عبق السنين
خرج إلى الشارع.. وقف في ميدان عام... مزق قميصه.. أطلق صرخة مدوية... نظر إليه الناس بدهشة... لم يلق لهم بالاً.. أطلق صرخة أخرى... إقترب منه رجل...
يريد أن يعرف ما به... لم يلتفت إليه، وأطلق خطواته تسابق الريح... خطواته شاردة... تطأ طريقاً تائهاً...
وصل الي النهرِ القديمِ... جلس في صمت ..يتأمل انعكاس الضوء على سفحهِ... إنه النّهر ذاته... بعيونه التي لا تنام... ناداه النَّهر... التفت إليه الرجل... رأي وجهاً على صفح الماء.. يحدثه بصوتٍ عميقٍ :
-لم فعلت ذلك ؟ كان بوسعك ألا تفعل هذا...
لا يحتمل كلماته... يبكي... يصرخ... صَرخته حبيسة صمته:
-أريد أن أتنفس هواءً جديداً... غير ملوث بأتربة ماضيهم ... أريد أن أعيش بقلبٍ غير قلبي..
تباغته الذكرى...
ينحدر الألم على وجنتيهِ...
-أعطيتهم كل ما تمنوا ... لكنّهم لم يكتفوا به... يردونني شبحاً بينهم ...بلا روح ... بلا أمل...
ينهض فجأة... يواجه النهر بإصرارٍ.. يهمس:
-لا زلت قادراً... تتنفس الحياة في صدري... أنا لم أهرم بعد...
يلتقط حجراً صغيراً... يلقيه على مدى ذراعهِ... يشقّ الحجرُ سواد الليلِ... يسقط في وسط النهر... يحدث دائرة...
-كانت حلمي الذي لم أعشه... حرموني منها... أعطيتهم كل شيء.. وسلبوني أبسط الأشياء ... كانت حلمي الذي لم أعشه... لِمَ فعلوا بي ذلك؟...
يصيح:
-أخبرني أيها النهر.. لم فعلوا ذلك؟...
يستلقى مستسلماً ...
يفيق علي أشعة الشمس المسدلة بحرارتها الدافئة...تداعب عيونه المهترئة... تحيط وجهه الشاحب ببعض الاحمرار... تزيح للحظات تجاعيد الزمن... وقهر السنين...
ينتفض من مرقده... متشحاً بلونٍ حادٍ... يمشي في صمت... يحدّثه صوته عمّا جري... يسأله عمّن أتى به إلى هنا .. جسده ثقيل متهالك... يسير بخطوات مرتدة... لا يريد أن يعود إلى حيث سكنته الكآبة...
-هنيئا لهم بكل شيء ..أما أنا فسوف أبحث عن حلمي الذي لم أعشه...
يسرقه الخيال من نفسه... يريد أن يلقاها... يرتمي بين ذراعيها يبكي... ينهار تحت سمائها...
يرغب في الانفصال عن ماضيه.... يخلع خاتماً صدئاً كان بسببابتهِ...
يسمع صوتاً واهناً من جوفهِ:
ــ هكذا ينهار عالمك القديم .. أحجاره سوف تسقط حجراً حجراً... وجهك ستنهشه الغربان ..
لا يكترث للصوتِ... يخنقه في صدره:
ــ لا أبالي...
ــ تعقّل !
يغلق أذنيه بكفيه... يصرخ بأعلى صوته :
ـــ أسكت!... لن تهزمني ...
ــ ستسمعني رغماً عنك ..
يطلق الصوت ضحكة مدويّة... يهمس ساخراً:
-انظر إلى رأسك الثلجي... لم تعد كما كنت... أنت تسير محاولاً اللحاق بسنين عمرك... صدقني، ما عدتَ أهلاً لها... فما زالت سنون العمر تهرول خلفها لاهثةً...
ــ أريد أن أعيش ..
ــ علي حساب من تريد الحياة ...تمثالك يوشك على الانهيار...
ــ أموت أنا من اجل الناس ..
ــ الناس جزء منك وأنت جزء من نسيجهم ..
صراع مرير مع النفس والألم وشريط الذكريات ..
ـــ وحبك لبذورك...
ــ سوف أقطع حبل الماضي...
يقول ذلك... ثميتسمر فجأة... يفكر شارداً... خطوات متعبة جسم ثقيل متهالك..
-إلي أين أذهب ؟
يلوح له النّهر من بعيدٍ... يدعوه إليه...
يفكّ الطريق حصاره عن قدميهِ... تأخذه خطواته بلا شعور...
حينما يصعد على سفح الماء... يشعر بقلبه جديداً... ويلمح على ضفافِ النّهر عرائس في ثيابهن البيض... تلوحن له... فيرفع رايته البيضاء بابتسامةِ أملِ تغسلها المياه من عبقِ السنين...
وصل الي النهرِ القديمِ... جلس في صمت ..يتأمل انعكاس الضوء على سفحهِ... إنه النّهر ذاته... بعيونه التي لا تنام... ناداه النَّهر... التفت إليه الرجل... رأي وجهاً على صفح الماء.. يحدثه بصوتٍ عميقٍ :
-لم فعلت ذلك ؟ كان بوسعك ألا تفعل هذا...
لا يحتمل كلماته... يبكي... يصرخ... صَرخته حبيسة صمته:
-أريد أن أتنفس هواءً جديداً... غير ملوث بأتربة ماضيهم ... أريد أن أعيش بقلبٍ غير قلبي..
تباغته الذكرى...
ينحدر الألم على وجنتيهِ...
-أعطيتهم كل ما تمنوا ... لكنّهم لم يكتفوا به... يردونني شبحاً بينهم ...بلا روح ... بلا أمل...
ينهض فجأة... يواجه النهر بإصرارٍ.. يهمس:
-لا زلت قادراً... تتنفس الحياة في صدري... أنا لم أهرم بعد...
يلتقط حجراً صغيراً... يلقيه على مدى ذراعهِ... يشقّ الحجرُ سواد الليلِ... يسقط في وسط النهر... يحدث دائرة...
-كانت حلمي الذي لم أعشه... حرموني منها... أعطيتهم كل شيء.. وسلبوني أبسط الأشياء ... كانت حلمي الذي لم أعشه... لِمَ فعلوا بي ذلك؟...
يصيح:
-أخبرني أيها النهر.. لم فعلوا ذلك؟...
يستلقى مستسلماً ...
يفيق علي أشعة الشمس المسدلة بحرارتها الدافئة...تداعب عيونه المهترئة... تحيط وجهه الشاحب ببعض الاحمرار... تزيح للحظات تجاعيد الزمن... وقهر السنين...
ينتفض من مرقده... متشحاً بلونٍ حادٍ... يمشي في صمت... يحدّثه صوته عمّا جري... يسأله عمّن أتى به إلى هنا .. جسده ثقيل متهالك... يسير بخطوات مرتدة... لا يريد أن يعود إلى حيث سكنته الكآبة...
-هنيئا لهم بكل شيء ..أما أنا فسوف أبحث عن حلمي الذي لم أعشه...
يسرقه الخيال من نفسه... يريد أن يلقاها... يرتمي بين ذراعيها يبكي... ينهار تحت سمائها...
يرغب في الانفصال عن ماضيه.... يخلع خاتماً صدئاً كان بسببابتهِ...
يسمع صوتاً واهناً من جوفهِ:
ــ هكذا ينهار عالمك القديم .. أحجاره سوف تسقط حجراً حجراً... وجهك ستنهشه الغربان ..
لا يكترث للصوتِ... يخنقه في صدره:
ــ لا أبالي...
ــ تعقّل !
يغلق أذنيه بكفيه... يصرخ بأعلى صوته :
ـــ أسكت!... لن تهزمني ...
ــ ستسمعني رغماً عنك ..
يطلق الصوت ضحكة مدويّة... يهمس ساخراً:
-انظر إلى رأسك الثلجي... لم تعد كما كنت... أنت تسير محاولاً اللحاق بسنين عمرك... صدقني، ما عدتَ أهلاً لها... فما زالت سنون العمر تهرول خلفها لاهثةً...
ــ أريد أن أعيش ..
ــ علي حساب من تريد الحياة ...تمثالك يوشك على الانهيار...
ــ أموت أنا من اجل الناس ..
ــ الناس جزء منك وأنت جزء من نسيجهم ..
صراع مرير مع النفس والألم وشريط الذكريات ..
ـــ وحبك لبذورك...
ــ سوف أقطع حبل الماضي...
يقول ذلك... ثميتسمر فجأة... يفكر شارداً... خطوات متعبة جسم ثقيل متهالك..
-إلي أين أذهب ؟
يلوح له النّهر من بعيدٍ... يدعوه إليه...
يفكّ الطريق حصاره عن قدميهِ... تأخذه خطواته بلا شعور...
حينما يصعد على سفح الماء... يشعر بقلبه جديداً... ويلمح على ضفافِ النّهر عرائس في ثيابهن البيض... تلوحن له... فيرفع رايته البيضاء بابتسامةِ أملِ تغسلها المياه من عبقِ السنين...
إيمان عامر
تعليق