حنين و "الليمونة الكبيرة"

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حكيم عباس
    أديب وكاتب
    • 23-07-2009
    • 1040

    حنين و "الليمونة الكبيرة"

    حنين و "الليمونة الكبيرة"



    جعلني الضّجر أؤرجح رجلاي تاركا كعب حذائي يضرب قوائم الكرسي المرتفع حيث أجلس بين أبي و جدي في بيت جارنا "أبو حنين" . ضربة من الكعب الأيمن تتبعها أخرى من كعبي الأيسر ، ثم ضربة من إحداهما تتبعها اثنتان متتاليتان من الثانية ، أوازن الضربات مع تمتمات لا معنى لها ، أعدّل مخارجها حسب ضربات كعب حذائي ، عندما يوشك الانسجام و تتسلّل فيّ متعة الايقاع ، ينهرني أبي فتهرب نغماتي ، تتسمّر رجلاي و أسكن.. لحظات ثمّ أنزلق ثانية باحثا عنها.. أنسجم ، ينهرني فتفرّ مني الطيور، أسمع صفق أجنحتها..أتململ ، أحدّق بجارنا المطرق الحزين ، أشعر بالكآبة كنميل في حلقي ، لماذا كلّ هذا الحزن ؟ أليس لديهم حكايا يقولونها ؟ لو لم نأتِ لزيارتهم لكنت الآن بين ألعابي تحت الليمونة الكبيرة .
    نزلت عن الكرسي ناويا الخروج من غرفة استقبال الرّجال إلى غرفة النّساء حيث أمّي ، اعترضني أبي: إلى أين؟ أجبت: إلى أمي هناك ، و أشرت نحو الباب. ردّ لائما: الرجل يبقى مع الرّجال .. عيب عليك هل أنت امرأة ؟!
    يزيد النّميل في حلقي ، أشعر بحاجة للبكاء ، أتسلق الكرسي ، أجلس و أعلّق رجلي في الهواء. انحنى جدّي عليّ حتى لامس شارباه الغليظان جبيني ، سألني : ألا تريد البقاء معنا؟ نفيت برأسي ، همس مُبعدا جسمه عنّي: إذهب . التفتُّ لأبي ، فأعاد جدي بصوت مرتفع : إذهب . لم تتغيّر ملامح أبي و لم يعترض ، بدا كأنّه لا يسمع و لا يرى ، نزلت عن الكرسي و العصافير تعود إليّ تنقرني من الدّاخل ، تدغدغني ، أكاد أنفجر ضاحكا ، أعدو نحو الباب ، تتعلّق بي أمنية : متى أصبح بعمر جدي ليخاف منّي أبي ؟؟
    لم أفتح الباب ما يكفي لخروجي ، تعثّرت به و سقطت ، فانفجر الألم في ركبتي اليسرى ، ماوجت شظاياه الضوء في عيني ، هرع خلفي الرجال ، أبي و جدي و جارنا أبو حنين و شقيقه "عمو جلال" ، خفت أن يعيدوني لسجنهم ، فرشقتهم بابتسامة عريضة و قمت أعدو على رجل واحدة ممسكا ركبتي بيدي.
    ألقيت بنفسي جانب أمّي على الأرض وهي منهمكة بالإنصات لجارتنا أم حنين ، لم تلتفت لي ، لكنّها مدّت يدها نحو رأسي و أدخلت أصابعها في شعري ، تركتهما كظباء تقف على قوائمها الخلفية ، تمد أعناقها لتقضم بعض أوراق الشجر ، أسمع "خرخشة" الورق ، تفوح رائحة الغابة و التّراب ، تسحرني الظّلال الخميلة فأتمطّى ، يُنعشني الحفيف ، يتحوّل الألم لسريان لذيذ ، يخفض القلب من قرعه فوق الضلوع .. يأتيني هديل من بعيد .. هديل حمام يعلو و يقترب و يعلو حتى صارت كلّ خليّة لحم فيّ حمامة تدور حول نفسها و تهدل و تهدل .. يدور الحمام كلّه و يهدل.. أحسست رأسي يدور معها حتى أنفاسي صارت هديلا ، ما إن سحبت يدها حتى اعترضتها بكفيّ الصغيرتين ، التقطتها ، تحلّقت أصابعي كالظباء حول أناملها ، أشدها ، أعيدها ، أثنيها أبعدها عن بعضها أعود فأقرّبها ، أضغطها ، أحملها لصدري ، أضمّها ، أرفعها و أترك خدي يتوسّدها .. يستريح .. عظيمة أنامل النساء .. عظيمة أناملك يا أمي... أي سرّ بأنامل النّساء.؟ كيف يقول أبي المرأة عيب ؟ أي عيب يا أبي ، هل جرّبت أنامل النساء ؟ ضحكت فجأة ، تذكرت أبي بصلعته المتلألئة..لولا معاناة الرّجال من الصّلع ، لعرفوا أن أنامل أمي هي المجرات التي تتحوّل لظباء تقضمنا.. هي سر الكون !!
    عندما بدأت أسمع أحاديثهنّ كانت يد أمي قد تحرّرت من كفيّ الصغيرتين . تتساءل عن عدم ظهور حنين فهي لم تأتِ إلا لرؤيتها و الاطمئنان عليها. تعتذر جارتنا أم حنين و تسترسل و تقول أن "حنين" خجلة من ما جرى لها ، تستحي بمنظر وجهها ، حزينة ، أغلقت على نفسها غرفتها بعد شجار مع والدها الذي وبّخها فور عودتها من المستشفى و لامها ، اتّهمها أنّها تتعمد سقوط منديلها عن رأسها ، و لو لا ذلك لما حصل لها ما حصل ، فهي تخدعهم ، إذ تخرج من البيت حاجبة شعرها و في الجامعة تكشف عنه ، كاد يضربها لولا وقوف الأم بينهما تذكّره بمرضها و حالها فأكتفى ببصقتين ، واحدة في وجه الأم لأنها تداري على ابنتها و الثانية من فوق كتف الأم بوجه حنين.
    أصرت أمي على رؤية حنين ، فقامت جارتنا و اختفت داخل المنزل ثمّ عادت بعد لحظات بحنين ، ما إن رأت أمي حتى رمت بنفسها في حضنها باكية بصوت مرتفع ، و لأني أحبّ "حنين" كثيرا ، استنفرت أشيائي الصغيرة ، جفّ حلقي و عاد قلبي للخفقان. حنين حليقة الحاجبين ، وجهها جُزُر ألوانٍ متداخلة ، من الأحمر الطازج تدرُّجا نزولا حتى الأبيض ، بثور صغيرة و بقايا أخرى ، قشور من الجلد تقلّصت و انكمشت سوداء حول الجُزُر الملوّنة ، رقبتها الطّويلة يُغطيها الشاش الأبيض . ألهث ، لا أكاد ألتقط أنفاسي و أنا أتتبّع التغييرات في التضاريس التي كنت أعرفها ، أي ذهول سيجتاحنا لو نظرنا صباحا من النّافذة فوجدنا البحر مكان الجبل الذي تعودنا على رؤيته ، و القوارب مكان الشجر ؟؟!! هنا شيء يشبه تكوينا آخراً غير التّكوين الذي أعرفه في وجه حبيبتي حنين.
    أستفيق من ذهولي قليلا و حنين تجيب على استفسارات أمي ، أميل بجسمي إلى الأمام ، أسند ذقني بكفي ، أبحلق بوجهها و أستمع .
    _ أتعرفينهم
    - نعم زميلان لنا في الكليّة .
    - ماذا يريدان؟ ألم يقولا لكما ماذا يريدان.
    - بلا يا خالتي أم حكيم ، قالا هذا جزاء كشفنا لشعورنا و ارتدائنا قمصان تظهر من خلالها الصَّدْرِيَّة.
    - لماذا لم تهربا ، لم تفعلا شيئا ، و قفتنّ هكذا ؟
    - إقتربا يا خاله منّا فحسبناهما يريدان السّؤال عن شيء يتعلّق بالجامعة.
    - عندما رأيتماهما يُخْرِجان العبوات لماذا لم تتصرفن ، تهربن تفعلن أي شيء؟
    أجهشت حنين بالبكاء و هي تقول : لقد شدّ أحدهما قميصي إلى الأمام ناحيته ، و فرّغ العبوّة على صدري ، عندما حاولت إزاحة يده رشق ما تبقى على وجهي و عنقي ، كيف سأهرب يا خالة ؟ كل شيء كان فجائيّا سريعا و غريبا ..
    يختلط دعاء أم حنين بدعاء أمي و ابتهالاتهما و تضرعهما إلى الله بحُرقة ، ليشلّ أيديهما و يكويهما بناره كما كويا حنين و صديقتها بهذه الماء الكاوية. أتجمّد كما أنا مبحلقا بوجه حنين مذهولا. أسمع آخر الكلمات منها و هي تشرح عن هذه الماء الكاوية التي سرقاها من المختبر عن طريق زملاء آخرين لهم .
    تلاحظني حنين ، فتصطدم عيناي بعينيها ، تبتسم لي و تفرّ بهما كطائرين حائرين ، يخفق قلبي .. بعد أن فزّت خلاياي ، كما تعوّدَتْ ، لتدفعني نحوها فهي تحضنني كلّما رأتني ، بقيتُ معلّقا عاليا حين فرّت منّي عيناها ، فسمعت صوت ارتطام جسدي يسقط في وادي سحيق .
    عندما كنت أصغر ، كانت حنين ترفعني عاليا لأقطف حبّات الليمون عن ليمونتنا الكبيرة ، و حين أتأخر فتضعف يداها ، تسندني بصدرها ، كنت أجلس على هذين النهدين اللّذين احترقا الآن...
    أحسست بالضوء يجرفه سيل الدموع في عيني ، تقف غصّة في حلقي يترجرج لها صدري ، لم يشعر بي أحد ، فقلبت جسدي الملتصق بأمي إلى الناحية الثانية ، بعيدا عن وجوههم ، رأيت دمعتين تبللا فراش الأرض ، اجتاحتني رغبة شديدة بأن أذهب لغرفة الرّجال ، آخذ عكاز جدي و أضربهم ، أضربهم جميعا ما عدا جدّي. لماذا يهربون من النساء و يجلسون لوحدهم؟؟ لماذا لا يأتون و يسمعون ما تقول حنين و يبكون معها ، لماذا ؟؟ ألأنّهم يخافون أن يروا على سفوح وجهها آثار المياه الكاوية .. كلّ الرجال يرشقون النساء بالمياه الكاوية ، كلّ النساء حنين ، كلّ النهود كويت و احترقت ، لم يبق شيئا يسندني يرفعني لأقطف الليمون.. لم يبق شيئا..
    التعديل الأخير تم بواسطة حكيم عباس; الساعة 19-10-2009, 23:56.
يعمل...
X