وحده القلب لا يمكن اسكاته
كانت الحروف تظهر على الشاشة أمامه ببط شديد ، (رمضان كريم) ..
أرسلها بسرعة قبل أن تخونه أصابعه فتبتعد عن أزرار لوحة المفاتيح .. لم يكن همه أن يتلقى الجواب ، ولم يفكر مطلقاً في تأمل حروف الرد التي ستأتي ، ولكنه أراد أن يلعب لعبة ذكية طويلة الأمد ، لذلك وعندما جاءه الجواب المختصر جداً .. (الله أكرم ).. لم يثبط ذلك من عزيمته بالرغم من عقله الذي ما أنفك يذكره تارة بوعده الذي قطعه على نفسه بعدم التواصل معها مرة أخرى ، وتارة وهو يخبره بأنه ربما أصبح شخصاً غير مرغوب فيه البتة .
خطته كانت تنظر بإستراتيجية كبيرة إلى الموقف , أرسل لها رسالة تهنئة في بداية رمضان ، وبالتأكيد سيرى منها رسالة تهنئة بحلول العيد .
ثلاثون يوماً سأبقى أنتظر تلك الرسالة ، هكذا قال لنفسه وهو يبعد عن خياله شبح انهيار خطته بالكامل .. بينما عقله المخلص كان ينبهه إلى إن ما يقوم به من عمل خاطئ تماماً .
في احد الليالي التي تعود أن يسهر فيها ، صرخ بعقله وهو يردد نصيحته اليومية التي كانت كلماتها كدقات جرس متشابهة (دعها وشأنها أنت مجرد حلم غبي انتهى منذ زمن )
صرخ بعقله كمجنون ضاق به المكان :
كف عن هذا الكلام وأنظر مرة واحدة فقط إلى هذه الفجوة في قلبي ، لقد كانت شجرة جميلة في هذا المكان ، والآن هي فجوة مخيفة تبتلع سعادتي ، لقد زرعت مكانها غابة كاملة والفجوة تتسع ، كلما أزرع شجرة جديدة تنزلق في النسيان ، أمنحني فرصة أخيرة لأتنفس خارج قوانينك المحكمة ، اريد أن اكسر تلك المرايا امامي بحجر كبير ، أريد أن أمشي حافياً بثياب متسخة أمام المارة ، أريد أن أشرب بكاس ملوثة ، أريد أن اطرق باب الجيران والوذ بالفرار ، أريد أن ..... واختفى صوته خلف ذكريات جميلة .
قرر عقله أن لا يكلمه في الموضوع مرة أخرى ، فلقد كان منظر الفجوة في قلبه كافيا لجعله يصمت أبد الدهر ..
كان يجلس ساعات طوال أمام صندوق رسائله الفارغ .. ينتظر تلك الرسالة وهو مضطرب غاية الاضطراب ..انتهى الشهر ، وخياله يرسم صورتها وهي تبعث برسائل التهاني هذه اليلة ، أبتسامتها الرائعة وعيونها الواسعة امتزجت مع الحروف التي ترقص بسعادة بين أصابعها .
جلس في الصباح باكرا كعادته كل عيد ، ليجمع عائلته ويغذي فرحهم ، كان صدى صوته يرتفع لينعش ضحكات صغاره الذين التفوا حوله ، بينما كان قلبه يدفعه الى حاسوبه ليحسم الموقف ..
فتح صندوق بريده ومرر عينيه في العناوين .. فقفز عقله بسرعة وقال له والآن ماذا ستفعل ؟
أغلق حاسوبه وأطلق زفرة طويلة وعاد ليتناول الحلوى مع أطفاله الصغار ، بينما كان عقله مشغولاً بردم الفجوة وهو يقول :وحده القلب لايمكن اسكاته .
أحمد العبيدي
تعليق