دربُ الجنون

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عمر حمّش
    عضو الملتقى
    • 11-12-2008
    • 87

    دربُ الجنون

    دربُ الجنون




    من فوهةٍ معلقةٍ في السماءِ هوى، تقلب مذهولا إلى أن اصطدم بالقاع البعيد، لم يصرخ؛ بل تحسس جانبيه، ثمَّ نهض، فصدَّه بابٌ انقفل، هاجمه، ولمّا انفتح، غرق في ضبابٍ غليظ!
    خطا؛ فردَّه بابٌ جديد، وفي نهر الضباب تقاذفته الأبوابُ، فإذا هو في بهوِ يغصُّ بالجثث، فوقف يفغرُ فاه، ويقولَ:
    - هنا عزرائيل هجم؛ أطفأ الوجوه، وبالكركم رشَّها، ثمَّ مضى!
    وخارت بقاياه، فسقط؛ لكنّ بصره ظلَّ يجول، فالتقط ممرضةٌ بين الأجسادِ تحوم، حتى شارفت قامته الممددة، فأشهرت حدقتين في خيطٍ تدخله في ميسم إبرةٍ هائلة، ولمَّا في صدرِه ضربتها؛ ارتجف، فأجلسته بين راحتيها؛ تخيطُهُ كخرقة بالية!
    لكن على غِفلةٍ هبَّت الجثث، تحملُ بقايا سيوف، وممرضته أرخت صدرَه، لتضع في فمِها طرفَ فستانها، وتغادره راكضة، فداسته الأقدام، وصلصلت السيوفُ ثعابين راقصة، وأخذ الرجال يذبحون رقابَ الرجال، وفي الالتحامِ كان الهتافُ يتلوه الهتاف، والشرايين تنفضُ الدماءَ شاخبة، ورأى الخلقَ يجرون زاعقين، ثم يهوون حولَه خرافا خامدةُ!
    فقام يجري؛ فتراقصت رجلاهُ، حتى صدمته مرآة، رأى فيها شبيهه شهق، فأشاح بوجهه، ثم بصق، فهاله أنَّ الذي في المرآة يفعلُ ما فعل، فصاح:


    - يا ربي!


    فعاودته الممرضة تسوقه إلى سوح النزال، فانفلت إلى ركنٍ، وعلى بطنِه مكث، يرقبُ قطعَ الرؤوس وتطاير الرُكب، ولمّا قلبه صاح:


    - كفى!


    هاله أنه رأى وجوه يهود بين المتقاتلين، تأتي، وتروح، وضابطا منهم يصفرُ ليضبط للموتى بصفارته المعركة!



    ******


    نام ولم يدرِ كم نام، لكنّه في ظهيرةٍ من كانون صحا،


    فكان الموتُ يصفرُ في السماء كريحٍ جموح، ثمَّ


    يزغردُ والجموع ذاهلة!


    وفجأة بيتُه انفجر؛ فطيَّره الركامِ، ولمَّا سقط جاءه صوتُ ابنه، توزعه أطرافَِه الموزعة:


    أبي!-


    فردّ عليه بصيحةٍ لاهثة، فتلوّت صيحته قبالته قتيلةً باردة!


    قال: - من يحيا الآن في تلالِ الغبار،ِ ومن يموت؟


    وتنططت على الترابِ رؤوس، فيها بقايا من مآق مسكونة بحيرة غامضة، وتقطعت دنياه كبرقٍ بعيد، ثم انغلقت كالمقصلة، وقربه ارتمت ساق، ورأى صاحبها يقوم، فيه شيءٌ من ذراع، والأخرى بلا وجود، سمعه يقول:


    - ماذا أخي جرى؟


    سقط الرجلُ، ثم عاد جأر:


    - ماذا أخي؟


    ثمَّ في التراب رأسه انغرس!


    أما هو فوقف في اهتزاز الأرض وانهيارات السماء، يفتحُ كفيه، ويقول:


    لا شمس في كانون


    والنورُ يخنقه الجنون


    قصفٌ يهيجُ


    كزلزلةِ الرعود


    على أعتاب مخيمنا تصومُ اللّغةُ


    وينتحرُ الكلام


    والحروف على الشفاه


    ناشفةً تموت


    في ليلنا ماذا يقال؟


    ماذا تخيَّرت اليهود


    كم َيذبحُون الآن؟


    قُربانَ عهدِهمُ القديم


    وشلومو فوقنا


    يطيرُ مع الجنون


    وطفلنا يرفُّ بلا جناح


    ثمّ يُسكته الركام


    وبعضٌ من يمام


    مصعوقةً تنقرُ الردمَ


    وتمارسُ التحديق


    لا تغادرُ ولا تنام


    في السوادِ نائحةًِ تحوم


    ثمَّ تذوي في المكان!
    مضنيةٌ الحياةٌ... بل قُل على الظهرِ جبل!
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    رد: دربُ الجنون

    يقتل الموت قهرا ، و يسلط شهقاته على سن قلمك ، لتغرس بين الأوراق
    أنياب الحديث ، تنهش عين قارئك ، و تدمى قلبه ؛ ربما ليعيش الحالة كاملة
    فما عاد سوى الموت ربا ، يملى على الجميع إرادته .. و لها رب هناك .. لها من يضبط إيقاعاتها بكل كمال و اتقان !!
    كنا هناك ، و تحدثنا ، حين قرأنا معا كنعان ، و غيره من الأعمال العظيمة لك ، أن نغزل من جلود الموتى قصصا ، على صخر المعابد ، و على فلذة الأرواح
    و أن نجعل نور الأمل يبص من جيفة الموت ، لتظل الروح نابضة بالرحيق ،
    و الحياة !!
    لا .. لا تجعل الموت سيدا و ربا
    لا .. لا تجعل النهايات بقبضة الموت
    لا .. أيها المفكر اليسارى الكبير .. اقتل الموت ، و ابنى صروح الحياة
    فكم نحتاجها .. كم ياعمر حمش !!
    هيا ننسج .. نحكى .. و نحيل حواديتنا إلى غزل ، ترتديه الأرواح
    مصنوعا بجسارتك أنت و قوتك التى أراها فى عينيك ووجدانك !!

    عيد سعيد رغم كل الحزن و الموت

    محبتى حبيبى
    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 24-09-2009, 01:16.
    sigpic

    تعليق

    • مجدي السماك
      أديب وقاص
      • 23-10-2007
      • 600

      #3
      رد: دربُ الجنون

      الرائع عمر حمّش..تحياتي
      كل عام وانت بخير.
      قرأتها بالامس..لم اتمكن من التعليق لسوء خط النت. اراك هنا تتعذب لتبدع اكثر.هنا رأيتك مختلفا عن قبل..الوجع كبير جدا..والقهر.واللغة حلوة بما في النص من مرارة.دائما انت الاروع بيننا اخي الرائع عمر حمش.
      خالص احترامي
      عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

      تعليق

      • خليف محفوظ
        أديب ومفكر
        • 10-05-2009
        • 88

        #4
        رد: دربُ الجنون

        نص مدهش ، إيقاع سريع متدفق ، و حركة حافلة تلاطمت بها أمواج الجمل الفعلية يأخذ بعضها بتلابيب بعضها .
        نص لا تمل من معاودة قراءته .
        عميق تحيتي أديبنا الجميل عمر حمش .

        تعليق

        • عمر حمّش
          عضو الملتقى
          • 11-12-2008
          • 87

          #5
          رد: دربُ الجنون

          المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
          يقتل الموت قهرا ، و يسلط شهقاته على سن قلمك ، لتغرس بين الأوراق
          أنياب الحديث ، تنهش عين قارئك ، و تدمى قلبه ؛ ربما ليعيش الحالة كاملة
          فما عاد سوى الموت ربا ، يملى على الجميع إرادته .. و لها رب هناك .. لها من يضبط إيقاعاتها بكل كمال و اتقان !!
          كنا هناك ، و تحدثنا ، حين قرأنا معا كنعان ، و غيره من الأعمال العظيمة لك ، أن نغزل من جلود الموتى قصصا ، على صخر المعابد ، و على فلذة الأرواح
          و أن نجعل نور الأمل يبص من جيفة الموت ، لتظل الروح نابضة بالرحيق ،
          و الحياة !!
          لا .. لا تجعل الموت سيدا و ربا
          لا .. لا تجعل النهايات بقبضة الموت
          لا .. أيها المفكر اليسارى الكبير .. اقتل الموت ، و ابنى صروح الحياة
          فكم نحتاجها .. كم ياعمر حمش !!
          هيا ننسج .. نحكى .. و نحيل حواديتنا إلى غزل ، ترتديه الأرواح
          مصنوعا بجسارتك أنت و قوتك التى أراها فى عينيك ووجدانك !!

          عيد سعيد رغم كل الحزن و الموت

          محبتى حبيبى
          أخي الجميل ربيع
          قد يكون النصّ قد التبس شيئا ما، خاصة على من لم يعش الاقتتال الداخلي عندنا في غزة المريعة، ذاك كان في الجزء الأول من النصّ عزيزي، وكان الجزء الثاني يتعلق بالاجتياح الرهيب من قوة طاغية لغزة، لكل غزة في توازن مختلٍ تماما، ألا يليق بالكاتب سيدي أن يرى الموت ربا عندها، عندما يكون سيدا لنا، وعلى أيادينا، عندها يعم النفس السواد، هذا النص رسالتي للمتقاتلين، ولن يعني بحال من الأحوال استسلامنا للموت، بل يعني رفض ما جرى أخي ربيع، عد للنص وسترى!
          كن دوما على ثقة بقلمي حتى في أوج عذابه، وحتى حينما يشتد السواد!
          أحبك ربيع، وقبلة لجبينك الوضاء، بصدقٍ أحبك أيها الرائع،
          كل عام وأنت بخير
          التعديل الأخير تم بواسطة عمر حمّش; الساعة 24-09-2009, 11:48.
          مضنيةٌ الحياةٌ... بل قُل على الظهرِ جبل!

          تعليق

          • عبير هلال
            أميرة الرومانسية
            • 23-06-2007
            • 6758

            #6
            رد: دربُ الجنون

            أديبنا القدير

            عمـــ ر

            كنتُ هنا مع قصص عاصفة

            بكل معالم الألم

            والنهايات الحزينة

            برق ورعد وعواصف في سماء


            غزة خاصةً وفلسطين عامةً وكلها ليست

            في صالحنا ولكن أتمنى الا يطول هذا..

            أيها المبدع

            أرق تحياتي لك
            sigpic

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #7
              رد: دربُ الجنون

              المشاركة الأصلية بواسطة عمر حمّش مشاهدة المشاركة
              أخي الجميل ربيع
              قد يكون النصّ قد التبس شيئا ما، خاصة على من لم يعش الاقتتال الداخلي عندنا في غزة المريعة، ذاك كان في الجزء الأول من النصّ عزيزي، وكان الجزء الثاني يتعلق بالاجتياح الرهيب من قوة طاغية لغزة، لكل غزة في توازن مختلٍ تماما، ألا يليق بالكاتب سيدي أن يرى الموت ربا عندها، عندما يكون سيدا لنا، وعلى أيادينا، عندها يعم النفس السواد، هذا النص رسالتي للمتقاتلين، ولن يعني بحال من الأحوال استسلامنا للموت، بل يعني رفض ما جرى أخي ربيع، عد للنص وسترى!
              كن دوما على ثقة بقلمي حتى في أوج عذابه، وحتى حينما يشتد السواد!
              أحبك ربيع، وقبلة لجبينك الوضاء، بصدقٍ أحبك أيها الرائع،
              كل عام وأنت بخير
              كانت قراءة انفعالية أستاذى !!
              لكنها حملت ما أحسست .. نعم قرأت مرة أخرى .. أشكرك كثيرا

              خالص محبتى
              sigpic

              تعليق

              • عمر حمّش
                عضو الملتقى
                • 11-12-2008
                • 87

                #8
                رد: دربُ الجنون

                المشاركة الأصلية بواسطة مجدي السماك مشاهدة المشاركة
                الرائع عمر حمّش..تحياتي
                كل عام وانت بخير.
                قرأتها بالامس..لم اتمكن من التعليق لسوء خط النت. اراك هنا تتعذب لتبدع اكثر.هنا رأيتك مختلفا عن قبل..الوجع كبير جدا..والقهر.واللغة حلوة بما في النص من مرارة.دائما انت الاروع بيننا اخي الرائع عمر حمش.
                خالص احترامي
                الحبيب مجدي السماك
                شكرا لقراءتك العميقة، وكلماتك الرقيقة!
                أنت الأجمل أخي، وفي قلمك الشاب موطن الإبداع المستمر
                كل عام وأنت في إبداع
                مضنيةٌ الحياةٌ... بل قُل على الظهرِ جبل!

                تعليق

                • عمر حمّش
                  عضو الملتقى
                  • 11-12-2008
                  • 87

                  #9
                  رد: دربُ الجنون

                  المشاركة الأصلية بواسطة خليف محفوظ مشاهدة المشاركة
                  نص مدهش ، إيقاع سريع متدفق ، و حركة حافلة تلاطمت بها أمواج الجمل الفعلية يأخذ بعضها بتلابيب بعضها .
                  نص لا تمل من معاودة قراءته .
                  عميق تحيتي أديبنا الجميل عمر حمش .
                  أخي خليف،، يا لروعة مرورك سيدي، ويا لبهاء قريحتك، ولحسن ذائقتك، ورفعة ثقافتك
                  أيها النادر الجميل
                  مودتي صديقي
                  مضنيةٌ الحياةٌ... بل قُل على الظهرِ جبل!

                  تعليق

                  • عمر حمّش
                    عضو الملتقى
                    • 11-12-2008
                    • 87

                    #10
                    رد: دربُ الجنون

                    المشاركة الأصلية بواسطة أميرة عبد الله مشاهدة المشاركة
                    أديبنا القدير


                    عمـــ ر

                    كنتُ هنا مع قصص عاصفة

                    بكل معالم الألم

                    والنهايات الحزينة

                    برق ورعد وعواصف في سماء

                    غزة خاصةً وفلسطين عامةً وكلها ليست

                    في صالحنا ولكن أتمنى الا يطول هذا..

                    أيها المبدع

                    أرق تحياتي لك
                    الرائعة أميرة عبد الله
                    شكرا لمرورك الفتان ولكلماتك الرائعة
                    كوني في سعادة
                    مودتي
                    مضنيةٌ الحياةٌ... بل قُل على الظهرِ جبل!

                    تعليق

                    يعمل...
                    X