ثلاثون سنة وحوض المسافة ، صرخة طفلة في التاسعة من عمرالحياة ، تتمدد كل يوم هذه الصرخة وكل ثانية بشعاب الذاكرة ذلك المساء..
ما تزال تذكر ذلك اليوم " أميمة " جيدا ، وكأن الزمان انتفت دقاته وتسمرت في تلك اللحظة ولن تزيد..
حين استدعتها معلمتها " أمينة " إلى المكتب تعثرت في السنتميترات القليلة الفاصلة مابين المكتب والطاولة مرتين أو ثلاث، وانتبهت إلى أن المعلمة ما تزال مبتسمة.. إذن لم تحصل على علامة " لايعتبر" ؟ ولن تضطر إلى استدعاء والدها ولن ولن ولن ...
ألف صورة جعلت رأسها الصغير مختبر لكل الإحتمالات
نعم أستاذة تمتمت "أميمة " ...
أميمة ..اسمعي في نهاية الحصة ستحملين هذه الكتب والكراريس مع زميلتك نزهة الى بيتي ..تعرفه نزهة جيدا ..مسافة عشر دقائق ..عودي الى مكانك ..
انتفض شبح الخوف مهدت له الابتسامة على غير العادة وهذه الترقية الجميلة سعادة في قلب أميمة
كان البيت تحفة فنية بالنسبة للصغيرة اميمة التي فتحت عينيها على سمفونية قطرات الماء شتاء تتسرب من أوتار ألواح السقف المهترىء قدما في غرفة تتكدس فيها أرواح العائلة ، وصيفا تأخذ السمفونية أوركسترا حشرات استيطانية بالقوة
تكررت الزيارة إلى بيت المعلمة والإستقبال الأكثر من رائع بالإضافة إلى مائدة من كل أصناف الطعام ومتجددة كل يوم .
والتلفزيون هذا الصندوق العجب وسلسلة "تارزان" وقردته التي يعاندها قفزا ونطا على كل مسافات ومن كل المسافات
أميمة .. أميمة ..كانت أقسى اللحظات هذه حين تنبهها صديقتها نزهة بأن الوقت حان للذهاب
صارت علامتها أحسن تورد الوجه نضارة وأقبلت على الدراسة .
وفي صباح جميل تمردت فيه الأمنيات وطفت الى سطح الواقع سجلتها انتصارا أمنية المعلمة آمنة في ان تكون معها "اميمة " في البيت وتعيش معها مؤنسا لطفليها{ يونس وسهير} وهما في نفس عمرها
أميمة ..قالت المعلمة بتردد ..هل يعجبك المجيىء إلى هنا ؟
نعم جدا قالت اميمة
أعرف ظروفكم في البيت ،، فإذا كنت ترغبين بالمجيىء والمكوث معي أخبري أباك أن يزورني
نعم أستاذة آمنة سأفعل
كان الوالد زحمة من ألم
خسر بضاعته وتجارته وكل أمواله ما بين عشية وضحاها في بلدان عديدة ومحطات كثيرة ركبها عمرا كاملا بهجة توسدتها طرقات روما وباريس ومدريد وجنيف وكل العواصم العربية أوسمة من قصورها وأسواقها وأفراح أناسها ..
كل شيء ضاع في ذرة من ثانية
لاشيء . ..وعودة للوطن خاوي الوفاض وسبعة أطفال في سن لقمة العيش وزوجة كريمة ودار للإيجار وهو بلا فلس واحد ..
قـَبـِل أن تعيش "أميمة " عند المعلمة "أمينة " ..قبل على مضض حين رأى فرحة في عينيها تبسم وقال
على بركة الله..واستحضري الله في غيابناعنها.. إنها الآن ابنتك..قال للمعلمة
البدايات دائما تحمل ضوء الفجر، والنهايات تتلحف ظلمة الليل لتبحر بكل الأفراح..
تغيرت معاملة المعلمة لأميمة ..صارت تعنفها أكثر وتـُحـَملها أكثر من طاقتها وتمنعها مشاهدة التلفاز والنوم بعد إنهاء كل أشغال البيت
وخوف شديد رهيب يتملكها أن تقول لعائلتها في مناسبات اللقاء رغبتها في العودة إلى أحضان البيت .
كان زوج المعلمة بداية لا يحفل بها ولا يعتبرها أصلا
ثم...
تغيرت ملامح الرجل وصارت " أميمة " محط اهتمام ارتكزت عليه قوة لتبقى ..
اكثر المجيىء ساعات عمل زوجته واكثر " الهدايا " من حلويات وشكولاطة وكل ما تشتهيه طفلة في عمر الزهور وأكثر أيضا من التمسح على شعرها الفاحم كوجه الليل واكثر من مناداتها كل دقيقة لتشاهد التلفاز بجانبه
حركاته غربية كانت بالنسبة لها ..تصرفاته ..ابتسامته البلهاء كلما كانا معا..
يدخل عشية ذلك المساء حاملا نفس هداياه اليها ..يدخل غرفته وينادي عليها كعادته ..وتهرع إلى الغرفة ظنا منها لإسدال ستارة النافذة .وفتح جهاز التلفاز
لكنها ..
تراجعت إلى الوراء ..تسمرت فيه رؤية .. أغمضت عينيها وأعادت فتحهما لتراه بجانبها يحاول تقريبها منه..دفعته بأنامل هشة أعادتها إلى الوراء وسقطت هي بدله..
استجمعت قوتها الصغيرة المعطرة برحمة من السماء وهربت إلى أقصى حدود الأرض ، إلى الشارع ، إلى بيت أبيها..
استطاع أن يفهم ما جرى من خلال دموع متقطعة وكلام غير مفهوم
وضع رأسه ما بين يديه وبكى بحرقة ، و لأول مرة ترى أباها يبكي فتحكمها غصة أليمة
إنها السبب في بكاء والدها حبيبها ..
استدرك خوفها وأحس بما تعانيه ..
من أقسى اللحظات أن ترى فلذة كبدك تتمزق أمامك وأنت السبب.
تقارير الطبيب تؤكد سلامة " أميمة " وتفضح الرجل في كل أرجاء المدرسة التي تعمل بها زوجته " أمينة " التي انتكست بعد أن عارضت نافية أي صلة لزوجها بهكذا تصرفات فهو المؤمن الورع وصلاة الجمعة لاتفوته ..
ولكنها انتكست حين توغلت الحقيقة وجه النهار
وتدخل العديد من وجوه الخير..و تراجع الأب عن القضية خوفا على ابنته من تردي سمعتها مستقبلا وهي النظيفة النقية.. ووكل أمره لله..
ثلاثون سنة مرت وتلك الثانية من ذلك المساء ما تزال عالقة كوجه الزمان فيها
لابد من انفراج ، لتدخل من كل الأبواب عدالة السماء.
ففي لحظة احتضاره اتصلت بها زوجته تترجاها أن تزوره
فهو في حالة احتضار ..
ماذا ستخسر سترى وجهه وتغسل التسعة سنوات والثلاثين سنة من لحظة انكسار لم يشهدها ضوء الفجر، وغطتها ظلمة الشيطان .ستواجهه وستصفعه بكل ما تملك من قوة نقشتها تجربة الحياة ثلاثين سنة
إذن فليكن ستزوره ..
يا إلاهي رحماك ...كان كمشة من لحم وبقايا من هيكل إنسان
ربتت على كتفيه وقالت هامسة
أسامحك ..وداعا سيدي
ما تزال تذكر ذلك اليوم " أميمة " جيدا ، وكأن الزمان انتفت دقاته وتسمرت في تلك اللحظة ولن تزيد..
حين استدعتها معلمتها " أمينة " إلى المكتب تعثرت في السنتميترات القليلة الفاصلة مابين المكتب والطاولة مرتين أو ثلاث، وانتبهت إلى أن المعلمة ما تزال مبتسمة.. إذن لم تحصل على علامة " لايعتبر" ؟ ولن تضطر إلى استدعاء والدها ولن ولن ولن ...
ألف صورة جعلت رأسها الصغير مختبر لكل الإحتمالات
نعم أستاذة تمتمت "أميمة " ...
أميمة ..اسمعي في نهاية الحصة ستحملين هذه الكتب والكراريس مع زميلتك نزهة الى بيتي ..تعرفه نزهة جيدا ..مسافة عشر دقائق ..عودي الى مكانك ..
انتفض شبح الخوف مهدت له الابتسامة على غير العادة وهذه الترقية الجميلة سعادة في قلب أميمة
كان البيت تحفة فنية بالنسبة للصغيرة اميمة التي فتحت عينيها على سمفونية قطرات الماء شتاء تتسرب من أوتار ألواح السقف المهترىء قدما في غرفة تتكدس فيها أرواح العائلة ، وصيفا تأخذ السمفونية أوركسترا حشرات استيطانية بالقوة
تكررت الزيارة إلى بيت المعلمة والإستقبال الأكثر من رائع بالإضافة إلى مائدة من كل أصناف الطعام ومتجددة كل يوم .
والتلفزيون هذا الصندوق العجب وسلسلة "تارزان" وقردته التي يعاندها قفزا ونطا على كل مسافات ومن كل المسافات
أميمة .. أميمة ..كانت أقسى اللحظات هذه حين تنبهها صديقتها نزهة بأن الوقت حان للذهاب
صارت علامتها أحسن تورد الوجه نضارة وأقبلت على الدراسة .
وفي صباح جميل تمردت فيه الأمنيات وطفت الى سطح الواقع سجلتها انتصارا أمنية المعلمة آمنة في ان تكون معها "اميمة " في البيت وتعيش معها مؤنسا لطفليها{ يونس وسهير} وهما في نفس عمرها
أميمة ..قالت المعلمة بتردد ..هل يعجبك المجيىء إلى هنا ؟
نعم جدا قالت اميمة
أعرف ظروفكم في البيت ،، فإذا كنت ترغبين بالمجيىء والمكوث معي أخبري أباك أن يزورني
نعم أستاذة آمنة سأفعل
كان الوالد زحمة من ألم
خسر بضاعته وتجارته وكل أمواله ما بين عشية وضحاها في بلدان عديدة ومحطات كثيرة ركبها عمرا كاملا بهجة توسدتها طرقات روما وباريس ومدريد وجنيف وكل العواصم العربية أوسمة من قصورها وأسواقها وأفراح أناسها ..
كل شيء ضاع في ذرة من ثانية
لاشيء . ..وعودة للوطن خاوي الوفاض وسبعة أطفال في سن لقمة العيش وزوجة كريمة ودار للإيجار وهو بلا فلس واحد ..
قـَبـِل أن تعيش "أميمة " عند المعلمة "أمينة " ..قبل على مضض حين رأى فرحة في عينيها تبسم وقال
على بركة الله..واستحضري الله في غيابناعنها.. إنها الآن ابنتك..قال للمعلمة
البدايات دائما تحمل ضوء الفجر، والنهايات تتلحف ظلمة الليل لتبحر بكل الأفراح..
تغيرت معاملة المعلمة لأميمة ..صارت تعنفها أكثر وتـُحـَملها أكثر من طاقتها وتمنعها مشاهدة التلفاز والنوم بعد إنهاء كل أشغال البيت
وخوف شديد رهيب يتملكها أن تقول لعائلتها في مناسبات اللقاء رغبتها في العودة إلى أحضان البيت .
كان زوج المعلمة بداية لا يحفل بها ولا يعتبرها أصلا
ثم...
تغيرت ملامح الرجل وصارت " أميمة " محط اهتمام ارتكزت عليه قوة لتبقى ..
اكثر المجيىء ساعات عمل زوجته واكثر " الهدايا " من حلويات وشكولاطة وكل ما تشتهيه طفلة في عمر الزهور وأكثر أيضا من التمسح على شعرها الفاحم كوجه الليل واكثر من مناداتها كل دقيقة لتشاهد التلفاز بجانبه
حركاته غربية كانت بالنسبة لها ..تصرفاته ..ابتسامته البلهاء كلما كانا معا..
يدخل عشية ذلك المساء حاملا نفس هداياه اليها ..يدخل غرفته وينادي عليها كعادته ..وتهرع إلى الغرفة ظنا منها لإسدال ستارة النافذة .وفتح جهاز التلفاز
لكنها ..
تراجعت إلى الوراء ..تسمرت فيه رؤية .. أغمضت عينيها وأعادت فتحهما لتراه بجانبها يحاول تقريبها منه..دفعته بأنامل هشة أعادتها إلى الوراء وسقطت هي بدله..
استجمعت قوتها الصغيرة المعطرة برحمة من السماء وهربت إلى أقصى حدود الأرض ، إلى الشارع ، إلى بيت أبيها..
استطاع أن يفهم ما جرى من خلال دموع متقطعة وكلام غير مفهوم
وضع رأسه ما بين يديه وبكى بحرقة ، و لأول مرة ترى أباها يبكي فتحكمها غصة أليمة
إنها السبب في بكاء والدها حبيبها ..
استدرك خوفها وأحس بما تعانيه ..
من أقسى اللحظات أن ترى فلذة كبدك تتمزق أمامك وأنت السبب.
تقارير الطبيب تؤكد سلامة " أميمة " وتفضح الرجل في كل أرجاء المدرسة التي تعمل بها زوجته " أمينة " التي انتكست بعد أن عارضت نافية أي صلة لزوجها بهكذا تصرفات فهو المؤمن الورع وصلاة الجمعة لاتفوته ..
ولكنها انتكست حين توغلت الحقيقة وجه النهار
وتدخل العديد من وجوه الخير..و تراجع الأب عن القضية خوفا على ابنته من تردي سمعتها مستقبلا وهي النظيفة النقية.. ووكل أمره لله..
ثلاثون سنة مرت وتلك الثانية من ذلك المساء ما تزال عالقة كوجه الزمان فيها
لابد من انفراج ، لتدخل من كل الأبواب عدالة السماء.
ففي لحظة احتضاره اتصلت بها زوجته تترجاها أن تزوره
فهو في حالة احتضار ..
ماذا ستخسر سترى وجهه وتغسل التسعة سنوات والثلاثين سنة من لحظة انكسار لم يشهدها ضوء الفجر، وغطتها ظلمة الشيطان .ستواجهه وستصفعه بكل ما تملك من قوة نقشتها تجربة الحياة ثلاثين سنة
إذن فليكن ستزوره ..
يا إلاهي رحماك ...كان كمشة من لحم وبقايا من هيكل إنسان
ربتت على كتفيه وقالت هامسة
أسامحك ..وداعا سيدي
تعليق