بقيةُ موتٍ....يحيا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمدالحارون
    أديب وكاتب
    • 22-09-2009
    • 180

    بقيةُ موتٍ....يحيا

    [frame="1 80"]
    بقيةُ موتٍ يحيا
    ـــــــــــ
    ما أعجبَ الدنيا حين تجملُ شيخاً بظرفٍ كظرفِ الأطفال! فقد سكبَ اللهُ فى قلب أبى معانى الرقةِ والحنان، سكباً لا مثيل له، حتى شعرنا جميعاً أنه أصغرنا،
    وقد رأيتُ أبى من الذين أنعم اللهُ عليهم بأن جعل لهم أبناءَقرَّتْ بهم عينه، وتلك من حقائق السعادة الكبرى فى حياة الرجل، فلم يشعرأبى فى حياته قط بأنه غنىٌّ إلا بنا، ولم يعانى فقراً فى عِزِّ فقرهِ ونحن حوله، وكان يردد أبنائى عزوتى تركتى ميراثى، فيعظم ُالفرحُ فى نفسهِ ونفوسنا فيكبرُ، وإنْ بدا ضئيلاً، ويتضاعفُ لديه الأملُ ولدينا وإن كان بعيد المنال، فكنا منه نستدينُ الإرادةَ، ويستمدها منا فى أغلب الأحايين، ومعه يصغرُالهمُّ ويتلاشى، ويتضاءلُ الفقرُحين نتقاسمه فيبدو تافهاً نهزأُ به، وكانت حياتنا فى جواره تمثلُ كل القوة والأمان، فعاد موته يمثلُ لنا الضعفُ والحرمان، وكنا نتحسسُ أدرانَ الحياةِ وهو يهزأُ بها بنصفِ ابتسامةٍ ساخرةٍ، فنراها مخففةً أو كأنها دعابة أو لا هموم، فعادتْ هموم الدنيا بدونه ثقيلة مضاعفة لا طاقةَ لنا بها، وكنتُ ألمحُ فى جواره كوةً من نور الجنةِ يفيضُ علينا صباح مساء، فحرمنا موتُهُ إياها.
    قبل وفاته بأسبوعين ترك غرفته التى كانت مآواه طيلة حياته قائلاً: دعنى أموت عندك لتلقنى شهادةً ألقى بها ربى، فلم نأخذ كلامه بمحمل الجدِّ، لكن بسرعة البرق أنفذناه وهيأتُ له غرفته بجوارى، ومنحنى الله القدرة على القيام بشئونه، وشعرتُ أن الحياةَ فى جوار وطاعة الأبِ يكسوها عبق وأريج الجنان، لكنه صار على غير عادته، طلباته تقلُّ يوماً بعد يومٍ، وكأنه قد فرغ من الدنيا وارتدى ثوباً من أسرار الموت وهيبته، فرغت عنده معظم الدنيا من معانيها، وبدا الجسم يتخلى عن مكانه للروح، تظهروتأبى نوماً وكأنه أراد أن يملأ ُعينه من كلِّ أحبابه، أو يقول فى صمتٍ وبلا آهٍ، وداعاً.
    فقد عاش أبى بقلوبنا لا قلبه، وبحناننا لا حنانه، وبحبنا الذى غرس نبته بيده، وحين اقترب أبى من ساعات احتضاره شعرتُ أنه يطرقُ برفق بابَ آخرته،
    يريد أن ينسلَّ من بيننا خفيفاً ليناً، وحين نسمعُ الآذانَ أقول له أتريد الصلاةَ فى المسجد ياأبى؟ يهزُّ رأسه ويطبقُ جفونه موافقاً، لكن هيهات هيهات،
    فقد خارت القوى، وصرنا حوله كمن يمسكُ بظلٍّ يتحرك ليمنعه ألا يذهب، وأنى لنا هذا؟
    فما أعظم الفارق! وشتان شتان ، فلو أن كل كتب الدنيا التى تتحدث عن الموت قد أفرغتها فى عقلى، ما كادت لتترك أثراً واحداً من ألوف المعانى التى علمنيه احتضار أبى، فحين يموت الأبُ الحنون بين يدى ابن يجتهدُ أن يكون باراً، هنا وهنا فقط يحفرُ الموت أخاديد فى النفس لا تمحوها السنون، أهٍ حين يغطى الوجه فى سويعاتٍ قليلةآلام عمرٍ كاملٍ ليشهدَ هيبة الموت وجلاله، وأهٍ حينَ تحين ساعة ما لا يُفهم، ساعة اللاشئ عند من يحيا، وساعة كل شئ عند من يودع الحياة، فحين تحين ساعة الرحيل يتوقف الزمن، يذوب، يموت كل كذب الدنيا وزينتها داخلك، حين تُخْتزلُ سنوات أعمارنا فى كلمة واحدة هى، أعمالنا، انقطعت الدنيا لدى من جلِّ معانيها وشعرتُ بثقل ما ألقى أبى على كاهلى أنْ ألقنه الشهادة، فكان يردد بصوتٍ خفىٍّ منقطع لا يكاد يُبينُ ،يا رب..وتضمُّ شفتاه الحرفين كمن يعانقهما عناقاً، فليرحمك الله يا أبى، ويا لحرقة دمعة الموت ولسعتها لمن يشاهدها، كانت دمعته تناجينا قائلة:لا تبكوا..لا تحزنوا، مشفقٌ علينا حين موته نفس اشفاقه علينا فى حياته، زفرات الرحيل علتْ ابتسامته التى رسمها على وجهه طيلة حياته، وأهٍ حين يتكلم المحتضرُ بعجزه عن الكلام، سلمت علينا دمعته وشهقته الأخيرة مودعة فى صمت وهدوء، وحين سكن الحىُّ الذى كان فى أبى، تحرك فى داخلى كل تاريخه وقت كان يضيقُ على نفسه ليوسعَ لنا، وحين كان يخلعُ الثوب ويتقى البرد بجلده لتدفئتنا به جميعاً، امتد لسانُ الموتِ وكبر، وحقرت الدنيا وقلَّتْ، وتحاقرت الحياةُ وتجمعت فى حفرة واحدة هى قبر أبى.
    لقد خُيلَ إلىَّ أن ملك الموت فى غرفتى، وأنا أمسك بأنامل أبى أتحسسُ حرارتها، يا إلهى كأننى أنا الذى أموتُ، تنظر عينى فى فضاءات الغرفة ،
    أحسُّ أن أبى يملاُ الجو من حولى، جعل موته أعضائى مختلةً، أو فقدت توازنها مما ألم بى من الحزن والوجد، صارت أفكارى تنحدر من رأسى إلى حلقى،
    ولا يفرجُ عنى إلا عبراتٌ تُسكبُ سكباً، كان جميع من حولى فى عالم الدنيا، وكنت مع أبى فى عالم الموتى، الناس من حولى يمشون لينتهوا إلى القبر،
    وأنا أمشى لأبدأَ مصيبة فقد أبى فى دنيا من الحب والخوف والقلق، ولى عقل وفلب جديدان لم أعهدهما.
    أهٍ من هذا المكان الذى تأتيه كل العيون بعبراتها، وتمشى إليه النفوسُ ثقيلة بأحزانها، وتحضرفيه القلوبُ إلى بعضهاأوبقاياها، فالحب الغائبُ فى جوف الثرى لا يتغير عليه الزمان ولا المكان فى قلب من يحبه، فحين تمتزجُ الروح بالروح تترك فيها من الأشياء التى لا تُمْحى، لأن الروح خالدة لا تُمْحى.
    وبدا لىَّ القبرُ بغير ما كنت أعهده، فكنت أرجوه داعيا الله أن يحنو على أبى ويرفق به ويتسع له، ورأيتُ القبرَ فى داخله يشرحُ ويُفسرُّجلياً كلمة الموت،
    وارتفع صوت القبر مع لسان أبى الساكن بلا حراك فى جوفه، وتداخلت الأصوات فى رأسى وكلاهما يقول:
    أسرعوا واصرفوا الحياة كلها فى الخير والسلام، فإنها لا تكفى، أصلحوا من شأنكم ما فسد، وأسقطوا من أيامكم الشر والضعف،
    أميتوا فى نفوسكم شهواتها وأدرانها ولذاتها، فليس فى الدنيا أعظم موعظة من الموت.
    وحين عدتُ أدراجى متخاذلاً للبيتِ شعرتُ أنه قد تغير وتبدل، فقد طالته هو الآخر أنياب الموت ونهشته، ونشب فيه بأظافره،
    وقد كانت غرفة أبى هى الأخرى ثكلى تنتحب، سلمتُ على أمى نظرتُ إليها،
    مسكينة، و قلتُ لها:
    إنكِ
    بقيةُ موتٍ يحيا.
    .........


    أحمدالحارون
    تلبانة- المنصورة

    [/frame]
    التعديل الأخير تم بواسطة أحمدالحارون; الساعة 23-05-2012, 03:14.
    قد ينعم الله بالبلوى وإنْ عظمت
    ويبتلى الله بعضَ القوم بالنِّــــعمِ
  • أحمدالحارون
    أديب وكاتب
    • 22-09-2009
    • 180

    #2
    كانتْ
    عينه فى فضاءاتِ الغرفة تجوبُ كمن يحاولُ أن يمسكَ بظلٍّ أو يوقفه، ثم نظر إلينا نظرة طويلة لم يستردها إلا مبللة بالدموع،
    بكينا وبكى من حولنا، وصارالبيتُ يعزفُ نشيجاً محزوناً، تتردد فيه العبراتُ، وتستبق الزفراتُ، وحين علتْ الأصواتُ وتداخلتْ،علمت أن روحه ....
    قد ينعم الله بالبلوى وإنْ عظمت
    ويبتلى الله بعضَ القوم بالنِّــــعمِ

    تعليق

    • أحمدالحارون
      أديب وكاتب
      • 22-09-2009
      • 180

      #3
      بين
      يديه جثوتُ، بأهدابِ ثوبه تعلقتُ، وعجزتُ فى حينها أن أملكَ من نحيبى وأنينى ما كنتُ من قبل أملكه، ظللتُ أبكى...
      أنتحبُ حتى جرح الدمعُ المقلَّ، شعرتُ أنى مقبلٌّ على هلاكٍ، حوقلتُ،استرجعتُ، تماسكتُ حتى قُبِرَّ أبى.
      قد ينعم الله بالبلوى وإنْ عظمت
      ويبتلى الله بعضَ القوم بالنِّــــعمِ

      تعليق

      يعمل...
      X