المشاركة الأصلية بواسطة د. محمود بن سعود الحليبي
مشاهدة المشاركة
[align=justify]أخي الحبيب الدكتور محمود،
أحبّك الله وحبّب بك. وشكرا على حسن ظنك بمحسوبك، زاد الله أصلك الزكي طيبا على طيب.
اللغات، أخي الحبيب، نوعان: لغات ميتة (مثل المصرية القديمة والبابلية وغيرهما) ولغات حية (مثل الإنكليزية والفرنسية وغيرهما).
وأما قصتي مع اللغات الميتة، فقد بدأت منذ أيام المرحلة الابتدائية كما ذكرت، حيث أثارت زيارة رحلة مدرسية لمتحف فيه نقوش أثرية لدي فضولا لمعرفتها، وهكذا تيسر لي درسها فيما بعد. فدرست أولا اللغة اليونانية القديمة في جامعة أثينا بعد تعلمي اليونانية الحديثة لأنها لغة الدراسة فيها، فاللاتينية ثانيا، ثم عرجنا أثناء الدراسة على السانسكريتية (لغة الفيدا، وهي كتاب الهندوس المقدس) والأبستاقية، وهي الفارسية القديمة، لغة الأبستاق، كتاب المجوس المقدس الذي ينسب تأليفه إلى زرادشت.
وفي بلجيكا درست اللغات السامية فتعلمت الأكادية بلهجتيها البابلية والآشورية، والآرامية والفينيقية والأوغاريتية والحبشية والعبرية التي تخصصت فيها فيما بعد. وبعد التخرج درست سائر اللغات السامية من الكتب، وأهمها اللغة الإبلية لغة مملكة إبلا شرقي سورية، واللغة العربية القديمة، الحميرية. ثم درست أيضا من الكتب اللهجات الثمودية والصفوية واللحيانية التي تشكل صلة الوصل بين العربية الجنوبية والشمالية.
كما درست أثناء الدراسة الجامعية أيضا لغات غير سامية هي السومرية ـ وهي أقدم لغات الأرض تدوينا ـ والحيثية، بالإضافة إلى أهم لغتين حاميتين وهما الأمازيغية (البربرية القديمة التي كانت تكتب بكتابة التفيناغ) والمصرية القديمة (التي كانت تكتب بالكتابة الهيروغليفية).
طبعا إن تعلم اللغات الميتة ليس مثل تعلم اللغات الحية، لأن للغة الميتة بداية ونهاية. إن بعض اللغات الميتة مثل البابلية والحيثية والمصرية القديمة لغات صعبة نسبية بسبب أنظمة الكتابة المعتمدة فيها (المسمارية والهيروغليفية)، وكذلك بسبب غناها الأدبي النسبي، بعكس لغات مثل الفينيقية التي لم يحفظ لنا الدهر من أوابدها أكثر من عشر ورقات من النصوص أتت على شكل نقوش، فكان تعلمها سهلا وحفظ مفرداتها أسهل لقلة المادة. فدارس الفينيقية يتعلمها في أسبوع، ودارس البابلية أو المصرية القديمة يحتاج إلى عام كامل من أجل تعلم نظام الكتابة المسمارية أو الهيروغليفية، فتأمل.
من جهة أخرى، اللغات السامية شبيهة جدا بالعربية، وهو ما يجعل تعلمها بالنسبة إلى العربي المتمكن من لغته أمرا سهلا للغاية. فتصريف الأفعال في الساميات مثل تصريف الأفعال في العربية تقريبا، وكذلك الأسماء وصيغ الجمع الخ. والكتابة الأبجدية هي ذاتها في أكثر الساميات. والنحو هو هو. والمتمكن من العربية يتعلم أية لغة سامية في أسابيع إن شاء ذلك. وليست قصة زيد بن ثابت رضي الله عنه ببعيدة عن الأذهان، حيث ورد أنه تعلم السريانية في أيام. وهذا ممكن جدا، وأنا مستعد لأن أعلم السريانية أو العبرية لأي واحد متمكن من العربية في عشرة أيام إذا كان ذا جلد، لأن العربية أساس الدراسات السامية. لماذا: لأن العربية تحتفظ بجميع صفات اللغات السامية مجتمعة وتزيدها بصيغ المجهول في الأفعال المشتقة، وهذا غير موجود في سواها. إذن: يجب على دارس اللغات السامية من العرب أن ينتبه إلى الفروق بينها وبين العربية فقط لأن سائر الأمور اللغوية متطابقة! ونحن إذا أخذنا الفرق بين حدة أذهان جيل الصحابة الألمعي وبين بلادة جيلنا الكسلان ..، فهمنا كيف تعلم زيد السريانية في أيام!
وأما سؤالك: هل ميل الإنسان وشغفه بتعلم لغة ما سيعينه على إجادتها أم أن هناك ظروفا بعد توفيق الله له قد أعانته؟ فهذا سؤال أعجز عن الإجابة عليه، فأنا درست العبرية جيدا وأتقنها مثل العربية ولكن ليس لي شغف بها .. من جهة أخرى: ألاحظ بين طلابي الأجانب الذين يدرسون العربية نوعين: نوع يتقن العربية ويبرع فيها، ونوع تستغلق العربية عليه! وعبثا حاولت أن أجد تفسيرا لذلك!
وأما قدرة شاب ثم شاعر مطبوع مثل أخي الدكتور محمود على تعلم ما يشاء من اللغات، فهذا ممكن في أي وقت، والمطلوب هو منهج جيد وأستاذ مخلص وهمة .. وأما الشغف فلا محل له من الإعراب فيما أظن.
آنسك الله أخي الحبيب، ولا تنسنا من الدعاء فأنت تسكن ديارا طاهرة ودعاء أهلها مجاب إن شاء الله.
أخوك الداعي لك بالخير: عبدالرحمن.[/align]
تعليق