رواية الأربعة الكبار .. أجاثا كريستي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    رواية الأربعة الكبار .. أجاثا كريستي

    الأربعة الكبار


    محاطاً بإطارالباب في غرفة نوم بوارو وقف ضيف غير منتظَر ، مغطى منقمة رأسه إلى أخمص قدميه بالغبار . حدق الرجل بوجه هالنا حلال مضني للحظة ، ثم ترنحو سقط على الأرض .

    من كان هذا الرجل ؟ أكان يعاني من صدمة أم هو الإجهاد فقط ؟ ولكن الأهم من ذلك كله : ماذا كان المقصود بالرقم 4الذي خُربش بخط سيء على امتداد الصفحة مكرَّراً مرات و مرات ؟!

    كثير من الأحداث ينتظر بوارو



    الفصل الأول

    كم أدهشني رؤية أولئك القوم على مقاعدهم الخشبية يعبرون القنال هادئين , فإذا وصلواانتظروا حتى ترسو السفينة ثم قاموا إلى متاعهم يجمعونه دون ضجيج .

    أما أنافلا أبقى هادئا و لو حينا من الوقت , فإذا صعدت لسطح السفينة أراني قد بدأت اقلق واضطرب , و يحل في شعور أن الوقت قصير جدا لا يكفي للراحة و القعود فأنطلق اجمعحقائبي و أحركها من مكان للآخر , و إذا نزلت إلى الصالة لكي آكل طعامي فإنني ازدردهبسرعة و ربكة مخافة أن تصل السفينة فجأة و أنا ما أزال في الأسفل.

    ربما كانهذا مما أورثتنيه الحرب, فقد كنت حين آخذ إجازة قصيرة أجعل اهتمامي أن استأثر نفسيبموقع قريب من المخرج لكيلا اخدر بضع دقائق ثمينة من إجازتي القصيرة ذات الثلاثةالأيام أو الخمسة.

    في صباح ذلك اليوم من تموز كنت اقف جنب الحافة أراقبالمنحدرات الصخرية البيضاء في دوفر و هي تقترب رويدا رويدا . لقد أثارني مشهدالمسافرين يجلسون على مقاعدهم بكل هدوء و لم تتحرك مشاعرهم و لا رفعوا عيونهم ليروامنظر وطنهم الأول , ربما اختلفت حالهم عن حالي قليلا , فأكثرهم بلا شك جاء من اجلقضاء عطلة نهاية الأسبوع في باريس , في حين أقيم أنا بعيدا في مزرعة كبيرة فيالأرجنتين منذ سنة و نصف , حيث حققت نجاحا كبيرا , و استمتعت مع زوجتي بحياة حرةبسيطة في أمريكا الجنوبية .

    و راقبت ذلك الشاطئ المألوف يدنو رويدا رويدابشعور من القلق و الشوق , انه اثار في نفسي ذكريات و ذكريات قد نزلت في فرنسا قبليومين من اجل بعض الاعمال الضرورية , و ها أنا ذا في الطريق إلى لندن , و الواجب أنامكث فيها بضعة اشهر , حيث الوقت يتسع أن ازور أصدقائي الأقدمين لا سيما صاحبيالضئيل الحجم ذا الرأس البيضاوي و العينين الخضراوين : هيركيول بوارو .

    وعزمت أن أفاجئه بزيارتي هذه مفاجأة مقصودة و إن كانت رسالتي الأخيرة التي بعثتهاإليه من الأرجنتين تلمح إلى رحلتي التي اتخذت القرار بشأنها على عجل بعد مواجهتيلبعض المصاعب في العمل.

    .. ترى ماذا يصنع بوارو حين يراني ؟
    أيقنت انهغير بعيد أن يكون في مقر عمله ؛لأن الوقت الذي كانت قضاياه تضطره للسفر من شمالإنكلترا إلى جنوبها قد انقضى , و لم يعد يرضى أن تأكل قضية واحدة كل وقته , فقد ذاعصيته و اشتهر , و استطاع وصول أهداف كثيرة , و حقق كثيرا من طموحه , ثم إن الوقتيهيئه ليصبح ((مستشارا فذا في التحري و التحقيق)) تماما مثل الطبيب المختص الشهيرفي شارع هارلي !

    كان بوارو يسخر دائما من الفكرة الشائعة عن كلب ((الدموم)) الإنساني الذي يتعقب المجرمين و يقف عند كل اثر قدم , و سوف يقول ((لا يا صديقيهيستنغز , ذاك من فعل جيرود و أصحابه , أما أسلوب هيركيول بوارو فهو خاص به : التنظيم و المنهجية و ((الخلايا الرمادية )) إذا جلسنا نحن على مقعدنا نستريحنستطيع أن نرى أمورا غفل عنها آخرون , و نحن لا نقفز إلى النتيجة قفزا كما يصنع ((جاب)) الكفء ))

    كان لدي خوف أن يكون بوارو مسافرا لكني كنت اطرد هذهالوساوس المقلقة , و حين وصلت لندن أودعت متاعي في فندق و انطلقت بالسيارة مسرعاإلى العنوان القديم
    أي ذكريات ممتعة أثارها هذا المكان في نفسي !

    وانتظرت بشيء من القلق كي أزجي التحية لصاحبة البيت الذي كنت اسكنه , ثم انطلقت اصعدالدرج درجتين درجتين , و طرقت باب بوارو إذا بصوته المعهود يهتف:
    ادخل
    ودخلت فإذا بوارو أمامي وجها لوجه , و ما إن رآني حتى سقطت من يده حقيبة سفر وارتطمت بالأرض لشدة المفاجأة , و صاح :
    هيستنغز ! هيستغز!

    اقبل علي وعانقني عناقا حار , و دار كلامنا غير مترابط و لا مقبول : هتاف و أسئلة لاهفة وأجوبة متبورة و كلام عن رحلتي و رسائل , كله اختلط اختلاطا عجيبا! و سألته أخيراحين هدأنا من ثورة الشوق قليلا:
    - أرى أن في غرفتي القديمة شخصا ما , و احب أناقعد معك هنا مرة أخرى .

    تغير وجه بوارو من هول المفاجأة :
    - يا إلهي! أية فرصة سيئة التوقيت هذه .. انظر حولك يا صديقي ..
    لأول مرة لاحظت الأشياءالتي حولي : صندوق ضخم على الطراز القديم ناحية الحائط , و إلى جواره عدة حقائبمصفوفة كل حسب حجمها , و قد أعدت للسفر حتما لا خطأ في ذلك ..
    - هل أنت راحل؟
    - اجل ..
    - أين؟
    - إلى أمر كيا الجنوبية..
    صحت بانفعال :
    - نعمتلك مهزلة مضحكة , أليس كذلك ؟ أني مسافر إلى ((ريو)) في البرازيل , و كنت في كليوم أقول : لن اكتب شيئا في رسائلي حتى تكون مفاجأة لصديقي الطيب هيستنغز حين يراني ..
    - و متى ستذهب
    نظر بوارو إلى ساعته :
    - في غضون ساعة واحدة
    - أتتذكر انك تقول : ((ليس هناك ما يقنعني بإنجاز رحلة بحرية طويلة ))؟
    ارتجفبوارو و قد اغمض عينيه و قال :
    -لا تحدثني في ذلك ,طبيبي يا صديقي , يؤكد لي أنالإنسان لن يموت من رحلة كهذه , أنت تعلم أنني لن ارتحل مرة أخرى أبدا .. و جذبنينحو المقعد و أردف : سوف تعلم كل ما حدث أتدرى من هو أغنى رجل في العالم ؟ روكفلر؟هذا أغنى من روكفلر انه آبي ريلاند ..

    - ملك الصابون الأمريكي؟
    - أجل , لقد اتصلت بي إحدى سكرتيراته و قالت إن عصابة تمهد لعمل احتيال ضخم يرتبط بشركةكبيرة في ريو , و هو يرجوني أن أحقق المسألة في ساحتها فرفضت و قلت : إذا كانتالحقائق بين يدي فسوف اقطع عندئذ برأي خبير مستشار , لكنه رد علي بأنه لا يستطيعتقديم الحقائق , و أن علي أن أسعى بنفسي لكشفها حين اصل عنده, و قد كان هذا يكفي أنيلغي الصفقة من البداية , لان من الوقاحة الصرفة أن يملي على هيركيول بوارو ماينبغي فعله . لكن الأجر الذي عرضه علي كان مذهلا جدا ... لأول مرة اشعر أن الماليغريني !
    -
    لقد كان الأجر ثروة طائلة , و لا تنس أن عندي إغراء آخر غيره أنتيا صديقي قد كنت عجوزا وحيدا في عام و نصف هي غيبتك , ثم أنني تحققت لي شهرة تامة , ففكرت في نفسي : لماذا لا آخذ تلك المكافأة و ابحث عن القرار في مكان ما و عنديصديقي القديم ؟

    تأثرت كثيرا من نظرت بوارو إلي و تابع كلامه :
    - من اجلذلك قبلت , و في ساعة من الزمن يجب أن أغادر المكان لألحق القطار الذي يقلني حيثالسفينة تلك إحدى عجائب الزمن , أليس كذلك؟ لكنني اعترف إليك أنني ربما كنت ترددتلو لم يكن الأجر كبيرا جدا , حيث أنني بدأت أخيرا في إنجاز تحقيقات غاية في الخطر والإثارة .. قل لي : مالذي يقصد عادة بعبارة ((الأربعة الكبار))؟

    - أظن أنهذا المصطلح جاء أصلا في مؤتمر فرساي , ثم نعرف الأربعة الكبار المشهورين في عالمالسينما , و هذا الاصطلاح يقال أيضا في بعض الحفلات و الأعياد

    - حسنا , لقدسمعت هذه العبارة يوما ما لكن تفسيرا مما ذكرت لا ينطبق عليها , يبدو أنها تعنيعصابة دولية من المجرمين أو شيئا يتعلق بهذا الصنف فقط ..

    سألته عندها دونتردد :
    - فقط ؟ ماذا ؟

    - أتخيل أن ذلك الشيء قوي و ضخم , تلك فكرة صغيرةلدي فحسب , هيا .. يجب أن أكمل حزم الأمتعة , فالوقت يقترب

    فقلتأرجوه:
    - لا تذهب ألغ التذكرة و تعال معي على متن سفينتي نفسها التي سأغادرعليها بعد شهرين .

    أشاح بوارو بوجهه عني بعد أن رمقني بنظرة قاسية فيهاتأنيب و قال :
    - كأنك لم تفهمني تماما , لقد قلت كلمة . ألا تدرك هيركيول بوارو؟ لا شيء ينبغي أن يعيقني الآن إلا الموت .

    همست حزينا :
    - و هذا ما لاأتوقعه , و أرجو ألا يختم الأمر بشيء طارئ في اللحظة الأخيرة

    و ما لبثناكلانا بعد برهة صمت قصيرة أن سمعنا صوت حركة مريبة في الغرفة الأخرى , فصحت :
    - ما هذا الصوت؟

    رد بوارو سريعا :
    - يا إلهي كأنك قلت ما تعلم ((شيء طارئفي اللحظة الأخيرة )) : شخص غريب في غرفة نومي

    - كيف دخل إليها ؟ ليس لتلكالغرفة باب إلا الباب الذي يوصل إلى هنا !
    - ما أقوى ذاكرتك يا هيستنغز هيا إلىالاستنباط ..
    - إنه الشباك .. إذن هو لص ؟ لا بد أنه تسلق إليه بصعوبة بالغة , لكن هذا أشبه بالمستحيل

    و اتجهت صوب الباب حذرا أستطلع , غير أن حركة مقبضالباب من الداخل أوقفتني ذهلا ..فتح الباب قليلا قليلا و بان رجل يكاد يملأ المدخلو الوحل يغطي بدنه من رأسه حتى أخمص قدميه . وجهه كان شاحبا و عليه علامات الإرهاقو الإعياء .

    حدق إلينا ثم ترنح و سقط , فهتف بوارو :
    - الليمون بسرعة

    و جلبت كأس الليمون و اجتهد بوارو أن يسكب في فمه شيئا قليلا منه , ثمحملناه إلى الأريكة , و ما لبث أن فتح عينيه بعد دقائق و نظر نظرة ذاهلة لا تبديشيئا , سأله بوارو :
    - ماذا تريد يا سيد؟

    فتح الرجل فمه , ثم نطق بصوتغريب كلمات :
    - السيد هير .. كيول .. بوارو , 14 _ شارع فاراوي ؟ ..
    - نعمنعم , أنا هو ..

    يبدو أن الرجل لم يفهم شيئا , و أعاد عبارته الأولى باللهجةذاتها :
    - السيد هيركيول .. بوارو , 14 _ شارع فاراوي ..

    حاول بوارو أنيختبره بأسئلة مختلفة لكن الرجل لم يكن يجيب عن الأسئلة , و حينا كان يردد كلمتهالسابقة , فأشار بوارو أن يتصل بالهاتف :
    - اطلب الدكتور ريدجوي كي يحضر فورا

    لم تمض بضع دقائق حتى كان الطبيب يدخل مسرعا , فبيته كان في زاويةالشارع:
    - ما هذا كله ؟

    سرد له بوارو موجزا و بدأ الطبيب يفحص زائرناالغريب الذي كان في غيبوبة لا يدرك ما يجري حوله , قال د.ريدجوي حين انتهى:
    - آهحالة تثير التساؤل ..
    همست: حمى دماغية ؟

    صاح الطبيب منكرا :
    حمىدماغية ! لا شيء عندنا اسمه حمى دماغية , ذلك كلام الروائيين فقط لا , إن الرجلأصابته صدمة ما , ثم جاء إلى هنا و قد سيطرت عليه فكرة ملحة ليجد السيد بوارو

    قلت بلهفة :
    - إذن فهو احتباس الصوت بسبب إصابة لحقت الدماغ ؟

    لميثر هذا السؤال الطبيب كما فعل سؤالي الأول , لكنه لم يجب بل دفع للرجل قلما وورقة :
    - دعونا نرى ماذا سيفعل

    لم يفعل شيئا لبضع لحظات , ثم بدأ يكتب فجأة وبصورة محمومة , ثم كف و ترك الورقة و القلم يسقطان من يده فالتقطهما الطبيب و نظرفيها و هز رأسه :
    - لا شيء هنا , رقم ((4)) فقط بصورة غير واضحة , اثنتي عشر مرة , و في كل مرة يكون الرقم أكبر من الآخر , يريد _ على ما يبدو _ أن يكتب 14- شارعفاراوي .. إنها حالة مثيرة للاهتمام

    لكن هل – يا ترى – تسمحان أن يبقى هناإلى ما بعد الظهر؟ أنا مضطر الآن أن أذهب إلى المستشفى , و سوف أعود بعد الظهرلأصنع ما ينبغي بشأنه , هذه قضية تستحق الاهتمام و أود كشف سرها

    و حدثتهبأمر سفر بوارو و رغبتي مرافقته إلى ساوث هامبتون فقال :
    - حسنا دعا الرجل هنا , إنه لن يتسبب بأذى فهو يعاني من إعياء ثقيل , و ربما ينام ثماني ساعات متواصلة ,سأكلم جارتكم الطيبة السيدة فنفيس وأسألها أن تعتني به

    و خرج الدكتورريدجوي مسرعا بخفته المعهودة و أتم بوارو حزم أمتعته و عينه تلحظ الساعة :
    - الوقت يمضي سريعا , تعال إلى هنا يا هيستنغز , لن أدعك تقول بأنني تركتك دون عمل ,إنها مشكلة غريبة حقا .. هذا الرجل الغريب من هو ؟ و من أين جاء ؟ آه ! وددت أن لوأضحى بسنتين من عمري من اجل أن تتأخر السفينة يوما واحدا , إلى الغد بدلا من اليوم , ثمة شيء يثير السؤال و يدعو إلى الاهتمام لكن الوقت ثمين .. الوقت .. ربما تقضيأيام بل اشهر قبل أن يصبح الرجل قادرا على تسمية حاجته
    - سأبذل جهدي يا بواروسوف أكون بديلا كفئا عنك
    - نعـ .. نعم

    دهشت لرده الذي بعث في نفسي شكوكا, أخذت الورقة و قلت مرحا :
    - لو كنت كاتبا لحبكت قصة من هذه الورقة و كلمتكالتي قلتها سابقا و أسميتها ((لغز الأربعة الكبار)) و كنت أضرب على الأرقامالمكتوبة و أنا أتكلم ..

    أصابتني رعشة حين نهض مريضنا فجأة من غيبوبته و جلسو قال بصوت واضح :
    - لي شانغ ين

    في حين أوحى شكله أنه نائم و صحا مننومه فجأة
    نهاني بوارو أن أكلمه , استمر الرجل يتكلم بصوت واضح جمهوري و كأنهيلقي درسا أو يقرأ بيانا مكتوبا

    - لي شانغ ين زعيم العقول الأربعة الكبار , إنه القوة الضابطة و الآمرة , و لذلك فقد سميته رقم ((1))أما رقم ((2)) فذكره باسمهقليل , و لذلك رمزه (($))علامة الدولار , و رمزه أيضا شريطان و نجمه , فيحق لنا أننحدس أنه أمريكي , و هذا يمثل قوة الثروة , ثم يبدو أن رقم ((3)) هو امرأة بلا شك , و هي فرنسية و ربما تكون واحدة من نصف العالم الجديد ,ربما لا أجزم بهذا و رقم ((4)) ...

    بح صوته و تلعثم لسانه و كف عن الحديث فاقترب منه بوارو يحثه علىالكلام :
    - نعم ,رقم ((4)) ..

    كانت عيناه مثبتين على وجه الرجل الذي سادهالرعب و قال الرجل يلهث :
    - المدمر!

    تشنج فزعا و سقط مرة أخرى و غاب عنالوعي , همس بوارو :
    - يا إلهي لقد كنت أذن على صواب , كنت على صواب ...

    حاولت أن أتكلم :
    - تظن ...؟
    - هيا احمله معي إلى السرير , لااملك أن أضيع دقيقة واحدة و إلا فاتني القطار .. آه! ليتني لم اقل كلمتي لكانحينئذ- نقض السفر بضمير مرتاح لكن الوعد حق , هيا يا هستنغز

    أودعنا هذاالزائر الغريب برعاية السيدة بيرسون و انطلقنا مسرعين في السيارة فأدركنا القطار

    و بينما كان القطار يشق طريقه إلى ساوث هامبتون اخذ بوارو ينظر عبر النافذةكأنه في حلم : يصمت حيناو ينطق حينا آخر إلا انه على كل حال لم يسمع كلمة واحدة منحديثي له

    و كان حينا يصحو فجأة فيلقي علي كومة نصائحه و إرشاداته و يرجونيأن أداوم مراسلته و إبراقه دوما

    و قطع القطار مسافة طويلة نحو ساوث هامبتوندون توقف على الطريق , وبعد أن اجتاز مقاطعة ووكنغ حل بيننا صمت طويل حتى توقفالقطار فجأة عند إشارة ضوئية فاهتاج بوارو فجأة وصرخ :
    - يا إلهي !هذا رائع ! قدكنت أبله , الآن فهمت , العناية الإلهية أوقفت القطار بلا شك , اقفز يا هيستنغز قلتلك :اقفز!

    و بسرعة خاطفة فتح باب العربة و قفز من القطار على السكة الأخرى وصرخ بحزم :
    - هات الحقائب و اقفز , هيا بسرعة

    لم املك إلا طاعة بوارودون تفكير , فقفزت ! و ما أن وطئت قدماي الرصيف حتى كان القطار ينطلق كالبرق , وقلت له بنبرة ساخرة :
    - و الآن يا بوارو هلا فهمتني كل هذه الحركات التي لم افهممنها أي شيء ؟
    - يا صديقي قد رأيت الضوء
    فقلت أنا لما يقول منكر :
    - هذاواضح جدا عندي
    - يجب أن يكون واضحا , لكني أخشى أن الأمر ليس تماما كما قلت , على كل حال فلو حملت حقيبتين من هذه أتدبر أنا البقية
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757
  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    #2
    رد: رواية الأربعة الكبار .. أجاثا كريستي

    إلى لقاء مع الفصل الثاني
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

    تعليق

    • محمد سلطان
      أديب وكاتب
      • 18-01-2009
      • 4442

      #3
      رد: رواية الأربعة الكبار .. أجاثا كريستي

      [align=center]
      الفصل الثاني

      مشينا على الأقدام قليلا , ثم ركبنا سيارة الى البيت , لأن المكان الذي توقف القطارعنده لم يكن بعيدا عن موقف السيارات
      و في غضون نصف ساعة كنا في طريق عودتناالسريعة المثيرة المدهشة الى لندن

      تلطف بوارو بي يجتهد أن يخفف من حيرتي , وقال :
      - ألا ترى يا صديقي ؟ لم اكن أري من قبل ما تبين لي , إنها مؤامرة ذكية قدأحكمت خيوطها من اجل دفعي لأخرج من طريقهم!
      - ماذا ؟
      - اجل بخطة ذكية متقنةاختاروا المكان المناسب و الأسلوب بعناية فائقة و فطنة لم تسبق , انهم يخافونني .
      - من هم ؟
      - عصابة الشياطين الأربعة الذين صنعوا اتحادا شريرا يعمل في غفلةمن القانون: رجل من الصين و ثري أمريكي و امرأة فرنسية و رابع معهم .. ادع الله أننصل الى البيت سريعا يا هيستنغز
      - هل تظن ان زائرنا في خطر ؟
      - اني جازمبذلك!

      حيتنا السيدة بيرسون حين وصلنا و هي تنظر إلينا بدهشة و استغرابسألناها عن الضيف دون اكتراث بدهشتها فأجابت بان حاله حسنة و صحته تدعو الىالطمأنينة

      صعدنا الى البيت و علينا بعض علائم الراحة , عبر بوارو الغرفةالأولى متجها الى الأخرى , ثم ناداني بصوت متهدج غريب ينطق بالفزع :
      - هيستنغزانه ميت!

      ركضت إليه و صدري يهتز من هول المفاجأة , الرجل ما زال مستلقيا كماتركناه و كان ميتا منذ بعض الوقت !
      خرجت مسرعا في طلب الطبيب , و كنت اعلم أنالدكتور ريدجوي ليس في عيادته , فدعوت طبيبا غيره قريبا حضر معي في الحال ..

      - انه ميت تماما , هل هو صديق لك ؟
      - .. اجل , لكن ما سبب وفاته؟
      - يصعب تحديده ربما يكون نوبة مرضية , وفيه بعض علائم الاختناق , هل عندكم خط غازممتد الى هنا ؟
      - كلا بل ضوء كهربائي ليس غير
      - و الشباكان مفتوحان تماماأيضا , كأنه مات منذ ساعتين , انتم ستخبرون الشرطة أليس كذلك ؟

      و خرج الطبيبو قام بوارو بالاتصال اللازم , ثم اتصل بصديقنا القديم المفتش جاب و سأله الحضور
      و لم يمض وقت طويل حتى حضرت السيدة بيرسون و عيناها جاحظتان من الدهشة و العجب , قالت :
      - بالباب رجل من المصحة العقلية , هل اجعله يدخل ؟

      أشار لهابالموافقة , و دخل رجل ضخم الجسم في زي خاص , قال بمرح :
      - صباح الخير يا سادة , لقد علمت أن عصفورا من عندي طار عندكم , لقد فر ليلة أمس..

      بوارو : قد كانهنا
      - و هرب مرة أخرى ؟

      كان سؤاله باهتمام ..
      - بل مات

      ظهرتعلائم الطمأنينة على الرجل , و قال بتكلف :
      - هذا خير لنا جميعا ..
      - و هلكان خطيرا ؟
      - إن كنت تقصد انه نزاع للقتل فليس هو كذلك , بل مسالم و هو ذكي جدالكنه مليء بالأسرار , و الظاهر أن الجمعية الصينية السرية هي التي أسكتته !

      شعرت بالرعدة تسري في جسدي ثم قلت :
      - كم مضى عليه و هو على هذهالحال؟
      - قرابة السنتين

      قال بوارو-بهدوء - : ألم يخطر ببال أحد انه ربمايكون عاقلا ؟

      سخر الرجل و قال :
      - لو اكن عاقلا ما كان في ضيافتنا , انهمجميعا يزعمون انهم عقلاء

      ثم دخل الرجل و عرف الجثة و قال :
      - الآن عليأن اذهب لأتخذ الخطوات اللازمة , لن ندع الجثة عندكم طويلا , أرجو أن تساعدواالشرطة في التحقيق , شكرا لك يا سيدي

      و انسل الرجل من عندنا

      وصلجاب بعد بضع دقائق , كان واثقا من نفسه و أنيقا على عادته:
      - أنا مستعد للعمل ياسيد بوارو , كنت أظنك ذاهبا الى الشواطئ المرجانية ..
      - هل تعرف هذا الرجل منقبل ؟

      سادت الدهشة و الحيرة نظرات جاب الفاحصة الى الجثة , ثم قال بنبرةفيها خوف و ارتباك :
      - كأني اعرفه .. دعني أرى .. إن لي ذاكرة اعتز بها .. آه ! انه مايرلنغ! مايرلنغ رجل الاستخبارات السرية , ذهب الى روسيا قبل خمس سنوات وانقطعت أخباره , كنا نظن انه قتل !

      و هم جاب أن يخرج فقال له بوارو :
      - كل شيء يبدو معقولا , لكنه مات ميتة عجبا !

      اخذ الهواء و قد هب عبر النافذةالمفتوحة يداعب الستائر في حين جعل بوارو ينظر الى الجثة بعبوس واضح :
      - هل فتحتالنافذة ؟
      - لا لم افعل لقد كانت مغلقة
      - كانت مغلقة لكنها مفتوحة الآن , مامعنى ذلك ؟
      - شخص ما دخل من النافذة ..
      - هذا جائز لكنه ليس ما يشغل بالي , إنما راع انتباهي أن النافذتين مفتوحتان لا واحدة!

      اندفع نحو الغرفة الأخرىثم صاح كمن وجد شيئا :
      - نافدة غرفة الجلوس مفتوحة أيضا , و قد كنا تركناهاموصدة .. ها ..

      مال فوق الجثة و اخذ يتفحص فم القتيل بدقة ثم قرر واثقا :
      - شيء ما ألقم في فمه ليسكت ثم سم !

      شعرت بالصدمة و أوجست خوفا في جسدي , قلت :
      - بعد التشريح نعرف الحقيقة
      - لن نعرف شيئا , لأنه مات من استنشاقحمض البروسيك الحاد سريع التطاير بعد أن لصق بفمه تماما , ثم هرب القاتل بعد أن فتحالشبابيك كلها . الأطباء سيسجلونها ميتة طبيعية و لن يجدوا أثرا يعرفونه و سوف يسدلالنسيان على رجل الاستخبارات السرية الذي مضت على اختفائه خمس سنين !

      ثماهتز بوارو فجأة و هو ينظر الى ساعة الحائط :
      - توقفت عند الرابعة ! لقد عبث بهاشخص عبثا مقصودا !
      - ترى لماذا فعلوا ذلك ؟ من اجل التضليل ؟
      - لا يا صديقياعمل فكرك , شغل خلايا دماغك الرمادية مايرلنغ كان ينتظر الموت المحتوم , كان فيصدره أشياء خطيرة , لقد استطاع أن يترك علامة واضحة قبل أن يلفظ أنفاسه ..رقم ((4)) ((المدمر)) ..آه لقد جاءتني فكرة ..

      اندفع سريعا نحو الغرفة الأخرى و امسكبالهاتف و طلب هانويل:
      - هنا مستشفى الأمراض العقلية ؟ لقد علمت بهروب مريض منالمستشفى اليوم .. هل سمعت يا هيستنغز ؟ لم يطرأ أي هروب !
      - لكن القيم الذيالتي .. هل تظن ؟..
      - المدمر , انه رقم ((4))

      فقدت قدرتي على التركيز , شعرت أنني لا أستطيع الكلام , حاولت لملمة نظراتي المشدوهة , حاولت النظر في بوارو, و حاولت خرق الصمت الذي سببته لي المفاجآت المذهلة و نطقت :
      - سوف نعرفه إذارأيناه في أي مكان آخر , مازلت اذكر ملامحه جيدا , كان رجلا ذا شخصية حازمة

      سخر بوارو بي :
      - حقا يا عزيزي ؟ بل كان قوي الجسم ذا وجه احمر و شاربغليظ و صوت شخن , في المرة القادمة لن تجد فيه صفة من هذه الصفات , سيغير لون شعره , و يتخذ طقم أسنان صناعيا رائعا , و أذنين عجبا , و نظرات مختلفة .. كشف الهويةليس سهلا يا صاحبي .. في المرة القادمة ..
      - هل تظن أن بعد هذه المرة مرة قادمة؟

      كان وجه بوارو يفيض حزما و جدا و هدوءا ,و كانت ملامحه تنطق بالعزم والإصرار , لكن فيه ذهولا و شرود ,ثم تحدث بنبرة قوية:
      - أنها مبارزة حتى الموتيا صاحبي, نحن في جانب و الأربعة الكبار قبالتنا , لقد ربحوا الجولة الأولى , ربمالكنهم ما استطاعوا أن يبعدوني من طريقهم , عليهم أن يحسبوا لهيركيول بوارو ألف حساب ..

      [/align]
      صفحتي على فيس بوك
      https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

      تعليق

      • ماجى نور الدين
        مستشار أدبي
        • 05-11-2008
        • 6691

        #4
        رد: رواية الأربعة الكبار .. أجاثا كريستي



        الفاضل الأستاذ سلطان ،،،

        جهد كبير في العرض ومجهود مشكور من حضرتك

        وكاتبة قرأ لها الجميع في مراحل متفاوتة

        من العمر ..

        نتابع وشكرا لك ..

        إحترامي








        ماجي

        تعليق

        • رغدان الدوغري
          محظور
          • 08-09-2008
          • 211

          #5
          رد: رواية الأربعة الكبار .. أجاثا كريستي

          الاستاذ محمد ابراهيم سلطان
          تحياتي
          ورحلة الى عالم القصص البوليسيه المثيره
          والالغاز التي تاخذ بالالباب
          نتابعها مع قلم مبدع منذ زمان الطفوله مع اجاثا كريستي مره
          ومع ارثر كونان دويل وشخصية شرلوك هولمز مرة ثانيه
          ومع موريس لبلان وشخصية اللص الظريف ارسين لوبين
          من لم يبدا مع هذه القصص البوليسيه التي تشحذ العقل وتثير الفكر
          كل التقدير لاديب يعشق العبقريه فيقترب منها بكل حروفها

          تعليق

          • د.أسماء هيتو
            عضو الملتقى
            • 08-09-2009
            • 131

            #6
            رد: رواية الأربعة الكبار .. أجاثا كريستي

            قصة رائعة ..
            أظنها تتميز كثيرا عن غيرها من روايات آجاثا كريستي ..
            ففيها الكثير من الأسرار والإيحاءآت ..
            نجد بعضا منها في رواية دان براون ( شيفرة دافنشي ) حين يتحدث عن الأربعة الكبار أيضا ..
            ممتعة ومثيرة ..



            تحياتي

            تعليق

            • محمد سلطان
              أديب وكاتب
              • 18-01-2009
              • 4442

              #7
              رد: رواية الأربعة الكبار .. أجاثا كريستي

              الفصل الثالث

              عجزا حاولت إخراج بوارو عن صمته خلال الأيام القليلة التي أعقبت فعلة القتل القذرةو زيارة قيم المصحة العقلية المشؤومة تلك

              ظل بوارو على مقعده الكبير يفكرتفكيرا شاقا , احبط كل محاولاتي على حمله على الحديث

              كنت - طوال هذه المدة- انتظر رجعة المجرم الشقي , ورفضت أن أغادر البيت و لو للحظة واحدة ظنا مني انه ربمايعود ليأخذ الجثمان لا سيما انه لا يشك بتاتا أننا قد عرفناه , سخر مني بوارو ثانيةو قال :
              -
              فلتنتظر يا صديقي ما شئت حتى تضع الملح على ذيل الطير الصغير , أماأنا فلا أضيع وقتي مثلك

              حاولت أن أجادله :
              -
              حسنا يا بوارو , لماذا غامرإذن فأتى في المرة الأولى دون سبب و لم يكسب منا شيئا ؟ أنا إذن أستطيع أن التمسسببا لزيارته الثانية ربما كي يمحو الدليل ضده

              و سخر مني مرة أخرى بطرقتهالتهكمية و قال :
              -
              أنت لا تنظر بعين رقم ((4)) يا هيستنغز , ليس ثمة دليل ضده , الجثة عندنا و لا دليل أنها قتلت قتلا لان حمض بروسيك حين يستنشق لا يبقى له اثر, ثم هل عندك شاهد على القاتل ؟ بل لن تجد من يشهد انه رأى رجلا دخل البيت في غيابنا

              إن المدمر يتقن حرفته جيدا و بمهارة تامة , نستطيع أن نقول بان زيارته كانتللاستطلاع , يريد أولا أن يتأكد من موت مايرلنغ ثم أن يرى هيركيول بوارو و يخاطبالخصم الذي يجب أن يحسب له – وحده – ألف حساب , أن يخاطبه عيانا , نعم

              قلتفي نفسي : أي غرور قد أصاب بوارو ! و جادلته قائلا :
              -
              و ماذا عن التحقيق ؟ أظنكتستطيع أن توضح الصورة تماما و تخبر الشرطة عن أوصاف رقم ((4)) كاملة , اليس كذلك؟
              -
              لن نحقق فائدة و لن نعرف شيئا و لا يهمني ذكر أوصاف رقم ((4)) , لن تستطيعأن نغير قرار هيئة المحلفين الحكماء الذين سيسجلون بان موته عارض و ربما نفسحلمجرمنا الذكي أن يقول بفخر انه استطاع غلبة بوارو في الجولة الأولى !

              وهكذا كانت تصدق نبوءات بوارو , انه بلا شك ذو بصيرة !
              نحن لم نر قيم الصحةالعقلية مرة أخرى , ولم يحقق التحقيق شيئا و لا أثار اهتمام الناس و إن كنت قدمتإفادتي في القضية , و هكذا ذهبت طي النسيان !

              شعرت بعد نحو أسبوع بالسرورحين تفضل علي بوارو يسألني إن كنت ارغب في مرافقته في زيارة اعتزم القيام بها , وسألته عن مكانها لكنه لم يجبني , هكذا هو بوارو : غامض كتوم لا يبدي سرا حتىالنهاية

              شعرت انه مخطئ إذا سعى إلى الحل وحده من غير معين , جادلته لكن بلافائدة !

              كنا ننتقل من حافلة إلى أخرى تباعا , ثم اقلنا القطار إلى إحدىضواحي لندن الكئيبة , و مازالت الهواجس تنتابني و ذهني يشرد من أمر إلى أمر و منفكرة إلى أختها ! ثم إذا ببوارو ينطق :
              -
              نحن ذاهبان يا هيستنغز لنرى الرجلالوحيد في إنكلترا الذي يعرف كثيرا من دقائق و أسرار الحياة في الصين..
              -
              عجبا! من هو ؟
              -
              رجل لم تسمع به من قبل , هو موظف مدني مسرح , ذو ذكاء حسن , له بيتمليء بالتحف الصينية التي يضجر منها أصدقاؤه و خلانه , لقد أكد لي العارفون أنني لاأجد سواه من اجل ما ابحث عنه, انه السيد جون انغليز ..

              و في بضع لحظات كناعلى عتبة بيت ((الأكاليل)) بيت السيد انغليز , و سالت نفسي عن سر هذه التسميةالمبهمة , لأنني لم أر شجرة إكليل قط !

              كان فتى صيني بوجه ذي ملامح جامدةيقف عند المدخل سمح لنا بالدخول ثم قادنا إلى غرفة المجلس حيث كان سيده ..
              رجلعريض المنكبين , قصير يبدو ماكرا , عيناه غائرتان تشيان بشخصيته


              نهضيرحب بنا و كان يمسك رسالة مفتوحة , قال :
              -
              هلا جلستما ؟ قد اخبرني هاسلي فيرسالته انك تريد معلومات تنفعك في مسألتك
              -
              نعم يا سيدي , جئت التمس بعضالمعلومات عن شخص يدعى لي شانغ ين ..
              -
              كيف سمعت بهذا الرجل؟
              -
              أنت إذن تعرفه؟
              -
              قابلته مرة واحدة , و اعرف عنه القليل , ليس القدر المطلوب .. لكني اشعربالمفاجأة لأن رجلا آخر في إنكلترا قد سمع بشانغ ين , ذلك رجل عظيم من طبقةالماندارين (كبار زعماء الإمبراطورية الصينية الأولى ) أنت تعلم لكن نقطة الحسمليست هذه , عندي سبب مقنع انه الرجل الذي يقف وراء كل ذلك ..
              -
              وراء ماذا ؟
              -
              وراء كل شيء : القلاقل و المصاعب العمالية في أنحاء العالم كلها , و الثورات التيتتأجج هنا و هناك , الذين يعرفون الحقيقة و يستطيعون قولها قلة , يقولون : إن وراءالأحداث قوة خفية تسعى لتحطيم الإنسانية و الحضارة , صدقني إن لينين و ترتسكي فيروسيا ما هما إلا دميتان تتحركان بفعل قوة خفية مسيطرة و دماغ مستتر , ليس عنديبرهان لكنني مقتنع تماما أن هذا الدماغ هو لي شانغ ين !
              -
              آه ما هذا؟هذا خيال ! كيف يستطيع رجل صيني أن يدير الأحداث في روسيا؟

              قلت هذه الكلمة معارضا فنظرإلي بوارو شزر و عبس و زجرني قائلا :
              -
              هذا عندك يا هيستنغز , فذاك مبلغك منالفهم , دع عنك مالا يعنيك , أما أنا فإني على قناعة بما يقول الرجل , اكمل يا سيديأرجوك
              -
              لا أستطيع أن اجزم بحقيقة ما يسعى إليه هذا الرجل بدقة , لعله مرضالعقول العظيمة الذي يصيب العظماء منذ عصر الاسكندر الأكبر حتى عصر نابليون بونارتو العصر الحديث , التوق الشديد إلى السلطة و الرغبة في التفوق و العلو بقوة , أمافي هذا القرن , قرن الثورات و القلقلة فان رجلا مثل لي شانغ ين يستطيع وسائل أخرى , عندي الدليل أن لديه أموالا طائلة يشتري بها الضمائر و يرشوها ,و دلائل أخرى تشيرأن عنده قوة علمية مذهلة لا تتهيأ لبعض الدول في هذا العالم !

              سأل بواروالذي كان يصغي بانتباه شديد و يقظة تامة :
              -
              و في الصين هل يملك الحركة و الأثرأيضا ؟

              هز انغليز رأسه :
              -
              اجل ربما لا أستطيع تقديم دليلا تعتد بهالمحكمة لكن لدي علما يقينا أن كل أولئك الرجال الكبار الذين يعظمهم الناس هم – فيالحقيقة – دمى ترقص إذا سحبت خيوطها يد خفية تحركها إنها يد لي شانغ ين : الدماغالمهيمن على الشرق كله ! نحن لا نفهم الشرق و لن نفهمه , لكنني افهم لي شانغ ين وروحه المحركة , لا يظهر للناس و لا يستطيعون رؤيته , انه لا يخرج من قصره في بكين , و خيوطه ممتدة في كل مكان , هذا هو جوهر المسألة ثم تجري الأحداث بعيدا جدا !

              بوارو :أليس في هذا العالم من يعارضه ؟

              اعتدل انغليز في جلسته ثممال إلى بوارو و دنا منه و تكلم بصوت خافت كأنه يفشي سرا :
              -
              أربعة رجال حاولوامعارضته في الأربع السنين الأخيرة , رجال أذكياء مفكرون و على خلق متين و أمانة ومسؤولية , لكنهم كلما عارضه واحد منهم سكت إلى الأبد !

              سألته : ثم ماذا يكون؟
              -
              لا ترى منهم أحدا ! أنت لا تعي كتب أحدهم مقالا يذكر فيه اسم شانغ ين مقرونابحوادث الشغب في بكين فوجد بعد يومين مطعونا في الشارع و لم يقبض على قاتله ! جريمةالثلاثة الآخرين كانت هي نفسها : مقالة أو خطبة أو حديث , و في غضون أسبوع ترىأحدهم فارق الحياة , أحدهم مات مسموما , و الثاني مات بوباء ما , و الثالث وجدمقتولا في سريره دون أي اثر لمقتله , لكن الطبيب الذي فحص الجثة حدثني انه رأىالجثة و قد احترقت بصورة عجيبة من الكهرباء سرت فيها !

              بوارو : ربما ترىعلامة على العلاقة بين مصرعه و لي شانغ ين لكن لا بد من إشارات ...

              -
              ها , علامة! نعم , نعم بالتأكيد , لقد جاءني مرة شاب صيني مختص بالكيمياء متوقد الذكاء , كان يعمل لحساب شانغ ين , أراد أن يحدثني بالتلميح عن تجاربه التي كان يجربها فيالقصر على الحمالين , و قال و هو على حافة الانهيار العصبي بأنه عمل مقرف يزدريالحياة الإنسانية ! ثم أصابه رعب كاد يقتله , كانت حاله تثير الشفقة في الأكبادالتي لا تعرف الرحمة .. حملته إلى السرير في الغرفة العلوية ليحدثني في الليليةالتالية لكن فعلتي هذه كانت عملا أحمق غبيا !

              بوارو : كيف وصلوا إليه؟

              -
              هذا ما لم اعرفه .. صحوت تلك الليلة و النار تأكل منزلي و كنت محظوظابالفرار أنا و زوجتي , ثم تبين من التحقيق أن نارا عظيمة اندلعت في الطابق الأعلىجعلت عظام صديقي الشاب رمادا !

              تخيلت انغليز و هو يتكلم بجد و حماس كأنهحصان من حجر و بيده سيف من خشب و قد غرق في لجة العاطفة , لكنه حين نظر إلى أدركانه مجروف بحماسته , ضحك يعتذر :
              -
              أجل ليس عندي دليل واحد , و احسب انك مثلغيرك تقول بان كلامي أوهام مجردة و أحلام
              -
              كلا , بل إني أصدقك يا سيدي ؛ لأن ليشانغ رجل في غاية الأهمية في نظري
              -
              ما كنت أتوقع أن أجد أحدا بين الأحياء فيإنكلترا قد سمع به أبدا , واجد نفسي مدفوعا لأسألك:كيف عرفت عنه لو سمحت ؟
              -
              لقدلجأ إلى منزلي رجل مصاب بصدمة عصبية حادة , وكانت حاله النفسية و البدنية سيئة , لكنه استطاع أن يخبرنا شيئا مثيرا حول منظمة غريبة تدعى ((الأربعة الكبار))يرأسهملي شانغ ين و هو عقلها المدبر و الثاني رجل أمريكي و الثالث امرأة فرنسية , والرابع لقبه ((المدمر)) , لكن من أعلمنا بهم قد مات , فهلا أخبرتني يا سيدي عنمنظمة الأربعة الكبار ؟ هل سمعت بهذا الاسم من قبل ؟
              -
              قد سمعت بها أخيرا , لكنليس بصفة ارتباطها بلي شانغ ين , أكاد لا اعرفهم .. ها , تذكرت ...

              نهضقائما و اتجه سريعا إلى خزانة عتيقة في زاوية الغرفة , و رجع و هو يحمل رسالةمفتوحة ..

              -
              رسالة من ملاح عجوز قابلته مرة في شنغهاي , رجل قد اشتعل رأسهشيبا , يمضي معظم وقته ثملا , فحملت الرسالة على انه هذيان رجل سكران ليس غير !

              قرأها بصوت عالي ..
              ((
              سيدي ,

              ربما لا تذكرني لكنك أسديت لي فيشنغجهاي معروفا آخر , إنني في أشد الحاجة إلى قدر من المال حتى أستطيع الخروج منهنا , أنا مختبئ تماما لكنهم قد يصلون إلي في أي يوم , أقصد الأربعةالكبار

              إنها مسألة هامة خطيرة , حياة أم ممات , عندي مال كثير لكن يصعب عليالسعي إليه مخافة أن يعرفوا مخبئي !

              أرسل لي ورقتين من فئة المائة جنيه وسوف أردها لك , أقسم يا سيدي!

              جوناثان والي ))
              -
              صادرة عن :غرانيتبنغالو , هوباتون , دارتمور . لقد خشيت أنها حيلة سخيفة لسلب مائتي جنيه مني صعبعلي جمعها , فإذا كانت هذه الرسالة تنفعك شيئا فلترسل له مائتي جنيه .
              -
              شكرا لكيا سيدي , سوف انطلق الآن إلى هوباتون !
              -
              و هل تمنعني أن أرافقك ؟
              -
              سأكونمسرورا بصحبتك , هيا , يجب أن نذهب من فورنا , لن نصل إلى دارتمور قبل ظلمة الليل

              و في غضون دقيقتين كان جون انغليز مستعدا , و في الحال كنا في القطار الذيينطلق من حدود بادنغتون نحو الريف الغربي

              هوباتون قرية صغيرة تقع على ارضسبخة في غور منخفض, تبعد تسعة أميال عن موتورن هاستيد ركوبا في السيارة
              كانتالساعة حين وصلنا الثامنة , لكن ضوء النهار ما زال مشهودا فوق المكان

              اتجهتالسيارة عبر الشارع الضيق في القرية , ثم توقفنا عند عجوز ينتظر في قارعة الطريق , سألناه عن القرية فقال الرجل العجوز متأملا :
              -
              غرانيت بنغالو .. هل تريدونغرانيت بنغالو ؟

              ثم هز رأسه كأنما ذكر شيئا , ثم أشار نحو كوخ رمادي ناء فيآخر الطريق :
              -
              هناك البنغالو , هل تريدون رؤية المفتش ؟


              بوارو بدهشة : أي مفتش ؟ ماذا حدث؟
              -
              إذن فلم تسمعوا بالجريمة ؟ لقد كانت مروعة ! حماما منالدم كما يقولون !

              بوارو هامسا : يجب أن أقابل هذا المفتش

              مضت خمسدقائق قبل أن نجد المفتش الذي لم يكن يرغب الحديث معنا و بدا مترددا و كتوما , حتىذكرنا له اسم ((جاب)) مفتش سكوتلانديارد المشهور تغير أسلوبه و صار حسنا :
              -
              نعميا سيدي , لقد قتل الرجل صباح اليوم .. جريمة في منتهى البشاعة ,و الحادث غامض منأوله , فعندما قدمت إلى مكان الحادث اثر مكالمة تليفونية و أنا في موتورن إذا برجلعجوز في السبعين من عمره مولع بكأسه كما قالوا ممدودا على الأرض في غرفة المعيشة وفي أعلى رأسه اثر كدمة عنيفة و قد ذبح من الأذن إلى الأذن , الدم ملأ المكان وتماثيل صينية اختفت من البيت , ربما في ذلك إشارة إلى سطو لكن يخرق هذا الظن الأمور , فالبيت فيه خادمان : بتسي آندروز , امرأة من هوباتون , و رجل فظ يدعى روبرت غرانت

              آندروز خرجت لتثرثر مع جارتها في حين ذهب غرانت كعادته في كل صباح إلىالمزرعة كي يجلب الحليب , و عندما رجع دخل من باب البيت الخلفي فرأى الأبواب مفتوحة , ثم وضع الحليب و مضى يقرأ الصحيفة في غرفته و يدخن , ولم يكن يعلم شيئايزعمه

              أما بتسي فدخلت غرفة المعيشة فصرخت صرخة مريعة توقظ الأموات , هكذاقال غرانت

              شخص ما دخل البيت و هما خارجه و قتل العجوز المسكين !

              لابد أن يكون لصا وقحا قدم من القرية ثم زحف في إحدى الساحات , هذا ظني لكن البيوتكما ترى – محيطة بكل أنحاء غرانيت بنغالو , و كل من عبرها يرى , و لاسيماالغريب

              ثم سكت المفتش بحركة درامية و قال بوارو :
              -
              ها لقد فهمت ,اكمل ..
              -
              حسنا يا سيدي , هذه مسألة تثير الشك , لقد شد انتباهي اختفاء التماثيلالثمينة , إذ لا يدرك قيمتها متسكع دوار , و في كل الأحوال فارتكاب الجريمة في وضحالنهار مغامرة مجنونة , ألم يخش المجرم أن يستغيث العجوز بالصراخ ؟

              إنغليز : أظن آيها المفتش أن الكدمة التي ظهرت في رأسه كانت قبل الوفاة ؟

              -
              هذا صحيحتماما يا سيدي , ضربة شرسة على الرأس ثم أتى على حنجرته فقطعها من الوريد إلىالوريد , لكن عجبا كيف جاء ؟و كيف ذهب ؟ إني أظن أن أحدا لم يأت من الخارج , نظرتفي المكان نظرة فاحص , كانت ليلة أمس ليلة ماطرة , رأيت أثر أقدام راحت و جاءت منالمطبخ , نظرت في الأثر في غرفة المعيشة : اثر قدم بتسي و قدم والي في حذاء منالقماش و قدم رجل آخر !

              لقد مشى ذاك الرجل فوق بقع الدم , فتعقبت هذه الآثارالدموية فرأيت واحدة على عتبة باب روبرت غرانت , و رأيت لطخة من الدم باهتة فيالغرفة
              أما الشيء الآخر فإنني أمسكت حذاء غرانت و طابقته مع الأثر فرأيتهمنطبقا فعرفت أن القاتل كان فعلا من الداخل , لقد اعتقل غرانت من اجل التحقيق و كانيتجهز للسفر , هل تدري ماذا وجدت في حقيبته المخرومة ؟ لقد وجدت فيها التماثيلالثمينة و تذكرة , كان روبرت غرانت هر أبراهام بيغز الذي أدين بجريمة سابقة واقتحام منزل قبل خمس سنين ..

              و نظر المفتش إلينا نظرة زهو و فخر و قال :
              -
              فماذا ترون آيها السادة ؟

              بوارو : جلاء القضية هكذا يثير الدهشة ! إنبيغز أو غرانت هذا أحمق , و يبدو انه غير متعلم , أليس كذلك ؟

              -
              ها , انهكذلك : فظ غليظ القلب , أمي لا يعرف ما معنى اثر القدم؟
              -
              من الواضح انه لا يدركخيال رجل التحري ! حسنا , أهنئك أيها المفتش, لكننا نود لو نرى مسرح الجريمة
              -
              سوف نذهب معا و أريدكم أن تطلعوا على آثار الأقدام
              -
              هذا ما أريد أن أراه بعيني

              و انطلقنا خلف المفتش الذي كان يعدو أمامنا بخفة و نشاط , ثم جذبت بواروإلي قليلا لأهمس في أذنه و لا يسمعني المفتش :
              -
              ماذا تتوقع يا بوارو ؟ هل فيالأمر شيء آخر ؟
              -
              أجل يا صديقي , لقد اخبرنا السيد والي صراحة أن الأربعةالكبار يتعقبونه , إن كان غرانت قد فعلها فلماذا ؟ من اجل تمثال صغير ؟ أم هو جنديللأربعة الكبار ؟ و هذا ما أراه أنا ..

              هل كان غرانت يفهم قيمة هذه التماثيل؟ ألم يكن يستطيع أن يسرقها و يهرب و لا يقدم على فعله المروع هذا ؟ إنني أخشى أنصاحبنا المفتش لم يشغل خلاياه الرمادية , بل قاس آثار الأقدام و غفل عن التفكيرالعميق و نسق أفكاره بأسلوب محكم رصين
              صفحتي على فيس بوك
              https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

              تعليق

              • يسري راغب
                أديب وكاتب
                • 22-07-2008
                • 6247

                #8
                ايها الرائع
                تتنقل كالفراش بخفه واقتدار تعطي دلالات وتنطلق الى السماء
                عزيزي الغالي
                محمد ابراهيم
                دينامو المسابقات ومبدع القصص المستفزه المدهشه هنا معك والالغاز حين يكتبها اديب قدير تكون ابداعا في الروايه البوليسيه وليس جريمه عاديه
                دمت متالقا

                تعليق

                يعمل...
                X