ألأحداث الغريبة والحزينة التي جرت بين ( ناطق بن أمّونة ) وبائعة الليف المكفوفة
حدثنا محمد العطوان ..قال ..
فجعت بأخوين لي في هجمات الزرقاوي الوحشية على أهل العراق , وولوغ أصحابه من شذاذ الافاق بدمهم الزكي المراق..
و لم نملك أنا وأهلي عدّة غير الدّعاء ولا حيلة ألاّ البكاء ولا عصمة سوى الرجاء ..
وفي مجلس العزاء على روح أولهما قام بلا دعوة , من بين المعزين ,
رجل غريب , كخطيب ..
قال الذين يعرفونه , أن اسمه ( ناطق بن أمّونة ) ..
ثياب هذا الناطق الخطيب كانت قديمة رثّة , و لحيته كانت طويلة كثّة..
تكلم عن الجنة وأحوالها وحذّر من النار وأهوالها ..
وعرج على الدنيا وعمّارها , وأنتقد الفتن وأوزارها..
ثم تحدّث عن فقيدنا الشاب ,وعن أمثاله من الشباب الذين غيّبهم عن الدنيا أساطين القتل والأرهاب ..
وتطرق لنا كما وصفنا بأهله الصيد الكرام , وتحدث عن مأثرنا الكثر العظام ..وشرح ووضّح .. وبالغ وامتدح .... ولحاجته الى العطايا قد لوّح و لمّح..
وعاد فأغدق بالثناء على أخلاق الفقيد وأخلاقنا , وقلّب أوراقه و اوراقنا ..
وأثار فينا المواجع , وأقضّ منا المضاجع , ونال أعجاب الحضور , وغرس في قلوبنا سهام الغرور ..
فما كان منّا بعد انتهاء كلامه , سوى إعلاء مقامه , والأهتمام جيدا بطعامه..
فدلفنا به الدار, وعملنا له سماط طعام حار.. حضره بعض المعجبين جدا بخطابته .. ومن المتأثرين كثيرا بمقالته ..
وكما أجاد في مدح فقيدنا الهمام .. وذمّ قتلته اللئام .. فقد أجاد في نسف الطعام ..
فقد غزا لحم الظأن المسلوق الطري , وهاجم السمك المسقوف النهري ..
وقصف الرز الدهين العنبر.. وأتى على الخبز الأبيض المدوّر..
ثم التهم حلو الفطائر , و تمتع بشرب العصائر..
وتحوّل الى صحن الفواكه المنوّع , وصال على الرماّن الأحمر المفلّع ..
واخيرا أفرغ في جوفه قصعة المحلّبي , المغطى بالفستق المبروش الحلبي..
خلاصة القول , لم يبخل على نفسه , ولم يرحم ميناء ضرسه .
وأثبت أنّه فارس لايضام في أكل الطعام مثلما هو بارع في فن الكلام ..
وعجبنا لعسر حاله , وسألناه عن سوء مئاله , مع انّه يملك موهبة مهابة في فن الكلام و الخطابة ..
أجاب أ تريدون ان تعرفوا لماذا صار ثوبي هكذا ضرّا , وكيف أصبح عيشي بائسا مرّا ؟, قلنا جميعا بلى , قال سأروي لكم قصتي ولكم الحكم على حالتي ..
قال ..
كان جارنا (الحاج صالح ) رجل ونعم الرجال ..
خالي الذمّة ,عالي الهمة ..
قوي الشكيمة , عاقد العزيمة.. أهل المحلّة جميعا يحترمونه ويودّونه ويجلّونه ..
يسلك دروب الخير ركضا ويهرب من طرق الشرّ رعبا ..
يكاد يطير فرحا عند سماعه لمولود يولد .. ويحزن أشد الحزن لأنسان يوؤد ..
ينوء بنفسه عن أن يتندر عليه أحد.. ويتحاشا أن يضحك من أحد ..
ويرتجي دائما الوقار والتبجيل , ويبتعد عن الهزء والتدجيل ..
ترى هيئته وهو عائد من عمله مغربا, وكأنه خارج اليه فجرا يطلبا ..
فهيئته منظّمه , ومشيته منتظمة ..
كنت وبعض شباب المحلّة الخائبين لجميع أوضاعها نراقب , ونستمتع بالتعليق على المناقب ..
فالغيبة كانت لنا سلوى , والنميمة كانت لنا حلوى..(وهنا سكت ..وتافّف ثم أضاف ) وهي التي جلبت لي البلوى ..
فهذا طويل لعين , وذاك قصير بدين..
وهذي جميلة حوراء , وتلك قبيحة عوراء ..
ولم تنجو أنثى من تلفيقنا .. ولم يسلم ذكر من تعليقنا ..
ولكنّ (الحاج صالح ) حيّرنا , وأدار عقولنا وغيّرنا ..
فلا نواقص نرى فنتندر بقرضها , ولامثالب نلمس فنستمتع بعرضها , وقررنا شطبه من قائمة التندّر.. و من لائحة الضحك والتبطّر .
ولكن وفي أحد أيام رمضان الكريم وهو من عمله في سوق الشورجة راجع .. أعطانا العذر للتراجع ..
فقد عاد متأبطا (ليفة حمّام) , مبتسما , وألقى السلام ..
أعدنا التحيّة كما يجب .. وكتمنا الضحك والعجب ..
ثم غرقنا في الهزء والضحك بعد أن غاب .. وبقينا نلقي النوادر والنكات العجاب ..
وفي اليوم التالي .. تكرّر الحدث الغالي ..
فالحاج .. عاد كما عاد بالأمس متأبّطا ليفة أخرى ..
وازداد حبورنا وتشعّب.. وطال ليلنا وترطّب ..
ولكن يا للغرابة , فكلّ يوم تكررت العجابة ..
وأخذت زوجة الحاج المليحة .. توزع على الجيران تلك الليف المريحة ..
وغرقت المحلّة بالليف المغزول النظيف .. الذي يحضره الحاج العفيف ..
وأخيرا مللنا الضحك والعجب , وتراهنّا على السر و السبب ..
ووقع عليّ الأختيار .. لتقصّي الأخبار .. وكشف الأسرار , لكوني متعدد المزايا و المواهب ومحبّا للمشاكل و المتاعب ..
وتوجّهت حيث دكان الحاج صالح , أراقب الأمور وأرصد الملامح ..
وجدت الزحمة عند دكانه على أشدّها , ورأيته يحشو النقود في كيس قماش حشوا ولا يعدّها ..
وقبل غروب الحارقة بساعة , أغلق دكانه بعد أن نفذت البضاعة .
مشى وتبعته وأسرع ولحقته حتى دخل سوق الصدرية , حيث ملاعب صبا والديّ , وتوجه نحو امراة مكفوفة بقدّ مهزول .. تفترش الأرض و تعرض الليف المغزول ..
جلس عندها وكلّمها ..فناولته ليفه ونقدها ثمنها . .
وعاد وأختبأت , وسرّح ورجعت ..
وزيّن لي اللّعين (أبو مرّة ) , ألسرقة لأول واخر مرّة . سرقت ليف العجوز المكفوفة بعد أن كلّمتها و تحايلت عليها وناورتها .. ثم بعت الغنيمة بربع القيمة ..
ورجعت لندمائي بعد انجاز المهمّة , أقص عليهم مافعلت بهمّه ...
وهزؤا بما للحاج صالح من فعال , وهنؤني على ما غنمت من مال ..
ودارت عجلة الدنيا دورتها , وتغيّرت معي وجهتها ..
فقد عافتني وأدبرت , وخاصمتني وهاجرت ..
ضاقت بي الأمور حتى كدت أن أستجدي , وعلى أموال الناس وممتلكاتهم أستعدي ,
من فرط المجاعة وانفضاض الجماعة فقد كانت جماعة لا خير فيها ولا في كثير من نجواها .. (وأنشد ) ..
عن المرء لاتسل وسل عن قرينه ..
فكلّ قرين بالمقارن يقتدي ..
اذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا..
تصاحب الأردى فتردى مع الردي..
أما ديار الحاج صالح فقد نزل فيها الخير .. وكثرت في أرجائها ذروق الطير..
فقد أرعدت الدنيا فيها وأمطرت .. ثم أورقت الأشجار فيها وأزهرت و أثمرت ..
وصار الحاج تاجرا ثريا , وأصبح عيشه رائقا هنيا ..
وترك محلّتنا القديمة , واشترى دارا في محيط الكاظمية عظيمة ..
على نهر دجلة الساحر تطل , وعلى الثراء والوجاهة تدل ..
. وزرت مع أهل المحلّة الحاج في داره الجديدة , حيث عمل لنا وليمة طعام فريدة ..
ومن زوجته الحسناء , عرفت النساء , أن دعاء امرأة عمياء , هو من أسباب النعمة والثراء .. التي يرفل بها الحاج وعياله , ويتكاثر ببركة الله ماله ..
ومر عام .. وأصبح عيشي با ئسا مرّا , و بات حالي أوفر ضرّا ..
وتذكرت العجوز بائعة الليف , وقلت لنفسي لم لا أذهب وأستجدي عفوها وأسألها دعاءها ؟ .. عسى أن يستجب ربّ العزة لنداءها .. ويصبح رزقي كثيرا دارّا , ويمسي عيشي هنيئا قارّا ..
توكلت على الله وذهبت ,ولكني لم أجدها في مكانها , و علمت أنها في دارها راقدة , ولعافيتها فاقدة .. ..و دلّني بعضهم على دارها .. فذهبت وطرقت بابها ..
من ؟ سألني صوت رقيق ..أجبت.. محب صديق ..
وطوي الباب عن وجه كالشمس المشرقة , لصبيّة بدت متعبة مرهقة ..
قالت أهلا بناطق ابن أمّونة .. ماتعوز ؟.. أجبت , أريد أن ألقي السلام على العجوز..
دخلت الفتاة وبقيت أقلب الفكر ..( كيف عرفتني الفتاة , ومن تكون ؟ سحنتها ليست غريبة ولهجتها تبدو قريبة !! ) ..
ودخلت الدار على هيأة من زار , فرأيت العجوز على فراشها ممدّده, وعلى كوعها الأيسر مستنده .. واستقامت ثم قالت.. أهلا وسهلا ..
قلت شفاك الله يا جدّه وأطال عمرك ومدّه , ونوّر بصرك وردّه ورمّم بدنك و شدّه..
أصاخت السمع جيدا , ثم قالت , وما تريد يا سارق الليف ؟ فأطرقت خجلا وسكتّ وجلا , ولم أطلق أيما همسة , ولم أنبس ببنت شفه ..
ثم سألتني , أقريب لخلف بن أمين أنت ؟ قلت نعم , فوالدتي له بنت . . فقالت رحم الله أمّونه وأبيها وزوجها وأخيها .. ثم أضافت وما تريد يا بن بنت جدّه ؟ قلت رضا و عفو الجدّة , ودعاء لا أجوع أو أظمأ بعده ..
فأنشدت العجوز..
يستوجب العفو الفتى أذا اعترف ....وتاب عن ما قد جناه واقترف ....
ثم قالت قد عفوت عنك , وأضافت اللّهم أطلق لسانه وقوّي بيانه , واجعل طعامه دسما شهيا ونومه عميقا هنيا , واجعل تصرفه لطيفا رقيقا , وقلبه رؤوفا شفيقا .. وسكتت .
فخرجت مبتهجا عسى أن يستجب ربّي سريعا لندائها , و ترضعني الدنيا درّا من أثدائها ..
وسبحان الله سرعان ما أصبح لساني أوضح بيانا وأيسر نطقا .. وطعامي أسهل حصولا وأكثر مرقا ..ونومي أهنأ جفنا وأشدّ عمقا .. وقلبي أشفق على الناس وأعظم رفقا .. ولكن رزقي من المال تردد بين سيء الى ضيقا .
واستفدت من انطلاق لساني وقوّة بياني , بأحياء المجالس والحديث عن سجايا من أجالس ..
ولكن دائما كان الحال , هو طفح الطعام العال , والعودة مفلسا بلا مال ..
وفي يوم قلت لنفسي ايضا , لم لا أعود العجوز واسألها الدعاء لي بالمال الوفير وبالخير الكثير..
وعدت فوجدت عند الباب أمرأة بملابس سوداء , تجلس القرفصاء , وأطفال قربها يلعبون , وصبية عن بعد يتمازحون ..
وسألتها عن عجوز الدار , أجابت بعد أن تنهدت بحزن , قد انتقلت الى دار القرار , الى حيث يكرم الصالحين ويحبس الأشرار.. ويخذل الطالحين ويجزى الأخيار ..
فترحمت على روحها وسألت , و من تولى ألباسها من ثياب الدنيا اخر ثوب , ووضع على قبرها قطع الطوب ؟ ..قالت .. (الحاج صالح) وأمرأته , وولديه وأبنته ..
هتفت .. أبنته؟ أتقصدين الفتاة التعبة بالوجه الجميل والخد الصقيل ؟..
قالت انها هي , فهي من لازمت العجوز في محنتها, وكانت لها عونا كأبنتها .. فسألتها ..ولماذا, كل هذا ؟
أجابت.. لوجه الله ومرضاته , ولعفوه وبركاته, فبعد أن ماتت أختها التي كانت ترعاها , قام حجي صالح بعيادتها ولم ينسها .. حتى حين علم أنّ منكودا قد سرق تعبها و كدّها , جاء مسرعا و ألقى بحضنها حفنة دنانير و لم يعّدّها ..
وبقي هو وعائلته زمنا يأتي ويروح ..وهي تدعو لهم بالخير حتى أسلمت الروح .
فعدت حزينا أجرّ أذيال الخيبة , بعد أن كنت أمنّي النفس بالأدعية الطيبة ..
وهكذا وصل حالي الى أوطأه , و اّل مئالي الى أسوأه .. ( وسكت ) ..
فسألناه عن( الحاج صالح ) وحاله , فقال عظم شأنه وازداد ماله , وان نظرت اليه تخاله , أصغر من أصغر عياله ..
وانبهرنا بهذه القصة العجيبة , وكيف نسج القدر أحداثها الغريبة !! ..
فجمعنا له المال والعطايا .. والهبات والهدايا , ووضعناها جميعا في صرّة ..عسى أن تساعده في عسره ..
وأخذ الصرة مسرورا , ومضى الى بيته محبورا ..
ولكن وبعد ساعة , عاد أبن امونة يسال عن الصرة أن كان احد قد وجدها ..
فبهتنا وقلنا هل فقدتها ؟ .. قال يبدو أني قد أضعتها , أو أن متربصا حضِيَ بها , بعد أن غفوت عميقا ولم أفيق , في عربة النقل على الطريق ..
ثم قال بحسرة ..
كالعادة ليس لي قسمة , سوى الأكلة الدسمة .. وأنشد يقول ..
هي القناعة فأحفظها تكن ملكا .... لو لم تكن لك الّا صحة البدن ....
وأنظر لمن حوى الدنيا بأجمعها .... هل راح منها بغير القطن والكفن ....
وغادرنا ( ناطق ابن أمّونة ) مفلسا كما جاء.. عدا طيّب الطعام , الذي ملأ به بطنه ورم العظام ..
وعلى رسولنا واله وصحبه المنتجبين الكرام , صلاة من الله وألف ألف سلام
حدثنا محمد العطوان ..قال ..
فجعت بأخوين لي في هجمات الزرقاوي الوحشية على أهل العراق , وولوغ أصحابه من شذاذ الافاق بدمهم الزكي المراق..
و لم نملك أنا وأهلي عدّة غير الدّعاء ولا حيلة ألاّ البكاء ولا عصمة سوى الرجاء ..
وفي مجلس العزاء على روح أولهما قام بلا دعوة , من بين المعزين ,
رجل غريب , كخطيب ..
قال الذين يعرفونه , أن اسمه ( ناطق بن أمّونة ) ..
ثياب هذا الناطق الخطيب كانت قديمة رثّة , و لحيته كانت طويلة كثّة..
تكلم عن الجنة وأحوالها وحذّر من النار وأهوالها ..
وعرج على الدنيا وعمّارها , وأنتقد الفتن وأوزارها..
ثم تحدّث عن فقيدنا الشاب ,وعن أمثاله من الشباب الذين غيّبهم عن الدنيا أساطين القتل والأرهاب ..
وتطرق لنا كما وصفنا بأهله الصيد الكرام , وتحدث عن مأثرنا الكثر العظام ..وشرح ووضّح .. وبالغ وامتدح .... ولحاجته الى العطايا قد لوّح و لمّح..
وعاد فأغدق بالثناء على أخلاق الفقيد وأخلاقنا , وقلّب أوراقه و اوراقنا ..
وأثار فينا المواجع , وأقضّ منا المضاجع , ونال أعجاب الحضور , وغرس في قلوبنا سهام الغرور ..
فما كان منّا بعد انتهاء كلامه , سوى إعلاء مقامه , والأهتمام جيدا بطعامه..
فدلفنا به الدار, وعملنا له سماط طعام حار.. حضره بعض المعجبين جدا بخطابته .. ومن المتأثرين كثيرا بمقالته ..
وكما أجاد في مدح فقيدنا الهمام .. وذمّ قتلته اللئام .. فقد أجاد في نسف الطعام ..
فقد غزا لحم الظأن المسلوق الطري , وهاجم السمك المسقوف النهري ..
وقصف الرز الدهين العنبر.. وأتى على الخبز الأبيض المدوّر..
ثم التهم حلو الفطائر , و تمتع بشرب العصائر..
وتحوّل الى صحن الفواكه المنوّع , وصال على الرماّن الأحمر المفلّع ..
واخيرا أفرغ في جوفه قصعة المحلّبي , المغطى بالفستق المبروش الحلبي..
خلاصة القول , لم يبخل على نفسه , ولم يرحم ميناء ضرسه .
وأثبت أنّه فارس لايضام في أكل الطعام مثلما هو بارع في فن الكلام ..
وعجبنا لعسر حاله , وسألناه عن سوء مئاله , مع انّه يملك موهبة مهابة في فن الكلام و الخطابة ..
أجاب أ تريدون ان تعرفوا لماذا صار ثوبي هكذا ضرّا , وكيف أصبح عيشي بائسا مرّا ؟, قلنا جميعا بلى , قال سأروي لكم قصتي ولكم الحكم على حالتي ..
قال ..
كان جارنا (الحاج صالح ) رجل ونعم الرجال ..
خالي الذمّة ,عالي الهمة ..
قوي الشكيمة , عاقد العزيمة.. أهل المحلّة جميعا يحترمونه ويودّونه ويجلّونه ..
يسلك دروب الخير ركضا ويهرب من طرق الشرّ رعبا ..
يكاد يطير فرحا عند سماعه لمولود يولد .. ويحزن أشد الحزن لأنسان يوؤد ..
ينوء بنفسه عن أن يتندر عليه أحد.. ويتحاشا أن يضحك من أحد ..
ويرتجي دائما الوقار والتبجيل , ويبتعد عن الهزء والتدجيل ..
ترى هيئته وهو عائد من عمله مغربا, وكأنه خارج اليه فجرا يطلبا ..
فهيئته منظّمه , ومشيته منتظمة ..
كنت وبعض شباب المحلّة الخائبين لجميع أوضاعها نراقب , ونستمتع بالتعليق على المناقب ..
فالغيبة كانت لنا سلوى , والنميمة كانت لنا حلوى..(وهنا سكت ..وتافّف ثم أضاف ) وهي التي جلبت لي البلوى ..
فهذا طويل لعين , وذاك قصير بدين..
وهذي جميلة حوراء , وتلك قبيحة عوراء ..
ولم تنجو أنثى من تلفيقنا .. ولم يسلم ذكر من تعليقنا ..
ولكنّ (الحاج صالح ) حيّرنا , وأدار عقولنا وغيّرنا ..
فلا نواقص نرى فنتندر بقرضها , ولامثالب نلمس فنستمتع بعرضها , وقررنا شطبه من قائمة التندّر.. و من لائحة الضحك والتبطّر .
ولكن وفي أحد أيام رمضان الكريم وهو من عمله في سوق الشورجة راجع .. أعطانا العذر للتراجع ..
فقد عاد متأبطا (ليفة حمّام) , مبتسما , وألقى السلام ..
أعدنا التحيّة كما يجب .. وكتمنا الضحك والعجب ..
ثم غرقنا في الهزء والضحك بعد أن غاب .. وبقينا نلقي النوادر والنكات العجاب ..
وفي اليوم التالي .. تكرّر الحدث الغالي ..
فالحاج .. عاد كما عاد بالأمس متأبّطا ليفة أخرى ..
وازداد حبورنا وتشعّب.. وطال ليلنا وترطّب ..
ولكن يا للغرابة , فكلّ يوم تكررت العجابة ..
وأخذت زوجة الحاج المليحة .. توزع على الجيران تلك الليف المريحة ..
وغرقت المحلّة بالليف المغزول النظيف .. الذي يحضره الحاج العفيف ..
وأخيرا مللنا الضحك والعجب , وتراهنّا على السر و السبب ..
ووقع عليّ الأختيار .. لتقصّي الأخبار .. وكشف الأسرار , لكوني متعدد المزايا و المواهب ومحبّا للمشاكل و المتاعب ..
وتوجّهت حيث دكان الحاج صالح , أراقب الأمور وأرصد الملامح ..
وجدت الزحمة عند دكانه على أشدّها , ورأيته يحشو النقود في كيس قماش حشوا ولا يعدّها ..
وقبل غروب الحارقة بساعة , أغلق دكانه بعد أن نفذت البضاعة .
مشى وتبعته وأسرع ولحقته حتى دخل سوق الصدرية , حيث ملاعب صبا والديّ , وتوجه نحو امراة مكفوفة بقدّ مهزول .. تفترش الأرض و تعرض الليف المغزول ..
جلس عندها وكلّمها ..فناولته ليفه ونقدها ثمنها . .
وعاد وأختبأت , وسرّح ورجعت ..
وزيّن لي اللّعين (أبو مرّة ) , ألسرقة لأول واخر مرّة . سرقت ليف العجوز المكفوفة بعد أن كلّمتها و تحايلت عليها وناورتها .. ثم بعت الغنيمة بربع القيمة ..
ورجعت لندمائي بعد انجاز المهمّة , أقص عليهم مافعلت بهمّه ...
وهزؤا بما للحاج صالح من فعال , وهنؤني على ما غنمت من مال ..
ودارت عجلة الدنيا دورتها , وتغيّرت معي وجهتها ..
فقد عافتني وأدبرت , وخاصمتني وهاجرت ..
ضاقت بي الأمور حتى كدت أن أستجدي , وعلى أموال الناس وممتلكاتهم أستعدي ,
من فرط المجاعة وانفضاض الجماعة فقد كانت جماعة لا خير فيها ولا في كثير من نجواها .. (وأنشد ) ..
عن المرء لاتسل وسل عن قرينه ..
فكلّ قرين بالمقارن يقتدي ..
اذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا..
تصاحب الأردى فتردى مع الردي..
أما ديار الحاج صالح فقد نزل فيها الخير .. وكثرت في أرجائها ذروق الطير..
فقد أرعدت الدنيا فيها وأمطرت .. ثم أورقت الأشجار فيها وأزهرت و أثمرت ..
وصار الحاج تاجرا ثريا , وأصبح عيشه رائقا هنيا ..
وترك محلّتنا القديمة , واشترى دارا في محيط الكاظمية عظيمة ..
على نهر دجلة الساحر تطل , وعلى الثراء والوجاهة تدل ..
. وزرت مع أهل المحلّة الحاج في داره الجديدة , حيث عمل لنا وليمة طعام فريدة ..
ومن زوجته الحسناء , عرفت النساء , أن دعاء امرأة عمياء , هو من أسباب النعمة والثراء .. التي يرفل بها الحاج وعياله , ويتكاثر ببركة الله ماله ..
ومر عام .. وأصبح عيشي با ئسا مرّا , و بات حالي أوفر ضرّا ..
وتذكرت العجوز بائعة الليف , وقلت لنفسي لم لا أذهب وأستجدي عفوها وأسألها دعاءها ؟ .. عسى أن يستجب ربّ العزة لنداءها .. ويصبح رزقي كثيرا دارّا , ويمسي عيشي هنيئا قارّا ..
توكلت على الله وذهبت ,ولكني لم أجدها في مكانها , و علمت أنها في دارها راقدة , ولعافيتها فاقدة .. ..و دلّني بعضهم على دارها .. فذهبت وطرقت بابها ..
من ؟ سألني صوت رقيق ..أجبت.. محب صديق ..
وطوي الباب عن وجه كالشمس المشرقة , لصبيّة بدت متعبة مرهقة ..
قالت أهلا بناطق ابن أمّونة .. ماتعوز ؟.. أجبت , أريد أن ألقي السلام على العجوز..
دخلت الفتاة وبقيت أقلب الفكر ..( كيف عرفتني الفتاة , ومن تكون ؟ سحنتها ليست غريبة ولهجتها تبدو قريبة !! ) ..
ودخلت الدار على هيأة من زار , فرأيت العجوز على فراشها ممدّده, وعلى كوعها الأيسر مستنده .. واستقامت ثم قالت.. أهلا وسهلا ..
قلت شفاك الله يا جدّه وأطال عمرك ومدّه , ونوّر بصرك وردّه ورمّم بدنك و شدّه..
أصاخت السمع جيدا , ثم قالت , وما تريد يا سارق الليف ؟ فأطرقت خجلا وسكتّ وجلا , ولم أطلق أيما همسة , ولم أنبس ببنت شفه ..
ثم سألتني , أقريب لخلف بن أمين أنت ؟ قلت نعم , فوالدتي له بنت . . فقالت رحم الله أمّونه وأبيها وزوجها وأخيها .. ثم أضافت وما تريد يا بن بنت جدّه ؟ قلت رضا و عفو الجدّة , ودعاء لا أجوع أو أظمأ بعده ..
فأنشدت العجوز..
يستوجب العفو الفتى أذا اعترف ....وتاب عن ما قد جناه واقترف ....
ثم قالت قد عفوت عنك , وأضافت اللّهم أطلق لسانه وقوّي بيانه , واجعل طعامه دسما شهيا ونومه عميقا هنيا , واجعل تصرفه لطيفا رقيقا , وقلبه رؤوفا شفيقا .. وسكتت .
فخرجت مبتهجا عسى أن يستجب ربّي سريعا لندائها , و ترضعني الدنيا درّا من أثدائها ..
وسبحان الله سرعان ما أصبح لساني أوضح بيانا وأيسر نطقا .. وطعامي أسهل حصولا وأكثر مرقا ..ونومي أهنأ جفنا وأشدّ عمقا .. وقلبي أشفق على الناس وأعظم رفقا .. ولكن رزقي من المال تردد بين سيء الى ضيقا .
واستفدت من انطلاق لساني وقوّة بياني , بأحياء المجالس والحديث عن سجايا من أجالس ..
ولكن دائما كان الحال , هو طفح الطعام العال , والعودة مفلسا بلا مال ..
وفي يوم قلت لنفسي ايضا , لم لا أعود العجوز واسألها الدعاء لي بالمال الوفير وبالخير الكثير..
وعدت فوجدت عند الباب أمرأة بملابس سوداء , تجلس القرفصاء , وأطفال قربها يلعبون , وصبية عن بعد يتمازحون ..
وسألتها عن عجوز الدار , أجابت بعد أن تنهدت بحزن , قد انتقلت الى دار القرار , الى حيث يكرم الصالحين ويحبس الأشرار.. ويخذل الطالحين ويجزى الأخيار ..
فترحمت على روحها وسألت , و من تولى ألباسها من ثياب الدنيا اخر ثوب , ووضع على قبرها قطع الطوب ؟ ..قالت .. (الحاج صالح) وأمرأته , وولديه وأبنته ..
هتفت .. أبنته؟ أتقصدين الفتاة التعبة بالوجه الجميل والخد الصقيل ؟..
قالت انها هي , فهي من لازمت العجوز في محنتها, وكانت لها عونا كأبنتها .. فسألتها ..ولماذا, كل هذا ؟
أجابت.. لوجه الله ومرضاته , ولعفوه وبركاته, فبعد أن ماتت أختها التي كانت ترعاها , قام حجي صالح بعيادتها ولم ينسها .. حتى حين علم أنّ منكودا قد سرق تعبها و كدّها , جاء مسرعا و ألقى بحضنها حفنة دنانير و لم يعّدّها ..
وبقي هو وعائلته زمنا يأتي ويروح ..وهي تدعو لهم بالخير حتى أسلمت الروح .
فعدت حزينا أجرّ أذيال الخيبة , بعد أن كنت أمنّي النفس بالأدعية الطيبة ..
وهكذا وصل حالي الى أوطأه , و اّل مئالي الى أسوأه .. ( وسكت ) ..
فسألناه عن( الحاج صالح ) وحاله , فقال عظم شأنه وازداد ماله , وان نظرت اليه تخاله , أصغر من أصغر عياله ..
وانبهرنا بهذه القصة العجيبة , وكيف نسج القدر أحداثها الغريبة !! ..
فجمعنا له المال والعطايا .. والهبات والهدايا , ووضعناها جميعا في صرّة ..عسى أن تساعده في عسره ..
وأخذ الصرة مسرورا , ومضى الى بيته محبورا ..
ولكن وبعد ساعة , عاد أبن امونة يسال عن الصرة أن كان احد قد وجدها ..
فبهتنا وقلنا هل فقدتها ؟ .. قال يبدو أني قد أضعتها , أو أن متربصا حضِيَ بها , بعد أن غفوت عميقا ولم أفيق , في عربة النقل على الطريق ..
ثم قال بحسرة ..
كالعادة ليس لي قسمة , سوى الأكلة الدسمة .. وأنشد يقول ..
هي القناعة فأحفظها تكن ملكا .... لو لم تكن لك الّا صحة البدن ....
وأنظر لمن حوى الدنيا بأجمعها .... هل راح منها بغير القطن والكفن ....
وغادرنا ( ناطق ابن أمّونة ) مفلسا كما جاء.. عدا طيّب الطعام , الذي ملأ به بطنه ورم العظام ..
وعلى رسولنا واله وصحبه المنتجبين الكرام , صلاة من الله وألف ألف سلام
تعليق