهم .
    - وتلك البيوت ذات الأضواء الحمراء والزرقاء ؟
    - إنها "بيبيم "أو حانات يفرغ فيها آخرون طاقات من نوع آخر .

    وفجأة رأت جدارا طويلا كالشارع ،فسألت جبريل عنه فقال :
    انه حاجز أمني.
    - هل‘عندكم خوف ؟
    - عندنا " أبرتهايد".
    - ماذا تعني ؟
    - عندنا عنصرية ، ولذلك يسمون هذا الجدار "جدار العنصرية " .
    - ألأن فهمت .
    - ماذا فهمت ؟
    - فهمت أن الأبرتهايد نوع من العنصرية .
    - عندنا أنواع كثيرة من العنصرية .
    صمتت دينا حتى عبرت الحاجز، فسألته:
    - لماذا تبدو القرى هناك بائسة ؟
    - انها متقشفة، زاهدة في الدنيا التي يسيطر عليها هولاكو.
    - وهذه الساحات المحروقة ؟
    - هذه كانت مخيما وكان يعيش فيه سكان كثيرون غزاهم هولاكو فأكل زرعهم وهدم بيوتهم
    حتى صارت على مستوى الأرض ليسهّل عليهم التنقل.
    - وأين ذهب سكان المخيم ؟ إني لا أرى أحدا .
    - أنت كثيرة الأسئلة !
    - لا تخف، إننا وحدنا في الفضاء، فقط أريد أن أعرف.
    - حسنا سأقول لك رغم العيون التي تراقبنا والآذان التي تحيط بنا، ثلث سكان المخيم اختلط لحمهم برماد الساحة التي ترينها، وثلثهم ضاع ولم يعثر له على أثر والثلث الباقي يتنزه إما في السجون أو يقيل تحت الزيتون.
    - وما هذه البناية الكبيرة ؟
    - مدرسة استعارها الجيش ليرتاح فيها الجنود وليتدربون على الرماية من نوافذها ليقتلون الأطفال الإرهابيين .
    - وهل الأطفال إرهابيون ؟
    - هكذا يقول هولاكو .
    - وهل كل ما يقوله هولاكو صحيحا ؟
    - في نظام الكون الجديد كل شيء ممكن .
    - وهذا أليس مستشفى؟
    - وكيف عرفت هذا بالذات ؟
    - لا زلت أذكره منذ يوم ولادتي ، لكن لماذا يبدو حزينا ؟
    - حزين لكثرة القتلى الذين يقتلهم جيش هولاكو ، وهو لا يستطيع انقاذهم .
    - والمرضى أين هم ؟
    - انهم مرهقون من كثرة الدواء ومن الحياة .
    - وفي هذه القرية، لماذا يسدون الطرقات ويحجزون الناس ولا يدعونهم يمرون ؟
    - كي لا يزعج المارة أهلها الذين ينامون حتى الضحى، ويقيلون وقت الظهر، وفي المساء يقضون أوقاتهم اما في المسارح أو في دور السينما ،أو يجلسون أمام التلفزيون لرؤية المسلسلات العربية، أو يتنزهون على ضفاف الأنهار .
    - لكني لا أرى أنهارا فأين الأنهار التي يتنزهون على ضفافها ؟
    - انها في الجنة ، أليست الجنة تجري من تحتها الأنهار ؟
    - الا يعمل سكانها ؟
    - الجيش يمنعهم من اجتياز الحواجز الى أماكن العمل !
    - ولماذا يقفون هكذا كالتماثيل الهزيلة ؟
    - يقفون تحية لرفع علم الدولة العلية .
    - وما هذه الكتل الفولاذية التي تقف عند مفترقات الطرق ؟
    - هذه دبابات تنتظر الطلاب ليلعبون بها في أوقات فراغهم .
    - وهل يمارس المعلمون العنف مع طلابهم ؟
    - العنف من اختصاص الجيش وحده ، يستعمله مع الطلاب وغير الطلاب .
    - وتلك الطائرات المروحية ؟
    - تنتظر دورها لتنقل الطلاب في رحلات جوية، والمرضى في نزهات بين المستشفيات.
    - وتلك البيوت الصغيرة على سطح الأرض ؟
    - هذه قبور أقامها الجيش للسكان حتى يحميهم من ضربات الشمس.
    - وماذا عن العاب الأطفال وأحلامهم ؟
    - الأطفال عندنا لا يحلمون، لأنهم ينامون على حجر ويستيقظون على حجر. [/COLOR]
    [frame="11 98"]
    لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

    لكني لم أستطع أن أحب ظالما
    [/frame]
  • خليف محفوظ
    أديب ومفكر
    • 10-05-2009
    • 88

    #2
    نص جميل ،و خيال بديع كان وراء التناول الرائع لهموم الوضع البشري في جهة من الكرة الأرضية ، حس إنساني عال يسود النص ، و متعة فنية رفيعة يحققها لقارئه .
    تحية لصاحب النص أمين خير الدين

    تعليق

    • أمين خيرالدين
      عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
      • 04-04-2008
      • 554

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة خليف محفوظ مشاهدة المشاركة
      نص جميل ،و خيال بديع كان وراء التناول الرائع لهموم الوضع البشري في جهة من الكرة الأرضية ، حس إنساني عال يسود النص ، و متعة فنية رفيعة يحققها لقارئه .
      تحية لصاحب النص أمين خير الدين
      ألأديب المفكر
      خليف محفوظ
      شكرا لمرورك الكريم ولكلماتك الرائعة التي أعتبرها شهادة شرف على صدر نصيّ أفتخر بها وأعتز لأنها من رجل مفكر أديب له وجوده الكريم
      شكرا لمرورك وتحياتي ومودتي
      [frame="11 98"]
      لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

      لكني لم أستطع أن أحب ظالما
      [/frame]

      تعليق

      يعمل...
      X