أمـَيمـَة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فاطمة الزهراء العلوي
    نورسة حرة
    • 13-06-2009
    • 4206

    أمـَيمـَة

    ثلاثون سنة وحوض المسافة ، صرخة طفلة في التاسعة من عمرالحياة ، تتمدد كل يوم هذه الصرخة وكل ثانية بشعاب الذاكرة ذلك المساء..
    ما تزال تذكر ذلك اليوم " أميمة " جيدا ، وكأن الزمان انتفت دقاته وتسمرت في تلك اللحظة ولن تزيد..

    حين استدعتها معلمتها " أمينة " إلى المكتب تعثرت في السنتميترات القليلة الفاصلة مابين المكتب والطاولة مرتين أو ثلاث، وانتبهت إلى أن المعلمة ما تزال مبتسمة.. إذن لم تحصل على علامة " لايعتبر" ؟ ولن تضطر إلى استدعاء والدها ولن ولن ولن ...
    ألف صورة جعلت رأسها الصغير مختبر لكل الإحتمالات
    نعم أستاذة تمتمت "أميمة " ...
    أميمة ..اسمعي في نهاية الحصة ستحملين هذه الكتب والكراريس مع زميلتك نزهة الى بيتي ..تعرفه نزهة جيدا ..مسافة عشر دقائق ..عودي الى مكانك ..
    انتفض شبح الخوف مهدت له الابتسامة على غير العادة وهذه الترقية الجميلة سعادة في قلب أميمة
    كان البيت تحفة فنية بالنسبة للصغيرة اميمة التي فتحت عينيها على سمفونية قطرات الماء شتاء تتسرب من أوتار ألواح السقف المهترىء قدما في غرفة تتكدس فيها أرواح العائلة ، وصيفا تأخذ السمفونية أوركسترا حشرات استيطانية بالقوة
    تكررت الزيارة إلى بيت المعلمة والإستقبال الأكثر من رائع بالإضافة إلى مائدة من كل أصناف الطعام ومتجددة كل يوم .
    والتلفزيون هذا الصندوق العجب وسلسلة "تارزان" وقردته التي يعاندها قفزا ونطا على كل مسافات ومن كل المسافات

    أميمة .. أميمة ..كانت أقسى اللحظات هذه حين تنبهها صديقتها نزهة بأن الوقت حان للذهاب
    صارت علامتها أحسن تورد الوجه نضارة وأقبلت على الدراسة .
    وفي صباح جميل تمردت فيه الأمنيات وطفت الى سطح الواقع سجلتها انتصارا أمنية المعلمة آمنة في ان تكون معها "اميمة " في البيت وتعيش معها مؤنسا لطفليها{ يونس وسهير} وهما في نفس عمرها
    أميمة ..قالت المعلمة بتردد ..هل يعجبك المجيىء إلى هنا ؟
    نعم جدا قالت اميمة
    أعرف ظروفكم في البيت ،، فإذا كنت ترغبين بالمجيىء والمكوث معي أخبري أباك أن يزورني
    نعم أستاذة آمنة سأفعل
    كان الوالد زحمة من ألم
    خسر بضاعته وتجارته وكل أمواله ما بين عشية وضحاها في بلدان عديدة ومحطات كثيرة ركبها عمرا كاملا بهجة توسدتها طرقات روما وباريس ومدريد وجنيف وكل العواصم العربية أوسمة من قصورها وأسواقها وأفراح أناسها ..
    كل شيء ضاع في ذرة من ثانية
    لاشيء . ..وعودة للوطن خاوي الوفاض وسبعة أطفال في سن لقمة العيش وزوجة كريمة ودار للإيجار وهو بلا فلس واحد ..
    قـَبـِل أن تعيش "أميمة " عند المعلمة "أمينة " ..قبل على مضض حين رأى فرحة في عينيها تبسم وقال
    على بركة الله..واستحضري الله في غيابناعنها.. إنها الآن ابنتك..قال للمعلمة
    البدايات دائما تحمل ضوء الفجر، والنهايات تتلحف ظلمة الليل لتبحر بكل الأفراح..

    تغيرت معاملة المعلمة لأميمة ..صارت تعنفها أكثر وتـُحـَملها أكثر من طاقتها وتمنعها مشاهدة التلفاز والنوم بعد إنهاء كل أشغال البيت
    وخوف شديد رهيب يتملكها أن تقول لعائلتها في مناسبات اللقاء رغبتها في العودة إلى أحضان البيت .
    كان زوج المعلمة بداية لا يحفل بها ولا يعتبرها أصلا
    ثم...
    تغيرت ملامح الرجل وصارت " أميمة " محط اهتمام ارتكزت عليه قوة لتبقى ..
    اكثر المجيىء ساعات عمل زوجته واكثر " الهدايا " من حلويات وشكولاطة وكل ما تشتهيه طفلة في عمر الزهور وأكثر أيضا من التمسح على شعرها الفاحم كوجه الليل واكثر من مناداتها كل دقيقة لتشاهد التلفاز بجانبه
    حركاته غربية كانت بالنسبة لها ..تصرفاته ..ابتسامته البلهاء كلما كانا معا..
    يدخل عشية ذلك المساء حاملا نفس هداياه اليها ..يدخل غرفته وينادي عليها كعادته ..وتهرع إلى الغرفة ظنا منها لإسدال ستارة النافذة .وفتح جهاز التلفاز
    لكنها ..
    تراجعت إلى الوراء ..تسمرت فيه رؤية .. أغمضت عينيها وأعادت فتحهما لتراه بجانبها يحاول تقريبها منه..دفعته بأنامل هشة أعادتها إلى الوراء وسقطت هي بدله..
    استجمعت قوتها الصغيرة المعطرة برحمة من السماء وهربت إلى أقصى حدود الأرض ، إلى الشارع ، إلى بيت أبيها..
    استطاع أن يفهم ما جرى من خلال دموع متقطعة وكلام غير مفهوم
    وضع رأسه ما بين يديه وبكى بحرقة ، و لأول مرة ترى أباها يبكي فتحكمها غصة أليمة
    إنها السبب في بكاء والدها حبيبها ..
    استدرك خوفها وأحس بما تعانيه ..

    من أقسى اللحظات أن ترى فلذة كبدك تتمزق أمامك وأنت السبب.

    تقارير الطبيب تؤكد سلامة " أميمة " وتفضح الرجل في كل أرجاء المدرسة التي تعمل بها زوجته " أمينة " التي انتكست بعد أن عارضت نافية أي صلة لزوجها بهكذا تصرفات فهو المؤمن الورع وصلاة الجمعة لاتفوته ..
    ولكنها انتكست حين توغلت الحقيقة وجه النهار
    وتدخل العديد من وجوه الخير..و تراجع الأب عن القضية خوفا على ابنته من تردي سمعتها مستقبلا وهي النظيفة النقية.. ووكل أمره لله..
    ثلاثون سنة مرت وتلك الثانية من ذلك المساء ما تزال عالقة كوجه الزمان فيها
    لابد من انفراج ، لتدخل من كل الأبواب عدالة السماء.
    ففي لحظة احتضاره اتصلت بها زوجته تترجاها أن تزوره
    فهو في حالة احتضار ..
    ماذا ستخسر سترى وجهه وتغسل التسعة سنوات والثلاثين سنة من لحظة انكسار لم يشهدها ضوء الفجر، وغطتها ظلمة الشيطان .ستواجهه وستصفعه بكل ما تملك من قوة نقشتها تجربة الحياة ثلاثين سنة
    إذن فليكن ستزوره ..
    يا إلاهي رحماك ...كان كمشة من لحم وبقايا من هيكل إنسان
    ربتت على كتفيه وقالت هامسة
    أسامحك ..وداعا سيدي
    لا خير في هاموشة تقتات على ما تبقى من فاكهة
  • مجدي السماك
    أديب وقاص
    • 23-10-2007
    • 600

    #2
    تحياتي

    فاطمة الزهراء العلوي..تحياتي
    قصة جميلة..رغم الالم..وما حدث لاميمة اصبح ظاهرة مؤلمة في العديد من المجتمعات العربية. رائعة يا صديقتي.
    مودتي
    عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

    تعليق

    • دكتور مشاوير
      Prince of love and suffering
      • 22-02-2008
      • 5323

      #3
      [frame="13 98"]
      تسلمي أم مهدي على هذه القصة بالفعل تحمل الكثير ورغم الآلم و يبقي الحنين.
      في انتظار جديدكِ دائما لما يحمل لنا من تميز وتألق في سماء الملتقي.
      [/frame]

      تعليق

      • مها راجح
        حرف عميق من فم الصمت
        • 22-10-2008
        • 10970

        #4
        اسلوب هاديء ورصين والتقاط عميق لمواطن هم اجتماعي انساني حارق حد الغصة
        باقة ورد فيضها محبة واعجاب استاذة فاطمة
        تحيتي
        رحمك الله يا أمي الغالية

        تعليق

        • فاطمة الزهراء العلوي
          نورسة حرة
          • 13-06-2009
          • 4206

          #5
          العزيز مجدي اديبنا مساء النور
          نعم اخي انها ظاهرة غريبة عن اخلاقنا وتعليمنا الدينية وبعيدة عن انسانيتنا
          ونتمنى ان تؤخذ قوانين صارمة في حق كل من ينتهك البراءة بشكل فاسق مثل هذا او بشكل اعتدائي بعمولة الاطفال المسروقة عن اعين القانون
          شكرا جزيلا
          توقيعك اغنى النص
          سلمت لنامن كل سوء
          فاطمة الزهراء
          لا خير في هاموشة تقتات على ما تبقى من فاكهة

          تعليق

          • فاطمة الزهراء العلوي
            نورسة حرة
            • 13-06-2009
            • 4206

            #6
            الدطتور العزيز مشاوير مساء النور
            حضورك اثراء للنص وباحة عطاء اخر
            اشكر لك مرورك الطيب واناقة الكلمة

            سلمت لنا من كل سوء دكتور والله يعطيك الصحة والعافية

            فاطمة الزهراء
            لا خير في هاموشة تقتات على ما تبقى من فاكهة

            تعليق

            • فاطمة الزهراء العلوي
              نورسة حرة
              • 13-06-2009
              • 4206

              #7
              الحبيبة الاديبة مها مساء النور
              اشكرك جزيل الشكر على اهتمامك بهذا الموضوع الشائك حد الغصة كما قلت اختي نعم مؤلم وجارح ولا انساني
              يعيد سؤال الانسان نحو اخيه الانسان قبل اي شيء اخر
              سلمت مها من كل سوء

              فاطمة الزهراء
              لا خير في هاموشة تقتات على ما تبقى من فاكهة

              تعليق

              • دريسي مولاي عبد الرحمان
                أديب وكاتب
                • 23-08-2008
                • 1049

                #8
                رد: أمـَيمـَة

                ختي فاطمة الزهراء...تحياتي الإبداعية...
                كثيرة هي هذه المسلكيات الخبيثة ومجتمعنا يعج بها...والجرائد يوميا توافينا بالعديد منها وبشكل أبشع...
                اميمة...جذبني العنوان منذ الوهلة الأولى...ربما لأنني أعشق أغاني أميمة الخليل...وعشقتك اميمتك هاته...لأن الحظ كان من نصيبها...
                الألم الإنساني بهذه الفاجعة...وانتكاسات أخلاقية تجعلني سيدتي بحق أعتبر أزمتنا أزمة إنسان...
                سررت دوما بالقراءة لك...لأنني أجد نفسي بين ثنايا سطورك...
                تقديري العميق

                تعليق

                • ربيع عقب الباب
                  مستشار أدبي
                  طائر النورس
                  • 29-07-2008
                  • 25791

                  #9
                  رد: أمـَيمـَة

                  هنا ليلى .. تذكرت مليكة مستظرف .. كانت ماثلة أمام عينى فى روايتها الأروع !
                  القصة تختلج بالكثير مما تحن إلى زيارته الذاكرة ، و تعافره بشكل ربما حميم ، و ربما لا .. نعم فهناك من المشاهد مالا تريدين أن تريه ، و لو لم يكن أبدا .. خاصة فى طفولتنا العجيبة و البائسة إلى حد بعيد ، فليس البؤس هو قلة المال أو الرزق ، و الاجتياح إلى المأكل و المشرب .. و لكن البؤس يكمن فى البيئة التى أورثت بؤسا فى أشياء أخرى أكثر خطورة !!
                  لم تختلف الرؤية عند المعلمات ، عن هنا عندنا ، و مسألة التقييم و التقرب من الصغار .. إنها نفس السلوكيات و العادات العجيبة و الغريبة التى ربما فسرها علماء التربية ، و أصحاب الفلسفات .. و الرؤية أمثال فرويد !!
                  كنت أحب أن تجزأ القصة .. فى مراحلها المختلفة .. البداية .. وحدها كقصة !!
                  ثم الانتقال إلى المعلمة فى قعر دارها .. وهذه ثانية
                  و الجزء الأهم الآخر هو السلوك الذى أبداه الزوج حيال البنوتة الصغيرة !!
                  أو يتم ترقيمها ..!!
                  المهم قرأت و استمتعت و تذكرت الكثير من الأعمال الجيدة التى قرأتها هنا
                  وكانت قريبة من هذه !!
                  أهمس لك ليلى أخيرا و بقوة أشد على قبضتك : شكلى و تمتعى بالعمل و أنت تكتبين !!
                  مخزونك رائع !!

                  خالص احترامى و تقديرى
                  وعيد سعيد
                  sigpic

                  تعليق

                  • ايهاب محمد عاشور
                    أديب وكاتب
                    • 24-07-2009
                    • 262

                    #10
                    رد: أمـَيمـَة

                    الاخت الصديقة الراقية / ليلى(فاطمة الزهراء)..!!
                    نص قوي جدا..يؤجج الرغبة في تسلق قمة النفس.. يعالج مجتمع قائم بذاته..!!
                    ألم اقل لك انك رائعة..؟!!
                    رائعة يا ليلى بقدر الروعة بل اروع
                    ايهاب يحب المرور من هنا
                    sigpicعلى هذه الأرض..سيدة الأرض..ما يستحق الحياة

                    تعليق

                    • فاطمة الزهراء العلوي
                      نورسة حرة
                      • 13-06-2009
                      • 4206

                      #11
                      رد: أمـَيمـَة

                      اعتذر عن التاخير خويا ايهاب
                      النت ضعيف هذه الايام ويعذبنا وبالكاد تفتح الصفحات

                      شكرا جزيلا على حضورك الطيب وقراءتك الجميلة دائما

                      سلمت لنا من كل سوء ايهاب

                      ليلى
                      لا خير في هاموشة تقتات على ما تبقى من فاكهة

                      تعليق

                      • أميمة محمد
                        مشرف
                        • 27-05-2015
                        • 4960

                        #12
                        قصة "أميمة" قصة رائقة عالجت قضية بعمق تدرجاً من الأسباب للبدايات حتى العواقب بأسلوب سهل متين متسلسل مقنع
                        أميمة، قصة كثير من الفتيات يلقي بهن اليتم أو الفقر والعوز أو لامبالاة الأهل لغياهب الحياة حيث القسوة والشر والظلمة
                        ما أعجبني هو صوت الحكائية المنسابة برقة بدون حاجة لخدش مشاعرنا والتطرق للمأساة والجرح بدون المساس بذائقتنا

                        في تمهيد سلس.. " أكثر الهدايا...
                        "أكثر أيضا من التمسح على شعرها الفاحم كوجه الليل واكثر من مناداتها كل دقيقة لتشاهد التلفاز بجانبه"
                        حركاته غربية كانت بالنسبة لها ..تصرفاته ..ابتسامته البلهاء كلما كانا معا..

                        .يدخل غرفته وينادي عليها كعادته ..وتهرع إلى الغرفة ظنا منها لإسدال ستارة النافذة .وفتح جهاز التلفاز
                        لكنها ..
                        تراجعت إلى الوراء ..تسمرت فيه رؤية .. أغمضت عينيها وأعادت فتحهما"

                        أحببت العرض الناعم لفكرة هي في الأصل مرهقة لبشاعة ما فيها

                        هناك هنات طفيفة أو هكذا بدت
                        تعيش معها مؤنسا لطفليها{ يونس وسهير} وهما في نفس عمرها ( ينبغي أن يكونا أصغر وفي نفس عمرها سيلعبان معا ولا حاجة لهما بها)
                        اكثر المجيىء ساعات عمل زوجته واكثر( يفترض ساعة غياب زوجته إلا إن تركت أميمة المدرسة)
                        أيضا كان موقف الأب فيه تشهير نوعا ما لابنته فهكذا علمتنا العادات إذ يلجأ من هم في مثل هذه الظروف للسكوت سترا طالما سلمت ابنتهم

                        بقيت هذه الجملة لامعة "البدايات دائما تحمل ضوء الفجر، والنهايات تتلحف ظلمة الليل لتبحر بكل الأفراح.."
                        أجل البدايات غير المطمئنة... تفعل ذلك

                        لكن الله مع عباده المخلصين فهل لطفلة أن تتخلص من رجل لولا عناية الله!
                        الرجل لم ينس فعلته وتذكرها

                        أستاذة فاطمة الزهراء راقت لي القصة، فكنت هنا..
                        مودتي

                        تعليق

                        • عائده محمد نادر
                          عضو الملتقى
                          • 18-10-2008
                          • 12843

                          #13
                          كم الف أميمة اليوم تبكي القهر والظلم
                          باتت أميمة أمام أنظارنا بكل لحظة والظلام سمة مشتركة بين كل أميمة
                          ياالله كم أوجعتني الصور وأنا أراها أمام عيني كأني كنت الشاهد على العهر والطهر
                          ودموع الآباء ستبقى كما يبدو تنهمر
                          أوجعينا فاطمة الزهراء لأننا يجب أن نعاقب
                          محبتي لك يالغلا
                          الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                          تعليق

                          • عروبة شنكان
                            أديب وكاتب
                            • 05-04-2017
                            • 177

                            #14
                            أميمة صوت الطفولة الموءدة، سرد ممتع، جذبنا حتى آخر سطر
                            تسجيل إعجاب مع التحية..
                            ولون الكفن بلون العلم
                            غيرنا تقاليد أعراسنا
                            حتى يرفع الأحرار
                            رايتك ياوطن
                            حرة

                            تعليق

                            يعمل...
                            X