أغلق الباب خلفه و رمى الحقيبة تنسحب إلى زاوية الغرفة، ثم ألقى نفسه على السرير شابكا أصابعه خلف رأسه.
شعر بألفة عجيبة في جنبات غرفة الفندق، شعور لذيذ سرى في كيانه منذ وطئت قدماه هذه المدينة الرابضة على مشارف الصحراء، بلدة مباركة ينام في أعطافها سيد الفاتحين راضيا مرضيا.
في حوزته إجازة مفتوحة مثل هذه المدينة المفتوحة على الفضاء و التاريخ.
لقد جاءه النبأ، حدثته الأشجار و الأحجار، قالت:في مستهل هذا الشهر يحدث الأمر الذي عاش له العمر، سيقترن زحل بالمشتري و تتجلى الصورة في مجمع الرمال.
هي ليلة الكشف و انزياح الحجب، ليلة التجلي و الوصال، سيرد فيها النبع، ينهل من مائه الزلال و يروي ظمأ السنين.
منذ كم وهو صدِِِ ِ، وحيد في غربته بين أهله و جيرانه، متهم، منبوذ، مكابد لواعج الشوق و الحنين، منذ سنين وهو يحلم و يرحل.
جاهده والداه على الزواج و إتمام نصف الدين، و جاهدهما كي يتركاه و شأنه، منحهما نصف أجرته الشهرية، و اكتفى من دنياهم بغرفة تزاحمه فيها الكتب و حقيبة للترحال.
و شد بصره للنجوم...
لكن الصورة ظلت تعانده، تأتيه في الحلم مغبشة، مجزأة، يلوح له منها تارة شعرها الفاحم، وتارة ثغرها الباسم ، و مرة تكشف له عن ساقها، عن مبهج عزيز من مباهج بستانها . و لم يظفر بها كاملة، و لم يرض عنها بديلا، و اكتوى كثيرا...
قالت له الكتب إن الأمر يحدث مرة كل ثلاثين سنة عند اقتران زحل بالمشتري قرانا صغيرا، ثم ثلاثة قرون قرانا وسطا، ثم تسعة قرون قرانا كبيرا. و العمر ما أضيقه! قطرة ماء تنزلق على ابرة من بحار بلا شطآن، و الروح ما أظمأه!
و أرعبه أن يطوى طي السجل و يسلم سمادا للأرض من غير أن يظفر بها، فتوسل مبتهلا للصورة أن تتجلى، أن تبزغ له مع الشمس، أو أن تهل عليه مع القمر قبل أن يرحل الرحيل الأخير.
و أقنعته الكتب أن التي ينشدها روح هائم في الوجود، لايمكن الظفر بها إلا في رؤيا صادقة تطالع فيها النفس الناطقة ذاتها الروحانية، و أن المدارك الغيبية لا تكون إلا بغيبة النفس عن المحسوس فتتعرض إلى معرفة ما تتشوف إليه من المقصود في عالم الحق.
و أدمن الغياب عن دنيا الناس، دنيا الزيف و الأشباح. اعتقد جازما أن الذي يجري حوله إنما هو انعكاس مشوه لعالم الكمال حيث البهاء و الجمال و الحب، عالم النور الذي تخرج منه الصورة غائمة كقمر ملطخ بالسحب. و إنما السحب هي الحواس و الشهوة.
و أدمن النفرة، تعاطى الخلوة في جوف الليالي، جاهد حواسه المُشَوِّشة، كابد، أماتها ما استطاع. الحواس هي اللعنة و العمى، هي الحجاب الكتيم.
دق عوده، صار هزيلا كالسنوات العجاف ، شبحا تائها في ملكوت مستغلق، ولم تمنحه الصورة إلا الظمأ و إغواءها العذب.
و سلمت أمه بأنه مأخوذ بجنية ماردة. كانت تقف خلف بابه منتصف الليالي تتنصت فتسمعه يردد منتحبا كلاما عجيبا:" تماغس بعد أن يسواد و غداس نوفنا غادس" فتنقلب إلى مخدعها تضرب كفا بكف. و إنما هو كان يكرر حالومية أرشدته إليها الكتب على أنها مفتاح الرؤيا أين تظفر النفس الخالصة بالمقصود الذي تتشوف إليه...
و لم تتبين النفس ما تتشوف إليه...
سماها زوليخة، ليلى، سمية، مية، الهجر و الوجد، ما تفتأ تمنحه إغواءها و تصد لعوبا، مايزال الطين يشده ثقيلا، يؤجج فيه نيران الشبق الأسود، تتوجع فيه الشهوة، يدفن أولاده في صلبه، ينشج كالقطاة و يرحل كثيرا على تخوم الصحراء ينشدها في لية صفاء.
قيل: لن تتجلى إلا على كثبان الرمل، هي نجمة عالية، عنقود لآلئ و درر، تتدلى من برجها و تتدنى حتى تلامس الكثيب فتستوي امرأة عجيبة، تأخذه من يده و تمنحه البهاء و الصفاء و الخلود.
دبت الليالي، و اسمألت الظلال، ذهب الدهر بعيني أمه، و ببشاشة أهل حيه، تاهوا في البحث عن لقمة العيش، و تفرقت السبل بالأبناء، و أبوه الشيخ نذر شيبه للقهوة و السكر و الزيت، و ما ترسو به السفن على الميناء...
و تاه هو في فصول النشيد و النشيج، يوغل في العزلة و النفور، يمعن في اتلاف الجسد إرضاء للحبيب الممعن في الهجر الممتنع عن السفور، يمسح خده بالأرض، حتى إذا جف فيه الريق صار النشيد نشيجا...
إلام الاحتجاب و الهجران وما عاد لدي شيء أمنحكه؟ بذلت لك العمر و المنى و التفاصيل الصغيرة، فتحت لك معابد روحي، أسكنتك السويداء، ضمختك بزهرة شبابي، فرشت قلبي على عتبة بابك و صليت الهوى و الصلى و أنت ماتنفك تغيب، و ها قد جف الغصن الرطيب و ما غنى عليه طائرك الحبيب. شاهت الخلقة و حل المشيب و مازالت كأسي بكفي فارغة على شفتي الناشفة. املأها و اسقني، يوشك يقتلني الظمأ، مدّ يديك و خلصني يكاد يُغرقني الحمأ، لا تكلني لتيهي معلقا بين الأرض و السماء، خذني منك إليك يا سنا لاح فأغوى، ثم أشاح وما أروى. ما قيمة العمر أفنيه بين الأشباح و الرياح؟ اسكني أكثر، اغوني، ضمني، دقني و اسحقني، ثم ذرذرني في الغروب غسقا، رشني على نوافذ العاشقين المُبْتَلين المُتَبَتِّلين، اجعلني كحلا في عيون الصبايا و ذرني أعش بهاءك المتجدد...
و صار النشيج هذيانا، هُذاء متدفقا كالنهر الأعمى يجوس تحت طبقات الأرض و يتغلغل في أغوار نفسه ثم يتدفق على الشدقين زبدا.
و لم يعد اللسان فيه وحده الذي يهذي، بل الأذن أيضا تهذي، تسمع ما لايسمع، الشجر و الحجر يكلمه، الكائنات تنبئه أن الأمر يوشك أن يكون، و أن القران هذه المرة قران السعد، قران القرون الطويلة...
و عجت الأذن بالطنين...طوبى لك أيها البار المبارك السر و السرور، هنيئا اجتيازك وادي الدموع إلى وادي الحبور...
و العين تهذي، ترى ما لا يُرى..
و القدم تهذي، تجفل و تشرد بعيدا، تدخل به أرضا شهباء قامت فيها عيدان عجفاء علقت عليها خرق و مزق باهتة الألوان.
تبتعد الصورة أكثر، امرأة هيفاء مغبشة كالطيف، تلبس الأحمر، تضرب خطواتها في أفق يتلاشى في ضباب رملي...
و إذا العيدان مشانق منصوبة، و إذا الخرق و المزق جثث ممسوخة تدلت منها الرؤوس وقد تساقط شعرها و تقشرت فبدت كالقرع المعروض للشمس، و حفار القبور سقطت أسنانه إلا نابا صفراء يعض بها على الشفة السفلى، يمسك بقضيب يقرعها به الواحدة تلو الأخرى يرى أيها نضجت فيتخذها أقداحا يشرب بها نخب توحده.
و ينتبه إلى أن حفار القبور قد تفطن إلى حركته بين المشانق، فيهرب و يختفي بين العيدان و القرع الأجوف المخشخش، أو بين الرؤوس المتدلية المتساقط شعرها؟ لايدري، اختلط عليه الأمر، و العين صارت تهذي أكثر.
يخرج حفار القبور مسدسه من بزته العسكرية و يطلق عليه النار، يحس وجعا غريبا في خاصرته، و تنطفئ أخر نقطة ضوء...
شعر بألفة عجيبة في جنبات غرفة الفندق، شعور لذيذ سرى في كيانه منذ وطئت قدماه هذه المدينة الرابضة على مشارف الصحراء، بلدة مباركة ينام في أعطافها سيد الفاتحين راضيا مرضيا.
في حوزته إجازة مفتوحة مثل هذه المدينة المفتوحة على الفضاء و التاريخ.
لقد جاءه النبأ، حدثته الأشجار و الأحجار، قالت:في مستهل هذا الشهر يحدث الأمر الذي عاش له العمر، سيقترن زحل بالمشتري و تتجلى الصورة في مجمع الرمال.
هي ليلة الكشف و انزياح الحجب، ليلة التجلي و الوصال، سيرد فيها النبع، ينهل من مائه الزلال و يروي ظمأ السنين.
منذ كم وهو صدِِِ ِ، وحيد في غربته بين أهله و جيرانه، متهم، منبوذ، مكابد لواعج الشوق و الحنين، منذ سنين وهو يحلم و يرحل.
جاهده والداه على الزواج و إتمام نصف الدين، و جاهدهما كي يتركاه و شأنه، منحهما نصف أجرته الشهرية، و اكتفى من دنياهم بغرفة تزاحمه فيها الكتب و حقيبة للترحال.
و شد بصره للنجوم...
لكن الصورة ظلت تعانده، تأتيه في الحلم مغبشة، مجزأة، يلوح له منها تارة شعرها الفاحم، وتارة ثغرها الباسم ، و مرة تكشف له عن ساقها، عن مبهج عزيز من مباهج بستانها . و لم يظفر بها كاملة، و لم يرض عنها بديلا، و اكتوى كثيرا...
قالت له الكتب إن الأمر يحدث مرة كل ثلاثين سنة عند اقتران زحل بالمشتري قرانا صغيرا، ثم ثلاثة قرون قرانا وسطا، ثم تسعة قرون قرانا كبيرا. و العمر ما أضيقه! قطرة ماء تنزلق على ابرة من بحار بلا شطآن، و الروح ما أظمأه!
و أرعبه أن يطوى طي السجل و يسلم سمادا للأرض من غير أن يظفر بها، فتوسل مبتهلا للصورة أن تتجلى، أن تبزغ له مع الشمس، أو أن تهل عليه مع القمر قبل أن يرحل الرحيل الأخير.
و أقنعته الكتب أن التي ينشدها روح هائم في الوجود، لايمكن الظفر بها إلا في رؤيا صادقة تطالع فيها النفس الناطقة ذاتها الروحانية، و أن المدارك الغيبية لا تكون إلا بغيبة النفس عن المحسوس فتتعرض إلى معرفة ما تتشوف إليه من المقصود في عالم الحق.
و أدمن الغياب عن دنيا الناس، دنيا الزيف و الأشباح. اعتقد جازما أن الذي يجري حوله إنما هو انعكاس مشوه لعالم الكمال حيث البهاء و الجمال و الحب، عالم النور الذي تخرج منه الصورة غائمة كقمر ملطخ بالسحب. و إنما السحب هي الحواس و الشهوة.
و أدمن النفرة، تعاطى الخلوة في جوف الليالي، جاهد حواسه المُشَوِّشة، كابد، أماتها ما استطاع. الحواس هي اللعنة و العمى، هي الحجاب الكتيم.
دق عوده، صار هزيلا كالسنوات العجاف ، شبحا تائها في ملكوت مستغلق، ولم تمنحه الصورة إلا الظمأ و إغواءها العذب.
و سلمت أمه بأنه مأخوذ بجنية ماردة. كانت تقف خلف بابه منتصف الليالي تتنصت فتسمعه يردد منتحبا كلاما عجيبا:" تماغس بعد أن يسواد و غداس نوفنا غادس" فتنقلب إلى مخدعها تضرب كفا بكف. و إنما هو كان يكرر حالومية أرشدته إليها الكتب على أنها مفتاح الرؤيا أين تظفر النفس الخالصة بالمقصود الذي تتشوف إليه...
و لم تتبين النفس ما تتشوف إليه...
سماها زوليخة، ليلى، سمية، مية، الهجر و الوجد، ما تفتأ تمنحه إغواءها و تصد لعوبا، مايزال الطين يشده ثقيلا، يؤجج فيه نيران الشبق الأسود، تتوجع فيه الشهوة، يدفن أولاده في صلبه، ينشج كالقطاة و يرحل كثيرا على تخوم الصحراء ينشدها في لية صفاء.
قيل: لن تتجلى إلا على كثبان الرمل، هي نجمة عالية، عنقود لآلئ و درر، تتدلى من برجها و تتدنى حتى تلامس الكثيب فتستوي امرأة عجيبة، تأخذه من يده و تمنحه البهاء و الصفاء و الخلود.
دبت الليالي، و اسمألت الظلال، ذهب الدهر بعيني أمه، و ببشاشة أهل حيه، تاهوا في البحث عن لقمة العيش، و تفرقت السبل بالأبناء، و أبوه الشيخ نذر شيبه للقهوة و السكر و الزيت، و ما ترسو به السفن على الميناء...
و تاه هو في فصول النشيد و النشيج، يوغل في العزلة و النفور، يمعن في اتلاف الجسد إرضاء للحبيب الممعن في الهجر الممتنع عن السفور، يمسح خده بالأرض، حتى إذا جف فيه الريق صار النشيد نشيجا...
إلام الاحتجاب و الهجران وما عاد لدي شيء أمنحكه؟ بذلت لك العمر و المنى و التفاصيل الصغيرة، فتحت لك معابد روحي، أسكنتك السويداء، ضمختك بزهرة شبابي، فرشت قلبي على عتبة بابك و صليت الهوى و الصلى و أنت ماتنفك تغيب، و ها قد جف الغصن الرطيب و ما غنى عليه طائرك الحبيب. شاهت الخلقة و حل المشيب و مازالت كأسي بكفي فارغة على شفتي الناشفة. املأها و اسقني، يوشك يقتلني الظمأ، مدّ يديك و خلصني يكاد يُغرقني الحمأ، لا تكلني لتيهي معلقا بين الأرض و السماء، خذني منك إليك يا سنا لاح فأغوى، ثم أشاح وما أروى. ما قيمة العمر أفنيه بين الأشباح و الرياح؟ اسكني أكثر، اغوني، ضمني، دقني و اسحقني، ثم ذرذرني في الغروب غسقا، رشني على نوافذ العاشقين المُبْتَلين المُتَبَتِّلين، اجعلني كحلا في عيون الصبايا و ذرني أعش بهاءك المتجدد...
و صار النشيج هذيانا، هُذاء متدفقا كالنهر الأعمى يجوس تحت طبقات الأرض و يتغلغل في أغوار نفسه ثم يتدفق على الشدقين زبدا.
و لم يعد اللسان فيه وحده الذي يهذي، بل الأذن أيضا تهذي، تسمع ما لايسمع، الشجر و الحجر يكلمه، الكائنات تنبئه أن الأمر يوشك أن يكون، و أن القران هذه المرة قران السعد، قران القرون الطويلة...
و عجت الأذن بالطنين...طوبى لك أيها البار المبارك السر و السرور، هنيئا اجتيازك وادي الدموع إلى وادي الحبور...
و العين تهذي، ترى ما لا يُرى..
و القدم تهذي، تجفل و تشرد بعيدا، تدخل به أرضا شهباء قامت فيها عيدان عجفاء علقت عليها خرق و مزق باهتة الألوان.
تبتعد الصورة أكثر، امرأة هيفاء مغبشة كالطيف، تلبس الأحمر، تضرب خطواتها في أفق يتلاشى في ضباب رملي...
و إذا العيدان مشانق منصوبة، و إذا الخرق و المزق جثث ممسوخة تدلت منها الرؤوس وقد تساقط شعرها و تقشرت فبدت كالقرع المعروض للشمس، و حفار القبور سقطت أسنانه إلا نابا صفراء يعض بها على الشفة السفلى، يمسك بقضيب يقرعها به الواحدة تلو الأخرى يرى أيها نضجت فيتخذها أقداحا يشرب بها نخب توحده.
و ينتبه إلى أن حفار القبور قد تفطن إلى حركته بين المشانق، فيهرب و يختفي بين العيدان و القرع الأجوف المخشخش، أو بين الرؤوس المتدلية المتساقط شعرها؟ لايدري، اختلط عليه الأمر، و العين صارت تهذي أكثر.
يخرج حفار القبور مسدسه من بزته العسكرية و يطلق عليه النار، يحس وجعا غريبا في خاصرته، و تنطفئ أخر نقطة ضوء...
تعليق