غرابيل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سمير الفيل
    عضو الملتقى
    • 30-06-2007
    • 46

    غرابيل

    [align=right]
    [align=center]غرابيل

    بقلم : سمير الفيل [/align]


    بائع الغرابيل كان يجوب الأسواق ، ويخترق الأزقة الخلفية المشمسة في نهار طوبة شحيح الدفء . يحمل بضاعته بين يديه وينادي . كانت وحيدة ، تتكيء على حافة الشباك ، وتسرح في البعيد حيث ذهب زوجها لبر الشام كي يعمل بحثا عن الرزق الحلال .
    قبل سفره بيومين رجته أن يبقى ، فرب هنا رب هناك ، لكنه قال جملته التي لن تنساها : البلد التي تمنحك القرش هي بلدك .
    كانت تعرف أن ارض الله واسعة ، وما يكسبه من عرق جبينه هنا حتى لو أنه قليل إلا أنه يمنحهما الستر ، لكنه تبرم من ضيق ذات اليد . جاء بجواز السفر الأخضر وألقاه أمامها . حين رأت النسر الذهبي ذعرت فقد كان ينظر نحوها بعداء واضح ، وهي أعطته ظهرها حتى وضعه في الحقيبة الصغيرة .
    قال لها وهي تعد له أقراص المنين والكعك بعجوة وعيش الطابونة : لا تطل الغياب .
    اغتصب ضحكة ووعدها أن يرسل في طلبها فور أن ينصلح الحال . بائع الغرابيل ينادي بصوت فيه نداوة :
    ( الحر يصبر على الضيق
    ولا يفرح لعـــــــــادي
    لو ينشف الفم م الريق
    يتم ع الحال هـــــــادي ) *
    لم تكن تفهم الكلام ولكنها طلت ورأت أنه يشبه حلمي تماما بنفس شاربه الكث وصوته الغليظ المبحوح ، لكنه لم يغني لها أبدا .
    لأول مرة تكتشف أن حلمي الذي راح لبلاد الشام ليعمل في الموبليا لم يغن لها حتى في أيام الخطوبة . صحيح انه كان يلاعبها ويضاحكها لكنه كان لا يطيق الغناء ولا سيرة المطربين والمطربات .
    مرة سمعها تغني في الحمام وهي تستحم فطرق الباب وأمرها أن تكف عن إزعاجه بصوتها . في الفصل وقبل أن تخرج من الصف السادس الإبتدائي كانت تشارك في فريق الكورال ، وقد علمتها مدرسة الموسيقى السلم الموسيقي ، ومتى تبدأ من " دو " لتصعد إلى " سي " دون أن يختل صوتها .
    هو الآن واقف على الباب بتهيب . فكرت لو أن لها طفلا لمنحها الأمان ، ولأدخل في قلبها الطمأنينة . خمس سنوات بلا طفل . لا ملاغاة ، ولا تحنين : تفضلي يا هانم .
    مدت يدها تختبر متانة السلك ، وقبل أن تسأله عن الثمن سألها أن تأتي بكوب ماء .
    دخلت وتركت الباب مواربا ، وحين عادت رأته يمسح عرقه الخفيف بظهر يده : أشعر أن الدنيا حر . اسمحي لي بالجلوس على عتبتك.
    لم يكن بوسعها أن تمنعه ، وكانت تشم رائحة عرقه فتعود القهقرى لأيام كان حلمي معها ، يعود مساء في غاية الإجهاد فتضع قدميه في ماء ساخن ، تتركه لتعد العشاء . ياه . كم اشتاقت لتلك الأيام ، فثلاثة أعوام جففت روحها ، وصحرت أيامها .هشت بيدها خواطر سوداء : هل يوجد أكبر من ذلك؟
    هز رأسه : هذه أفضل بضاعة ، وأبيع بنصف سعر السوق .
    من طرف خفي قاست طوله ، ورأته أقصر من زوجها ببوصتين فقد كان " زر " الكهرباء يعلو كتفه بنفس المقدار ، ضحكت وهي تضبط نفسها تقارن بين رجلين . بين حاضر وغائب . سألته : من أين حفظت الموال؟
    قال لها أنه لابن عروس ، وقد سمعته عن جدي فقد كان يغنيه بين تعب المشاوير، وكنت أسرح معه . قالت له وهي تدخل لثوان معدودة ثم تعود بصورة أتت بها من درج الكومدينو : هذه أنا في حفل المدرسة . كان صوتي جميلا .
    حملق في صورة البنت الشقية للحظات وقد افترت شفتاه عن ابتسامة هادئة : كنت حلوة . أراك تحبين الغناء .
    وضع نظراته في بلاطات العتبة المزخرفة بأسود مع مربعات أقل بالأحمر : أول زبونة تسألني عن الموال . إنني أسلي به نفسي .
    تركت في يده الصورة ، ودخلت، أحكمت وضع الإيشارب حول شعرها ، وأغلقت آخر زرار في فستانها البيتي المهوش : استرح دقيقتين . أجهز كوبين من الشاي لي ولك .
    نظر نحوها في ترقب ومد رقبته يتشمم وجود أحد فاكتشف أنها بمفردها ، لكنها كانت مأخوذة بالكلام الذي حفظه عن جده . اختفت لدقائق وعادت بالكوبين . مدت يدها والشاي يصبغ الضوء النازل بحمرة مبهجة : ياليتك تغني موالا آخر . كانت الغرابيل مسندة على حافة الجدار ، متداخلة ومتعانقة ، أما الباب فمفتوح على آخره ،وقد راح ينتقل من موال إلى موال آخر وهي تهز رأسها مستمتعة لأقصى حد . كان البيت من طابق واحد بالطوب الأحمر ، وعلى الحافة تحط عصافير وتطير ، وتهب نسائم آتية من الشمال مع لفحة برد تنخر العظام .
    ارتشف بتلذذ عجيب شاي الصباح ، وهي أمالت كوبها وراحت تعب وعقلها شارد حيث ينبغي أن يكون حلمي : كم تريد ثمنا له؟
    نظر بامتنان نحوها وقد لامست يده أصابعها الطرية بدون قصد فيما هو يسلمها الكوب الفارغ : لا شيء . يكفيني أن تعرفت عليك .
    لكنها دخلت ثانية . حطت الكوبين على رخام المطبخ ، وعادت بحافظة نقودها : خذ ما تشاء . انتزع جنيهين . هبط درجات السلم القليلة ، هو يصدح بالموال ، أما هي فقد راقبته من شباكها حتى ابتلعته الزحمة .

    دمياط 3/ 8/ 2006 [/align]
    [CENTER][COLOR="Blue"][SIZE="2"]
    سمير الفيل
    كاتب مصري
    [email]Samir_feel@yahoo.com[/email]
    مدونتي :
    [url]http://samir-feel.maktoobblog.com/[/url] [/SIZE][/COLOR][/CENTER]
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    سمير الفيل
    نص جميل وشفاف
    زوجة وحيدة, لكنها بريئة جدا ونقية
    وحتى هذا الرجل البائع .. لعنة الله على الغربة التي تغرب الناس من أجل لقمة العيش
    أراك غائبا عنا
    ومنذ فترة لم أجد لك أي مشاركة أو نص
    هل أنت زعلان زميلي
    ودي ومحبتي لك

    اليوم السابع

    اليوم السابع! تذكرني أمي دائما أني ابنة السابع من كل شيء! متعجلة، حتى في لحظة ولادتي! وأني أخرجت رأسي للحياة معاندة كل القوانين الفيسيولوجية، أتحداها في شهري السابع من جوف رحم أمي. في اليوم السابع من الأسبوع الساعة السابعة.. صباحا في الشهر السابع، من السنة! عقدة لا زمتني أخذت مني الكثير من بهجة حياتي، خاصة أن هناك سبع
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      غريب أمر بائع الغرابيل
      باع و اشترى
      ودون مساس أو خيانة زوجية
      يالها من حكمة
      هذا الشغف الآسر للغائب
      و هذا الحنين الدافق لعهد الطفولة و ما تحمل
      و تلك المقارنة التي دارت فى رأسها
      بين طول الرجل و طول زوجها اللامرئي
      و حصل على الجنيهين .. و مضى !

      جميل أستاذي ما كتبت
      و إن كنت قرأت بائع الغرابيل لسعيد الكفراوي يوما ما
      إلا أن هذه اختلفت كثيرا
      و إن كانت المواويل تعطي فسحة للفعل !

      محبتي
      وكل عام و أنت بخير و سعادة و حب !
      التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 07-11-2011, 14:37.
      sigpic

      تعليق

      • سمير الفيل
        عضو الملتقى
        • 30-06-2007
        • 46

        #4
        الاستاذة عائدة محمد نادر:
        أشكرك على المرور الكريم. وأعتذر عن التاخير.

        الأستاذ ربيع عقب الباب :
        استمتعت بردك الجميل حول النص ..


        تحياتي ..
        [CENTER][COLOR="Blue"][SIZE="2"]
        سمير الفيل
        كاتب مصري
        [email]Samir_feel@yahoo.com[/email]
        مدونتي :
        [url]http://samir-feel.maktoobblog.com/[/url] [/SIZE][/COLOR][/CENTER]

        تعليق

        • آسيا رحاحليه
          أديب وكاتب
          • 08-09-2009
          • 7182

          #5
          نص رائع حقا .
          شكرا لك عائدة الغالية أن رفعت هذا العمل الجميل هنا ..
          تحيّة و تقدير .
          يظن الناس بي خيرا و إنّي
          لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

          تعليق

          • ريما ريماوي
            عضو الملتقى
            • 07-05-2011
            • 8501

            #6
            ما هي الغرابيل يعني جمع غربال
            الذي لا يسطيع ان يحجب الشمس
            يعني تسلوا مع بعض تسلية بريئة
            ومضى كل منهم في طريقه.

            شكرا لك على نص جميل, أدّى
            ما عليه بسلاسة وجمال أخاذ.


            أنين ناي
            يبث الحنين لأصله
            غصن مورّق صغير.

            تعليق

            يعمل...
            X