شعرية الومضة في " تراتيل الترحال " لراضية الشهايبي
بقلم / د . محمود طرشونة
قولهم " إنّ الشعر صناعة" فيه حَيْف في حق الشاعر الرافض للّعب بالكلمات والقوافي، والاشتغال على التفعيلات وأوزانها الشكلية، مفضلا إيقاعا آخر ينشأ في وجدانه ويفرض إيحاءَه وبلاغته، من نبض الحياة يصوغه في ذاته، ومن صخب الرغبة والوجود والعشق الكبير، فتتشكل أبياته من لهيبه، وتتولّد صوره ممّا يضطرم في نفسه من نور ونار.
وشعر راضية الشهايبي في ديوانها الثاني " تراتيل الترحال " ( 2008 ) الصادر بعد مجموعتها الشعرية الأولى " ما تسرّب من صمتي " ( 2006 )، هو من هذا القبيل، لا يبدع كونا من عدم، بل يشتقّه ممّا اختزن في الذاكرة من صور، وما سكن في الوجدان من مواجد، وما اتقد في الذهن من الفِكَر، على التعالي تبنيه، وعلى الأقصى من كل شيء تشيّده، فيتشكل بناء ليس ككل المباني، معماره الفنّ وسطوته، ولَبِناتُه اللغة وسلطانها، والأحرف وإيقاعها.
1- المقدس والمنرجس.
شرعت منذ العنوان تعزف على وترين اثنين، روحي في لفظ " التراتيل "، وحسيّ في لفظ " الترحال"، وتران يشقان كامل الديوان، الأوّل " ترتيل " هو في المعجم " التراسل في قراءة القرآن " و"التبيين فيها والتمكين ". فهو إذن صوت حميم الصلة بالمقدّس. والثاني " الترحال "، حركة واضطراب. فالصوت صوت الروح، والحركة حركة الجسد، يترافقان غير متوازيين، بل متماهيين لا يفصل بينهما فاصل، ولا مكان فيهما للحواجز ولا للتباين بين الوصل والفصل في كامل الديوان. إنّه كلّ متجانس، لا فرق فيه بين المعاني الحسية والمعاني الوجدانية، تتواجد في النص الواحد بل في الومضة الواحدة، تبدأ حسية بالعيون:
لعينيك قرارات
تنثرها بكياني
وتنتهي حسيّة بالشفاه:
وأشيّد من قُبَلي
عرشا تعتليه... على شفتي
تتوسطهما الروح:
وأرسل روحي تبايعك
وهذا النصّ يستهلّ به الديوان، فكأنه تأكيد لثنائية العنوان، العتبة الأولى، وإقرار لميثاق شعري على غرار الميثاق السردي في بداية الرواية، تلتزم به الشاعرة في بقيّة النصوص. وليس من باب الصدفة أن كان عنوان هذه الومضة الأولى، المشتقّ من إحدى كلماتها " التزام ". فهو التزام بعدم الفصل بين البعد الروحي والبعد الحسيّ. وكأن محمود المسعدي إلى هذا يشير في أحد تأملاته التي ألحقناها بقصتّه " من أيام عمران " عندما يقول:" الجسد توق إلى الروح".
وقد وجدنا في هذه المجموعة أصداء عديدة لهذه المقولة المؤكّدة للعلاقة العضوية بين الروح والجسد، يسكنه وينتشر فيه كما في قول الشاعرة:
" كن كما الرُوح
منتشرا في الجسد "
أو قولها المؤكّد لتلازمهما بل تماهيهما:
" تحاورني الروح
وتحوم داخل الجسد
تريد الانعتاق
فأنطوي عليها
كي لا أنتهي
حين تنعتق" ( ص 67 )
فبانعتاق الروح يفنى الجسد، وانفصاله عنه يعلن نهايته. لذلك لا يطاوع صاحبته إلاّ إذا كان المعنى يحرّكه، فإذا تقاطعا كان التيه:
أخذها من يدها
باتجاه الجسد
أخذته بعينيها
باتجاه القلب
فتاها في الطريق
فالعين لا تقنع بالنظر بل تنفذ إلى القلب، وفي ومضة أخرى إلى الروح:
هل للوجد
لغة أبعد من عينيه
حين تخترق روحي؟ ( ص 95)
وقد يتحول الجسد إلى معبد يؤمّه النساك كما في ومضة " نكران " (ص 38)
ولا يغرنّ معجم السلطة السياسية في هذه الومضة الأولى " كالمبايعة " و" اعتلاء العرش "، فالبيْعة هنا تُترجم إلى إيمان، والعرش لا ينسب إلى الملوك بقدر ما يُنسب إلى الإله، قال تعالى:" الرحمان على العرش استوى"، كما ينسب إلى باب العرش المفضي إلى الأبد أو إلى العدم. فالعشق الصحيح يرفع صاحبه إلى مرتبة الآلهة ينافسها جلالها وجمالها فلا يرضى بمرتبة الملوك. قال طاغور:" متى أحبّت المرأة كان الحبّ عندها دينا وكان حبيبها موقع التقديس والعبادة". وقال قبله ابن عربي:
" أدين بدين الحب أنى تَوَجَّهَتْ ركائبه فالحب ديني وإيماني"
وقالت الشاعرة مؤلّهة الحبيبَ ومشيرة إلى تحقيق مشروعها هذا:
وأنا التي أُبْدِع في وصف الإله
وأتناسى ما أصف
ولكن هل أبدعت الشاعرة فعلا في وصف من ألهته فابتكرت له صفات خاصة به أم اكتفت بأن تنسب إليه ما عُرف من صفات الله وأفعاله؟ الجواب نجده في ما تواتر من صفات في " تراتيل الترحال ".
إنّ أوّل ما دعت إليه الأديان السماوية هو التوحيد والقضاء على الشرك المتجسمّ في عبادة الأوثان. ومعلوم " أن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" ( سورة النساء )". وقال الله في سورة القصص:" سبحان الله وتعالى عما يُشرِكون".
ونجد في " تراتيل الترحال " ومضة بعنوان " زيْف " مبينة بالذات على نفي الشّرك ونبذ عبادة الأصنام قصد إثبات التوحيد ووحدانية الإله الحبيب:
تجمعت الآلهة جميعا
وحين الازدحام
تحطمّت التماثيل
ومن صفات الله أيضا الخلق في صورة إعجاز يلخصه قوله تعالى في سورة " البقرة "وأعاده في سور " آل عمران " و" النحل " و" مريم " و" ياسين " و" غافر": " إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون".
ففي البدء كانت الكلمة، كلمة خالقة فاعلة منشئة.
وفي ومضة بعنوان " خصب " تعبير عن شيء من هذا الإعجاز الظاهر في الخلق. ولكنه ليس خلقا بالكلمة بل بالحركة والتنقّل المحدث لمفعول يكاد يكون سحريّا:
" كلّما حللت بقفْر
استحالت خُطُواتُك
بذور إعمار"
ويتجلى التأليه أيضا في اللغة والتشابيه. فعندما نقرأ قولها:
تراءى لها قريبا
كما القدر
لا يمكن ألاّ يتبادر إلى الذهن الالاه مقدّر القضاء والقدر. وعندما نقرأ قولها:
" هي ذي أيّامي
فتخيّر منها ما لَكَ
لتُحييَها"
لا يمكن ألاّ يتبادر إلى الذهن أن الله يحيي العظام وهي رميم. وهذا إلالاه الحبيب يحيي الأيام أي الزمان المعطّل بسبب الغياب.
وعندما نقرأ قولها المازج بين الحسيّ، لمس الأنامل، والروحي، الاسم والمجرى والمرسى:
باسمك
مجرى دمي [ ... ]
باسمك
مرساه
حين تتقد
على مشارف أناملك
يدي
لا يمكن ألاّ يتبادر إلى الذهن الآية:" وقال: اركبوا فيها، باسم الله مَجْراها ومرساها" ( هود، 41 ).
هذا كلّه فضلا عن ألفاظ كرّس استعمالها في المعجم الديني مثل " التأويل " و" الوحي " وحتى " الكلام" ( ص 20 ).
منفتح التأويل
مرهق الإيحاء
كلّما تكلّم
وإن رمنا تركيب صورة إلاَهِ هذه " التراتيل " وجدنا له عرشا يعتليه وأسندنا له صفات الوحدانية والخلق والوحي والجمال والجلال، تسبّح الكائنات باسمه ويُؤوَّل كلامه تأويلا. وبَعْدُ، أَلَمْ يخلق الله الإنسان على صورته؟ ألم يقل المسعدي في إحدى تأملاته العميقة الأبعاد، البديعة المعاني، في شكل ومضة موغلة في الإيجاز والتكثيف لا تتجاوز أحيانا الكلمات الثلاث:" خير ما في الإنسان هو الله"؟ ونلاحظ أن هذا التأليه لا يوجد إلاّ في هذه المجموعة الثانية " تراتيل الترحال". فالأولى خالية من هذا البعد التقديسي للحبيب، ربما لأن الظرف غير الظرف، أو لأنّ مصدر الإلهام لم يكن يرقى إلى هذه المرتبة، أو بكل بساطة لأن الشاعرة ازدادت نضجا ووْعيا فصعدّت صورها وخيالها إلى الأرقى والأقصى من كلّ شيء.
تلك صورة الحبيب في مخيال العاشقة، صورة قُصوى مثالية، لكنها لا تحجب تماما صورة الواقع، صورة الإنسان الذي يأكل الخبز ويمشي في الأسواق، يجمع بين فصاحة الوجه ووفرة التفاصيل وجرأة التعبير وانفتاح التأويل من جهة ( ص 20)، والقسوة واللامبالاة والنكران والتمنع والصدود والنسيان والغياب من جهة ثانية. ومع ذلك تبقى صورة تقتصر على " المعنى". فهو لا يظهر بقامته ولون عينيه وبشرته وسائر خصائصه المادية، فتلك لا تهمّ الشاعرة العاشقة، بل يظهر معنى مجرّدا وفكرة متسامية وُفقت الشاعرة في إلباسها لَبوس التقديس وإيلائها طقوس التعبّد في محراب الروح والجسد متلازمين. فهو:
" يلهو بالماء
يبعثره حيثما نظر
وأنا الغريقة
وشفاهي تحترق" ( ص 19 )
فثمة تباين تامّ بين ظمإ المرأة إلى قطرة ماء وعبث الحبيب به الدال على لا مبالاته بمعاناتها. ويشمل التباين صورتهما بصفة عامّة إذ هما على طرفي نقيض فهو السيد المتجبّر، وهي دوما الضحية، وحيدة، منسية، خاوية، تائهة، يتيمة:
" أنا غيمة يتيمة في التّيه
وأرضك هناك ميعاد" ( ص 37 )
وهي دائمة الانتظار، ضائعة، تسأل عن طريق المحطات ولا تجدها. وقد استخرجنا من النصوص كلمات أخرى تدلّ على هذا الوضع البائس " كالقفر " و"السكون " و" الصمت " و" الحزن " و" الجنون "، حتى الجنون:
" وإن عنه انفصلت يعمرّني الجنون" ( ص 41)
كذلك الموت، حتى الموت:
سكَنَت الغَيمةُ
رويْت لها أحزاني
بَكَتْ حدّ الذوبان
فمتّ حدّ السقوط" ( ص 50 (
هل نضيف كلمات الألم، والتعب، والغيرة، والصرّاخ المكتوم، والخيبة، والخوف، والندم، والبؤس، والوجد، والغربة، والرجاء، وجلّها عناوين قصائد؟ وحتى إن بدت لنفسها مرة واحدة ملكة، فهي ملكة على وطن من الأحزان وقت الوداع ( ص 51)، ولما رأت نفسها على قمّة الجبل سيّدة، فتلك ليست إلاّ " خدعة " ( وهو عنوان القصيدة ) لأنها تنسى أنها واقفة على قمة الجبل. ونجد عندها أحيانا فوضى الأفكار والإصرار على امتلاك الفراغ فتتعتّم الرويّة.
هل نضيف الفراغ ( ص 87 ) والعجز ( ص 76 (
" عالقة في عجزي
وحياتي معلّقة
بمسمار الرتابة
وقلبي عندك
يتجدّد"
ثم إنّها لا تسمع نداء الأنثى في ذاتها فتقمعه في شيء من الماسوشية وتصدّ كلّ من يسعى إلى كسب رضاها:
" أضلّل عنّي في كل عصر حبيبا" ( ص 79 )
والماسوشية سبق التعبير عنها في الديوان الأوّل " ما تسرّب من صمتي " بوضوح أكثر جلدا للذات وتلذّذا به ( ص 7 ).
أصعب الأحكام/ حكم/ صدر منّي عليّ/
أستبيح الطرد/ أستجدي الجَلْد/ أتلذّذ في منفاي/
البعد
وهذه كلّها معان سلبية إذا قارنّاها بالمعاني الإيجابية المنسوبة إلى الحبيب. ويمرّ عدم تكافئ القوى والحيفُ الناتج عن اختلاف الأوضاع، عبر وعي العاشقة فتثور غَيْرَةَ على كبريائها الجريحة، فتبدأ بإقرار الكبرياء في صورة " انتماء " ( ص 40 ):
" موطن قَدَمي
وطني
أينما كنتُ
وكبريائي معي "
ثم تعبّر عن غضبها من قسوة الحبيب فتخاطبه في لهجة الاستياء ( ص. 89 ):
" ألا تستحي؟
يا أيّها المختفي وراء جنوني
يا أيّها الحلم الذي
ما كان يوما كما أبتغي
" ألا تستحي؟"
وتعيد هذا السؤال الإنكاري مرة ثانية وثالثة في نفس النص انتقاما لكبريائها الجريحة.
ولا تكتفي بهذا الغضب وهذا الاستياء بل تثبت تفوقها عليه بعد أن رفعته إلى مرتبة الإلاه ( ص 42).
سأبقى أنا الأصل
وأنت السليل
بل أكثر من ذلك، تجعل ذاتها محور الكون فتكرر ضمير المتكلّم أربع مرّات في السطر الواحد:" وأنا، معي أنا، وحتّى أنا، وكلّ الأنا" ( ص 98 ).
وهذا يذكّر بقول ليوسف إدريس لما أسندت جائزة نوبل إلى نجيب محفوظ فرأى نفسه أجدر منه بها فقال:" أنا أنا وليس غيري أنا".
وتتضخّم الذات، و لا يبقى ضمير المتكلّم المفرد كافيا فتحوّله إلى جمع في نفس النص، فتجمع بين الأنوات الأربعة في النحن:
يا أيّها النحن الذين
بوهم من أضلعنا
سرنا هنا
ولذلك جاءت جلّ القصائد بضمير المتكلم المفرد " أنا "، وحتى في صورة استعمال ضمير الغائب المؤنث فالمقصود واحد وهو المتكلّم. وأحيانا لا وجود لأي ضمير بل يكون التعبير في المطلق في شكل تعريفات وأوصاف مثل قولها في قصيدة " عناق":" عناق الوداع/حين الانفصال/ عبور/ إلى إقامة دائمة.
لكن سرعان ما تظهر في النص نفسه الضمائر، وأولها المخاطب في ضمير متصل " بين أحضانك" ثم المتكلّم الجمع الدال على الانصهار " لنخلّد اللحظة المنفصلة"
وهذا بالطبع يفضي رأسا إلى النرجسية إذ هناك وعي بالجمال واعتزاز به وتعبير عنه في لهجة غنائية لا تخلو من التحدّي للحدّ من بؤس الوضع وقتامة المشهد:
الروابي أوّلها نهدي
والمروج منبتها كفّي
والجداول من فمي مبعثها
والشمس من عيني تُشرق
وفي هذا تشبّه في الوقت نفسه بعناصر الطبيعة ( الروابي والمروج والجداول والشمس) وإقرار لأسطورة خلقها من قبل المعتزة بمفاتنها إذ في كلّ سطر ما يدل على البدايات أي على الإنشاء: أوّلها – منبتها – مبعثها – تُشرِق. وهذه الومضة من أجمل نصوص الديوان معنى وصورا وإيقاعا.
ومن جعل الحبيب في مقام الالاه لا يمكن أن يبقى دونه مرتبة، فلا بدّ أن يرقى إلى مقامه ويتشبّه بدوره بالآلهة كما في ومضة " بحث " ( ص 56 ) حيث تتشبه الشاعرة بالإلهة تانيت:
التصقت برسم التّانيت
على الجدار
علّني أعي
خطوط تفاصيلي
2- وجهة الترحال.
هذا ما يتعلّق بالكلمة الأولى الواردة في عنوان الديوان " تراتيل ". وقد تبيّن أنها إلى الغناء أقرب، وكلاهما صوت وصدى. بقيت الكلمة الثانية " الترحال " الدالة على الحركة والاضطراب. فنتساءل: الترحال إلى أين؟ وممّا سبق يظهر أن وجهة الترحال ليست غير وجه الحبيب، قبلةً وموردا وغاية قصوى. وقد بدا الترحال توقا وتيها أكثر منه ترحالا في المكان. ولكن هذا المعنى ضمنيّ يُفهم من مختلف النصوص لأن مادة " رحل " أو إحدى مشتقاتها لم تذكر إلاّ في القصائد الأخيرة من الديوان. وقد ذكرت كلمة " الترحال " لأوّل مرة ص 107 من 136 ص. في قصيدة استهلّت بمرادف له:
" حين نودي للرحيل
انسكبت خلجات الدفق " ( ص 107 )
ثم جاءت لفظة العنوان:
" فللترحال أن يفرع من حوليَ الأحلام "
وهذه القصيدة هي بعنوان " همس الوجدان " ( سوسة والقيروان ).
فهو إذن ليس الترحال الذي من أجله قدّمت التراتيل السابقة، بل هو سفر حقيقي من مدينة إلى أخرى، من مسقط الرأس القيروان، إلى موضع الإقامة سوسة، وكأنه إلى شعر المناسبات أقرب منه إلى الشعر الوجداني إذ ذكرت فيه أسماء مواضع في القيروان ( البلوي والأغلبي وصبرة ) وفي سوسة ( الرباط وأبو جعفر)
ثم ذُكرِت إحدى مشتقات الترحال في قصيدة أخرى بعنوان " صرخة " ( ص 106 ) وهي كلمة " رحلة " والقصد منها رحيل الأم يوم وفاتها. ويمكن أن نجعلها أيضا في عداد شعر المناسبات وإن كانت المناسبة شديدة الصلة بوجدان الشاعرة. وأخيرا نجد في الصفحات الأخيرة أيضا قصيدة مطولة بعنوان " رحيل " لا تضيف شيئا إلى الومضات المكثفة الغالبة على هذه المجموعة. ولذلك نرى أن كلمة " الترحال " في العنوان تغطي ضمنيا جلّ قصائد الديوان في صورة وُجهة مرتجاة، في قصائد ومضات تقول ما لا تقوله القصائد الطوال، وتوجد لفظيا في الجزء الأخير وكذلك في المجموعة الشعرية السابقة " ما تسرب من صمتي". إنه رحيل إلى الذات بحثا عن الذات وبالتالي فإن الشعرية التي نروم محاصرة خصائصها لا تكون إلاّ بالتركيز على الومضة.
3- شعرية الومضة.
إذا كان في هذه المجموعة الشعرية من " خروج على السائد " كما قال الشاعر محمد الهادي الجزيري على هامش الديوان السابق، فإنه يتمثل في بناء القصيدة في شكل ومضة موجزة، وأحيانا مغرقة في الإيجاز. وبما أنها تمثل أغلبية نصوص الديوان رأينا أن نركّز عليها للتعريف بخصوصياتها، وقد وجدناها لا تقلّ عن ستّ هي على التوالي الإيجاز، والتكثيف، والأقصى، والعدول، والمفارقة، والإيقاع الداخلي. ونكتفي هنا بضبط الخطوط الكبرى اعتمادا على نماذج منها.
فالإيجاز يظهر في عنوان الومضة وفي نصها على حدّ سواء. فالعنوان لا يتجاوز اللفظة الواحدة في خمسة وتسعين نصا من مائة نصّ. وهذه اللفظة إمّا أن تكون إحدى كلمات النص، أو مشتقة منه، أو معبرة عن مضمونه دون أن تكون منه. ففي قصيدة " عناق " مثلا نجد هذه الكلمة في العنوان وهي كذلك أولى كلمات النص:
" عناق الوداع
حين الانفصال " ( ص 12 (
وفي قصيدة/ ومضة بعنوان " اتّقاد " اشتقّت هذه اللفظة من أحد أفعال النص مصرّفا في المضارع:
" لستَ النّبع
الذي يفيض وجدا
حيث أنفاسي تتّقد
وفي قصيدة/ الومضة بعنوان " قراءة " لا وجود لمادة " قرأ " أو إحدى مشتقاتها في النص المتكون من ستّ كلمات موزعة على ثلاثة أسطر، لكنها موجودة في معناه أي في قراءة لغة العينين وفهمها:
" لعينيك لغة
أفهمها
كلّما أغمضتُ عيني" ( ص 94 )
فهذه نصوص لا يمكن أن يقرأها متلقيها مرة واحدة، بل لا بدّ من قراءة ثانية – على الأقل – لفهم معنى كلمة العنوان وخاصة علاقاتها بالنصّ. والنص نفسه شديد الإيجاز لكنه ليس الإيجاز المخلّ بالمعنى وليس إلغازا يُحتاج فيه إلى مفاتيح لفك رموزه. إنما المعنى يتمّ ولو لم يتجاوز النص الكلمات القليلة كما في قولها:
" على حمى وجعي
يتدفأ معذّبي من جليد أحاسيسه
ليتهيّأ لغزو جديد" ( ص 88 )
وهذا منتهى القسوة إذ هناك تقابل عجيب بين حرارة وَجَع العاشقة وبرودة أحاسيس الحبيب الذي لا يكتفي باللامبالاة بل يتدفأ بالحرارة ليس للقضاء على الجليد بل استعدادا لمغامرة جديدة مع الغير. فلا يمكن أن يكون عنوان هذا النص غير ما كان أي " قسوة ". فكان الإيجاز والتلميح كافيين لأداء المعنى. ألم يقل أحد قراء الديوان الأول:" وهل الشعر إلاّ إيماء وتلويح وتلميح"؟ ويرافق هذا الإيجاز في العنوان وفي النص تكثيف للمعاني فتقول الكلمات القليلة ما لا تقوله القصائد الطوال، إذ النص مكتنز تُجمع معانيه في كلمات موحية يتجاوز حقلها الدّلالي ما اتفقت عليه المعاجم، وبذلك تكتسب مفردات اللغة من الأبعاد ما لا يتجلّى إلاّ في سياق النص على إيجازه وفي تحالفه مع العنوان بل تواطئه معه لأن العنوان يساعد على فهم النص كما في هذه الومضة المعبرة:
مدُّ الْبَحْر
عِنَاق للأرض
لا يطول ولا يَنْقَطِعُ
هذه الكلمات السبع وزُعت على ثلاثة أسطر، وكان يمكن بتوزيع آخر ألاّ تتجاوز السطر الواحد. ومع ذلك يتكون منها نصّ مكثّف جدّا من صنف تأملات المسعدي المذكورة. ويمكن أن تقرأ على أنّها نصّ مغلق لا يهمّ غير البحر، ويمكن أن نقرأها في سياق رمزي أعمّ، ويمكن كذلك أن تقرأ في سياق كامل المجموعة الشعرية القائمة على العلاقة بين العاشقة وحبيبها. ومهما كانت زاوية القراءة فهي تفضي في جميع الحالات إلى معنى " القصور ". وهو بالذات ما نجده عنوانا لهذا النص ونقرّ أنه مفتاح ثمين لتفكيكه. فالصورة الأولى يمكن أن ترتكز زاوية النظر فيها إلى المعنى الظاهر أي قراءة حرفية للنص تتعلق بعجز البحر عن التمادي في عناق الأرض وعن الانقطاع عنه رغم قوّته وجبروته، ولا يتسنّى له الانقطاع إلاّ في حالة الجزر. أمّا في حالة المدّ فإنه إذا طال عناقُه الأرض غمرها وكان الطوفان. وهذه حقيقة في المستوى الأول من الدلالة، أي حقيقة جغرافية أو طبيعية إذن بديهية. أمّا إذا قرأناها في سياق أعمّ فإنها تتحوّل إلى حقيقة فلسفية تدلّ على قصور الإنسان رغم قوّته أو قصور الطبيعة رغم هيمنتها، إلى غير ذلك. وأخيرا فإن جعلنا هذه الحقيقة في سياقها الخاص أي العلاقة بين العاشقة وحبيبها فإنها تكون لها دلالة أخرى تستخرج من كلّ كلمة من كلمات النصّ وتقوم على معنى العناق بين الأنثى ( الأرض ) والذكر ( البحر ) وبقاء الحبيب معلّقا بين البقاء والرحيل، عاجزا رغم تأليهه عن بناء علاقة دائمة ( لا يطول ) أو وضع حدّ لعلاقة هشة ( لا ينقطع ).
وهناك بالطبع إمكانية قراءات أخرى بحسب ثقافة كلّ قارئ وغاياته.
أما الخاصية الثالثة للومضة فهي البحث دوما عن الأقصى من كلّ شيء. فالمساحة النصية لا تتّسع لما دون الأقصى، كذلك المساحة الزمنية. فالعمر مهما طال قصير، ولا يمكن تأثيثه إلاّ بما علا من الأشياء والأفكار والأشخاص. لذلك تتواتر في الومضات عبارات " الذات القصوى " ( ص 29 ) و"الشهوة القصوى " ( ص 48 ) و" المتعة الخالصة " ( ص 78) وغير ذلك من المعاني الوجوديّة والحسية. ففي القصيدة/ الومضة " احتفاء " ( ص 11 ) تؤكّد الشاعرة صفة الأنثى فيها فتذكر في المطلع محتجة غاضبة:
كأنني ما كنت أنثى !
ثم تتدرّج شيئا فشيئا إلى حاسة البصر متمثلة في العينين، ثم حاسة اللمس متمثلة في اليدين، ثم تصعّد الحسّ فجأة إلى الأقصى من الرغبة والانتشاء في جرأة مَنْ لم يعد يبالي بغير حضور الحبيب، فتذكر تفجّر النبع في أديم الجسد:
" كأنّ أنيني
ما احتفى يوما
بغير تفجّر نبعك
في أديمي
وبذلك لا يبقى مجال للمسكوت عنه وللحضور من الصور والمعاني والأحاسيس لأنّ كلّ شيء قيل في القليل من الكلمات العارمة.
وكثيرا ما يكون التعبير عن الأقصى في ومضة بأسلوب العدول، يختصر الطريق إلى المعنى ويراوغ أفق انتظار القارئ فيفاجئه بمعنى مبتكر وغير منتظر في الآن نفسه. فهناك صلة متينة بين حجم المعنى المُراد وأسلوب التعبير عنه. يقال: كلما " اتّسعت الرؤيا ضاقت العبارة". وفي هذه الومضات تتّسع الرؤيا فتتسّع العبارة بفضل تقنية العدول. ففي هذه الومضة مثلا بعنوان " حذار" ! ( ص 15 ) المعنى المقصود هو الغيرة ولكن هذه العاطفة اتخذت هنا حجما أقصى فكان لابدّ من البحث لها عن صيغة تؤدي حدّتها وقوتها فلم تجد الشاعرة أجدى من نفسها فقالت:
" أغار من نفسي عليك"
وكان يمكن أن تنتهي القصيدة الومضة عند هذا الحدّ. فقد بُلِغَ المراد بهذه الكلمات الأربع إذ بلغت الغيرة الدالة بالطبع على قوّة المحبّة درجة جعلت العاشقة تغار على حبيبها من نفسها. لكنها رأت أن تضيف إليها معنى الخيانة، فَعَدَلَت بها من الخيانة مع أخريات إلى الخيانة معها هي ذاتها فقالت:
فعدِني
ألاّ معي تخونني
ويرتبط العدول في هذه الومضات بالمفارقة. وهذا المعنى الأخير يجمع فعلا بين الخصائص الخمس: الإيجاز والتكثيف والأقصى والعدول والمفارقة.
والفارق ضئيل جدا بين العدول والمفارقة، لا يختلفان إلاّ في مكانهما في الومضة. فالمفارقة تظهر عادة في آخر النص على غرار الخرجة في الموشحة تختم بها دون سابق إنذار فتأتي كما يقول ابن سناء الملك في " دار الطّراز":" حارة محرقة، حادة منضجة، من ألفاظ العامّة ولغات الداصّة [ ... ] ألفاظها غَزِلة جدّا، هزّازة سحارة خلابة، بينها وبين الصبابة قرابة، وهذا معجز مُعْوِز" ( دار الطراز، ص 31 ). وقد تكون بالدارجة أو بالاسبانية، معبّرة عن معنى غير منتظر، مثل قول أحد الوشاحين:
قَد بُلينا وابتلينا وآش يقولوا الناس علينا
قم بنا يا نور عيني نــجـعـل الشك يقينا
كما تذكّر بلحظة الكشف في القصة القصيرة، تأتي في ختامها في شكل كلمات قليلة لتغير مجرى النص نحو أفق غير متوقّع.
وفي ومضة بعنوان " انسياب " ( ص 14 ) تقول الشاعرة:
وكلّما ابتعدتُ
أيْقنت أنّي أتوارى
والسياق هنا يقتضي ظرف مكان يدّل على الاختفاء الموجود في فعل " أتوارى" من صنف " خلف " أو " وراء". لكنّنا نفاجأ بظرف آخر يدلّ على الهروب إلى الأمام في عدول مفارق للمعنى المعهود:
أيقنت أني أتوارى
نحو مداره
فهذه هي " الدهشة " التي تحدّث عنها كلّ من الشاعرين منعم الفقير ومحمد الغزّي على هامش المجموعة الشعرية الأولى " ما تسرّب من صمتي".
إلاّ أن للومضة بعدا آخر أدركته حياة الرايس في شهادة لها عن نفس هذه المجموعة عبرت عنه بقولها:" في زمن يفتقد إلى المعنى تعطي راضية الشهايبي معنى وجوديا لقصائدها عبر الومضة الفلسفية المكثفة".
وهذه شهادة من أستاذة فلسفة وجدت فيها بضاعتها.
بقيت مسألة الإيقاع، فهي تحتاج إلى دراسة مُفردة لكن نوجزها في كلمات قليلة لعلها تكون منطلقا لبحث آخر ينجزه متخصص في الأوزان والإيقاع. وما يمكن تقريره هنا هو أن هذا الإيقاع لا يقوم على وزن ولا على قافية ولا حتى على التفعيلة بل على تنغيم داخلي تحرّر من جميع القيود ومع ذلك بقي لا نشاز فيه، تحسّه عندما تقرأ القصيدة/ الومضة بصوت مرتفع فتنساب الأنغام موقّعة توقيعا مُطربا مصدره تخيّر اللفظة وموقعها من التركيب والجملة. وهذا يخوّل لنا القول إنّ الإيقاع هنا نفسيّ بالأساس، تحسّه موجودا لكنك لا تستطيع القبض عليه وإخضاعه إلى قياس كمّي أو نوعي ما.
ولعلّ هذا ما جعل أحد قراء أشعار راضية الشهايبي الشاعر الحبيب الهمّامي يقول عنها " إنها نصوص مغايرة تحيل إلى التفرد".
وإذا نظرنا الآن في مجموع الديوان وحاولنا أن نسترجع ما يبقى منه في الذاكرة زيادة على كلّ تلك الومضات المعبّرة، فإننا نجد قصة حبّ متكاملة الأركان فيها فرحة اللقاء وبؤس الغياب، وفيها لحظات الصفاء وأحوال الغضب، وفيها مراوحة بين الحلم واليقظة، وبين الوهم والانتشاء، والخيال والواقع، والرجاء واليأس. وقد ظهرت بذورها وعلاماتها في المجموعة الأولى، استشعرها قبل حدوثها مقّدم " ما تسرب من صمتي" منعم الفقير في قوله:" إنها تحمل رؤى تنذر بحقيقة تبشر بوهم قادم". فحلت الحقيقة والوهم فعلا في هذه المجموعة الثانية. فهل تكون الثالثة مبشرة بالفرح القادم والفوز الكبير؟
تم إضافته
وشعر راضية الشهايبي في ديوانها الثاني " تراتيل الترحال " ( 2008 ) الصادر بعد مجموعتها الشعرية الأولى " ما تسرّب من صمتي " ( 2006 )، هو من هذا القبيل، لا يبدع كونا من عدم، بل يشتقّه ممّا اختزن في الذاكرة من صور، وما سكن في الوجدان من مواجد، وما اتقد في الذهن من الفِكَر، على التعالي تبنيه، وعلى الأقصى من كل شيء تشيّده، فيتشكل بناء ليس ككل المباني، معماره الفنّ وسطوته، ولَبِناتُه اللغة وسلطانها، والأحرف وإيقاعها.
1- المقدس والمنرجس.
شرعت منذ العنوان تعزف على وترين اثنين، روحي في لفظ " التراتيل "، وحسيّ في لفظ " الترحال"، وتران يشقان كامل الديوان، الأوّل " ترتيل " هو في المعجم " التراسل في قراءة القرآن " و"التبيين فيها والتمكين ". فهو إذن صوت حميم الصلة بالمقدّس. والثاني " الترحال "، حركة واضطراب. فالصوت صوت الروح، والحركة حركة الجسد، يترافقان غير متوازيين، بل متماهيين لا يفصل بينهما فاصل، ولا مكان فيهما للحواجز ولا للتباين بين الوصل والفصل في كامل الديوان. إنّه كلّ متجانس، لا فرق فيه بين المعاني الحسية والمعاني الوجدانية، تتواجد في النص الواحد بل في الومضة الواحدة، تبدأ حسية بالعيون:
لعينيك قرارات
تنثرها بكياني
وتنتهي حسيّة بالشفاه:
وأشيّد من قُبَلي
عرشا تعتليه... على شفتي
تتوسطهما الروح:
وأرسل روحي تبايعك
وهذا النصّ يستهلّ به الديوان، فكأنه تأكيد لثنائية العنوان، العتبة الأولى، وإقرار لميثاق شعري على غرار الميثاق السردي في بداية الرواية، تلتزم به الشاعرة في بقيّة النصوص. وليس من باب الصدفة أن كان عنوان هذه الومضة الأولى، المشتقّ من إحدى كلماتها " التزام ". فهو التزام بعدم الفصل بين البعد الروحي والبعد الحسيّ. وكأن محمود المسعدي إلى هذا يشير في أحد تأملاته التي ألحقناها بقصتّه " من أيام عمران " عندما يقول:" الجسد توق إلى الروح".
وقد وجدنا في هذه المجموعة أصداء عديدة لهذه المقولة المؤكّدة للعلاقة العضوية بين الروح والجسد، يسكنه وينتشر فيه كما في قول الشاعرة:
" كن كما الرُوح
منتشرا في الجسد "
أو قولها المؤكّد لتلازمهما بل تماهيهما:
" تحاورني الروح
وتحوم داخل الجسد
تريد الانعتاق
فأنطوي عليها
كي لا أنتهي
حين تنعتق" ( ص 67 )
فبانعتاق الروح يفنى الجسد، وانفصاله عنه يعلن نهايته. لذلك لا يطاوع صاحبته إلاّ إذا كان المعنى يحرّكه، فإذا تقاطعا كان التيه:
أخذها من يدها
باتجاه الجسد
أخذته بعينيها
باتجاه القلب
فتاها في الطريق
فالعين لا تقنع بالنظر بل تنفذ إلى القلب، وفي ومضة أخرى إلى الروح:
هل للوجد
لغة أبعد من عينيه
حين تخترق روحي؟ ( ص 95)
وقد يتحول الجسد إلى معبد يؤمّه النساك كما في ومضة " نكران " (ص 38)
ولا يغرنّ معجم السلطة السياسية في هذه الومضة الأولى " كالمبايعة " و" اعتلاء العرش "، فالبيْعة هنا تُترجم إلى إيمان، والعرش لا ينسب إلى الملوك بقدر ما يُنسب إلى الإله، قال تعالى:" الرحمان على العرش استوى"، كما ينسب إلى باب العرش المفضي إلى الأبد أو إلى العدم. فالعشق الصحيح يرفع صاحبه إلى مرتبة الآلهة ينافسها جلالها وجمالها فلا يرضى بمرتبة الملوك. قال طاغور:" متى أحبّت المرأة كان الحبّ عندها دينا وكان حبيبها موقع التقديس والعبادة". وقال قبله ابن عربي:
" أدين بدين الحب أنى تَوَجَّهَتْ ركائبه فالحب ديني وإيماني"
وقالت الشاعرة مؤلّهة الحبيبَ ومشيرة إلى تحقيق مشروعها هذا:
وأنا التي أُبْدِع في وصف الإله
وأتناسى ما أصف
ولكن هل أبدعت الشاعرة فعلا في وصف من ألهته فابتكرت له صفات خاصة به أم اكتفت بأن تنسب إليه ما عُرف من صفات الله وأفعاله؟ الجواب نجده في ما تواتر من صفات في " تراتيل الترحال ".
إنّ أوّل ما دعت إليه الأديان السماوية هو التوحيد والقضاء على الشرك المتجسمّ في عبادة الأوثان. ومعلوم " أن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" ( سورة النساء )". وقال الله في سورة القصص:" سبحان الله وتعالى عما يُشرِكون".
ونجد في " تراتيل الترحال " ومضة بعنوان " زيْف " مبينة بالذات على نفي الشّرك ونبذ عبادة الأصنام قصد إثبات التوحيد ووحدانية الإله الحبيب:
تجمعت الآلهة جميعا
وحين الازدحام
تحطمّت التماثيل
ومن صفات الله أيضا الخلق في صورة إعجاز يلخصه قوله تعالى في سورة " البقرة "وأعاده في سور " آل عمران " و" النحل " و" مريم " و" ياسين " و" غافر": " إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون".
ففي البدء كانت الكلمة، كلمة خالقة فاعلة منشئة.
وفي ومضة بعنوان " خصب " تعبير عن شيء من هذا الإعجاز الظاهر في الخلق. ولكنه ليس خلقا بالكلمة بل بالحركة والتنقّل المحدث لمفعول يكاد يكون سحريّا:
" كلّما حللت بقفْر
استحالت خُطُواتُك
بذور إعمار"
ويتجلى التأليه أيضا في اللغة والتشابيه. فعندما نقرأ قولها:
تراءى لها قريبا
كما القدر
لا يمكن ألاّ يتبادر إلى الذهن الالاه مقدّر القضاء والقدر. وعندما نقرأ قولها:
" هي ذي أيّامي
فتخيّر منها ما لَكَ
لتُحييَها"
لا يمكن ألاّ يتبادر إلى الذهن أن الله يحيي العظام وهي رميم. وهذا إلالاه الحبيب يحيي الأيام أي الزمان المعطّل بسبب الغياب.
وعندما نقرأ قولها المازج بين الحسيّ، لمس الأنامل، والروحي، الاسم والمجرى والمرسى:
باسمك
مجرى دمي [ ... ]
باسمك
مرساه
حين تتقد
على مشارف أناملك
يدي
لا يمكن ألاّ يتبادر إلى الذهن الآية:" وقال: اركبوا فيها، باسم الله مَجْراها ومرساها" ( هود، 41 ).
هذا كلّه فضلا عن ألفاظ كرّس استعمالها في المعجم الديني مثل " التأويل " و" الوحي " وحتى " الكلام" ( ص 20 ).
منفتح التأويل
مرهق الإيحاء
كلّما تكلّم
وإن رمنا تركيب صورة إلاَهِ هذه " التراتيل " وجدنا له عرشا يعتليه وأسندنا له صفات الوحدانية والخلق والوحي والجمال والجلال، تسبّح الكائنات باسمه ويُؤوَّل كلامه تأويلا. وبَعْدُ، أَلَمْ يخلق الله الإنسان على صورته؟ ألم يقل المسعدي في إحدى تأملاته العميقة الأبعاد، البديعة المعاني، في شكل ومضة موغلة في الإيجاز والتكثيف لا تتجاوز أحيانا الكلمات الثلاث:" خير ما في الإنسان هو الله"؟ ونلاحظ أن هذا التأليه لا يوجد إلاّ في هذه المجموعة الثانية " تراتيل الترحال". فالأولى خالية من هذا البعد التقديسي للحبيب، ربما لأن الظرف غير الظرف، أو لأنّ مصدر الإلهام لم يكن يرقى إلى هذه المرتبة، أو بكل بساطة لأن الشاعرة ازدادت نضجا ووْعيا فصعدّت صورها وخيالها إلى الأرقى والأقصى من كلّ شيء.
تلك صورة الحبيب في مخيال العاشقة، صورة قُصوى مثالية، لكنها لا تحجب تماما صورة الواقع، صورة الإنسان الذي يأكل الخبز ويمشي في الأسواق، يجمع بين فصاحة الوجه ووفرة التفاصيل وجرأة التعبير وانفتاح التأويل من جهة ( ص 20)، والقسوة واللامبالاة والنكران والتمنع والصدود والنسيان والغياب من جهة ثانية. ومع ذلك تبقى صورة تقتصر على " المعنى". فهو لا يظهر بقامته ولون عينيه وبشرته وسائر خصائصه المادية، فتلك لا تهمّ الشاعرة العاشقة، بل يظهر معنى مجرّدا وفكرة متسامية وُفقت الشاعرة في إلباسها لَبوس التقديس وإيلائها طقوس التعبّد في محراب الروح والجسد متلازمين. فهو:
" يلهو بالماء
يبعثره حيثما نظر
وأنا الغريقة
وشفاهي تحترق" ( ص 19 )
فثمة تباين تامّ بين ظمإ المرأة إلى قطرة ماء وعبث الحبيب به الدال على لا مبالاته بمعاناتها. ويشمل التباين صورتهما بصفة عامّة إذ هما على طرفي نقيض فهو السيد المتجبّر، وهي دوما الضحية، وحيدة، منسية، خاوية، تائهة، يتيمة:
" أنا غيمة يتيمة في التّيه
وأرضك هناك ميعاد" ( ص 37 )
وهي دائمة الانتظار، ضائعة، تسأل عن طريق المحطات ولا تجدها. وقد استخرجنا من النصوص كلمات أخرى تدلّ على هذا الوضع البائس " كالقفر " و"السكون " و" الصمت " و" الحزن " و" الجنون "، حتى الجنون:
" وإن عنه انفصلت يعمرّني الجنون" ( ص 41)
كذلك الموت، حتى الموت:
سكَنَت الغَيمةُ
رويْت لها أحزاني
بَكَتْ حدّ الذوبان
فمتّ حدّ السقوط" ( ص 50 (
هل نضيف كلمات الألم، والتعب، والغيرة، والصرّاخ المكتوم، والخيبة، والخوف، والندم، والبؤس، والوجد، والغربة، والرجاء، وجلّها عناوين قصائد؟ وحتى إن بدت لنفسها مرة واحدة ملكة، فهي ملكة على وطن من الأحزان وقت الوداع ( ص 51)، ولما رأت نفسها على قمّة الجبل سيّدة، فتلك ليست إلاّ " خدعة " ( وهو عنوان القصيدة ) لأنها تنسى أنها واقفة على قمة الجبل. ونجد عندها أحيانا فوضى الأفكار والإصرار على امتلاك الفراغ فتتعتّم الرويّة.
هل نضيف الفراغ ( ص 87 ) والعجز ( ص 76 (
" عالقة في عجزي
وحياتي معلّقة
بمسمار الرتابة
وقلبي عندك
يتجدّد"
ثم إنّها لا تسمع نداء الأنثى في ذاتها فتقمعه في شيء من الماسوشية وتصدّ كلّ من يسعى إلى كسب رضاها:
" أضلّل عنّي في كل عصر حبيبا" ( ص 79 )
والماسوشية سبق التعبير عنها في الديوان الأوّل " ما تسرّب من صمتي " بوضوح أكثر جلدا للذات وتلذّذا به ( ص 7 ).
أصعب الأحكام/ حكم/ صدر منّي عليّ/
أستبيح الطرد/ أستجدي الجَلْد/ أتلذّذ في منفاي/
البعد
وهذه كلّها معان سلبية إذا قارنّاها بالمعاني الإيجابية المنسوبة إلى الحبيب. ويمرّ عدم تكافئ القوى والحيفُ الناتج عن اختلاف الأوضاع، عبر وعي العاشقة فتثور غَيْرَةَ على كبريائها الجريحة، فتبدأ بإقرار الكبرياء في صورة " انتماء " ( ص 40 ):
" موطن قَدَمي
وطني
أينما كنتُ
وكبريائي معي "
ثم تعبّر عن غضبها من قسوة الحبيب فتخاطبه في لهجة الاستياء ( ص. 89 ):
" ألا تستحي؟
يا أيّها المختفي وراء جنوني
يا أيّها الحلم الذي
ما كان يوما كما أبتغي
" ألا تستحي؟"
وتعيد هذا السؤال الإنكاري مرة ثانية وثالثة في نفس النص انتقاما لكبريائها الجريحة.
ولا تكتفي بهذا الغضب وهذا الاستياء بل تثبت تفوقها عليه بعد أن رفعته إلى مرتبة الإلاه ( ص 42).
سأبقى أنا الأصل
وأنت السليل
بل أكثر من ذلك، تجعل ذاتها محور الكون فتكرر ضمير المتكلّم أربع مرّات في السطر الواحد:" وأنا، معي أنا، وحتّى أنا، وكلّ الأنا" ( ص 98 ).
وهذا يذكّر بقول ليوسف إدريس لما أسندت جائزة نوبل إلى نجيب محفوظ فرأى نفسه أجدر منه بها فقال:" أنا أنا وليس غيري أنا".
وتتضخّم الذات، و لا يبقى ضمير المتكلّم المفرد كافيا فتحوّله إلى جمع في نفس النص، فتجمع بين الأنوات الأربعة في النحن:
يا أيّها النحن الذين
بوهم من أضلعنا
سرنا هنا
ولذلك جاءت جلّ القصائد بضمير المتكلم المفرد " أنا "، وحتى في صورة استعمال ضمير الغائب المؤنث فالمقصود واحد وهو المتكلّم. وأحيانا لا وجود لأي ضمير بل يكون التعبير في المطلق في شكل تعريفات وأوصاف مثل قولها في قصيدة " عناق":" عناق الوداع/حين الانفصال/ عبور/ إلى إقامة دائمة.
لكن سرعان ما تظهر في النص نفسه الضمائر، وأولها المخاطب في ضمير متصل " بين أحضانك" ثم المتكلّم الجمع الدال على الانصهار " لنخلّد اللحظة المنفصلة"
وهذا بالطبع يفضي رأسا إلى النرجسية إذ هناك وعي بالجمال واعتزاز به وتعبير عنه في لهجة غنائية لا تخلو من التحدّي للحدّ من بؤس الوضع وقتامة المشهد:
الروابي أوّلها نهدي
والمروج منبتها كفّي
والجداول من فمي مبعثها
والشمس من عيني تُشرق
وفي هذا تشبّه في الوقت نفسه بعناصر الطبيعة ( الروابي والمروج والجداول والشمس) وإقرار لأسطورة خلقها من قبل المعتزة بمفاتنها إذ في كلّ سطر ما يدل على البدايات أي على الإنشاء: أوّلها – منبتها – مبعثها – تُشرِق. وهذه الومضة من أجمل نصوص الديوان معنى وصورا وإيقاعا.
ومن جعل الحبيب في مقام الالاه لا يمكن أن يبقى دونه مرتبة، فلا بدّ أن يرقى إلى مقامه ويتشبّه بدوره بالآلهة كما في ومضة " بحث " ( ص 56 ) حيث تتشبه الشاعرة بالإلهة تانيت:
التصقت برسم التّانيت
على الجدار
علّني أعي
خطوط تفاصيلي
2- وجهة الترحال.
هذا ما يتعلّق بالكلمة الأولى الواردة في عنوان الديوان " تراتيل ". وقد تبيّن أنها إلى الغناء أقرب، وكلاهما صوت وصدى. بقيت الكلمة الثانية " الترحال " الدالة على الحركة والاضطراب. فنتساءل: الترحال إلى أين؟ وممّا سبق يظهر أن وجهة الترحال ليست غير وجه الحبيب، قبلةً وموردا وغاية قصوى. وقد بدا الترحال توقا وتيها أكثر منه ترحالا في المكان. ولكن هذا المعنى ضمنيّ يُفهم من مختلف النصوص لأن مادة " رحل " أو إحدى مشتقاتها لم تذكر إلاّ في القصائد الأخيرة من الديوان. وقد ذكرت كلمة " الترحال " لأوّل مرة ص 107 من 136 ص. في قصيدة استهلّت بمرادف له:
" حين نودي للرحيل
انسكبت خلجات الدفق " ( ص 107 )
ثم جاءت لفظة العنوان:
" فللترحال أن يفرع من حوليَ الأحلام "
وهذه القصيدة هي بعنوان " همس الوجدان " ( سوسة والقيروان ).
فهو إذن ليس الترحال الذي من أجله قدّمت التراتيل السابقة، بل هو سفر حقيقي من مدينة إلى أخرى، من مسقط الرأس القيروان، إلى موضع الإقامة سوسة، وكأنه إلى شعر المناسبات أقرب منه إلى الشعر الوجداني إذ ذكرت فيه أسماء مواضع في القيروان ( البلوي والأغلبي وصبرة ) وفي سوسة ( الرباط وأبو جعفر)
ثم ذُكرِت إحدى مشتقات الترحال في قصيدة أخرى بعنوان " صرخة " ( ص 106 ) وهي كلمة " رحلة " والقصد منها رحيل الأم يوم وفاتها. ويمكن أن نجعلها أيضا في عداد شعر المناسبات وإن كانت المناسبة شديدة الصلة بوجدان الشاعرة. وأخيرا نجد في الصفحات الأخيرة أيضا قصيدة مطولة بعنوان " رحيل " لا تضيف شيئا إلى الومضات المكثفة الغالبة على هذه المجموعة. ولذلك نرى أن كلمة " الترحال " في العنوان تغطي ضمنيا جلّ قصائد الديوان في صورة وُجهة مرتجاة، في قصائد ومضات تقول ما لا تقوله القصائد الطوال، وتوجد لفظيا في الجزء الأخير وكذلك في المجموعة الشعرية السابقة " ما تسرب من صمتي". إنه رحيل إلى الذات بحثا عن الذات وبالتالي فإن الشعرية التي نروم محاصرة خصائصها لا تكون إلاّ بالتركيز على الومضة.
3- شعرية الومضة.
إذا كان في هذه المجموعة الشعرية من " خروج على السائد " كما قال الشاعر محمد الهادي الجزيري على هامش الديوان السابق، فإنه يتمثل في بناء القصيدة في شكل ومضة موجزة، وأحيانا مغرقة في الإيجاز. وبما أنها تمثل أغلبية نصوص الديوان رأينا أن نركّز عليها للتعريف بخصوصياتها، وقد وجدناها لا تقلّ عن ستّ هي على التوالي الإيجاز، والتكثيف، والأقصى، والعدول، والمفارقة، والإيقاع الداخلي. ونكتفي هنا بضبط الخطوط الكبرى اعتمادا على نماذج منها.
فالإيجاز يظهر في عنوان الومضة وفي نصها على حدّ سواء. فالعنوان لا يتجاوز اللفظة الواحدة في خمسة وتسعين نصا من مائة نصّ. وهذه اللفظة إمّا أن تكون إحدى كلمات النص، أو مشتقة منه، أو معبرة عن مضمونه دون أن تكون منه. ففي قصيدة " عناق " مثلا نجد هذه الكلمة في العنوان وهي كذلك أولى كلمات النص:
" عناق الوداع
حين الانفصال " ( ص 12 (
وفي قصيدة/ ومضة بعنوان " اتّقاد " اشتقّت هذه اللفظة من أحد أفعال النص مصرّفا في المضارع:
" لستَ النّبع
الذي يفيض وجدا
حيث أنفاسي تتّقد
وفي قصيدة/ الومضة بعنوان " قراءة " لا وجود لمادة " قرأ " أو إحدى مشتقاتها في النص المتكون من ستّ كلمات موزعة على ثلاثة أسطر، لكنها موجودة في معناه أي في قراءة لغة العينين وفهمها:
" لعينيك لغة
أفهمها
كلّما أغمضتُ عيني" ( ص 94 )
فهذه نصوص لا يمكن أن يقرأها متلقيها مرة واحدة، بل لا بدّ من قراءة ثانية – على الأقل – لفهم معنى كلمة العنوان وخاصة علاقاتها بالنصّ. والنص نفسه شديد الإيجاز لكنه ليس الإيجاز المخلّ بالمعنى وليس إلغازا يُحتاج فيه إلى مفاتيح لفك رموزه. إنما المعنى يتمّ ولو لم يتجاوز النص الكلمات القليلة كما في قولها:
" على حمى وجعي
يتدفأ معذّبي من جليد أحاسيسه
ليتهيّأ لغزو جديد" ( ص 88 )
وهذا منتهى القسوة إذ هناك تقابل عجيب بين حرارة وَجَع العاشقة وبرودة أحاسيس الحبيب الذي لا يكتفي باللامبالاة بل يتدفأ بالحرارة ليس للقضاء على الجليد بل استعدادا لمغامرة جديدة مع الغير. فلا يمكن أن يكون عنوان هذا النص غير ما كان أي " قسوة ". فكان الإيجاز والتلميح كافيين لأداء المعنى. ألم يقل أحد قراء الديوان الأول:" وهل الشعر إلاّ إيماء وتلويح وتلميح"؟ ويرافق هذا الإيجاز في العنوان وفي النص تكثيف للمعاني فتقول الكلمات القليلة ما لا تقوله القصائد الطوال، إذ النص مكتنز تُجمع معانيه في كلمات موحية يتجاوز حقلها الدّلالي ما اتفقت عليه المعاجم، وبذلك تكتسب مفردات اللغة من الأبعاد ما لا يتجلّى إلاّ في سياق النص على إيجازه وفي تحالفه مع العنوان بل تواطئه معه لأن العنوان يساعد على فهم النص كما في هذه الومضة المعبرة:
مدُّ الْبَحْر
عِنَاق للأرض
لا يطول ولا يَنْقَطِعُ
هذه الكلمات السبع وزُعت على ثلاثة أسطر، وكان يمكن بتوزيع آخر ألاّ تتجاوز السطر الواحد. ومع ذلك يتكون منها نصّ مكثّف جدّا من صنف تأملات المسعدي المذكورة. ويمكن أن تقرأ على أنّها نصّ مغلق لا يهمّ غير البحر، ويمكن أن نقرأها في سياق رمزي أعمّ، ويمكن كذلك أن تقرأ في سياق كامل المجموعة الشعرية القائمة على العلاقة بين العاشقة وحبيبها. ومهما كانت زاوية القراءة فهي تفضي في جميع الحالات إلى معنى " القصور ". وهو بالذات ما نجده عنوانا لهذا النص ونقرّ أنه مفتاح ثمين لتفكيكه. فالصورة الأولى يمكن أن ترتكز زاوية النظر فيها إلى المعنى الظاهر أي قراءة حرفية للنص تتعلق بعجز البحر عن التمادي في عناق الأرض وعن الانقطاع عنه رغم قوّته وجبروته، ولا يتسنّى له الانقطاع إلاّ في حالة الجزر. أمّا في حالة المدّ فإنه إذا طال عناقُه الأرض غمرها وكان الطوفان. وهذه حقيقة في المستوى الأول من الدلالة، أي حقيقة جغرافية أو طبيعية إذن بديهية. أمّا إذا قرأناها في سياق أعمّ فإنها تتحوّل إلى حقيقة فلسفية تدلّ على قصور الإنسان رغم قوّته أو قصور الطبيعة رغم هيمنتها، إلى غير ذلك. وأخيرا فإن جعلنا هذه الحقيقة في سياقها الخاص أي العلاقة بين العاشقة وحبيبها فإنها تكون لها دلالة أخرى تستخرج من كلّ كلمة من كلمات النصّ وتقوم على معنى العناق بين الأنثى ( الأرض ) والذكر ( البحر ) وبقاء الحبيب معلّقا بين البقاء والرحيل، عاجزا رغم تأليهه عن بناء علاقة دائمة ( لا يطول ) أو وضع حدّ لعلاقة هشة ( لا ينقطع ).
وهناك بالطبع إمكانية قراءات أخرى بحسب ثقافة كلّ قارئ وغاياته.
أما الخاصية الثالثة للومضة فهي البحث دوما عن الأقصى من كلّ شيء. فالمساحة النصية لا تتّسع لما دون الأقصى، كذلك المساحة الزمنية. فالعمر مهما طال قصير، ولا يمكن تأثيثه إلاّ بما علا من الأشياء والأفكار والأشخاص. لذلك تتواتر في الومضات عبارات " الذات القصوى " ( ص 29 ) و"الشهوة القصوى " ( ص 48 ) و" المتعة الخالصة " ( ص 78) وغير ذلك من المعاني الوجوديّة والحسية. ففي القصيدة/ الومضة " احتفاء " ( ص 11 ) تؤكّد الشاعرة صفة الأنثى فيها فتذكر في المطلع محتجة غاضبة:
كأنني ما كنت أنثى !
ثم تتدرّج شيئا فشيئا إلى حاسة البصر متمثلة في العينين، ثم حاسة اللمس متمثلة في اليدين، ثم تصعّد الحسّ فجأة إلى الأقصى من الرغبة والانتشاء في جرأة مَنْ لم يعد يبالي بغير حضور الحبيب، فتذكر تفجّر النبع في أديم الجسد:
" كأنّ أنيني
ما احتفى يوما
بغير تفجّر نبعك
في أديمي
وبذلك لا يبقى مجال للمسكوت عنه وللحضور من الصور والمعاني والأحاسيس لأنّ كلّ شيء قيل في القليل من الكلمات العارمة.
وكثيرا ما يكون التعبير عن الأقصى في ومضة بأسلوب العدول، يختصر الطريق إلى المعنى ويراوغ أفق انتظار القارئ فيفاجئه بمعنى مبتكر وغير منتظر في الآن نفسه. فهناك صلة متينة بين حجم المعنى المُراد وأسلوب التعبير عنه. يقال: كلما " اتّسعت الرؤيا ضاقت العبارة". وفي هذه الومضات تتّسع الرؤيا فتتسّع العبارة بفضل تقنية العدول. ففي هذه الومضة مثلا بعنوان " حذار" ! ( ص 15 ) المعنى المقصود هو الغيرة ولكن هذه العاطفة اتخذت هنا حجما أقصى فكان لابدّ من البحث لها عن صيغة تؤدي حدّتها وقوتها فلم تجد الشاعرة أجدى من نفسها فقالت:
" أغار من نفسي عليك"
وكان يمكن أن تنتهي القصيدة الومضة عند هذا الحدّ. فقد بُلِغَ المراد بهذه الكلمات الأربع إذ بلغت الغيرة الدالة بالطبع على قوّة المحبّة درجة جعلت العاشقة تغار على حبيبها من نفسها. لكنها رأت أن تضيف إليها معنى الخيانة، فَعَدَلَت بها من الخيانة مع أخريات إلى الخيانة معها هي ذاتها فقالت:
فعدِني
ألاّ معي تخونني
ويرتبط العدول في هذه الومضات بالمفارقة. وهذا المعنى الأخير يجمع فعلا بين الخصائص الخمس: الإيجاز والتكثيف والأقصى والعدول والمفارقة.
والفارق ضئيل جدا بين العدول والمفارقة، لا يختلفان إلاّ في مكانهما في الومضة. فالمفارقة تظهر عادة في آخر النص على غرار الخرجة في الموشحة تختم بها دون سابق إنذار فتأتي كما يقول ابن سناء الملك في " دار الطّراز":" حارة محرقة، حادة منضجة، من ألفاظ العامّة ولغات الداصّة [ ... ] ألفاظها غَزِلة جدّا، هزّازة سحارة خلابة، بينها وبين الصبابة قرابة، وهذا معجز مُعْوِز" ( دار الطراز، ص 31 ). وقد تكون بالدارجة أو بالاسبانية، معبّرة عن معنى غير منتظر، مثل قول أحد الوشاحين:
قَد بُلينا وابتلينا وآش يقولوا الناس علينا
قم بنا يا نور عيني نــجـعـل الشك يقينا
كما تذكّر بلحظة الكشف في القصة القصيرة، تأتي في ختامها في شكل كلمات قليلة لتغير مجرى النص نحو أفق غير متوقّع.
وفي ومضة بعنوان " انسياب " ( ص 14 ) تقول الشاعرة:
وكلّما ابتعدتُ
أيْقنت أنّي أتوارى
والسياق هنا يقتضي ظرف مكان يدّل على الاختفاء الموجود في فعل " أتوارى" من صنف " خلف " أو " وراء". لكنّنا نفاجأ بظرف آخر يدلّ على الهروب إلى الأمام في عدول مفارق للمعنى المعهود:
أيقنت أني أتوارى
نحو مداره
فهذه هي " الدهشة " التي تحدّث عنها كلّ من الشاعرين منعم الفقير ومحمد الغزّي على هامش المجموعة الشعرية الأولى " ما تسرّب من صمتي".
إلاّ أن للومضة بعدا آخر أدركته حياة الرايس في شهادة لها عن نفس هذه المجموعة عبرت عنه بقولها:" في زمن يفتقد إلى المعنى تعطي راضية الشهايبي معنى وجوديا لقصائدها عبر الومضة الفلسفية المكثفة".
وهذه شهادة من أستاذة فلسفة وجدت فيها بضاعتها.
بقيت مسألة الإيقاع، فهي تحتاج إلى دراسة مُفردة لكن نوجزها في كلمات قليلة لعلها تكون منطلقا لبحث آخر ينجزه متخصص في الأوزان والإيقاع. وما يمكن تقريره هنا هو أن هذا الإيقاع لا يقوم على وزن ولا على قافية ولا حتى على التفعيلة بل على تنغيم داخلي تحرّر من جميع القيود ومع ذلك بقي لا نشاز فيه، تحسّه عندما تقرأ القصيدة/ الومضة بصوت مرتفع فتنساب الأنغام موقّعة توقيعا مُطربا مصدره تخيّر اللفظة وموقعها من التركيب والجملة. وهذا يخوّل لنا القول إنّ الإيقاع هنا نفسيّ بالأساس، تحسّه موجودا لكنك لا تستطيع القبض عليه وإخضاعه إلى قياس كمّي أو نوعي ما.
ولعلّ هذا ما جعل أحد قراء أشعار راضية الشهايبي الشاعر الحبيب الهمّامي يقول عنها " إنها نصوص مغايرة تحيل إلى التفرد".
وإذا نظرنا الآن في مجموع الديوان وحاولنا أن نسترجع ما يبقى منه في الذاكرة زيادة على كلّ تلك الومضات المعبّرة، فإننا نجد قصة حبّ متكاملة الأركان فيها فرحة اللقاء وبؤس الغياب، وفيها لحظات الصفاء وأحوال الغضب، وفيها مراوحة بين الحلم واليقظة، وبين الوهم والانتشاء، والخيال والواقع، والرجاء واليأس. وقد ظهرت بذورها وعلاماتها في المجموعة الأولى، استشعرها قبل حدوثها مقّدم " ما تسرب من صمتي" منعم الفقير في قوله:" إنها تحمل رؤى تنذر بحقيقة تبشر بوهم قادم". فحلت الحقيقة والوهم فعلا في هذه المجموعة الثانية. فهل تكون الثالثة مبشرة بالفرح القادم والفوز الكبير؟
تم إضافته
تعليق