قراءة نقدية في قصيدة" من أدب الحكمة " للشاعر محمد الأحمد السديري

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.مصطفى عطية جمعة
    عضو الملتقى
    • 19-05-2007
    • 301

    قراءة نقدية في قصيدة" من أدب الحكمة " للشاعر محمد الأحمد السديري

    القصيدة : من أدب الحكمة
    للشاعر / مـحـمــد الأحـمــد الـسـديــري ×

    يقول من عدى على راس عالي *** رجم طويل يدهله كل قرناس
    في راس مرجوم عسير المنالي *** يشتاق له مندق بالقلب هوجاس
    قعدت في راسه وحيد لحالي *** والقلب في لجات الافكارغطاس
    قعدت أعد ايامها والليالي *** دنيا تقلب ماعرفنا لها قياس
    ياما هفت به من رجال مدالي *** ماكنهم ركبوا على قب الافراس
    ولارددوا صم المك للتوالي *** ولاثار عج الخيل في كل مرواس
    ولاقلطوهن للكمين الموالي *** ولاصار فوق ظهورهن شلع الانفاس
    في حومة الهيجا لهن اجتوالي *** كل يبا من زاية الفعل نوماس
    من بينهم عود الجنا والسلالي *** مثل البروق الليل الادماس
    اقطعك دنيا مالها اول وتالي *** لو اضحكت تبكي وتوريك الاتعاس
    يابجاد شب النار ودن الدلالي *** واكسر لنا يابجاد مايقعد الراس
    فنجال يضيع ماتصور ببالي *** وروابع نضرب بها اخماس واسداس
    لعل قصر مايجيله ضلالي *** ينهد من عالي مبانيه للساس
    لاصار ماهو مدهل للرجال *** وملجا لمن هو يشكي الضيم والباس
    بحسناك ما منشي حقوق الخيالي *** ياخالق اجناس ومفني اجناس
    تجعل مقره دارس العهد بالي *** صحصاح دو خالي مابه اوناس
    لاخاب ضنك بالرفيق الموالي *** مالك مشاريه على باقي الناس
    وان ناشني من بعض الادنين صالي *** ماني عن الزلات مخبر وبلاس
    كالعنبر الغالي بالاسواق غالي *** ولادرهم الفضيه على صفر ونحاس
    اجزيه بالصدع جنوب وشمالي *** واتلى هوى قلبي اليا هب نسناس
    المستريح اللي من المـقل خالي *** ماهو ولجات الهواجيس غطاس
    ماهو بمثلي مشكلاته جلالي *** عجزت اسجلها بحبر وقرطاس
    حملي ثقيل وشلت حملي لحالي ** ونصبر على ضيم الليالي والاتعاس
    برسي كما ترسي عوال الجبالي *** ماينهزع حيد عليه القدم داس
    متى تربع دارنا والمفالي *** تخضر فياضه عقب ماهي بيباس
    وتشوف فيها الديدحان متوالي *** مثل الرعاف بخصر مدقوق الالعاس
    ينثر على البيداء ســـــوات الزوالي *** يشــــرق حماره شرقة الصبغ بالكاس
    التعريف بالشاعر :
    الشاعر محمد الأحمد السديري ، ولد العام 1916م ، ويعود أصله إلى أعرق القبائل السديرية ، وله صلة نسب ورحم مع أسرة آل سعود في المملكة العربية السعودية ، تبوّا مناصب عدة ، حيث تولى إمارة الجوف في سن السابعة عشر ، ثم جيزان ، وقاد الجيش السعودي في حرب 1948م في فلسطين ضد العدو الصهيوني . توفي العام 1979م ، عن عمر يناهز الثالثة والستين تقريبا .
    وقد عرف بحسن الخلق ، وقوة الشكيمة ، وعمق الثقافة ، كما جمع الشاعرية والحكمة والتجربة مما انعكس على شعره بالتميز .
    يعد من أشهر شعراء النبط في الجزيرة العربية ، وله دواوين شعر قليلة العدد ولكنها عظيمة التأثير وأهمها : أبطال من الصحراء ، والدمعة الحمراء .
    قراءة نقدية في النص :
    تجربة الحياة تترقرق شعرا ، وتترصع ذهبا
    بقلم / د. مصطفى عطية جمعة
    تعد هذه القصيدة من أبرز القصائد النبطية على الإطلاق ، وقد نالت شهرة عظيمة، وصارت مترددة على الألسنة ، رغم السنوات الطويلة التي مضت على إنشائها نظما .
    إن أبرز ما يستوقفنا في هذا النص ، تلك الحكمة الحياتية التي تبدو في جنباتها ، ولكنها حكمة متميزة ذات خصوصية عالية ، فالقصيدة وإن بدا من ظاهرها أنها تندرج تحت ما يسمى غرض الحكمة ، حيث تحفل بالكثير من القيم النبيلة التي يرسخها الشاعر ، إلا أننا نلمس فيها أمورا عدة ، جعلتها تنال رسوخا في القلوب ، وتردادا على الألسنة ، وهذا ناتج من بساطة النص ، فهو يتناول موقفا من الحياة ، فالشاعر صريح في النص مع ذاته ، ملتصق مع مشاعره ، حيث يصرح في مطلع النص أنه جلس في رأس جبل عال مرتفع ، وبدا يتأمل الكون والدنيا من حوله . ولنا أن نتخيل هذا الموقف ، الشاعر مرتفع فوق الأرض من رأس جبل ، يتأمل ما حوله في البادية بكل ما فيها من مظاهر طبيعية ، وينظر في تقلبات الناس والحياة ، وكما يقول :
    في راس مرجوم عسير المنالي *** يشتاق له مندق بالقلب هوجاس

    فرأس الجبل مرتفع ، يصعب الوصول إليه ، وهذا يشير إلى أنه كان وحيدا ، في علياء المكان ، ولكن الفكر ( هوجاس ) مشتت ، والقلب يعاني . إنها لحظة شفافة ، اجتمع فيها علو المكان ، ورفعة النفس .
    والغريب أن الشاعر لم يلجأ إلى المعتاد في مثل هذه النصوص ، فالقارئ يتخيل أنه سيصف الطبيعة من عاليه ، ولكنه حوّل النص إلى تأمل في الناس وأحوالهم ، فيقول :
    قعدت أعد ايامها والليالي *** دنيا تقلب ماعرفنا لها قياس
    ياما هفت به من رجال مدالي *** ماكنهم ركبوا على قب الافراس

    إنه يقرر أن الدنيا متقلبة ، ليس لها مقياس ثابت ، والغريب أن هذا الكلام يصدر من شاعر كانت الدنيا طيعة له ، منذ فجر شبابه : مناصب ومكانة وبطولة ، ثم منزلة رفيعة بين الناس ؛ لحسن خلقه ، وقوة بأسه ، وبطولاته العديدة في فلسطين واليمن والمملكة ، ولكننا نرى أنه لا ينظر بمقياس شخصي ، بقدر ما هو مقياس إنساني متسع ، رحب ، شامل ، فمن يرَ الدنيا بمنظوره هو يكون أناني ضيق الرؤية ، ولكن من يراها من خلال مآسي الناس وتجاربهم ، يمتلك حسا إنسانيا راقيا ، وهذا ما ميّز النص ، ويعمق هذا المنحى بقوله :
    من بينهم عود الجنا والسلالي *** مثل البروق الليل الادماس
    اقطعك دنيا مالها اول وتالي *** لو اضحكت تبكي وتوريك الاتعاس
    يابجاد شب النار ودن الدلالي *** واكسر لنا يابجاد مايقعد الراس

    في هذا المقطع : نرى تضادات الدنيا ، الفرح والهم ، السعادة والغم ، وفي البيت الأول نجد تشبيها شديد البساطة ، عظيم التأثير " مثل البروق الليل الادماس" فحين تشتد الأزمة تنفرج ، ويكون إنفراجها مثل البرق المنير الوضاء في الليل دامس السواد . وهي صورة قوية جمعت الأمل في البرق ، وشدة الدنيا في الليل الفاحم السواد، وتتلاءم مع كون الشاعر فوق قمة جبل متأملا ، وهناك علاقة أخرى ، فالشاعر يصف الطبيعة تحته بشكل غير مباشر : هو يقدم الحكمة ممتزجة بالطبيعة ، أو يصف لنا الطبيعة من خلال حكمته في النص . وهذا ما ذكره ، في البيت الثالث : فالنار في الابجاد مشتعلة ، وهي صورة مستقاة من تراث عربي أصيل : " نار على علم " ، وهنا لا نجد تأثرا بالشعر الجاهلي القديم ، بل وصفا للطبيعة والجبل الذي يعتليه الشاعر . وفي البيت الثاني : يؤكد منزع الحكمة ، فيرى فناء الدنيا، لا أول ولا تالي لها ، والضحك فيها ( السعادة ) غير مستمرة ، فإن كل سعادة يعقبها غم وبكاء ، وممكن أن يرى السعيد المتخم فرحة ، تعاسة لا يتخيلها .
    ويقول شاعرنا :
    بحسناك ما منشي حقوق الخيالي *** ياخالق اجناس ومفني اجناس
    تجعل مقره دارس العهد بالي *** صحصاح دو خالي مابه اوناس

    هنا الإيمان يتجلى ، إيمان مفعم بالحكمة ، فالناس على تصارعها تتفانى وتموت ، وأعمارهم بيد الخالق ، والشاعر هنا يورد صفة للخالق : " ياخالق اجناس ومفني اجناس" ، فلا يظن أحد من الأجناس ( البشر ) أنهم نالوا غنى ورفعة وصارت حكرا عليهم ، وإنما هم إلى فناء ، وغيرهم إلى ميلاد ، وهذا كله بيد الخالق العظيم ، الذي يجعل – كما في البيت الثاني – المكان العمران بالناس والأبنية خرابا وهجرانا ، " صحصاح دو خالي مابه اوناس " ، أي لا حياة ولا ناس به. إنه الموت بصورته الكاملة : فناء الإنسان وتهدم البنيان .
    ويقول شاعرنا :
    لاخاب ضنك بالرفيق الموالي *** مالك مشاريه على باقي الناس
    وان ناشني من بعض الادنين صالي *** ماني عن الزلات مخبر وبلاس
    كالعنبر الغالي بالاســــواق غـــالي *** ولادرهم الفضـــيه على صفر ونحاس

    يعرج الشاعر الأمير إلى العلاقة مع الأصدقاء ، وهنا نرى التحذير من توهم المثالية والأخلاق العالية في الناس ، فكل بشر منا معرض إلى لحظات ضعف ، والذكي من يداري على خطأ صديقه ، ولا يخيب الظن بالرفيق الموالي له ، فهو يحتاج للصديق دائما كأخ ومستشار ، وحتى لو تعرض لزلات وأخطاء من بعض أصحابه ، فهو غير مخبر عن هذه الزلات. إنها قمة الحكمة في الحياة ، قمن يفضح صديقه سيفضحه غيره ، والدنيا دول ، مرة لك ومرة عليك. وانظر إلى التشبيه الجميل :" كالعنبر الغالي بالاســــواق غـــالي " فالعنبر من أفخم المشمومات ، ومن أغلاها ثمنا ، فهو جمع عظم الرائحة الزكية ، وغلو الثمن ، وهذا هو الصديق الموالي ، ثم يعقب هذا بصورة أشد جمالا ، "ولادرهم الفضـــيه على صفر ونحاس" ، فهل تقارن الفضة بالنحاس الأصفر ، إنها مقارنة غير متكافئة ، وهي تندرج تحت ما يسمى التشبيه الضمني ، فالصديق الموالي لا يقارن فهو مثل العنبر الغالي ، والعملة عالية القيمة .
    ثم يقول الشاعر الأمير :
    ماهو بمثلي مشكلاته جلالي *** عجزت اسجلها بحبر وقرطاس
    حملي ثقيل وشلت حملي لحالي ** ونصبر على ضيم الليالي والاتعاس

    هنا يعود بنا إلى ذاته الشعرية : فهو يربط نفسه بالنص : فمشكلاته وتعني هنا تجاربه في الحياة كثيرة لا حصر لها ، يعجز الحبر والقرطاس عن تسجيلها . إنها كناية عن عظم خبرته ، وتأكيد لمنحى النص الذي جمع ما بين النظرة الإنسانية الواسعة وما بين تجربة الشاعر في الحياة ، ويعترف في البيت الثاني بأن حمله ثقيل ، وقد حمله بمفرده ، وهذا دليل صبره وقوة شكيمته ، وصبر أيضا على وجوه من الظلم وكثير من التعاسة . ولعل هذا المقطع الشعري الذي صبغ النص بعلاقة حميمة مع الشاعر ، سبب من أسباب شهرة النص، فهو مكاشفة بين الشاعر والقارئ ، الشاعر يعترف بثقل ما حمله من متاعب ومظالم وقد أسبق هذا الاعتراف بحكمة شاملة في الحياة .
    إنها قصيدة شديدة الروعة ، مزجت الخاص ( تجربة الشاعر ) بالعام ( الحكمة الإنسانية) ، وامتازت بصور مستمدة من الطبيعة ، متلائمة مع الطبيعة الصحراوية : جبال وصقور وأبنية متهدمة ، وأجساد بشر كانوا يوما يتصارعون .
    إنها قصيدة الحكمة ، وحكمة القصيد . رحم الله شاعرنا .
  • د. جمال مرسي
    شاعر و مؤسس قناديل الفكر و الأدب
    • 16-05-2007
    • 4938

    #2
    بارك الله فيك أخي الحبيب الناقد المبدع د. مصطفى عطية جمعة
    لقد تجولت بنا في أعماق نص يستحق فعلا القراءة مرات و مرات
    و بخبرتك القيمة استطعت أن تفك لنا شيفرة هذا النص و ما أشكل عليّ فيه من معان و مفردات .
    رائع أنت حتى في تحليلك للشعر النبطي الذي أحببته من واقع سماعي له من أصدقائي الشعراء السعوديين الذين أعيش معهم هنا
    بارك الله فيك
    و القراءة الواعية هذه لا بد لها من للتثبيت
    مودتي
    و كل عام و أنتم بخير
    sigpic

    تعليق

    • أبو حميد المصري
      أديب وكاتب
      • 25-06-2007
      • 375

      #3
      أشكر الأستاذ الدكتور مصطغى عطية جمعة على ما تفضل به من دراسة نقدية توضيحية جميلة لأجمل ما قرأت من الشعر النبطي السعودي
      كما أشكره على التعريف بالشاعر محمد أحمد السديري رحمه الله فهو شاعر يعد مدرسة لحالها في الشعر النبطي السعودي
      تم التثبيت بناء على ملاحظة د. جمال مرسي و لأن الموضوع يستحق
      تحياتي
      [align=justify]{لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }البقرة286[/align]

      تعليق

      • د.مصطفى عطية جمعة
        عضو الملتقى
        • 19-05-2007
        • 301

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة د. جمال مرسي مشاهدة المشاركة
        بارك الله فيك أخي الحبيب الناقد المبدع د. مصطفى عطية جمعة
        لقد تجولت بنا في أعماق نص يستحق فعلا القراءة مرات و مرات
        و بخبرتك القيمة استطعت أن تفك لنا شيفرة هذا النص و ما أشكل عليّ فيه من معان و مفردات .
        رائع أنت حتى في تحليلك للشعر النبطي الذي أحببته من واقع سماعي له من أصدقائي الشعراء السعوديين الذين أعيش معهم هنا
        بارك الله فيك
        و القراءة الواعية هذه لا بد لها من للتثبيت
        مودتي
        و كل عام و أنتم بخير
        الشاعر الجميل / د. جمال مرسي
        سلام الله عليك
        شهر مبارك عليك وعلى أسرتك الكريمة وعلى جميع المسلمين
        شكرا لك هذه الإشادة
        وبصدق أعدها دافعا لي للولوج في عالم الشعر النبطي الذي أراه يحظى بكم كبير من الاهتمام الشعبي والتجاهل النقدي .
        تحياتي إليك وحبي
        د.مصطفى

        تعليق

        • د.مصطفى عطية جمعة
          عضو الملتقى
          • 19-05-2007
          • 301

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة أبو حميد المصري مشاهدة المشاركة
          أشكر الأستاذ الدكتور مصطغى عطية جمعة على ما تفضل به من دراسة نقدية توضيحية جميلة لأجمل ما قرأت من الشعر النبطي السعودي
          كما أشكره على التعريف بالشاعر محمد أحمد السديري رحمه الله فهو شاعر يعد مدرسة لحالها في الشعر النبطي السعودي
          تم التثبيت بناء على ملاحظة د. جمال مرسي و لأن الموضوع يستحق
          تحياتي
          الأخ الأديب المبدع / أبا حميد
          سلام الله عليك
          كل عام وأنت بخير
          مداخلتك سيدي رائعة ، وقيامك بتثبيت الدراسة أمر يشرفني ، وكم أنا سعيد بك وبرأيك وبجهودك الحثيثة .
          دمت بخير وإبداع
          د. مصطفى عطية

          تعليق

          • د. جمال مرسي
            شاعر و مؤسس قناديل الفكر و الأدب
            • 16-05-2007
            • 4938

            #6
            شكرا لأخي الحبيب د. أبو حميد للتثبيت الذي نسيته مع كثرة الانشغالات
            و بارك الله في د. مصطفى عطية جمعة
            و ننتظر إطلالة نقديى جديدة على الشعر النبطي
            فنحن بحاجة فعلا للاستزادة من مثل هذه الأطروحات
            بارك الله فيك و لك
            و كل عام و الجميع بخير
            sigpic

            تعليق

            يعمل...
            X