عرس بنت الجنرال
عبد الرشيد حاجب.
اصطف الضيوف على الجانبين ينظرون بإعجاب للعروسين . طلب أحد الجنرالات أن تُعزف موسيقى عسكرية خفيفة تصاحبهما حتى غرفتهما . قالت امرأة لابنتها بجانبها : " يا له من عريس وسيم ! ". احمرت وجنتا الفتاة وأخفت ارتباكها في تصفيق حار مع المصفقين . استمر العريس يسير مستقيم القامة تتأبط ذراعه العروس ، وهو يوزع الابتسامات يمينا وشمالا . فجأة ، وهما عند عتبة باب الغرفة ، انطلق سيل من الرصاص خارج الفيلا الفخمة في هذا الحي العسكري الراقي . كان التعبير عن الفرحة بإطلاق الرصاص قد أصبح عادة عند العسكريين ورجال الشرطة ، وكأنهم بذلك يرسلون رسائل مشفرة للجماعات الإرهابية . أو ربما يخفون قلقا ما ينتابهم خلال احتفالاتهم ، وكأنهم يتوقعون هجوما في أية لحظة !
جلست العروس على طرف السرير الفخم الذي أصر العريس أن يحضره من إيطاليا لبيت صهره . بل إن الغرفة كلها كانت مؤثثة بأثاث إيطالي فخم أشرف هو بنفسه على تنسيقه وتركيبه قطعة قطعة وبحرص شديد. حتى اللوحة فوق السرير تبدو فيها الآية القرآنية ناطقة . جلس بجانبها وأمسك يدها البضة وقال في صوت رقيق عطوف :" هل أنت سعيدة الآن حبيبتي ؟ أنظري ، ها هو حلمنا يتحقق كما وعدتك تماما ! " ضغطت على يده بقوة وهي تتأمل وجهه الهادئ الوسيم ، وهمست : " نعم حبيبي لقد رفعت رأسي عاليا أمام الجميع . الكل منبهرون بك وكأنك أتيت من كوكب آخر . شكرا لك ." ومدت عنقها تحاول تقبيله لكنه وضع إصبعه على شفتيها وقال بلطف :" علي أن أتوضأ وأصلي أولا ..أما أنت ، فانزعي عنك هذه الثياب واغسلي هذه الزينة ".
حين خرج من الحمام الملحق بالغرفة ، واستقبل القبلة يصلي في خشوع ، كانت هي مندسة تحت الأغطية الحريرية تتأمل ظهره وتحمد الله على هذا الملاك الطاهر الذي وهبها إياه ، وهي في شك من نفسها إن كانت تستحقه فعلا. لم تر حولها وفي حياتها قط شابا بمثل هذه الرقة وهذا الإيمان وهو الذي جلب معه من أوروبا حيث يقيم ثلاث سيارات فاخرة هدايا لأفراد أسرتها . تأملته رافعا يديه بالدعاء وتساءلت : " ترى ماذا عساه يطلب الآن من الله ؟ " شعرت برغبة ملحة في سؤاله وكأنها تريد أن تتوحد معه في أعماقه . حين رأته يقوم ويتوجه للخزانة الضخمة ويخرج حاسوبه المحمول ، تشجعت وسألته . التفت إليها نصف التفاتة وقال وهو لا يزال ينقر على لوحة المفاتيح : " دعوته أن يرحمنا !".
وضع الحاسوب جانبا فوق إحدى الطاولات بعناية واندس إلى جانبها ...
في الوقت الذي صرخت .. كان هو يضغط بكل قوته على مكان جنب السرير صارخا : فض البكارة صعب !
...
سكان العاصمة حسبوه ليلتها زلزالا ضرب مدينتهم ..أو بركانا تفجر فجأة يقذف الحمم !
الصحافة رغم حصولها على بعض الشهادات الحية لم تستطع نشر شيء..لقد أعلنت حالة الطوارئ القصوى في جميع أركان البلاد ..وظل السؤال يحير الجميع : ما الذي جرى ؟ أهي تصفية حسابات على أعلى المستويات ؟ هل من المعقول أن يصدق الناس أن أخطر جنرالات البلاد كانوا يسكنون في حي على فوهة بركان ؟ الكثيرون في كثير من مساجد البلاد صلوا ذلك الفجر في صمت وخشوع و أطالوا السجود والركوع..بل حتى في الحانات خفت الضوضاء ، وانتشر الهمس الحائر . ثم اندلعت حرب الإشاعات فانساقت القطعان البشرية تلوك وتجتر يدغدغها في الأعماق فرح خفي لا تعرف مصدره .
...
في إحدى الفيلات بضواحي روما ، كان ثلاثة أشخاص يقرعون كؤوس النصر: كأسي شمبانيا وكأس عصير في يد شاب ذي ملامح عربية . بينما كانت الريح تعبث بجريدة فوق الطاولة تحمل صورة شاب وشابة يحتفلان بعرسهما .
...
في باريس كان جراح التجميل الشهير يتناول فطوره ويحدق في الصورة بذهول . وضع الجريدة وحدق في لوحة لبيكاسو أمامه على الجدار وتنهد :" مسكين هذا الشاب العاشق !عشر عمليات ليحظى بمحبوبته ، فيتحول كل شيء إلى رماد ! "
لكن سؤالا ظل يؤرقه : " لماذا أصر الشاب أن لا يلمسوا أنفه ؟ "
...
فوق مكتب رئيس المخابرات ، كانت تتكدس ملفات حول حاويات الجنرالات التي تعبر الحدود يوميا دون أن يمسها أحد . لكن الرئيس لم يكن موجودا . كان يبكي ابنته وزوجته اللتين كانتا في الحفل ! يتذكر جيدا صوت زوجته على الهاتف ليلتها: " أتمنى لابنتنا عريسا في مثل غناه ووسامته ". يتذكر ويلعن ويبكي مثل جندي رأى رفاقه يذبحون أمامه من الوريد إلى الوريد.
ورغم أن جميع الحدود جوا وبحرا وبرا كانت مغلقة ، إلا أن كثيرا من ( الكبار ) كانوا يتسللون في جنح الظلمة لبلدان مجاورة. كانوا يعلمون أنهم سيكونون قربانا على مذبح هيبة الدولة.
...
في أحد منتديات الانترنت ، نشر أحدهم رسالة قال إنه تلقاها في نفس الليلة قبل الانفجار بلحظات :
( أنت تعرفني وأنا أعرفك .. وبيننا ما كان بيننا من أحلام ورؤى .. أرجو أن تكون الشعلة في أعالي العاصمة قد أنارت لك ولهم بعض الطريق ).
وعلق آخر أنه تلقى نفس الرسالة .. وثالث ورابع وخامس . .وتبخر المنتدى من الشبكة فجأة !!
...
لكن العناوين ظلت تظهر هنا وهناك صاخبة في المنتديات : بركان في أعالي العاصمة ..9/11 في العاصمة .. لهيب العاصمة .. حرب الجنرالات ...
...
في أحد المنتجعات السويسرية الفاخرة سألت الزوجة الشابة الجنرال المتقاعد وهو جالس ينظر في ملف ويداعب سيجاره الكوبي الضخم بين أصابعه السمينة :
- هل أصدق أن سفرنا ليلة واحدة قبل العرس كان صدفة مرة أخرى ؟!
ابتسم الجنرال من تحت شاربه الضخم ونظر إليها من فوق إطار نظارته الذهبية وهمس :
- تعالي يا قطتي الصغيرة ا ..اجلسي هنا
وأشار إلى حجره ثم أعاد الملف للصفحة الأولى وقال لها وهو يتشمم شعرها الليلي الطويل :
- اقرأي
...
في مكان آخر .. داخل الوطن هذه المرة .. في عمق أحد الأحياء الشعبية .. كان نفس الملف مطروحا على طاولة ..و كانت جماعة من الشباب تقيم جنازة صامتة .. بعد ورقة تأبينية حزينة قدمها أحدهم .. بدأها منذ التحق الشاب بالجماعة .. ثم التحاقه بالجبل .. ثم فراره عبر البحر في زورق .. وأنهاها بقوله :
- رحمه الله شهيدنا وتغمد روحه الطاهرة وأدخله فسيح جناته .
ثم التفت لأحدهم وقال :
- أظن أن مهمتك ستكون أصعب يا أخي .
الجزائر صيف 2009
تعليق