صحراء التتار – رواية عالمية بقلم دينو بوتزاني قراءة جمال الغيطاني

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • وليد زين العابدين
    أديب وكاتب
    • 12-05-2009
    • 313

    صحراء التتار – رواية عالمية بقلم دينو بوتزاني قراءة جمال الغيطاني

    صحراء التتار – دينو بوتزاني
    جمال الغيطاني


    اكتشفت هذه الرواية في الستينيات من القرن الماضي، صدرت في سلسلة شعبية عن مؤسسة الاهرام. من حيث الشكل تشبه كتاب الجيب الشعبي في اوروبا، ومن حيث المضمون تقدم الروايات البوليسية، والخيال العلمي، مثل هذه السلاسل لم تكن تستوقفني، بعد أن تجاوزت الصبا، ذلك العمر الأول الذي قرأت فيه كتبا عديدة عن المغامرات البوليسية والفروسية، لا أدري الآن ولا أتذكر كيف اكتشفت تلك الرواية، ما أثق منه انني عرفتها بنفسي، لم يخبرني بها أحد، اذن ربما كانت الصدفة والبحث الذي كان دأبي في تلك المرحلة، أما المترجم فمازلت أذكر اسمه موسي بدوي، والغريب أنني لم أقابل اسمه مرة أخري وأظنه كان يعمل بمؤسسة الاهرام. بعد أكثر من نصف قرن طالعت خلاله عددا كبيرا من الروايات انتهيت إلي ما يمكن أن اسميه الخلاصة، خصصت قسما في مكتبتي أحتفظ فيه بتلك الروايات التي أصبحت جزءا من تكويني الروحي، أستعيد شخصياتها وكأنني عرفتهم شخصيا، وعايشتهم، بل ان الاماكن التي تحركوا فيها كأنها تخصني رغم أنني لم أعرفها ولم أطأها. من أهم تلك الروايات 'صحراء التتار' للايطالي دينو بوتزاتي، بعد قراءتي لها أصبحت من أقرب الاعمال الادبية إلي قلبي، لم أتوقف عن التعريف بها، واعارتها إلي من أحب، وتتبع الاعمال الأخري المترجمة للمؤلف، قرأت له في الستينيات أيضا قصة قصيرة في مجلة الآداب بعنوان 'سبعة طوابق' يكاد مضمونها يتطابق مع الرواية، ثم قرأت له مجموعة قصصية ترجمها حسن فرغل غير أنها صودرت بسبب عنوانها ألا انني تمكنت من الحصول علي نسخة، وقرأت مجموعة قصصية له مخصصة للأطفال، أخيرا اثناء زيارتي إلي حلب عثرت علي ترجمة جديدة عن اللغة الايطالية انجزها الاديب السوري معن مصطفي حسون المقيم في بلدة الرقة، صدرت الترجمة بدعم من وزارة الثقافة السورية، ان صدور ترجمة جديدة أو طبعة جديدة لكتاب نحبه، فرصة لكي نستعيده مرة أخري، يخالجني شعور كأنني اقرأه لاول مرة مادام الورق مختلفا والغلاف، هكذا أقبلت علي قراءة الترجمة الجديدة.
    بطل الرواية 'جيوفاني دروجو' من الشخصيات الروائية التي تعيش معي، أفكر فيه دائما، استعيد تفاصيل واحداث حياته التي عرفتها من خلال الرواية، ورغم ايماني بأنه من الصعب تلخيص عمل أدبي، فإنني في نفس الوقت أحب حكي ما أحببته من نصوص لكتاب آخرين، وكأن قصي لها يعوضني عن عدم كتابتها.
    تبدأ الرواية بتخرج جيوفاني دروجو من الكلية الحربية، يغادر المدينة صباح أحد الأيام للالتحاق بحصن باستياني الذي يقع علي الحدود، لقد انتظر هذا اليوم طويلا الذي يبدأ فيه حياته العملية بعد سنوات الاكاديمية الجافة، الصعبة، يطول به الطريق المؤدي إلي الحصن، يلتقي برجل في الوادي، يسأله عن الحصن، فيجيب الفلاح انه لايوجد أي حصن، يستمر جيوفاني في التقدم ممتطيا صهوة جواده إلي ان يلتقي بالكابتن أوريتز الذي يصحبه إلي الحصن، المكان علي الحدود، وسط الجبال، موحش جدا، يبدأ في تعليل النفس بأنه لن يمضي وقتا طويلا هنا، ويخبره الكابتن انه ممكن بعد أربعة شهور بدء سعي للنقل من الحصن.
    بعد عامين من بقائه في الحصن. في إحدي الليالي التي يتولي فيها قيادة الحراسة بالموقع الامامي يلمح شيئا يتحرك في الظلام، تسوده حالة من الانفعال، لقد بدأت نذر ظهور التتار أخيرا، لم يكن الحصان بمفرده يعني شيئا كبيرا، إنما الأشياء التي تكمن خلف ظهوره بدت كتمهيد لاشياء أخري. يتبع ظهور الحصان اضواء في عمق الصحراء يتضح فيما بعد انها مقدمة جيوش التتار. كانوا يرصفون طريقا في قلب الصحراء، تسري حالة من الانفعال بين الرجال في الحصن، هل سيؤدي الحصن دوره أخيرا. يستمر رصد الاضواء الخافتة التي تبدو من بعيد، يصبح هذا الرصد جزءا من عمل الجنود والضباط، يمضي الزمن، وذات يوم بعد مضي عدة سنوات يتأهب جيوفاني للذهاب إلي المدينة في اجازة. عندما يصل إلي البيت يجد المدخل مفتوحا، يشم الروائح القديمة المألوفة بالنسبة له، وكما كان يحدث في صغره، يشعر بالراحة في البيت لكنه يتذكر روائح قديمة، نوافذ مغلقة، واجبات، تصيح امه عندما تراه 'شكرا لله.. لم تتغير بعد' بعد وقت قصير من مكثه في البيت يشعر ان السعادة تولي، تتحول إلي خوف فاتر، لقد بدا له أن المنزل خاو قياسا إلي زمن ما، كان أحد اخوته قد سافر إلي الخارج، وآخر كان في رحلة من يدري إلي أين؟ الثالث في الريف لم يجد في البيت سوي الأم، حتي هي كان يجب عليها الخروج بعد برهة لقضاء واجبات في الكنيسة. غرفته كما هي، لم يتم تحريك أي كتاب من موضعه، لكنه شعر بأنها تخص شخصا آخر، جلس علي الأريكة، آصغي إلي صخب السيارات، كان وحيدا في غرفته، اخوته في أماكن بعيدة، امه في الكنيسة. اذن.. العالم كله يعيش دون حاجة إلي جيوفاني دروجو. تلح أمه في ضرورة مقابلة الجنرال لكي يتم نقله إلي مكان آخر حتي لاينسي، يفاجأ بأخبار لم يعرفها من الجنرال، لقد تقرر تخفيض القوة في الحصن، وبالتالي تم بالفعل نقل عدد من زملائه، لكن الشرط ان يكون كل منهم قد قدم طلبا للنقل، يقول جيوفاني انه كان يظن ان قضاء أربع سنوات كاف للنقل، يقول الجنرال بضجر ان هذا صحيح في الأوقات العادية، لكن مع تخفيض القوة في الحصن لابد من وجود طلب مكتوب.
    اذن.. تفلت الفرصة، يعود إلي الحصن، يجد زملاءه الذين صدرت الاوامر بنقلهم يستعدون للمغادرة، أما هو فيبقي، العمر الاول بالنسبة اليه بعيدا جدا، يعود إلي الاندماج في حياة الحصن، الوقت يمضي، دقاته الصامتة تطغي بشكل سريع علي الحياة، لم يكن ممكنا التوقف ولو لبرهة، ولا لمجرد القاء نظرة إلي الوراء، في نفس الوقت كان التتار يزدادون اقترابا، أصبح ممكنا رؤية معداتهم وخيولهم، بل وأفرادهم، كما يستغرق وصولهم إلي النقطة التي يبدأون عندها التأهب للهجوم؟،استغرق ذلك ثلاثين سنة كاملة، وعندما حانت تلك اللحظة التي ظل جيوفاني دروجو ينتظرها لثلاثة عقود، سقط في المرض، ورغما عنه حملوه من غرفته إلي مكان قصي في الحصن، يجلس اخيرا فوق اريكة كبيرة، يحدق إلي الليل، يفكر في المدينة عند الغسق، القلق الحلو للفصل الجديد، زرافات من الشبان والصبايا وهم يسيرون علي طول النهر، من النوافذ يتصاعد عزف علي بيانو، صفير قطار بعيد. يتخيل نيران معسكرات الأعداء في سهول الشمال. مع اقتراب التتار من الحصن، يقترب الموت من جيوفاني دروجو، يبدو له ان مرور الزمن قد توقف وكأنه طلسم محطم، كانت الدوامة قد غدت في الفترة الاخيرة اكثر شدة ثم فجأة تحولت إلي لاشيء. يلقي من خلال النافذة نظرة، نظرة مقتضبة جدا نحو نجمته الأخيرة، ثم يغوص في قلب العتمة وعلي ملامحه ابتسامة.
    لا أدري كم مرة قرأت صحراء التتار قبل ان اقرأ هذه الترجمة الجديدة الجميلة، لكن ما ان فرغت حتي انتابني انفعال يشبه ذلك الذي عرفته لأول مرة عندما طالعتها في الستينيات، انه ذلك الاحساس المرهف الأسيان الذي يثيره في أعماقنا الفن الجميل، الذي ينفذ إلي جوهر الوجود، لذلك يجد كل منا نفسه في جيوفاني دروجو.

    أرجو أن يكون الكاتب جمال الغيطاني قد شدكم لهذه الرواية كما شدني ...... وأرجو أن تتاح لكم الفرصة لقراءتها .

    وشكراً لكم
  • روان محمد يوسف
    عضو الملتقى
    • 10-06-2009
    • 427

    #2
    رد: صحراء التتار – رواية عالمية بقلم دينو بوتزاني قراءة جمال الغيطاني

    [align=center]



    الأستاذ الكريم


    وليد زين العابدين

    شكرا لك على هذه اللمحة الجميلة
    عن رواية صحراء التتار
    ولتسمح لي بإضافة هذا الرابط
    لمن رغب في قراءتها على الشبكة
    هنـــا

    ولك خالص الاحترام والتقدير



    [/align]
    [CENTER][FONT=Traditional Arabic][COLOR=darkgreen][B]أم المثنى[/B][/COLOR][/FONT][/CENTER]
    [CENTER][bimg]http://up8.up-images.com/up//uploads/images/images-085e7ac6c0.jpg[/bimg][/CENTER]

    تعليق

    • وليد زين العابدين
      أديب وكاتب
      • 12-05-2009
      • 313

      #3
      رد: صحراء التتار – رواية عالمية بقلم دينو بوتزاني قراءة جمال الغيطاني

      صراحة أنا قرأتها منذ أكثر من 25 عاماً ..... وكم كنت أتمنى لو أتيحت لي الفرصة لقرائتها مرة ثانية ...... شكراً لك على الرابط .... ثقي أنه حالما أحصل على نسخة منها حتى أقرأها بليلة واحدة ..... كما فعلت منذ 25 عاماً .....أعود وأكرر شكري

      تعليق

      يعمل...
      X